الدرس : 5 - سورة الحجر - تفسير الآيات 24 – 44 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 5 - سورة الحجر - تفسير الآيات 24 – 44


1986-12-12

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الخامس من سورة الحجر، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ(23)وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾

وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ

 للمفسرين في هذه الآية ثمانية اتجاهات :

 

المعنى الأول : المخلوقون وغير المخلوقين :

 أن الله سبحانه وتعالى علم الذين خلقوا من قبل، ويعلم الذين لم يخلقوا بعد، كما قال الإمام علي كرم الله وجهه: << علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون >> .
 والله سبحانه وتعالى من أسمائه العليم، كل ولد حتى هذه اللحظة يعلمه الله عز وجل، والذين لم يخلقوا بعد يعلمهم أيضاً .

 

﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾

المعنى الثاني : الأموات والأحياء :

 أن الله سبحانه وتعالى علم الأموات، وهم المستقدمون، وعلم الأحياء وهم المستأخرون، هذا الاتجاه الثاني .

 

المعنى الثالث : المتقدمون من الأمم والمستأخرون :

 علم الله سبحانه وتعالى من تقدم من الأمم عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ويعلم من يتأخر عن هذه الأمة من الأمم، وأنه يأتي بعد أمة هذا النبي أمم وشعوب وحضارات، وحروب وفتن، ودنيا مبهرجة وصراعات، ومصائب، هذا الذي سيكون يعلمه الله سبحانه وتعالى .

 

 

المعنى الرابع : المستقدمون في الطاعة والمستأخرون عنها:

 الله سبحانه وتعالى يعلم المستقدمين في الطاعات والخيرات، فلان تقدم إلى الطاعة والخير، وفلان تأخر عن الطاعة، وتأخر عن الخير، فوقع في المعصية والضرّ والأذى، التقدم إلى الطاعة و الخير يعلمه الله، والتأخر عن الطاعة إلى المعصية وعن الخير إلى الشر يعلمه الله سبحانه وتعالى، وهذا هو المعنى الرابع .

 

 

المعنى الخامس : المتقدمون في الجهاد في سبيل اللهوالمستأخرون ::

 وأما في صفوف الحرب فالله سبحانه وتعالى يعلم المتقدمين الذين يضعون أرواحهم على أكفهم، ولا يهابون الموت، والذين يبيعون أنفسهم في سبيل الله، ولقد علمنا المستقدمين منكم في الحرب، ولقد علمنا المستأخرين الذين يخشون الموت .
 هذا الصحابي الجليل سيدنا عبد الله بن رواحة حينما جاء دوره في قيادة الجيش، يعني صاحباه قتلا فلما جاء دوره يبدو أنه تهيب، فتردد ثلاثين ثانية، فقال :

 

يا نفس إلا تقتلي تموتي  هذا حمام الموت قد صليت
إن تفعلي فعلهما رضيت  وإن توليت فقد شقيـــت
***

 فركب فرسه، وقاد الجيش، وحمل الراية، وقاتل بها حتى قتل .

 

﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾

 قال عليه الصلاة والسلام وهو في المدينة :

(( أخذ الراية أخوكم زيد فقاتل بها حتى قتل، وإني لأرى مقامه في الجنة، ثم أخذ الراية أخوكم جعفر، فقاتل بها حتى قتل، وإني لأرى مقامه في الجنة، ثم سكت النبي عليه الصلاة السلام، فقلق أصحابه على أخيهم عبد الله بن رواحة، فقالوا : يا رسول الله : ما فعل عبد الله ؟ قال : ثم أخذ الراية أخوكم عبد الله، فقاتل بها حتى قتل، وإني لأرى في مقامه ازورارا عن صاحبيه ))

 يعني هبط مقامه درجة بهذا التردد .

[ القصة بلفظها وتمامها في السيرة النبوية لابن هشام ]

﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾

 أحياناً يعرض عليك عمل صالح تقول: دعني أفكر، وتتردد، وأحياناً يعرض على آخر عمل صالح، فيبادر دون تردد .

 

﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾

 فمن معاني هذه الآية : المستقدمين في الطاعة والخير، والمستأخرين عن الطاعة إلى المعصية، وعن الخير إلى الشر، ولقد علمنا المستقدمين في صفوف الحرب، والمستأخرين المتقاعسين عن لقاء العدو .

 

 

المعنى السادس : المستقدمون في الصلاةوالمستأخرون عنها :

 والمعنى السادس : ولقد علمنا المستقدمين في الصلاة، هذا الذي يلبي نداء المؤذن، ويصلي الصلاة في أول الوقت، أو هذا الذي يصلي في أول صف، أو هذا الذي يصلي قرب الإمام، فمن أدرك الصلاة في أول الوقت، وفي الصف الأول، وقرب الإمام فقد حاز ثلاث فضائل : فضيلة تلبية النداء، والصلاة في أول الوقت، وفضيلة الصلاة في الصف الأول، وفضيلة الدنو من الإمام .

﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾

المعنى السابع : أول الخلق وآخرهم :

 والمعنى الأخير: أن المستقدمين هم أول الخلق، والمستأخرين هم آخر الخلق، كما قال الإمام علي كرم الله وجهه: << القرآن حمال أوجه >>، القرآن ذو وجوه .
 لكن مرة قال لي أحدهم: لم لا تذكر لنا بعضاً من أسباب النزول؟
 أنا أتمنى أن أقدم لكم أجمل ما في الكتب، وأوجه ما في الكتب، لكن سبباً من أسباب النزول إن لم يصح سنده، ولم تثبت روايته، ربما أفسد المعنى، فإني لا أذكره، فمثلاً جاء في أسباب نزول هذه الآية أنه كانت امرأة تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي امرأة حسناء من أحسن الناس وجهاً، تصلي خلف رسول الله، وخلف صفوف الرجال، فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها، ويتأخر بعضهم حتى يكون في صف الرجال المتأخر، حتى إذا ركع نظر من تحت إبطه، فأنزل الله عز وجل :

﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾

 هذا شيء لا يصح في حق أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، هؤلاء العلماء الحكماء الذين كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء، مع أن الفقهاء اتفقوا جميعاً على أن المرأة إذا حاذت الرجل فسدت الصلاة، ولتكن الزوجة، أو لتكن الأخت، فكيف تصلي هذه المرأة الحسناء التي هي من أحسن الناس وجهاً خلف رسول الله بين الصحابة، وصحابي يتقدمها لئلا يراها، وصحابي يتأخر بنية أنه إذا ركع نظر إليها من تحت إبطه، هذا لا يليق بأصحاب رسول الله، ولعل هذه الرواية لا تصح، أو لم تثبت من حيث السند، أو أنها قد دست في هذا الكتاب، على كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضوان الله عليهم كانوا علماء حكماء، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء، كانوا ورعين .

 

﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾

أفضل أوقات الصلاة أول الوقت :

 شيء آخر، تدل هذه الآية على أن أفضل وقت الصلاة أن تصلى في أول الوقت، وقد قرأت حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه من أخر الصلاة عن وقتها أذهب الله البركة من عمره، فإن كنت غير مشغول فالأولى أن تصلي الصلاة في أول الوقت، أن تلبي نداء المؤذن، يقول لك: حي على الصلاة، حي على الفلاح، أي: أقبل، حي اسم فعل أمر، معناه أقبل، يعني أيها الإنسان أقبل على الصلاة، أقبل على الفلاح، الله سبحانه وتعالى يدعوك كي تقف بين يديه لتتصل به، وتقبل عليه .
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ))

[ متفق عليه ]

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثَلَاثًا، وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الْأَسْوَاقِ ))

[ مسلم ]

 هؤلاء الذين يجلسون في الصف الأول يجب أن يكونوا من النخبة، ومن صفوة القوم، لأن هذا المكان القريب له أهله، من هنا يروى أن سيدنا عمر رضي الله عنه كان يقول لفلان: تقدم، ولفلان تأخر .

﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ(24)وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾

وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ

لابد من المحشر :

 وبعد؛ فلا بدّ من المحشر كما أخبر الله سبحانه وتعالى، فلو أن الإنسان مات غرقاً، أو مات حرقاً، أو مات في الجو، يقال مثلاً: الطائرة سقطت، وقد مات جميع ركابها، يعني احترقوا في الجو، إن الإنسان كيفما تكون ميتته فلا بدّ أن يحشره الله سبحانه وتعالى، قال تعالى:

﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾

لا تأمن الموت في طرف ولا نفس  وإن تمنعت بالحجاب والحـــرس
فما تزال سهام الموت نــــافذة  في جنب مدرع منها و محتــرس
أراك لست بوقاف ولا حــــذر  كالحاطب الخابط الأعواد في الغلس
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكــها  إن السفينة لا تجري على اليــبس
***

﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾

 عملك مسجل صورة وصوتاً، وبالألوان الطبيعية، وسوف يعرض عليك يوم القيامة، فإن كان هذا العمل كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك، والقبر صندوق العمل، اعمل ما شئت فإنك مجزي به، من هو الفائز ؟ الذي له عمل يرضي الله عز وجل، من هو الشقي ؟ الذي له عمل يسخط الله سبحانه وتعالى، ولأن يسقط الإنسان من السماء فتنكسر أضلاعه أهون من أن يسقط من عين الله .

﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ ﴾

مدلول كلمة الرب :

 كلمة ( رب )الذي أمدك بالحياة، الذي أمدك بكل شيء، أمدك بزوجة وبنين، أمدك بهذا الفكر تعيش به، أمدك بهذه القوة، أمدك بهذه المحاكمة، أعطاك الخبرة، أعطاك إتقان عمل تعيش به، الذي أمدك، والذي عالجك في الدنيا، وكلما انحرفت قوم انحرافك .

﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾

الرب يعلم كلَّ شيء :

 يعني يعلم السر وأخفى، قد يحشر الإنسان لإنسان، ولكن هذا الذي حشر إليه لا يعلم ماذا اقترف، هو يحشرهم إنه حكيم عليم، يعلم ما يكون، وما كان، يعلم خائنة الأعين، يعلم كل شيء .

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ

آدم أول البشر ، ومحمد عليه الصلاة والسلام أفضلهم :

 الإنسان في هذه الآية المقصود به سيدنا آدم، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ، وَلَا فَخْرَ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، وَلَا فَخْرَ ))

[ الترمذي ]

 النبي عليه الصلاة والسلام أول خلق الله رتبة في الفضل، وأن آدم عليه السلام يليه في المرتبة، يعني سيدنا آدم أفضل الناس كلّهم إلا النبي عليه لصلاة والسلام، النبي في الأول، وسيدنا آدم بعد النبي، آدم ومن دونه تحت لوائه يوم القيامة ولا فخر .
 وسمي آدم آدمَ لأنه خلق من أديم الأرض، وأديم الأرض ترابها .

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ ﴾

 المقصود بالإنسان آدم عليه السلام .

الصلصال والحمأ المسنون :

 والصلصال هو الطين اليابس .

﴿ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾

 والحمأ هو الطين الحر الأسود، والمسنون المتغير، وإليكم بعض ما قاله العلماء حول معنى كلمات هذه الآية :

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾

 الصلصال الطين الحر، خلط بالرمل، فصار يتصلصل إذا جف، معنى يتصلصل: يرن، ويحدث صوتاً كالصلصال، فإذا طبخ في النار فهو الفخار، من حمأ، وهو الطين الأسود، المسنون المتغير، هذا شيء مغيب عنا، ولا سبيل إلى معرفته إلا الخبر الصادق، والله سبحانه وتعالى وهو خالقنا وخالق آبائنا وأجدادنا، وخالق أبينا آدم عليه السلام يقول :

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾

وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ

 في رأي بعض المفسرين أن الجان هو أبو الجن، كيف أن آدم عليه السلام هو أبو الإنس، والجان هو أبو الجن .

﴿ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ ﴾

الجن مخلوق قبل الإنس :

 يعني أن الله عز وجل خلق الجن أولاً، ثم خلق الإنسان ثانياً، لذلك لما ربنا عز وجل قال :

﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ﴾

( سورة البقرة :30)

 كيف عرفوا ذلك ؟ معنى ذلك :

﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة البقرة :30)

 معنى ذلك أن الجن خلقوا قبل الإنس، وأن الملائكة قاسوا على الجن .

﴿ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ ﴾

من نار السموم :

 والسموم الريح الحارة التي تحرق كل شيء، أو النار التي لا دخان فيها .

﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ(28)فَإِذَا سَوَّيْتُهُ ﴾

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُون

الله خلَقَ كل شيء في أحسن تقويم :

 خلقته على أحسن مثال، خلقته في أحسن تقويم، خلقته خلقاً لا يحتاج إلى تعديل، ولا إلى تبديل .

 

﴿ إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ(1)وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ(2)وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ(3)وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ(4)عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ(5)يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ(6)الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ(7)فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾

( سورة الانفطار)

معنى تسوية الخلق :

 معنى سويته يعني أن الأيدي مسواة، المفاصل في الأماكن المناسبة، هذا الرسغ مكانه مناسب، وحركته مناسبة، وهذا المفصل يقف عند هذا الحد يقفل هنا، أما الركبة فتقفل نحو الأمام، خلقك فسواك، الرقبة تدور 170درجة، وهناك حكمة بالغة من دورنها 170 درجة لا 180درجة، وكيف أن العمود الفقري، وهو الذي يحوي النخاع الشوكي عبارة عن فقرات متمفصلة تمفصلاً جزئياً حيث يستطيع الإنسان أن ينحني .

﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ ﴾

 كيف أن الجمجمة قد خلقت على شكل سطوح منحنية متداخلة بعضها في بعض، وأن هذه المفاصل الثابتة تقي الإنسان كسر الجمجمة، لأن الضربة الشديدة تجعل هذه المفاصل تتداخل، هذا التداخل هو امتصاص للصدمة، خلقك فسواك .
 كيف أن هذا الفك الأسفل يتحرك، لو أن هذا الفك الأسفل ثابت مع الرقبة، والذي يتحرك هو الأعلى لكان منظراً بشعاً وقبيحاً، الأنف في مكانه الصحيح، وفي الطول المناسب، والمقدمة غضروفية، لو أن العظم ينتهي إلى هنا، يعني إلى مقدمة الأنف فلا بدّ عندئذٍ من كسر بشكل أو بآخر، لكن المنطقة الحساسة التي يمكن أن تصطدم مؤلفة من مادة غضروفية خلقك فسواك .
 وأن هذه العين جعلها الله في مغارة، حصن حصين، لو تلقى الإنسان ضربة، أو وقع على الأرض فعينه في مأمن، هذه العين خطيرة الشأن جداً جعلها الله في مأمن، وهذا الدماغ خطير جداً جعله الله في مأمن وبينه وبين الجدار سائل يمتص الصدمات .
 وهذا القلب البالغ الأهمية جعله الله في القفص الصدري، وهذا النخاع الشوكي الخطير جداً جعله الله في العمود الفقري، وهذا الرحم الخطير جداً جعله الله في الحوض في مكان مكين، ومعامل كريات الدم الحمراء خطيرة جداً جعلها الله داخل العظام .
 وعظام الفخذ تنتهي برقبة، هذه الرقبة تتحمل مئتين وخمسين كيلوًا ضغط، والإنسان يتحمل نصف طن ضغطًا من الأعلى، ولا تنكسر هذه العظام، هذه الغضاريف، هذه المفاصل، محافظ المواد السائلة الهلامية، الروابط، العضلات .

﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ﴾

 هل بلغكم أن الإنسان طرأ على خلقه تعديل، صنع الإنسان آية كبرى على عظمة الله سبحانه وتعالى، انظر إلى سيارة أول ما صنعت، شيء يضحك أن العجلات من الخشب، وأن الإضاءة عن كطريق الفوانيس، وأن لهذه السيارة حركة واحدة بطيئة، ولها صوت يملأ الدنيا صخباً، وانظر إلى سيارة صنعت في عام 1986، الإنسان صنعته تتكامل، لكن الله سبحانه وتعالى هو المطلق، فخلق الإنسان كامل لم يطرأ عليه لا تغيير، ولا تبديل، ولا تعديل، ولا إضافة، ولا حذف .

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

( سورة التين )

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

( سورة النمل 88)

 إتقان الصنعة دليل على وجود الله عز وجل .

﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾

للإنسان روح :


 هذا الإنسان من عظام ولحم، ودم وشرايين، وأوردة وأجهزة، ما الحياة ؟ كيف يمشي ؟ كيف يتكلم ؟ كيف يفكر ؟ كيف يرى كيف يدرك ؟ كيف يحاكم ؟ كيف يسمع ؟ إلى أخره هو الحياة، هذا الذي فقد روحه ماذا فقد ؟ لم يفقد أي شيء مادي، لكن الروح فقدت فأصبح جثة هامدة، الإنسان يملأ البيت أنساً وجمالاً، فإذا مات يتمنى أقرب الناس إليه أن يخرجوه من البيت، وأن يدفنوه قبل أن تتفسخ جثته .
 حدثني أخ عن بيروت أيام الحوادث أن شخصاً توفي في بيته، والطرقات كلها مقطوعة، والقنص على أشده، والحركة واقفة، تحمّله أهله يومين، ثم ألقوه من الشرفة إلى الأرض، أب يملأ البيت أنساً وسعادة، فلما سحبت منه الروح، ماذا فعل أقرب الناس إليه من زوجته وأولاده؟ قرروا أن يلقوه من الطابق الرابع، هكذا على الأرض، لأن الطرق مقطوعة، لم يتحملوا رائحته بعد الموت .

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ(6)الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾

( سورة الانفطار )

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

( سورة النمل 88)

﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ﴾

الروح تكريم للإنسان :

 هذه الروح من أوجه التفسيرات أنها هي الحياة، الله سبحانه وتعالى نفخ فينا من روحه، أما كلمة ( من روحي )فهذا تكريم للإنسان، وتشريف له، واصطفاء له، نسب الروح لذاته .

﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ﴾

 هو مكرم، لقد قبِل أن يحمل الأمانة، قال تعالى :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾

( سورة الأحزاب)

 فلما حملها الإنسان استحق أن يكون مكرماً .

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾

(سورة الإسراء)

أنت مكرَّم فاعرف شأنك وقدرك :

 أنت مكرم، ليتك تعرف نفسك، ليتك تعرف شأنك عند الله، ليتك تعرف المهمة التي خلقت من أجلها، ليتك تعرف أنك ابن عمرٍ، فكيف تمضيه ؟ وليتك تعرف طريقة لتمضي بها هذا العمر، وأن هذا الوقت وهو عمرك سيحدد مصيرك، إما إلى جنة يدوم نعيمها، أو إلى نار محرقة تنضج الجلود، وتلفح الوجوه، لا ينفد عذابها، ليتك تعرف من أنت ؟

أتحسب أنك جرم صغير  وفيك انطوى العالم الأكبر
***

 طهرت منظر الخلق سنين أفلا طهرت منظري ساعة ؟.

﴿ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ﴾

( سورة الحشر : 19 )

 أنساهم الله أنفسهم، يعني لما نسيت الله فقد جهلت نفسك من أنت؟
 قد يقول لك قائل: الإنسان حيوان ناطق، من قال لك: إن الإنسان حيوان؟ الإنسان إنسان مكرم، هذه الحيوانات أمام عينيك، نوع القردة، نوع الدواب هل تغيرت حياتهم؟ هل أعطوا هذا الفكر الذي أعطيته؟ هل طوروا حياتهم؟ هل سكنوا في البيوت؟ هل ارتدوا الثياب؟ هل نظموا حياتهم؟ الإنسان ليس حيوانًا ناطقًا، وليس حيوانًا اجتماعيًّا، الإنسان إنسان .

﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾

أمر الله للملائكة والجن بالسجود لآدم سجود تحية :

 العلماء قالوا : هذا السجود سجود التحية والتكريم، وليس سجود العبادة .
 عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ ))

[ مسلم ]

 والإمام علي كرم الله وجهه يقول: << ركب الحيوان من شهوة بلا عقل، وركب الملك من عقل بلا شهوة، وركب الإنسان من كليهما، فإذا سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإذا سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان >> .

﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾

 إن الإنسان إذا عرف الله عز وجل فاق بهذه المعرفة الملائكة المقربين، ما من مخلوق يفوق الإنسان المؤمن، فإذا هوى كان في أسفل سافلين .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ(6)إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾

( سورة البينة )

 إما أن يكون الإنسان خير البرية، وإما أن يكون شر البرية، والإنسان إما أن يكون براً تقياً كريماً على الله، وإما أن يكون فاجراً شقياً هيناً على الله .

﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾

 يعني أمر بالسجود، سجود التكريم لعلمه بأسماء الله الحسنى .

﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾

فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ

 من قال لكم: إن الشيطان من الملائكة فقولوا له: ليس كذلك، والدليل هذه الآية :

﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ(30)إِلَّا إِبْلِيسَ ﴾

 

 هذا الاستثناء يسميه علماء النحو استثناءً منقطعاً، يعني أن الملائكة وإبليس اشتركا في أمر السجود، ولم يشتركا في طبيعة الخلق، كأن تقول: حضر الطلاب إلا المدرس، فالمدرس ليس طالباً، المعلم معلم، والطالب طالب، إلا أنهما اشتركا في الحضور، فاستثنيت المعلم استثناءً منقطعاً .

﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ(30)إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ(31)قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ(32)قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾

هذا هو الوهم الذي جعل إبليس يأبى السجود :

 توهم إبليس الذي خلقه الله من النار أن النار أشرف من الطين، لذلك كبره واستعلاؤه ونظره لذاته حجبه عن حقيقة آدم، فأبى أن يسجد له، هذا الكلام ماذا يفيدنا؟

لا ينبغي للمؤمن أن يجعل بينه وبين الحق حجابا :

 أحياناً يكون مال الإنسان حجاباً له عن اتباع الحق، هذا الذي يتكلم فقير، وأنا غني، أيعقل أن أجلس في مجلسه ؟ هذا الذي يتكلم ضعيف، وأنا قوي، أيعقل أن أستمع له، لا تجعل المال والجاه حجاباً يحجبك عن الحق، إبليس ما الذي أهلكه؟ أنه نظر إلى النار وتوهمها أنها خير من الطين، فكيف يعقل أن يسجد له؟ أما المؤمن فلا يجعل شيئاً يحجبه عن الحق .
 فهذا سيدنا العباس عم رسول الله، سئل مرة : أيكما أكبر أنت أم رسول الله ؟ فقال رضي الله عنه : هو أكبر مني قدراً بلا شك، وأنا ولدت قبله.
 المؤمن الصادق لا يجعل من السن حاجزاً، ولا من المال حاجزاً، ولا من الجاه حاجزاً، ولا من النسب حاجزاً، ولا من القوة حاجزاً، اسمعوا، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( اسْمَعُوا، وَأَطِيعُوا، وَإِنْ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ ))

[ البخاري ]

 أنت عبد للحق، أينما كان الحق فأنت تابع له .
 في بعض الأحيان يرى الإنسان عُلوَّ نسبه، ويقول : أنا منسوب، لكن عملك غير طيب .
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ :

﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾

 دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ، وَخَصَّ، فَقَالَ :

(( يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنْ النَّارِ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا ))

[ مسلم ]

 هذه الآية مغزاها أن الإنسان قد يهلكه نسبه، أو ماله، أو علمه، يحمل شهادة عليا، هذه الشهادة جعلته يتوهم أنه أعظم الناس، وهو ليس كذلك، شهاداته أو نسبه أو أمواله أو وظيفته أو قوته، هذه كلها أقنعة مزيفة .
 عَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ : لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ : إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(( يَا أَبَا ذَرٍّ، أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ ... ))

[ البخاري ]

 هذه جاهلية، أن تعتد بنسبك، أو بمالك، أو بقوتك، أو بصحتك، أو بشكلك، أو بمنصبك، أو باختصاصك، هذه كلها حجب .
 ربنا عز وجل ذكر حجاباً واحداً، وعلى هذا فقس، ذكر حجاباً واحداً، وأنت قس على هذا الحجاب كل الحجب، ويا عبد الله، إياك أن تغترّ بهذه الأقنعة المزيفة، هذه كلها تنتهي عند الموت .

لا تقل : أصْلي وفصلي أبدأ ً إنما أصل الفتى ما قد حصل
ليس من يقطع طرقاً بـطلاً  إنما من يتقي الله البـــطل
***

﴿ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ(32)قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ(33)قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴾

معنى : رجيم :

 معنى رجيم أي : أنت في الأرض، ولن تستطيع أن تصل إلى السماء، فإذا سولت لك نفسك أن تصعد إلى السماء جاءك شهاب ثاقب فأحرقك، إذاً ابق في الأرض، السماء محرمة عليك، هذه للملائكة، ولعبادي المؤمنين .

﴿ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ(34)وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ﴾

معنى اللعنة :

 اللعنة تعني البعد، والله الذي لا إله إلا هو لو أنك حصلت الدنيا بأكملها، وأبعدك الله عن حضرته فأنت أشقى الأشقياء، ولو خسرت الدنيا كلها، وقربك الله إليه فأنت أسعد السعداء .

﴿ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ(34)وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ(35)قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(36)قَالَ فَإِنَّكَ مِنْ الْمُنْظَرِينَ(37)إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ(38قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾

قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ

المقولة الإبليسية على لسانسفهاء الإنس :

 من يقول : إن الله أغواه فشيخه في هذه المقولة إبليس، لأن إبليس ماذا فعل؟ نسب غوايته إلى الله عز وجل .

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا ﴾

(سورة الأنعام 148)

 وهذا إبليس يقول : بما أغويتني، مع أن الله سبحانه وتعالى خلقنا ليسعدنا .

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

(سورة هود 119)

 خلقنا ليرحمنا .

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

(سورة الذاريات)

 ليعبدوني، ليتعرفوا عليّ فيستقيموا على أمري، فأسعدهم .

﴿ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

معنى الإغواء :

 يعني أغريهم في الدنيا، أجعل أحلامهم كلها في الدنيا، يحلم ببيت فخم مزين، يحلم بسيارة فاخرة، بزوجة جميلة، بمنصب مرموق، بجاه عريق، بنزهات بحفلات بسهرات، بأماكن الاصطياف الجميلة، يعني يحلم بالدنيا .

﴿ لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾

 هذا هدف الشيطان، أن يحبب الدنيا إلى الناس، وأن يغريهم بها، وأن يغشهم بها، مع أن الدنيا تغر وتضر وتمرّ، أوحى ربك إلى الدنيا أن تكدري، وتمرري، وتضيقي على أوليائي حتى يحبوا لقائي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا ))

 وَفِي رِوَايَة :

(( كَفَافًا ))

[ مسلم ]

 هذه دعوة المصطفى صلى الله عليه وسلم .
 أيها الإخوة الأكارم، كلمة( بما أغويتني )لا بدّ من توضيحها بمثل .
 طالب في صف مدرسي يقصر، لا يدرس، ولا يكتب، ولا يذاكر، ولا يحفظ، يأتي الامتحان فيأخذ علامة الصفر، إذاً يستحق الرسوب، فيأتي المعلم، ويكتب على جلائه : رسب في صفه، من الذي رسبه ؟ المعلم، لماذا رسبه ؟ لأنه كسول، فالرسوب كسب من الطالب وفعل من المعلم، فإذا قال الطالب للمعلم : لقد رسبتني فكلامه صحيح، والمعلم هو الذي رسبه، ولكن لماذا رسبه ؟ لأنه كسول .
 فكل شيء ينسب إلى الله فعلاً، من فعل هذا ؟ الله سبحانه وتعالى، لماذا فعله ؟ وفق العدل والاستحقاق، هذا أوضح مثال يفسر هذه الآية .

﴿ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي ﴾

 الغواية فعلاً، كأن يقول: لمَ رسبتني؟ قصر في الدراسة، فاستحق الرسوب، فرسبه المعلم، فقال للمعلم: بالذي رسبتني به سأغري جميع الطلاب ليكونوا كسالى مثلي .

﴿ قَالَ فَإِنَّكَ مِنْ الْمُنْظَرِينَ(37)إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ(38)قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(39)إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ ﴾

إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ

 هؤلاء المخلصون لا أستطيع أن أفعل معهم شيئاً، المخلَص اسم مفعول، والمخلِص اسم فاعل، المؤمن مخلِص ومخلَص، لأنه مخلص لله عز وجل، أقبل عليه، فطهر نفسه من كل أدرانها، فصار مخلصاً من كل شائبة، أخلص من أجل أن تخلص، كن مخلِصاً من أجل أن تكون مخلَّصاً، إذا أخلصت في طاعتك أقبلت على ربك، فإذا أقبلت عليه فإن نوره طهر قلبك، فأصبح قلبك مخلَصاً له اسم مفعول .

﴿ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ(40)قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ(41)إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾

إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ

الفائدة من إضافة العبد إلى الله :

 أيضاً عباد الله الذين عرفوه، وعبدوه، وانقادوا له، نسب العبد إلى الله نسبة معرفة بعبوديته، ونسبة طاعة له، ونسبة محبة له، ونسبة اهتداء بهديه، إن عبادي هؤلاء الذين عبدوني هؤلاء الذين عرفوني، هؤلاء الذين استقاموا على أمري، هؤلاء الذين أقبلوا علي، هؤلاء الذين تقربوا إلي بالأعمال الصالحة .

﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾

 لن تستطيع إن تفعل معهم شيئاً .

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ ﴾

(سورة إبراهيم 22)

﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ ﴾

﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾

( سورة الصف : 5)

 غوى فاتبع الشيطان، إذاً الشيطان لا يضل أحداً، لا يضل إلا الضال، إذا ضل الإنسان عن الله عز وجل يأتي الشيطان فيضله، بمعنى يزين له الدنيا، ويغريه بالسيئات والمعاصي، لا يستطيع الشيطان أن يصل إليك إلا إذا كنت ضالاً من قبل .

﴿ إِلَّا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ(42)وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ(43)لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ ﴾

وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ(43)لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ

معنى الأبواب السبعة :

 من التفاسير اللطيفة أن هذه الأبواب ليست على مستوى أفقي واحد، لا، بل فوق بعضها بعضاً، مثل الفرن، له أبواب بعضها فوق بعض، أعلى النار باب جهنم، وفوق جهنم في الأسفل، ( الرتب في النار متنازلة لا متصاعدة ) ، وفوقها الحطمة، وفوقها سقر، وفوقها الجحيم، وفوقها اللظى، وفوقها السعير، وفوقها الهاوية، سبع دركات، وليست درجات، الدرجات في الجنة، والدركات في النار .

﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ ﴾

(سورة النساء 145)

﴿ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ﴾

 وفي الدرس القادم إن شاء الله نتحدث عن المتقين الذين وصفهم الله بقوله :

 

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(45)ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (46)وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47)لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48)نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018