الدرس : 31 - سورة البقرة - تفسير الآيات 78 - 81 ، مفهوم الأمي وأهمية الفتوى - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 31 - سورة البقرة - تفسير الآيات 78 - 81 ، مفهوم الأمي وأهمية الفتوى


1999-03-12

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون مع الدرس الواحد والثلاثين من سورة البقرة.

الله عزَّ وجل جعل وعاء النبي نظيفاً فارغاً لئلا يختلط وحي السماء بثقافات الأرض:

 مع الآية الثامنة والسبعين، والحديث عن بني إسرائيل يجعلنا نأخذ الموعظة لأنهم أهل كتاب، وجميع المنزلقات التي وقعوا فيها يمكن أن نقع فيها نحن المسلمين، وبيَّنت لكم في دروسٍ سابقة كيف أن معظم الأمراض التي وقعوا فيها وقع فيها المسلمون، وهذا من أسلوب الحكيم، يقول الله عزَّ وجل :

﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ (78) ﴾

 الأميُّون جمع أُمِّيّ، والأمي المنسوب إلى الأم، أي هكذا ولدته أمه من دون أن يكتسب أي علم، إنسان ولدته أمه هكذا، لم يكتسب علماً، ولا ثقافةً، ولا خبرةً، بقي على فطرته التي ولِدَ عليها، لم يتلقَّ العلم، لكن في هذه الآية إشكال بسيط هو: أننا نفتخر أن نبيِّنا عليه الصلاة والسلام أمّي، وهذه حقيقةٌ لا بد من توضيحها، الأميَّة في رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كمالٌ مُطْلَق، لأن الله سيوحي إليه، كل إنسان طالب علم يفتخر بأستاذه، هذا يقول لك: أنا خريج الجامعة الفُلانيَّة، هذا يقول لك: أنا أستاذي فلان، فإذا تباهى أكبر علماء الأرض بأساتذتهم الكبار، فالذي علَّم النبيَّ عليه الصلاة والسلام هو الله:

﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى(5)ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى(6) ﴾

(سورة النجم)

 إذاً لو أن النبي عليه الصلاة والسلام تَلقَّى من ثقافة عصره ما تلقَّى، لو أنه اطلع على ثقافة الهند، وثقافة فارس، وثقافة الروم، وحَصَّلَ علوماً جَمَّة ثمَّ جاءه الوحي، كلَّما نطق بكلمةٍ يسأله أصحابه: يا رسول الله هذه من ثقافتك الشخصيَّة أم من وحي السماء ؟ جعل الله عزَّ وجل وعاء النبي نظيفاً فارغاً لئلا يختلط وحي السماء بثقافات الأرض.

 

الأميَّة في حقِّ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كمال لأن الله هو الذي تولَّى تعليمه:

 قال:

﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ(48)﴾

(سورة العنكبوت)

 إذاً الأمية كمال عند النبيُّ وحده، لأن الله هو الذي تولَّى تعليمه، هو الذي أوحى إليه، هو الذي ألقى عليه القرآن الكريم عن طريق جِبْريل، لأن الله عزَّ وجل أراد من هذا النبي أن يكون مشرِّعاً، وأن يكون قلبه مهبطاً لتجليَّات الله، وأن يكون قلبه وعاءً لعلم الله الذي جاءه عن طريق القرآن الكريم، فاقتضت حكمة الله جلَّ جلاله أن يكون نبيُّنا صلَّى الله عليه وسلَّم أُمِّياً، الأميَّة في حقِّه كمال، لأن الله هو الذي تولَّى تعليمه، هو الذي علَّمه، لئلا يختلط وحي السماء بثقافات الأرض، لئلا يُسأل كل مرَّةٍ: يا رسول الله أهذا من عندك أم من عند الله ؟ أهذا من ثقافتك ؟ أهذا من دراستك ؟ أهذا من تحصيلك ؟ أهذا من اطلاعك على ثقافات الأرض أم من وحي السماء ؟ لئلا يكون هذا جعل الله نبيَّه أميَّاً.
 أما نحن فليس هناك وحيٌ يعلِّمنا، فإذا كنَّا أميين أي جاهلين فالأميَّة فينا نقصٌ، والأميَّة في حقِّ النبي كمال، فلنستثنِ النبي عليه الصلاة والسلام لأن أميَّته تعني أن كل الذي ينطق به إن هو إلا وحيٌ يوحى:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4) ﴾

( سورة النجم )

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ أَشْيَاءَ أَفَأَكْتُبُهَا ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا ؟ قَالَ: نَعَمْ فَإِنِّي لا أَقُولُ فِيهِمَا إِلا حَقّاً ))

[أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه ]

 أما الأمي المنسوب إلى أمِّه، هكذا ولدته أمه من دون علم، لم يتعلَّم، لم يطلب العلم، لم يطَّلع على ثقافات العصر، لم يطلب العلم الشرعي، أمي أي غير متعلِّم.

الأمية بحق الإنسان العادي صفة نقص أما بحق النبي عليه الصلاة والسلام فهي كمال :

 إذاً الأمية بحق الإنسان العادي صفة نقص، أما بحق النبي عليه الصلاة والسلام هي كمال لأن الله علَّمه.
 يأتي إنسان الآن يحمل ليسانس في الشريعة، يتناول عدداً من أحاديث رسول الله يضبطها، ويشرحها، ويستنبط الأحكام منها، ويقدِّمها أطروحةً، فينال لقب دكتور، هذا الدكتور نال هذا اللقب لأنه فهم بعض أحاديث رسول الله:

يا أيها الأميُّ حسبك رتبةً في العلمِ أن دانت لك العلماء
***

 فالنبي عليه الصلاة والسلام موضوعٌ آخر، أما الأميَّة بحقِّ الناس صفة نقصٍ فيهم، أي أنه لم يتعلَّم، ما طلب العلم فهو جاهل لذلك قالوا: " العوام لأن يرتكبوا الكبائر أهون من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون ". و:

(( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ))

[ابن ماجة عن أنس بن مالك رضي الله عنه ]

 على كل شخصٍ مسلم ذكراً كان أو أنثى:

(( النَّاسُ عَالِمٌ وَمُتَعَلِّمٌ وَلا خَيْرَ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ ))

[الدارمي عن أبي الدرداء رضي الله عنه ]

((اغدُ عالماً، أو متعلماً، أو مستمعاً، أو محباً، ولا تكن الخامسة فتهلك))

[الجامع الصغير عن أبي بكرة رضي الله عنه ]

 " إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم " و " العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلَّك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً " و " يظلُّ المرء عالماً ما طلب العلم فإذا ظنَّ أنه قد عَلِمْ فقد جًهِل ".

 

فضل العالِم على العابد:

 أيها الأخوة، حينما يطلب الإنسان العلم تُلَبِّى الحاجة العُليا فيه، الإنسان له حاجات دُنيا ؛ يأكل ويتزوج ويثبت ذاته، هذه حاجاته الدنيا ؛ لكنَّ حاجته العُليا أن يطلب العلم ولا تؤكِّد أنك إنسان إلا بطلبك العلم.

(( فَقِيهٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ ))

[الترمذي عن ابن عبَّاس ]

 العابد مقاومته هشَّة، امرأةٌ تفتنه، دِرْهَمٌ يفتنه، تهديدٌ يفتنه، أما العالِم فهو لا يتأثَّر لا بسبائك الذهب اللامعة، ولا بسياط الجلاَّدين اللاذعة: " أحدٌ أحد "، فالعلم أساس.

﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ (78) ﴾

 أي أنهم غير متعلمين، يخلطون الحق بالباطل، والخير بالشر، والسُنَّة بالبدعة، ويتَّبعون الأهواء يقول لك: سحروني، يصحب السحرة، يصحب الدجَّالين، يصحب المخرِّفين، يدخل في ضلالات، في تُرّهات، هذا شأن الجاهل يعزو الأمور إلى غير الله عزَّ وجل، يقيم للناس مقاماً كبيراً وهم ليسوا كذلك لأنه جاهل.
 قال لي أحد الأخوة الدعاة: كنت أُلقي درساً أتحدَّث عن فساد الزمان، وعن الفتيات اللواتي يخرجن وحدهن بلا ضابط ولا رادع، وقد يأتين في ساعةٍ متأخِّرة، أين كانت هذه الفتاة ؟ قال: كانت مع الحبيب، قال لي: نصف الحاضرين ما فهموا ماذا قلت، فصلوا على الحبيب !! إمام يقرأ آية فيها كلمة (ولا الضالين)، قال الجميع: آمين، هذه آية، ولم ينتهِ، ليست هي نهاية الفاتحة بل هي آية أخرى فيها ( ولا الضالين ) فقالوا: آمين.

﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ (78) ﴾

 أحياناً يسمع الإنسان القرآن:

﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً (78) ﴾

(سورة الزمر: الآية "71 " )

 فيقول وهو غير منتبه: اللهم اجعلنا منهم.

 

لا نستحق أن نكون من بني البشر إلا إذا طلبنا العلم:

 قال تعالى:

﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ (78) ﴾

 أي يقول لك: نحن عبيد إحسان ولسنا عبيد امتحان، لا يسعنا إلا عفوه وكرمه، وكلما شاهد معاصيَ كبيرة يقول لك: كله ترتيب سيدك، كأن الله يأمر بهذه المعاصي، كلام ليس له معنى، وإذا رأى إنساناً وسع الله عليه يقول لك: الله يعطي الحلاوة لمن لا أسنان له، معنى هذا أن الله ليس بحكيم، كل كلامه فيه تجاوز، أحياناً كلامه فيه كفر وهو لا يشعر، فمشكلة الجاهل مشكلة كبيرة جداً.
 والله أيها الأخوة لا نستحق أن نكون من بني البشر إلا إذا طلبنا العلم، و طالب العلم إنسان كبير جداً عند الله، أنت حينما تأتي إلى بيتٍ من بيوت الله تطلب العلم، تسلك طريقاً ينتهي بك إلى الجنَّة:

(( مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَلْتَمِسُ بِهِ عِلْماً سَهَّلَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقاً مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضاً لِطَالِبِ الْعِلْمِ ))

[الدارمي عن أبي الدرداء رضي الله عنه ]

 قصَّتان ذكرتهما كثيراً ؛ أذكر قبل ثلاثين عاماً تقريباً أو خمسة وعشرين عاماً ؛ رأيت إنساناً يبكي في هذا المسجد، قلت له: خيراً إن شاء الله ؟ فقال لي: زوجتي تخونني، قلت له: مع من ؟ قال لي: مع رجل من جيراني. كيف تعرَّفت عليه ؟ قال لي: زارنا مرَّة فقلت في نفسي: إنها تجلس وحيده في البيت فقلت لها: يا أم فلان تعالي واجلسي معنا إنه كأخيكِ. جاهل، هذا هو الجهل، دفع الثمن باهظاً.
 إنسان ركبت معه امرأة فسألها: إلى أين تريدين الذهاب يا أختي ؟ فقالت له: خذني أينما تشاء، ظنَّ أنها مغنمٌ كبير، أُصيب بمرض الإيدز، وأخذ منها مبلغاً من الدولارات المزيَّفة ودخل به السجن. فالإنسان عندما يطلب العلم يصبح عنده حارس.
 يا بني العلم خيرٌ من المال، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق.

هناك قيم مرجِّحة بين الناس ولكن الله في القرآن الكريم جعل قيمة العِلم وحدها المرجِّحة:

 والله أيها الأخوة ـ بالمناسبة ـ هناك قيم مرجِّحة بين الناس، المال له قيمة كبيرة جداً عند الناس، والغني محترم، والقوي محترم، والوسيم محترم، والفصيح محترم، من له قدرة على إقناع الناس محترم، هذه كلها قيم مرجَّحة بين الناس، ولكن الله في القرآن الكريم جعل قيمة العِلم وحدها المرجِّحة، قال :

﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة الزمر )

 أين الثرى من الثُرَيَّا ؟ وجعل قيمة العمل قيمةً مرجِّحة، قال:

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

(سورة الأنعام: الآية " 132 " )

 وقال:

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾

( سورة المجادلة )

 هؤلاء الأنبياء العِظام الذين هم قِمَمُ البشريَّة، بِمَ نالوا هذا المقام ؟ بالعلم:

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً (14) ﴾

( سورة القصص )

 قد يعطي الله عزَّ وجل المُلك لمن لا يحب ويعطيه لمن يحب، أعطاه لسليمان الحكيم وأعطاه لفرعون، ولكن العلم والحكمة لا يعطيهما إلا لمن يحب:

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً (14) ﴾

( سورة القصص )

 يعطي المال لمن يحب أعطاه لسيدنا عثمان بن عفَّان، ولسيدنا عبد الرحمن بن عوف، ويعطي المال لمن لا يحب أعطاه لقارون، ولكن العلم والحكمة لا يعطيهما إلا لمن يحب.

 

العلم بالله والعلم بأمر الله علمٌ ممتعٌ نافعٌ مسعد في الدنيا والآخرة:

 أيها الأخوة، أدعوكم إلى طلب العلم، أدعوكم إلى الحِرْصِ عليه، أدعوكم إلى تلبية الحاجة العُليا في الإنسان، أدعوكم إلى تلبية ما يؤكِّد إنسانيَّتكم ألا وهو العلم، والعلم الذي أقصده أن تعرف الله وأن تعرف منهجه، لأنَّكَ إذا عرفت الله وعرفت منهجه وصلت إلى السلامة والسعادة.
 بالمناسبة: كل علمٍ ممتع، ولكن ما كل علمٍ ممتعٍ نافع، الآن العلم الممتع النافع قد لا يُسعد، قد تنال درجة عليا في اختصاص نادر ويأتيك من هذا الاختصاص ملايين، هذا علمٌ ممتعٌ نافع نفعك في الدنيا، وقد لا يكون مسعداً لك في الدنيا والآخرة، لكن العلم بالله، والعلم بمنهج الله، العلم بالله والعلم بأمر الله علمٌ ممتعٌ نافعٌ مسعد في الدنيا والآخرة. أنت حينما تأتي إلى بيتٍ من بيوت الله لطلب العلم، أنت بهذا تسلك طريقاً إلى الجنَّة، وحينما تطلب العلم تكون أثيراً عند الله عزَّ وجل، وحينما تطلب العلم تضع لك الملائكة أجنحتها.
 للإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى قصَّةٌ مثيرة، هي أن الذي جعله يطلب العلم أنه قرأ نصَّاً في الأحاديث، أنه:

(( من طلب العلم تكفل الله له برزقه ))

[الجامع الصغير عن زياد بن الحرث الصدائي ]

 أي يسَّر الله له سُبُلَ الدنيا، إنسان يطلب العلم، يطلب أن يعرف الله، يطلب أن يسعد في الدنيا والآخرة، ييسِّر الله جلَّ جلاله له سبل العلم في الدنيا وسبل السلامة والسعادة، أما الآية الكريمة :

﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ (78) ﴾

 أي أن بعضهم الآخر ليسوا أميُّين، بعضهم الآخر يعلمون الحقيقة ويعرفون النبيَّ كما يعرفون أبناءهم، الآن دخلنا في موضوع ثانٍ، أنت حينما تعلم قد يكون هذا العلم حُجَّةً عليك، العلم حُجَةٌ لك أو عليك، حينما تعلم ولا تعمل أصبح العلم حجَّةً عليك، وحينما تعلم وتعمل أصبح العلم حجَّةً لك:

وعالمٌ بعلمه لم يعملن معذَّبٌ من قبل عبَّاد الوثن
***

 " تعلَّموا ما شئتم فو الله لن تؤجروا حتَّى تعملوا بما علمتم " و " كل علمٍ وبالٌ على صاحبه ما لم يعمل به " و " العلم ما عُمِل به فإن لم يُعْمَل به كان الجهل أولى ".

 

العلم ما عُمِلَ به فإن لم يُعْمَل به كان الجهل أولى:

 أضع بين أيديكم هذه الحقيقة، لو أنك علمت علم اليقين أنك لو تعرَّضت لأشعَّة الشمس لشُفِيَ جسمك من مرضٍ جلدي، وأن هذا المرض لا يُعَالَج إلا بالتعرُّض لأشعَّة الشمس، لو أنك قبعت في غرفةٍ مظلمةٍ وأشعَّة الشمس ساطعةٌ خارج الغرفة، وقلت: أنا مؤمنٌ بأن الشمس ساطعة، أنت تكلَّمت الحقيقة ؛ ولكنك لم تنتفع بهذه الحقيقة لأنك لم تخرج لأشعَّة الشمس، ولا قيمة لإيمانك بهذه الحقيقة ولو أنك قلت الحقيقة، فأنت إذا أقررت أن الله خلق الكون ولم تأتمر بما أمر، ولم تنتهِ عما عنه نهى وزجر، ما قيمة هذا الإيمان ؟ أنت حينما تعتقد بما جاء في القرآن ولا تعمل به، ما قيمة هذا الاعتقاد ؟ سمَّاه بعض العلماء إيماناً إبليسياً، لأن إبليس قال:

﴿ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82) ﴾

(سورة ص)

 وقال له:

﴿ خَلَقْتَنِي ﴾

( سورة ص: الآية " 76 " )

 وقال له:

﴿ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾

( سورة الأعراف )

 آمن بالله خالقاً، وآمن به عزيزاً، وآمن باليوم الآخر، ولكنه لم يطع الله عزَّ وجل، فالعلم ما عُمِلَ به فإن لم يُعْمَل به كان الجهل أولى، وأخطر شيء ينزلق إليه المسلمون أن يعدّوا العلم هدفاً بذاته لأن العلم وسيلة وليس هدفاً، الهدف أن تعمل به، الهدف أن ترتقي به إلى الله عزَّ وجل .

 

إنكار بعض اليهود على النبي رسالته حفاظاً على مكاسبهم الدنيوية:

 بعض هؤلاء اليهود يعلمون أن النبيَّ رسول الله، يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ولكن حفاظهم على مكاسبهم، وحفاظهم على رئاستهم لأتباعهم، وحفاظهم على شهواتهم، وعلى هذه المكاسب الكثيرة التي حَصَّلوها بمكانتهم الدينيَّة جعلتهم يركبون رؤوسهم، وينكرون على النبي رسالته.

﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ (78) ﴾

 بعضهم الآخر ليسوا أميُّين، البعض الآخر إن عملوا بما علموا نجوا كعبد الله بن سلام، جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأعلن إسلامه وكان يبكي خُشوعاً من خشية الله، فالذين يعلمون الحقيقة إن استجابوا لها نجوا، وسلموا، وسعدوا، وإن لم يستجيبوا لها كان علمهم حجَّةً عليهم، أما الخط العريض في المجتمع أميُّون، قال سيدنا علي: " يا كُميل الناس ثلاثة ؛ عالمٌ ربَّاني، ومُتَعَلِّمٌ على سبيل نجاة، وهمجٌ رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركنٍ وثيق، فاحذر يا كميل أن تكون منهم ".
 فاليهود منهم أميون، ومنهم غير أميّين، وهؤلاء غير الأميين منهم من استجاب لعلمه فسلم وسعد، ومنهم من حافظ على مكاسب الدنيا فشقي في الدنيا والآخرة. لذلك قالوا: هناك من يُفْتِي بعلمٍ، وهناك من يفتي بغير علمٍ، وهناك من يفتي بخلاف ما يعلم، فالذي يفتي بعلمٍ نجا، والذي يفتي بغير علمٍ هَلَكَ، ولكن الذي يفتي بخلاف ما يعلم أجرم، يعرف الحقيقة ويفتي بخلافها، فهؤلاء الذين ليسوا أميين حافظوا على مكاسبهم، فركبوا رأسهم، وأنكروا نبوَّة النبي عليه الصلاة والسلام.

الاختلاف بين الناس له ثلاثة أنواع:

 بالمناسبة أيها الأخوة الاختلاف بين الناس له ثلاثة أنواع:

 

1ـ الاختلاف الأول بسبب نقص المعلومات وهو اختلافٌ طبيعي لا يُمْدَح ولا يُذَم:

 هناك نوعٌ طبيعيٌ جداً لا يُمْدَح ولا يُذَم، طبيعي، هو الاختلاف بسبب نقص المعلومات:

 

﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ﴾

(سورة يونس: الآية " 19 " )

 هذا اختلافٌ طبيعي لا يُمْدَح ولا يُذَم.

 

2ـ الاختلاف الثاني هو خلافٌ دنيويٌّ قذر يُذَم لأن أساسه المكاسب والمنازعات:

 لكن هناك اختلافاً قذراً، وهو بعد أن أتى العلم، وبعد أن جاء اليقين، وبعد أن توضَّحت الأمور نختلف لنحافظ على مكاسبنا:

 

﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ﴾

(سورة يونس: الآية " 19 " )

 لكن هناك اختلافاً آخر :

﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾

(سورة البقرة: الآية " 213 " )

 حينما نختلف على مكاسب، حينما نختلف على الدنيا، حينما نختلف على مناصب، حينما نختلف على زعامات بعد أن توضَّحت الأمور هذا خلافٌ دنيويٌّ قذر، وهناك خلاف محمود، الأول لا يُمْدَح ولا يُذَم، طبيعي، والثاني يُذَم لأن أساسه المكاسب، والمنازعات، والمال، والجاه.

 

3ـ الاختلاف الثالث هو اختلافٌ في التنافس وهو خلاف يُمدَح:

 أما الخلاف الذي يُمْدَح هو اختلافٌ في التنافس، أي أن هذا رأى أن الذي يرضي الله أن تدعو إلى الله، وهذا رأى أن تؤلِّف الكتب، وهذا رأى أن تبني المساجد، وهذا رأى أن تُتْقِنَ العلوم، وهذا رأى أن تترك آثاراً دعويَّةً وما إلى ذلك:

 

﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ﴾

(سورة البقرة: الآية " 213 " )

 إذاً هناك اختلاف ثالث وهو اختلاف تنافس، قال الله عزَّ وجل :

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26) ﴾

(سورة المطففين)

 وقال:

﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ(61) ﴾

(سورة الصافات)

الذي يفتي بخلاف ما يعلم يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل:

 الآن هؤلاء الذين يلعبون بدين الله، هؤلاء الذين يُحِلُّون الحرام ويحرِّمون الحلال، هؤلاء الذين يتكلَّمون بما لا يعلمون، يفتون بما لا يعلمون، هؤلاء يقول الله عنهم :

﴿ فَوَيْلٌ (79) ﴾

 الهلاك والشقاء:

﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) ﴾

 أحياناً تقوم مصلحة الإنسان على أن يبتدع في الدين ابتداعاً ما أنزل الله به من سلطان، يبتدع في الدين ليُحصّل المكاسب الدنيويَّة، هؤلاء الذين يبتدعون مذاهب ليس لها أصل في الدين، يبتدعون فتاوى ليس لها أصل في الدين، يُحِلُّون بعض ما حرَّمه الله عزَّ وجل، مثلاً هذه ليست فوائد إنها عوائد، فتوى تصدرها جهة معتمدة في الفتوى تبيِّن أن أكل مال الربا حلال، هؤلاء الذين يعلمون الحقيقة ويفتون بخلاف ما يعلمون، طبعاً موجودون عند اليهود، وموجودون عند كل دينٍ:

﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً (79) ﴾

 أي نحاول أن نُسَهِّل للناس أمور حياتهم لمكاسب دنيوية فنصدر فتوى، هذه مسموح بها، وهذه مسموح بها، وهذه مسموح بها، لم يبق شيء من الدين. هذا الكيان المتماسك، هذه القلعة الصامدة أصبحت رملاً، تلاً من الرمل، فانتهى الدين، فأخطر شيء هذا الذي يفتي بغير علم، أو الذي يفتي بخلاف ما يعلم من أجل الدنيا، من أجل مكاسب دنيويَّة، هذا الإنسان الذي يبيعُ دينه بدُنياه، يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل، بعرضٍ لا يقدِّم ولا يؤخَّر.

 

العلماء الصادقون أمناءٌ على الفتوى ولا يفتون إلا بما يُرضي الله ورسوله:

 كلمة ينبغي أن نعلمها جميعاً وهي: أن الإنسان لا يليق به أن يكون لغير الله، لا يليق به ولا يُفْلِحُ إذا كان لغير الله، أي أن وقتك، وعلمك، ولسانك، وعضلاتك، وإمكاناتك، وحبَّك، وولاءك لله وحده، أما لغير الله ؟! هذا الذي تعبده من دون الله لا يملك لك نفعاً ولا ضراً ؛ بل لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضَرَّاً، لا يملك، أخطر شيء في الحياة الدينيَّة الشرك، طبعاً:

 

((إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَقُولُ يَعْبُدُونَ شَمْساً وَلا قَمَراً وَلا وَثَناً وَلَكِنْ أَعْمَالاً لِغَيْرِ اللَّهِ وَشَهْوَةً خَفِيَّةً ))

[ابن ماجة عن شِداد بن أوس رضي الله عنه ]

 قال تعالى:

﴿ فَوَيْلٌ (79) ﴾

 الله عزَّ وجل يتوعَّد، من هو المؤمن ؟ هو الأمين على فتوى النبي عليه الصلاة والسلام.
 الإمام أبو حنيفة أفتى فتوى فدخل السجن من أجلها ومات في السجن كما يروى، العلماء الصادقون هؤلاء أمناءٌ على الفتوى، لا يفتون إلا بما يُرضي الله عزَّ وجل ورسوله، فالآية تشير إلى إنسان استخدم الدين مَطِيَّةً للدنيا، جعل الدين في الوَحْل، جعله مطيَّةً لدنياه. فأنت اطلب الدنيا من مظانها، تريد الدنيا ابحث عن مظانها ؛ في التجارة وفي الكسب المشروع وفي أي شيء آخر، أما أن تبحث عن الدنيا من خلال الدين فهذا والله عملٌ شنيع:

﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً (79) ﴾

الابتعاد عن المتاجرة بالدين:

 الشيء المُلاحظ هو أنه كلَّما اشتدَّ ضغط الناس على بعض العلماء، هؤلاء العلماء بدل أن يرفعوا الناس إلى مستوى الشرع يهبطون بالدين إلى مستوى الناس، لدرجة أن إنساناً كان يدير مسبحاً مختلطاً أقام ذات مرة فيه مولداً، ودعا أناساً تكلَّموا، وأثنَوا، ومدحوا، هذا ماذا يفعل ؟ هذا يرتكب أكبر معصية، يدير مسبحاً مختلطاً نساءً ورجالاً شبه عرايا يسبحون مع بعضهم بعضاً، ومع ذلك يقيم احتفالاً بعيد المولد في المسبح نفسه، ويدعو من يتكلَّم ويثني عليه، هؤلاء الذين يمتهنون الدين، فالمشكلة أنه بدل أن نرتفع بالناس إلى مستوى الشريعة أصبحنا نهبط بالدين إلى مستوى الناس، فهذه مشروعة، وهذه فيها فتوى، وهذه فيها رأي ضعيف يُجيزها، وهذه بلوى عامَّة فماذا نفعل ؟ بعد حين صار الغناء، والموسيقى، والتمثيل، كل هذا مسموح، والاختلاط، وأكل المال الحرام، والربا، والفوائد، لم يبق شيء، حتى الصحون صارت مسموحة، مشكلة كبيرة جداً، ليست صحون المائدة ولكن صحون الأسطح، قال:

﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً (79) ﴾

 أيها الأخوة الكرام، كل إنسانٍ يلعب بدين الله يتوَعَّده الله عزَّ وجل بالهلاك، فإيَّاك أن تقترب من دين الله، دعه في السماء، دعه في عليائه، دعه في صفائه، دعه في نقائه، لا تستخدمه وسيلةً لمكاسب دنيويَّة، لا تشترِ به ثمناً قليلاً، لا تتاجر بالدين، لا تتخذ الدين مَطِيَّةً للدنيا، هذا فساد كبير جداً عند الله عزَّ وجل، فيجب أن تعلم من هو الطرف الآخر ؟!!

 

ذكر الله عزَّ وجل المعاصي بتسلسل تصاعدي:

 قال تعالى:

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ(4)﴾

(سورة التحريم)

 أنت حينما تلعب بدين الله، أنت حينما تؤوِّل النصوص، تلوي عنق النصوص لمصلحتك، لمغانمك، لمكاسبك، أنت تشوِّه الحقيقة، بالمناسبة ذكر الله عزَّ وجل المعاصي بتسلسل تصاعدي، فذكر الفحشاء والمنكر، والإثم والعدوان، وذكر الشرك، وذكر الكفر، وجعل في قمَّة هذه المعاصي:

﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ(33﴾

(سورة الأعراف)

 الإمام الشافعي رحمه الله تعالى له كلمة مُخيفة، قال: " لأن أرتزق بالرقص أفضل من أن أرتزق بالدين ".
 لا ترتزق بالدين، دع الدين في عليائه، لا تشتر بالدين ثمناً قليلاً، لا تحقِّق مكاسب الدنيا من خلال الدين، عندئذٍ تُلوي عنق النصوص وتعطي فتاوى غير صحيحة، وتعطي للناس تسهيلات هم في ذِمَّتك وفي رقبتك يوم القيامة، والفتوى جسرٌ إلى النار.
 حدَّثني عالِم جليل في دمشق فقال لي: من غرائب الصُدَف أنني كنت في بلدٍ عربي، وفي حضرة عالِمٍ جليل احتلَّ منصباً رفيعاً جداً، وكان على فراش الموت، ولفظ أنفاسه أمامي، قُبَيْلَ أن يوَدِّعَ الحياة رفع يديه الاثنتين إلى السماء وقال: " يا رب إني بريء من كل فتوى أفتيتها في حياتي عن المصارف " ، عرف الحقيقة عند فراش الموت.

 

الذي يتاجر بالدين يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل:

 أيها الأخوة الكرام، استفتِ قلبك وإن أفتاك المفتون وأفتوك. فأنت حينما تخرج من بيتك تريد أن تبيع بيتك لو رأيت أمامك دلالاً وقال لك: ثمنه ثلاثة ملايين، هل تبيعه على الفور ؟ تسأل دلالاً ثانياً وثالثاً ورابعاً وخامساً، أما إذا كانت فتوى وراقت لك لا تسأل أحداً آخر، يوجد معي فتوى قرأتها في مجلَّة !! لماذا في أمور الدين تكتفي بفتوى واحدة، بعالِم واحد، بمقالة في مجلة وانتهى الأمر ؟ معك فتوى ومرتاح ولكنك لا تنجو من عذاب الله، أنت في أمر دنياك تعذِّب الخبراء، تسأل فلاناً وفلاناً، لماذا في أمر دينك لا تسأل ؟ لماذا تكتفي بفتوى واحدة ؟ إن كنت حريصاً على دينك ينبغي أن تسأل عِدَّة مصادر.
 ثم إن الإنسان حينما يسأل ويأتيه الجواب إذا كان جاهلاً، إذا كان أمياً قال: مقبول منه، لأن الأمي مذهبه مذهب من يسأله، تروى كلمة عن الشيخ بدر الدين رحمه الله تعالى ـ وقد كان من أكبر علماء الشام، طبعاً من باب التواضع ـ سألوه: يا سيدي ما مذهبك ؟ قال: " العوام ليس لهم مذهب "، العامَّي مذهبه مذهب شيخه، أما طالب العلم فعليه أن يقرأ الأدلَّة، هذا دليل، وهذا دليل، حينما تطلب العلم لا تُعفى من البحث عن الدليل، وحينما تأتي بالدليل والتعليل تكون طالب علمٍ شرعي، فلماذا تسأل في أمور الدنيا، وتعدِّد، وتبحث، وتناقش كي تصل إلى الحقيقة ؟ ولماذا تكتفي في أمر الدين بفتوى واحدة ؟
 لذلك هذه الآية مخيفة بمعنى أن الذي يَتَّجِرُ بالدين، يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل، أو الذي يُقَرِّب الدين من الأقوياء والأغنياء، يقربهم منه عن طريق فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، هذا ماذا يفعل ؟ يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل، الباخرة أحياناً تبتلع من ماء البحر قليلاً فيبلعها كلَّها، إن اتَّجَرْتَ بالدين أهلكت نفسك كلَّها، إن ابتلعت شيئاً من ماء البحر أخذك البحر كلَّك، الآية دقيقة :

 

﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) ﴾

 الافتراء، لَيّ عُنُق النصوص، المعاصي الشائعة، تجعلها من الدين ؟! تجعل الدين يغطي كل الانحرافات، هناك كتب أُلِفَت فيها افتراءٌ على الله عزَّ وجل، تجعل السلوك الإباحي مُغَطَّىً بالقرآن، قال: هذه قراءة معاصرة ، يكتبون الكتاب بأيديهم:

 

﴿ فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) ﴾

عندما ينحرف الإنسان يحتاج إلى تنقيته من عقائد زائغة وهذا الذي فعله اليهود:

 ليست الأرباح التي يجنيها من يزوِّر الدين، من يشوِّه معالم الدين، من يُمَيِّع الدين، من يُسَيِّحَ الدين، من يجعله غازاً ليكون صالحاً في كل مكان، احتفال مختلط، غير مختلط، مع الغناء والرقص والتمثيل، والربا، وأكل المال الحرام، والصحون، يقول لك: كل هذا من الدين، كل هذه الصحون لكي يرى الناس الكعبة، لا أعرف إذا كان هذا الشيء صحيحاً وليس ذلك ربحاً ؟! قال:

 

﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) ﴾

 الويل أي الهلاك لهم، عندما ينحرف الإنسان الآن يختلَّ توازنه و لذا يحاول أن يستعيد توازنه بعقيدة فاسدة، فلو كان إنسان يأكل المال الحرام تجده متمسِّكاً بشفاعة النبي تجده يقول لك: النبي قال:

(( شَفَاعَتِي لأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي ))

[الترمذي عن أنس رضي الله عنه ]

 هو مرتاح تماماً، فهذه الكبائر التي يفعلها في النهاية سيشفع له النبي، طبعاً هذا الفهم ساذج، الشفاعة حق وموجودة ؛ ولكن النبي يشفع لمن مات مخلصاً غير مشرك، فإذا مات الإنسان وهو غير مشرك يكون مات وقد حصَّل أعلى شهادة، على كلٍ هذا الذي ينحرف، سلوكه يتعلَّق بعقيدة زائغة، ما دام انحرف يحتاج إلى مفهوم الشفاعة، ومفهوم ـ لا تدقِّق الله لا يدقِّق ـ عندما ينحرف الإنسان يحتاج إلى تنقيته من عقائد زائغة وهذا الذي فعله اليهود بعدما انحرفوا، وأكلوا المال الحرام، وأفسدوا أهل الأرض، وتاجروا بالدين، وغيَّروا، وبدَّلوا، وحرفوا، وزوَّروا، قالوا إنهم شعب الله المختار:

﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً (80) ﴾

إن لم نأمر بالمعروف وننهَ عن المُنكر ونؤمن بالله الإيمان المُنَجِّي نصبح أمَّة كبقيَّة الأمم:

 الآن بعض المسلمين يرتكب الكبائر ويقول لك: أمِّة محمَّد مرحومة، من قال لك ذلك ؟ الله عزَّ وجل حينما قال:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾

 علَّة هذه الخيريَّة:

 

﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾

(سورة آل عمران: آية " 110 " )

 فإن لم نأمر بالمعروف، ولم ننهَ عن المُنكر، ولم نؤمن بالله الإيمان المُنَجِّي، أين خيريَّتنا ؟ انتهت خيريَّتنا، نحن أمَّةٌ كبقيَّة الأمم:

 

﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ (18) ﴾

( سورة المائدة)

 دقِّقوا:

 

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ (18) ﴾

( سورة المائدة)

إذا كنَّا جنوداً لله فلن نُغلَب أما إذا غُلِبْنَا فيجب أن نراجع أنفسنا وندقِّق في جنديَّتنا لله:

 عندما يقول المسلمون: نحن مسلمون، نحن أتباع النبي، نحن أتباع سيِّد الخَلق، الجواب: قل فلمَ يعذِّبنا الله بذنوبنا ؟

 

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾

( سورة مريم )

 لذلك قال العلماء: أمَّة محمَّد أمَّتان ؛ أمَّة التبليغ، وأمَّة التشريف، حينما تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله الإيمان المُنَجِّي أصبحت أمَّة التشريف، الأمَّة الخَيِّرَة

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾

 حينما تفعلون كذا وكذا، أما إن لم نفعل فنحن كبقيَّة الأمم، لا شأن لنا عند الله عزَّ وجل، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:

(( لن تُغْلَب أمَّتي من اثني عشرَ ألفاً من قلة ))

[ الجامع الصغير ]

 لن يُغْلبوا في الأرض، وقال تعالى:

﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾

( سورة الصافات )

 إن زوال الكون أهون على الله من أن نُغْلَب إذا كنَّا جنوداً لله، أما إذا غُلِبْنَا فيجب أن نراجع أنفسنا وندقِّق في جنديَّتنا لله.

 

أدلة من القرآن الكريم عن نصر الله تعالى لجنوده:

 قال تعالى :

 

﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

(سورة غافر: آية " 51 " )

 في الدنيا:

﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141)﴾

(سورة النساء)

 مستحيل:

 

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) ﴾

( سورة محمد )

 وقال:

 

﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ(126) ﴾

(سورة آل عمران )

 الأمر بيدِ الله، فلمَّا انحرفوا اختلَّ توازنهم، يحاولون الآن أن يستعيدوا هذا التوازن بعقيدة زائغة، كما هي الحال عند المسلمين، عندما انحرفوا قالوا لك: نحن أمة محمد مرحومة، نحن لنا الشفاعة عند رسول الله، هو مرتاح، تصوَّر طالباً كسولاً لم يدرس أبداً، طبعاً عندما لم يدرس أصبحت عنده مشكلة، فجاء طالب آخر وقال له: هذا الأستاذ يعطي أسئلة قبل الامتحان بأسبوع، فارتاح ارتياحاً تاماً وقضى العام الدراسي كله في اللعب، ذهب للأستاذ وطلب الأسئلة، فعاقبه الأستاذ و قال له: لا يوجد أسئلة، اذهب وادرس.
 إنسان له دعوى عند قاضٍ والحكم خطير جداً، قال له شخص: القاضي يقبل الرشوة، فهكذا ظن وتوهَّم وهماً فارتاح، فلمَّا جاء ليدفع للقاضي زجره وطرده وحكم عليه، فهذه مفاجأة كبيرة.

أدلة أخرى من القرآن الكريم عن رحمة الله تعالى ومغفرته لمن تاب واستغفر:

 دقِّق في قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ(5) ﴾

(سورة فاطر)

 يقول لك الشيطان: الله غفور رحيم، اسمع هذه الآية :

﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(49)وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ(50) ﴾

(سورة الحجر)

 وقال:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

( سورة الزمر: الآية " 53 " )

 يقول :

﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ(54) ﴾

(سورة الزمر)

دائماً هناك تخويف مع الرجاء فعلى الإنسان أن يكون راجياً لله خائفاً منه في وقتٍ واحد:

 فدائماً هناك تخويف مع الرجاء، المفروض أن يكون الإنسان راجياً لله خائفاً منه في وقتٍ واحد:

(( يا عباس عم رسول الله، يا فاطمة بنت محمد، أنقذا نفسيكما من النار، أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

(( لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

(( من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

 قال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ ﴾

(سورة الزمر)

 أي يا محمَّد:

﴿ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ(19) ﴾

(سورة الزمر)

 يقول:

(( أَصْحَابِي، أَصْحَابِي، فَقِيلَ: إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، قَالَ: فَأَقُولُ: بُعْداً، بُعْداً، أَوْ قَالَ: سُحْقاً، سُحْقاً لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي ))

[ مسند أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ]

الحقيقةُ المُرَّة أفضل ألف مرَّة من الوهم المريح:

 مرَّة ثانية أيها الأخوة ـ وهذه نصيحة لوجه الله ـ الحقيقةُ المُرَّة أفضل ألف مرَّة من الوهم المريح، لا تعش بوهم مريح، لو معك شيك بمئة ألف دولار مزوَّر، إذا كنت لا تعرف أنه مزوَّر فأنت مرتاح تماماً لأنك تملك مبلغاً ضخماً، ثروة ضخمة، أما لو اكتشفت أنه مزوَّر، ومزَّقته، وعملت عملاً شريفاً، لكنت في حال غير هذا الحال، الحقيقة المرَّة ولو أنها مرَّة أفضل ألف مرَّة من الوهم المُريح، مسلمون كُثُر يعيشون في أوهام، في وهم أنه ليس لنا علاقة، هكذا كتب الله علينا:

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾

(سورة الأنعام: الآية " 148 " )

 هذا قضاء وقدر يا أخي هذا الإنسان لا يريد الله له الهداية، أعوذ بالله من هذا الكلام، الله لا يريد له أن يهتدي ، الله ما هداه، خلقه كافراً ماذا يفعل بنفسه ؟ مرتاح، ما وجدت واحداً متألِّقاً بالدين يقول: الله كتب عليه أن يكون مؤمناً، فقط إذا عصاه، بالمعاصي والفجور والآثام يقول لك: الله كتب عليَّ هذا، فلماذا عندما تكون مستقيماً ولك عمل طيِّب لا تقول: كتب الله عليَّ هذا ؟ ولكن تقول: والله انتبهت لحالي، تبت وصحوت ؟ لماذا تعزو الإيجابيات لنفسك والسلبيات تعزوها إلى الله عزَّ وجل ؟ هذا عمل غير منطقي.
 المرض الذي وقع فيه اليهود وقعنا به:

﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) ﴾

 لكن:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه(7)﴾

(سورة الزلزلة)

 ماذا نفعل بهذه الآية ؟ ماذا نفعل بها ؟ الجواب الإلهي :

 

﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)﴾

 هذا هو الجواب الإلهي.

 

 

الله عزَّ وجل لا يغفر إلا من بعد التوبة والإيمان والعمل الصالح:

 قال:

﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً (81)﴾

 باختياره فعل سيئةً، لم يندم، ولم يَتُب، ولم يستغفر، ولم يصحِّح، بالمناسبة: أعتقد أن خمس أو أربع آيات في القرآن فيما أذكر:

﴿ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(153)﴾

(سورة الأعراف)

 افتحوا في القرآن على كلمة

﴿ مِنْ بَعْدِهَا﴾

 تجد أن الله عزَّ وجل لا يغفر إلا من بعد التوبة والإيمان والعمل الصالح:

﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153) ﴾

(سورة الأعراف)

الله عزَّ وجل عَدْلٌ واسم العدل سيتحقَّق مطلقاً بإطلاقٍ تام يوم القيامة :

 قال تعالى:

﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ (81)﴾

 أي لم يتب منها

﴿أحاطت به﴾

﴿ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)﴾

 هذا كلام خالق الكون، الله عزَّ وجل عَدْلٌ، واسم العدل سيتحقَّق مطلقاً بإطلاقٍ تام يوم القيامة:

﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ(47) ﴾

(سورة الأنبياء)

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018