الخطبة : 0752 - خطاب المؤمنين - قال تعالى، يا أيها الذين آمنوا …. - العلاقة بين البراكين والزلازل والثقل النوعي للبراكين. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0752 - خطاب المؤمنين - قال تعالى، يا أيها الذين آمنوا …. - العلاقة بين البراكين والزلازل والثقل النوعي للبراكين.


2000-07-14

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده , و نستعين به و نسترشده , ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له , ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , إقراراً بربوبيته , وإرغاماً لمن جحد به و كفر , وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه و سلم , رسول الله سيد الخلق و البشر , ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر , اللهم صلّ و سلم و بارك على سيدنا محمد وعلى آله و أصحابه , وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين , اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا , إنك أنت العليم الحكيم , اللهم علمنا ما ينفعنا , وانفعنا بما علمتنا , وزدنا علماً , وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه , وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه , واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه , وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الحكمة من عدم مخاطبة الله النبي الكريم محمد باسمه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ موضوع هذه الخطبة من القرآن الكريم , من أسلوب الخطاب تعرف مقام المخاطَب , فالله جل جلاله لم يناد رسول الله صلى الله عليه و سلم باسمه قط , قال:

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾

[سورة المائدة: 41]

 وقال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾

[ سورة المائدة : 67]

 لكن الله عز وجل في آيات أخرى قال :

﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾

[ سورة مريم : 12]

 وقال :

﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾

[ سورة المائدة :116]

 وقال تعالى :

﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ﴾

[ سورة مريم : 7]

 و ليس في القرآن كله آية تقول: يا محمد , لعلو مقام النبي عليه الصلاة و السلام , وفي آية أخرى , أو في آيات أخرى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾

[سورة الأنفال: 64]

 وقال:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾

[ سورة التوبة : 73]

 وقال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾

[ سورة الأحزاب : 45]

 من صيغة الخطاب تُعرف مكانة المخاطَب .

 

الفرق بين التفضيل و المحاباة :

 أيها الأخوة , قال تعالى :

﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾

[سورة البقرة: 253]

 و في آية ثانية:

﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾

[سورة النساء: 164]

 و قال تعالى :

﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى * وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى * لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾

[ سورة طه : 9-23]

 قال العلماء : "حينما تخص إنساناً بميزة هذا هو التفضيل " , حينما تخص إنساناً بميزة لحكمة راجحة هذا هو التفضيل , أما حينما تخص إنساناً بميزة بدافع الهوى , هذه هي المحاباة , و فرق كبير بين التفضيل و المحاباة , فالله عز وجل كلم موسى تكليماً , وهو من أولي العزم من الرسل , ليس هذا موضوع الخطبة , إنما هو تمهيد لها .

 

مخاطبة الله أهل الإيمان في القرآن الكريم :

 موضوع الخطبة أن الله جل جلاله خاطب المؤمنين في تسع و ثمانين آية , خاطبهم خطاباً مباشراً , هذه الآيات كلها تتصدرها عبارة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

 و لكنك لو قرأت القرآن كله من دفته إلى دفته , من الفاتحة إلى الناس لا تجد أن الله خاطب الكفار في آية واحدة , لماذا ؟ طبعاً هناك آية واحدة خاطبهم بها يوم القيامة , قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

[ سورة التحريم : 7]

 أما في الدنيا فليس في القرآن الكريم كله آية واحدة يخاطب الله بها الكفار , لماذا ؟ لأنهم عطّلوا عقولهم , و لأنهم اتبعوا شهواتهم , و لأنهم ركبوا رؤوسهم , ولأنهم لم يصغوا إلى صوت فطرتهم , ولأنهم لم يفكروا في ملكوت السموات و الأرض , و لأنهم لم يصغوا إلى كلام الرسل , إنهم مزقوا الرسالة قبل أن يقرؤوها , هؤلاء ليسوا أهلاً ليخاطبهم الهم عز وجل , إنك إن خاطبت مجنوناً تحتقر نفسك , إنك إن خاطبت مجنوناً فكلامك لا معنى له , هذه ظاهرة في القرآن تلفت النظر , ليس في القرآن كله آية واحدة يخاطب الله بها الكفار , بينما في القرآن تسع وثمانون آية خاطب الله بها المؤمنين , ماذا تعني آية:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

 ؟ أي يا من آمنتم بوجودي , يا من آمنتم بوحدانيتي , يا من آمنتم بكمالي , يا من آمنتم بأسمائي الحسنى وصفاتي الفضلى , يا من عرفتم أنني القدير , أنني الرحيم , أنني الحكيم , ألا تقتضي هذه المعرفة أن تطيعوني ؟ أيُّ مؤمن صادق إذا قرأ قوله تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

 يجب أن يشعر بكل خلية في جسمه , و بكل قطرة في عروقه , أنه معنيٌّ بهذا الخطاب , اقرأ القرآن , يقول الله لك:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

 أنت مخاطب بهذه الآيات , ما موقفك ؟ ما نوع استجابتك ؟ ما ردُّ فعلك ؟ كيف تتفاعل مع آية تخاطبك ؟ كيف تقف من خالق السموات و الأرض وهو يقول لك على علوِّه و على ضعفك ؟ على قوته و على ضعفك ؟ على علمه و على جهلك ؟ على لا نهائيته و محدوديتك ؟ يقول الله لك:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

 قصة سأرويها قبل أن أتابع الحديث عن موضوع الخطبة , عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُبَيٍّ :

(( إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ قَالَ أُبَيٌّ أَاللَّهُ سَمَّانِي لَكَ- أي ذكر اسمي - قَالَ اللَّهُ سَمَّاكَ لِي , فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي قَالَ قَتَادَةُ: فَأُنْبِئْتُ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ))

[البخاري عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 أي شيء يفوق تحمل الإنسان أن يخاطبه خالق الأكوان ؟ و أنتم أيها المؤمنون أيَّة آية في كتاب الله أنتم معنيون بها ؟ قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾

[ سورة البقرة : 172]

 و قال عليه الصلاة و السلام , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(( أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَقَالَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ))

[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 كلوا من طيبات ما رزقناكم , أي كلوا طعاماً تطيب نفوسكم به , ولا تأكلوا طعاماً يفسد عليكم حياتكم , أو كلوا طعاماً اشتريتموه بمال حلال , والطعام الطيب , أي أن ثمنه من مال حلال , كلوا من طيبات ما رزقناكم , هل نحن مستجيبون لهذه الآية ؟

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾

[ سورة البقرة : 172]

من الأخطاء المدمرة الاستجابة لوسوسة الشيطان :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾

[ سورة البقرة :208 ]

 الخطأ المدمر أن تستجيب لوسوسة الشيطان فيما تتوهمه من الصغائر , وهو من الكبائر , من نظرة تنتهي إلى فاحشة , من أكل لقمة من حرام تنتهي إلى سرقة كبيرة , لا تتبعوا خطوات الشيطان , الحزم أن تمتنع عما تتوهمه صغائر كي تكون في حرز من الكبائر , قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ﴾

[ سورة البقرة :208 ]

 أي لن تجدوا طعم هذا الدين العظيم , لن تقطفوا ثماره إلا إذا دخلتم فيه كافة , ما قيمة هاتف تملكه إذا كان كل الذين حولك ليس عندهم هاتف ؟ لا قيمة له , قيمة الهاتف الذي بحوزتك نابعة من أن كل من حولك لهم هواتف :

﴿ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾

[ سورة البقرة :208 ]

 لا بداعي العصرنة , ولا بداعي التقدم , و لا بداعي العولمة , و لا بداعي مسايرة الغرب , هذه كلها حجج الشيطان , قال تعالى :

﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾

[ سورة البقرة :208 ]

عرض لبعض آيات القرآن الكريم التي تخاطب المؤمنين :

 أنا أعرض على مسامعكم بعضاً من هذه الآيات الكريمة التي تخاطَبون بها , قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾

[ سورة البقرة : 254]

 ليس في الآخرة درهم و لا دينار , و ليس هناك عمل صالح ترمم به ما خسرته في الدنيا , لا بيع فيه ولا خلة , ليس هناك صدقات تعينك على تجاوز العقبات , و ليس هناك شفاعة بالمفهوم الساذج الذي يتوهمه الناس:

﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾

[ سورة البقرة : 254]

 قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة البقرة : 278]

 الربا أن يلد المالُ المالَ , و إذا ولد المال المال تجمعت الأموال في أيد قليلة وحُرمت منها الكثرة الكثيرة , عندئذ يبدأ الفساد في الأرض , يبدأ و لا يعلم إلا الله كيف ينتهي , أما إذا ولدت الأعمالُ المال وكان المال متداولاً بين كل الناس فهذه هي الحالة الطبيعية الصحيحة , قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة البقرة : 278]

 وقال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾

[ سورة آل عمران: 100]

 لا ينبغي أن ننظر إلى الغرب على أنه مصدر الحضارة , مصدر الحضارة هو وحي السماء , لا ينبغي أن نرى أنفسنا متخلفين إن لم نفعل فعلهم , وأخطر شيء يهدد العالم الإسلامي قضية العولمة , قضية أن يُعمم نمط الحياة في الغرب على كل العالم , أن يُسمح بأسر ذات طبيعة مستهجنة , أن يسمح بعلاقات محرمة في أصل الكتاب و السنة .

 

التفوق و الاستعداد للموت :

 أيها الأخوة الكرام ؛ قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾

[ سورة آل عمران: 100]

 وقال تعالى :

﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾

[ سورة آل عمران: 102 ]

 تفوقوا , كونوا في المقدمة , قال تعالى :

﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

[ سورة آل عمران: 102 ]

 استعدوا لهذا الحدث الخطير , الذي لا ينجو منه إنسان , كل مخلوق يموت , و لا يبقى إلا ذو العزة والجبروت:

والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر  والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر
***
كل ابن أنثى و إن طالت سلامته  يوماً على آلة حدباء محمولُ
فإذا حملت إلى القبور جنــــــــــــازة  فاعلم بأنك بعدها محمـــــــــولُ
***
لا تأمن الموت في طرف ولا نفس  وإن تمنعت بالحجاب و الحـــــــــــــرس
فما تزال سهـــــــــــام الموت نافـــــذة  في جنب مدَّرع منهــــــــــــــــا و مـــتّرس
أراك لست بوقّاف و لا حـــــــــــــــــذر  كالحاطب الخابط الأعواد في الغلس
ترجو النجاة ولم تسلك مسالــكها  إن السفينة لا تجري على اليـبـــــــــس
***

الدنيا دار تكليف و الآخرة دار تشريف :

 قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

[ سورة آل عمران: 102 ]

 و قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾

[ سورة آل عمران:149]

 وقال تعالى :

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾

[سورة البقرة: 257]

 و قال تعالى :

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾

[ سورة الكهف : 28]

 و قال تعالى :

﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾

[سورة لقمان:15]

 و قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا﴾

[ سورة آل عمران: 200 ]

 نحن في زمن العمل لا في زمن الرخاء , الدنيا دار تكليف , هكذا طبيعتها , و الآخرة دار تشريف , الدنيا دار عمل , و الآخرة دار جزاء , لا تطمح أن تحقق كل رغباتك في الدنيا , هذه الدنيا ليست للاستمتاع , و العاقبة للمتقين .

 

الحكمة من الشدائد التي تصيب المسلمين :

 وقال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

[ سورة آل عمران: 200 ]

 لا بد من مضائق صعبة , لا بد من شدائد كي نصل إلى أعلى درجات في الجنة , نحن في العناية المشددة , أما الذين تتوهمون أنهم سعداء , و أن مشكلاتهم جميعها محلولة , فهؤلاء تنطبق عليهم الآية الكريمة:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 44]

 " يا أيها الذين آمنوا " يجب أن تشعر بكل خلية في جسمك و بكل قطرة في دمك أنك معنيٌّ بهذا الخطاب , ما موقفك ؟ ما رد فعلك ؟ ما استجابتك ؟

 

التحذير من أكل أموال الناس بالباطل :

 وقال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾

[ سورة النساء : 29]

 الذي يغش المسلمين يأكل أموالهم بالباطل , الذي يبتز مال إخوانه يأكل مال إخوانه بالباطل , الذي يرفع السعر مستغلاً جهل الشاري يأكل مال أخيه بالباطل , الذي يوهم موكِّله أن دعواه رابحة , مع أنها خاسرة مئة في المئة يأكل مال موكله بالباطل , الذي يعطي درساً و الأب يطمح أن ينجح ابنه , والمعلم يعلم علم اليقين أنه لن ينجح يأكل مال هذا الإنسان بالباطل , أيّ نوع من أنواع الغش و التدليس , أو الاحتكار , أو الاستغلال هو أكل لأموال الناس بالباطل , قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾

[ سورة النساء : 29]

طاعة أولي الأمر :

 أيها الأخوة الكرام ؛ قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾

[سورة النساء: 59]

 في قرآنه:

﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾

[سورة النساء: 59]

 في سنته :

﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾

[سورة النساء: 59]

 أولو الأمر هم الذين يعلمون الأمر هم العلماء , وهم الذين شرفهم الله عز وجل بتنفيذ هذا الأمر هم الأمراء , الذين يعلمون الأمر الإلهي , و الذين ينفذون الأمر الإلهي هؤلاء أولو الأمر ينبغي أن يطاعوا .

 

العلاقة الحميمة للمؤمنين فقط :

 وقال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً﴾

[سورة النساء:144]

 العلاقة الحميمة للمؤمنين فقط , أما علاقات العمل فيمكن أن تكون مع أي إنسان أما علاقة حميمة , شركة اندماجية , رحلة طويلة , اتصال شديد , فهذا الولاء ينبغي أن يكون للمؤمنين:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً﴾

[سورة النساء:144]

المسلم الحق لا يخل بوعده و ينجز ما عاهد عليه :

 وقال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾

[ سورة المائدة : 1]

 المسلمون عند شروطهم , المسلم الحق لا يخل بوعده , و ينجز ما عاهد عليه:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾

[ سورة المائدة : 35]

 كيف ؟

﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾

[ سورة المائدة : 35]

 أية وسيلة تقربكم إلى الله عز وجل ينبغي أن تتخذوها , العلم وسيلة , و مجالسة الصالحين وسيلة , و حضور مجالس العلم وسيلة , و الاستقامة على أمر الله وسيلة , وطلب العلم وسيلة , و تعليم العلم وسيلة , و أي شيء يقربكم إلى الله عز وجل ينطوي تحت هذه الآية:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾

[ سورة المائدة : 8]

 يجب أن تكون منصفاً مع الطرف الآخر , مع الذين لا يؤمنون بما تؤمن , مع الطرف الآخر و لو كان مجوسياً , و لا يجرمنكم , لا يحملنكم شنآن قوم- أي بغض قوم - على ألا تعدلوا:

﴿اعْدِلُوا﴾

[ سورة المائدة : 8]

 أمر إلهي:

﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

[ سورة المائدة : 8]

 هذا الطرف الآخر إن عاملته بإنصاف تقرِّبه إلى الله , و إن عاملته بإنصاف تقربه منك , أما إذا ظلمته فباعدت بينه و بين الحق , وحملته على أن يتشبث بكفره , و بباطله , و هذا معنى قوله تعالى :

﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

[ سورة الممتحنة: 5 ]

 حينما تسيء أيها المسلم لكافر تقوي الكفر عنده و ترجح الكفر عنده , وتحمله على التشبث بكفره , و احتقار الحق الذي تحمله لأنك أسأت إليه .

 

الحياة الحقيقية لا تكون إلا بمعرفة الله و طاعته :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

[ سورة المائدة :54]

 الذي يحب الله عز وجل لا يمكن أن يرتد عن دينه , و هذا المعنى مستفاد من نص هذه الآية:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

[ سورة المائدة : 54]

 أي لا يرتدون عن دينهم:

﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

[ سورة المائدة : 54]

 وقال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾

[ سورة المائدة : 87]

 لا تزاود على منهج النبي عليه الصلاة و السلام , منهج النبي عليه الصلاة و السلام كامل مكمل , يحقق لك كل أهدافك التي خُلقت من أجلها , فلا تحرم شيئاً أباحه النبي , لا تحرم شيئاً أحلّه النبي , قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾

[ سورة المائدة :105]

 الزموا أنفسكم:

﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾

[ سورة المائدة :105]

 إذا كان إيمانك قوياً أنت في حصن حصين , عندئذ الضلالات و الشبهات لا يمكن أن تصل إليك , و لا أن تحقق فيك شيئاً:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾

[ سورة المائدة :105]

 الزموا أنفسكم , من أجل ألا يضركم من ضل إذا اهتديتم:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

[ سورة الأنفال: 24]

 الحياة الحقيقية في معرفة الله , الحياة الحقيقية في طاعة الله , الحياة الحقيقية في أن تلوذ بجنب الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

[ سورة الأنفال:27 ]

 حمِّلت أمانة التكليف , هذه الأمانة هي نفسك التي بين جنبيك أمرك الله أن تعرفها به , و أن تحملها على طاعته فقال:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 9-10]

الولاء لله و لرسوله و للمؤمنين :

 يا أيها الذين آمنوا لا تكن متعصباً لقرابة و لا عشيرة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾

[سورة التوبة: 23]

 لا بد من أن تعلن ولاءك لله وللرسول وللمؤمنين , و لا بد من أن تتبرأ من الكفر و الكافرين , و لو كانوا أقرب الناس إليك , قال عزّ مِن قائل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾

[سورة التوبة: 28]

 لم يقل: نجسون , هو نجس , عين النجاسة , قال تعالى :

﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

[سورة التوبة: 28]

 قد تدفع ثمن طاعتك لله نقصاً في دخلك , قد تدفع ثمن ولائك لله ضعفاً في رزقك , هذا مسجَّل عند الله عز وجل , وهذا ثمن قرارك البطولي , لأن الله يريد أن :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾

[سورة التوبة:23]

 ترقى بهذا القرار , لا بد في أي قرار بطولي من أن تدفع ثمنه كي ترقى .

 

الارتباط بالمؤمنين و التعاون معهم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ قال عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾

[سورة التوبة:38]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾

[سورة التوبة:119]

 كيف ؟ قال تعالى :

﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

[سورة التوبة:119]

 كن مع المؤمنين , اجلس معهم , احتكَّ بهم , تعاون معهم , كن تحت ظل المؤمنين , لا تكن منحرفاً , لا تكن مع الطرف الآخر , لا تكن مع الفسقة والكافرين , قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

[سورة التوبة:119]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾

[ سورة الأحزاب : 41]

 الأمر منصب على الذكر الكثير , لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً , قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾

[ سورة محمد : 7]

 النصر يأتي حينما تنصر دينه , اللهم أعنا على أنفسنا , و انصرنا على أنفسنا كي نستحق أن تنصرنا على أعدائنا .

 

خالق الأكوان هو المشرّع فقط :

 وقال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

[ سورة الحجرات : 1]

 لا تقدِّم اقتراحات تخالف الكتاب و السنة , أنت لست مشرِّعاً , خالق الأكوان هو المشرع , هو الخبير , لا تقترح تعديلاً و لا تبديلاً ولا إضافة و لا حذفاً ولا تطويراً , هذا كله يفعله ضعاف المؤمنين , كأنهم يتهمون هذا الدين بالزيادة , هم يخففون من التكاليف , أو كأنهم يتهمون هذا الدين بالنقص فيضيفون على الدين مما ليس منه:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ﴾

[سورة الحجرات: 6]

 لا تؤخذ بالشائعات , لا تؤخذ بقول فاسق , لا تحكم حتى تتحقق , هذا موقف علمي:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾

[سورة الحجرات:11]

الحكمة من مخاطبة المؤمنين الإصغاء إلى الله في أوامره و اجتناب نواهيه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أريد معنى واحداً من كل هذه الأمثلة , و لعل آخر آية :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾

[ سورة التحريم : 8]

 أريد أنك إذا قرأت القرآن , و قرأت قوله تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

 أتمنى على كل مؤمن صادق أن يشعر بكل خلية في جسمه , و بكل قطرة في دمه أنه معني بهذه الآية , لأنه مؤمن , أي: يا من آمنتم بعظمتي , يا من آمنتم بعظمة الله , يا من آمنتم بقدرته , يا من آمنتم برحمته , يا من آمنتم بحكمته , يا من آمنتم بقوته ـ ألا يستحق خالق الأكوان أن تصغي إلى قرآنه ؟ و أن تعمل بأمره ؟ و أن تجتنب نهيه ؟ هذا محور الخطبة , إذا قرأت قوله تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

 اسأل نفسك سؤالاً ولا تحابِها و لا تجاملها: ما موقفكِ من هذه الآية ؟ ماذا فعلتِ حيال هذه الآية ؟ هل انتهيت عما نهى الله عنه ؟ هل فعلت ما أمرك الله به ؟ يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى : " يا نفس لو أن طبيباً منعكِ من أكلة تحبينها , لا شك أنك تمتنعين , أيكون الطبيب أصدق عندك من الله ؟ إذًا ما أكفركِ , أيكون وعيد الطبيب أشدّ عندك من وعيد الله ؟ إذًا ما أجهلك " الإمام الغزالي يرى أن كل إنسان يعصي الله مدموغ بالكفر و الجهل .
 أيها الأخوة الكرام ؛ نرجو الله سبحانه و تعالى أن نكون مخَاطبين بهذه الآيات , نحن مؤمنون و لله الحمد , و لكن ينبغي أن نحدد موقفنا من أية آية مصدّرة بقوله تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

.

 

الحكمة من عدم مخاطبة الكافرين إلا في آية واحدة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ألا تلفت نظركم هذه الحقيقة أن الكفار لم يُخاطبوا و لا بآية واحدة على الإطلاق إلا آية يوم القيامة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾

[ سورة التحريم :7]

 معنى ذلك أنك حينما تخاطب منحرفاً , تخاطب فاجراً , تخاطب فاسقاً , تخاطب ملحداً , يجب أن تعلم أنك بهذا الخطاب تكرمه , وأنك بهذا الخطاب تعلي قدره , هو أقل من ذلك , لأنه عطّل عقله , وعطَّل فكره , و لم يلتفت إلى خالق السموات و الأرض , و لم يحاول أن يفهم رسالة الله إلى البشر , شأنه كشأن من تأتيه رسالة فيمزقها و يلقيها في المهملات من دون أن يقرأها , هذا حال أهل الدنيا , بعيدون عن الدين , بعيدون عن كتاب الله الكريم , بعيدون عن سنة النبي عليه أتمّ الصلاة و التسليم , يتبعون ما يأتيهم عن الغرب , يطربون لقصة ماجنة , أو لمسرحية تؤكد قيم أهل الكفر , و لا يلتفتون إلى كتاب ربهم الذي هو منبع عزتهم و كرامتهم .
 أيها الأخوة الكرام ؛ ربنا عز وجل خاطب المؤمنين في تسع و ثمانين آية مصدّرة بقوله تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

 و لم يخاطب الكافرين و لا بآية لأنهم عطّلوا عقولهم فلم يعملوها كما أراد الله , و طمسوا فطرتهم فلم يصغوا لها يوم كانت سليمة , و أصموا آذانهم عن سماع الحق , واتبعوا شهواتهم و أهواءهم , فهؤلاء ليسوا أهلاً ليُخاطبوا .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا , وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم , و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا , و سيتخطى غيرنا إلينا , فلنتخذ حذرنا , الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت , و العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني , و الحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين , وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله , صاحب الخلق العظيم , اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

العلاقة بين الزلازل و البراكين :

 أيها الأخوة الكرام ؛ بعد دراسات طويلة جداً و معقّدة جداً و مكلفة جداً توصل علماء الجيولوجيا إلى أن هناك علاقة متينة مترابطة ين الزلازل و البراكين , مرة يكون الزلزال بسبب تحرك الكتل الملتهبة و ضغطها على قشرة الأرض , فيكون الزلزال نتيجة هيجان الكتل المحمومة في باطن الأرض , و مرة يكون الزلزال سبباً للبركان , على كلّ هناك علاقة سماها العلماء مترابطة بين الزلازل و البراكين , ثم اكتشفوا أن الحمم في باطن الأرض لها توزع نوعي مرتفع جداً , فلما قرأ أحد علماء الزلازل هذه الآية:

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾

[ سورة الزلزلة : 1-2]

 و قد وصف ما فيها بالأثقال لأن وزنها النوعي مرتفع جداً :

﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾

[ سورة الزلزلة :3]

 هذا الربط بين الزلازل و بين البراكين في هذه السورة القصيرة إشارة لطيفة من الله عز وجل إلى أن خالق الأكوان هو الذي أنزل القرآن , هذه حقيقة صارخة , إذاً عرفت من هو الذي أنزل القرآن , الذي خلق مئة ألف مليون مجرة , و الذي خلق هذه المذنبات و تلك الكازارات وهذه الكواكب وهذه النجوم , خالق الأكوان هو الذي أنزل القرآن , فيجب أن تعلم من هو المرسِل , هذا خطاب مَن ؟ فضل كلام الله على خلقه كفضل الله على خلقه .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت , و عافنا فيمن عافيت , و تولنا فيمن توليت , وبارك لنا فيما أعطيت , وقنا و اصرف عنا شر ما قضيت , فإنك تقضي بالحق و لا يقضى عليك , وإنه لا يذل من واليت , و لا يعز من عاديت , تباركت ربنا و تعاليت , ولك الحمد على ما قضيت , نستغفرك و نتوب إليك , اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك , اللهم أعطنا و لا تحرمنا , أكرمنا ولا تهنا , آثرنا و لا تؤثر علينا , أرضنا وارض عنا , اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا و بين معصيتك , ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك , و من اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا , ومتعنا اللهم بأسماعنا و أبصارنا وقوتنا ما أحييتنا , واجعله الوارث منا , واجعل ثأرنا على من ظلمنا , وانصرنا على من عادانا , ولا تجعل الدنيا أكبر همنا و لا مبلغ علمنا , ولا تسلط علينا ما لا يخافك و لا يرحمنا , مولانا رب العالمين , اللهم إنا نعوذ بك من عضال الداء و من شماتة الأعداء و من السلب بعد العطاء , اللهم إنا نعوذ بك أن نضل أو نُضل , أو نَزل أو نُزَل , أو أن نجهل أو أن يُجهل علينا , يا رب العالمين , اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب , وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيمن تحب , يا رب العالمين , اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك , يا رب العالمين , اللهم وفِّق ولاة المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها لما تحب و ترضى , اللهم سدد خطاهم , يا رب العالمين .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018