الخطبة : 0751 - الأمانة - أنواعها - الصلاة والدعاء تساعدان على الشفاء. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0751 - الأمانة - أنواعها - الصلاة والدعاء تساعدان على الشفاء.


2000-07-07

الخطبة الأولى:
 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الأمانة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ في القرآن الكريم آية خطيرة جداً ، يقول الله عز وجل :

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾

[ سورة الأحزاب : 72 ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ وفي آية ثانية يقول جلّ في علاه :

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾

[سورة النساء : 58]

 جاءت كلمة " الأمانات " جمعاً ، لأن هناك أمانات كثيرة في حياة المؤمن عليه أن يؤدِّيها جميعاً .

 

أنواع الأمانة :

1 ـ أمانة التكليف :

 أيها الأخوة ؛ أيًّا كان معنى الأمانة فهي شيء عظيم وخطير و مصيري ، بدليل أن السموات و الأرض و الجبال أشفقن منها وأبين أن يحملنها وحملها الإنسان ، فالإنسان أيها الأخوة من خلال موقفه منها إما أن يرقى بها إلى أعلى علِّيين ، أو يهوي إلى أسفل سافلين ، موقفه من الأمانة سيحدد مصيره الأبدي ، سيحدد ما إذا كان مؤمناً أو مشركاً أو منافقاً .
 أيها الأخوة ؛ على الرغم من أن عامة الناس يفهمونها فهماً محدوداً ، فإنّ للأمانات مفهومات واسعة عميقة ومتعدِّدة ، لعلي لا أبالغ إذا قلت : إن من أخطر المفهومات في حياة المؤمن مفهوم الأمانة ، طبعا العوام يفهمونها فهماً ساذجاً يعمي الإنسان؛ وضع عندك مالاً ثم استردّه ، فأدَّيته له بالتمام والكمال ، هذا مفهوم ضيِّق جداً من مفهومات الأمانة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ إنها عفّة عن المحارم ، عفة عن المطامع ، إنها أداء طوعي للحقوق ، من دون أن يكون المرء مُدانًا عند الناس ، جاءتني ورقة قبل سنوات وأنا محتفظ بها ، يقول كاتب الورقة : أدَّيتُ لورثة عشرين مليوناً وهم لا يعلمون عنها شيئاً ، ليس في الأرض مداناً ولا مسؤولاً ولا محاسباً ، إلا أنه أدّى هذا المبلغ للورثة أداءً طوعياً .
 أيها الأخوة ؛ هي أداء طوعي للحقوق و الواجبات و حفظ لما استؤمِن عليه الإنسان، هذا من جانب الإنسان ، أما من جانب الواحد الديان فهي سؤال و حساب و إدانة و جزاء لكل ما أوكل أمره للإنسان ، و قد أُعطي الإمكانات و القدرات الكافية ليصح التكليف ، وأُعطي الإرادة الحرة لتحقيق هذا التكليف .
 روى الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ

((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ))

[ البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ]

 إن مبدأ المسؤولية يشمل كل الناس ، بدءاً من الولاية العظمى و انتهاء بخادم في بيت صغير ، كلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته .

 

2 ـ أمانة التبليغ :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ذكرت قبل قليل قوله تعالى :

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ ﴾

[سورة النساء : 58]

 جمع ،

﴿إِلَى أَهْلِهَا﴾

 في الحياة أمانات متعددة جداً ، من هذه الأمانات أمانة التبليغ ، هي الأمانة العظمى التي حُمِّلت للأنبياء والمرسلين ، الذين هم أمناء وحي السماء ، و قد رعوها حق رعايتها ، وأدّوها على الوجه المطلوب ، وظهرت في عصورهم بطولات فذّة و مجتمعات فاضلة مكَّنت قوى الخير من أن تنتصر على قوى الشر ، قال تعالى :

﴿لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾

[سورة الحاقة : 44-47]

 و قال تعالى :

﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾

[ سورة الإسراء : 73-75]

 من أعظم الأمانات هذه الأمانة التي حملها الأنبياء و المرسلون ، إنها أمانة التبليغ ، ومما يوصف به النبي عليه الصلاة و السلام ، بأنه أمين وحي السماء ، هذه أمانة .

 

3 ـ أمانة التبيين :

 و هناك أمانة التبيين ، هذه الأمانة أُوكلت إلى العلماء ، العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ، أمناء الرسل و قد أدى الأصحابُ الكرام و التابعون الأعلام و العلماء العاملون المخلصون من بعدهم هذه الأمانة ، و حفظوا ميراث النبوة ، و تحّلوا مسؤولية الأداء ، ما تنصلوا و ما تعلَّلوا وما اعتذروا وما ألقوا ذلك على عاتق غيرهم ، فكانت مجتمعاتهم بشكل أو بآخر امتداداً لعصور الازدهار والتألُّق ، لقد أخذ الله على العلماء أن يبيِّنوا الحقَّ للناس ، و لا يكتموه ، وهذه أمانة العلم ، و لن يستطيع العلماء أداءَ أماناتهم تلك إلا إذا كانوا علماء عاملين مخلصين .
 أيها الأخوة ؛ يقول الله عز وجل في حق هؤلاء :

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾

[ سورة الأحزاب : 39 ]

 لهؤلاء العلماء صفات كثيرة ، لكن الله أغفلها كلَّها و اكتفى بخصلة واحدة :

﴿وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ﴾

[ سورة الأحزاب : 39 ]

 لو أنهم خشوا غير الله أو سكتوا عن الحق أو نطقوا بالباطل ماذا بقي من رسالتهم؟ انتهت دعوتهم ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ :

(( أَلاَ تَسْتَعْمِلُنِي قَالَ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةُ وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا ))

[ مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ]

 قال الإمام الشافعي في تفسير قوله تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾

[ سورة النساء : 59]

 فسر " أولي الأمر " بأنهم العلماء الذين يعلمون الأمر ، وبأنهم الأمراء الذين ينبغي أن ينفذوا هذا الأمر .

 

4 ـ أمانة الولاية :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أمانة الولاية ، من مستويات الأمانة أمانة الولاية ، وهذه الأمانة تكمِّل أمانة التبليغ و أمانة الأداء ، يقول صلى الله عليه و سلم :

(( صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس و إذا فسدا فسد الناس ، العلماء و الأمراء . .))

[رواه أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس]

 العدل حسن ، ولكن في الأمراء أحسن ، السخاء حسن ، ولكن في الأغنياء أحسن ، الورع حسن ، ولكن في العلماء أحسن ، الصبر حسن ، ولكن في الفقراء أحسن ، التوبة حسن ، ولكن في الشباب أحسن ، الحياء حسن ، ولكن في النساء أحسن .
 أيها الأخوة الكرام ؛ تروي فاطمة بنت عبد الملك زوجة الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين : " دخلت على عمر يوماً في مصلاه فرأيته واضعاً يده على خده و دموعه تسيل ، فقلت له : ما بالك ؟ و فيم بكاؤك ؟ فقال : دعيني يا فاطمة ، فلما ألحّت عليه قال : ويحك يا فاطمة ، إني قد وُلِّيت هذا الأمر ففكرت في الفقير الجائع ، والمريض الضائع ، و العاري المجهول ، و اليتيم المكسور ، و المظلوم المقهور ، و الغريب ، و الأسير ، و الشيخ الكبير و الأرملة الوحيدة ، وذوي العيال الكثير و الرزق القليل و أشباههم في أطراف البلاد ، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم جميعاً يوم القيامة ، و أنا خصمي دونهم يومئذ سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم ، فخشيت ألاّ تثبت لي حجة ، فلذلك أبكي" .
 أيها الأخوة ؛ سيدنا عمر امتحن والياً ، قال : ماذا تفعل إذا جاءك الناسُ بسارق أو ناهب ؟ قال : أقطع يده ، قال : إذًا إن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك ، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسدّ جوعتهم ، و نستر عورتهم ، و نوفر لهم حرفتهم ، وإن وفّيناهم ذلك تقاضيناهم شكرها ، إن هذه الأيدي خُلقت لتعمل ، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً ، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية .

 

5 ـ أمانة الواجب :

 أمانة أخرى ، ألم أقل لكم في أول الخطبة أن الله عز وجل يقول :

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾

[سورة النساء : 58]

 من أخطر هذه الأمانات أمانة الواجب ، أن يحرص المؤمن على أداء واجبه كاملاً ، من خلال العمل الذي أُنيط به ، و أن يستنفذ جهده في إبلاغه تمام الإحسان ، انطلاقاً من الإيمان والشعور بأن الله سيسأله عن العمل الذي أوكل إليه ، هل أدّاه كاملاً غير منقوص أم كان الخلل و التقصير؟ هل نصح أم غشّ؟ هل أتقن أم أهمل؟ هل أنصف أم ظلم؟ هل أحسن أم أساء؟ هل رحم أم قسا؟ هل حفظ أم ضيّع؟ هل أعطى أم منع؟
 أيها الأخوة ؛ الطالب أمانة في عنق المعلم ، هذا من أمانة أداء الواجب ، فهل عُني في تعليمه و تقويمه أم أهمل و قصَّر ؟ هل كان هذا المعلم مخلصاً للحقيقة أم مزوِّراً و منتحلاً لها؟ هل أخلص في عمله أم خان ضميره المسلكي و ضيّع ما استودع؟ المريض أمانة في عنق الطبيب ، هل حرص على شفائه من دائه أم حرص على ابتزاز أمواله؟ الموكِّل أمانة في عنق المحامي هل صدقه و نصحه؟ و الخصمان المتنازعان أمانة في عنق القاضي ، هل عدل أم ظلم؟ الأبنية و المنشآت و الجسور و الطرقات أمانة في عنق المهندس ، هل صمَّمها ،؟ الذي صمَّمها و الذي نفّذها والذي تسلمها هل حفظ مال الأمة أم ضيّعه؟ الصنعة و الحرفة أمانة في عنق الصانع هل أتقنها؟ هل حسّنها؟ هل طوّرها أم أهملها فكانت العيوب و النقائص و الخلل و الكساد علماً بأن إتقان الصنعة جزء من الدين؟
 أيها الأخوة الأكارم ؛ الشجرة و النبتة أمانة في عنق المزارع ، هل أحسن العناية بها كي تؤتي أكلها كل حين أم تركها نهبة للعطش و الأمراض و الأوبئة فانخفض الإنتاج و تضرر الناس؟ و المستهلك أمانة في عنق البائع هل نصحه و غشّه في النوع و الكم و السعر؟ و المراجع أمانة في عنق الموظف هل سهّل له طلبه و يسر له أمره أم وضع له العقبات و العراقيل ليأخذ منه ما ليس بحق؟ يدخل في أمانة الواجب البيوع و الديون والمواريث و الودائع و الرهون و العواري والوصايا و الهبات و أنواع الولايات الكبرى و الصغرى .
 يدخل في أمانة الأعراض كفّ النفس و السمع و اللسان و اليد و الغيبة و القذف ، يدخل في أمانة الأجسام والأرواح كفُّ النفس و اليد عن التعرّض لها بسوء من قتل أو جرح أو ضر أو أذى .

 

6 ـ الأمانة العلمية :

 يدخل في الأمانة الأمانة العلمية ، هي صحة النقل و نسبته إلى صاحبه من دون تحريف أو تزوير ، أو انتحال أو حذف ، أو زيادة أو تدليس .
 أيها الأخوة الكرام ؛ و من الأمانة صيانة حقوق الابتكار ، و الاختراع و عدم التقليد ، و عدم تقليد العلامات التجارية ، هذا هو الدين ، دين الحياة ، دين الواقع ، من الأمانة صيانة الحقوق الأدبية ، من الإنتاج الأدبي و العلمي ، و عدم النقل و الاقتباس و الطبع من دون إذن صاحب المؤلَّف ، يقول صلى الله عليه و سلم ، عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(( إِنَّ اللَّهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ ))

[رواه الترمذي عن أنس]

 أيها الأخوة الكرام ؛ هؤلاء الذين أدوا أمانة الواجب عند رسول الله صلى الله عليه و سلم ، يقول عليه الصلاة و السلام :

(( الأمانة غنى ))

[الجامع الصغير عن أنس]

 الأمانة في نص هذا الحديث من أسباب التوفيق في الأعمال ، الأمين العفيف المتقن الناصح الذي يؤدي واجبه كاملاً يكسب ثقة الناس ، و هذه الثقة أكبر رأس مال يملكه الإنسان و يتحرك به .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الأمانة تحقق التوازن النفسي بحيث تغني عن استجداء المديح ، وهي تكسب المرء ثقة بطهر نفسه ، وهذه الثقة تجعله عزيزاً رافع الرأس .

 

7 ـ أمانة المجالس :

 بقيت أمانة المجالس ، من معاني الأمانة أن تحفظ حقوق المجالس التي تشارك فيها ، فلا تجعل لسانك يفشي أسرارها ، ويسرد أخبارها ، فكم من حبال تقطعت و كم من مصالح تعطلت باستهانة الناس بأمانة المجالس ، و ذكرهم ما يدور فيها من كلام منسوب إلى قائله و غير منسوب ، قال صلى الله عليه و سلم ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ

(( إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ الْحَدِيثَ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ))

[رواه الترمذي عن جابر بن عبد الله ]

 هكذا الإسلام و هكذا المنهج الإلهي ، حرمات المجالس مادام الذي يجري فيها مضبوطاً بحدود الأدب و شرائع الدين ، وإلا فليست لها حرمة ، قال عليه الصلاة و السلام ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ إِلَّا ثَلَاثَةَ مَجَالِسَ سَفْكُ دَمٍ حَرَامٍ أَوْ فَرْجٌ حَرَامٌ أَوْ اقْتِطَاعُ مَالٍ بِغَيْرِ حَقٍّ ))

[رواه أبو داود عن جابر بن عبد الله]

 هذه المجالس وجب حفظ أسرارها .

 

8 ـ أمانة العلاقات الزوجية :

 أيها الأخوة ؛ هناك أمانة العلاقات الزوجية ، و للعلاقات الزوجية في نظر الإسلام قداسة ، فما يضمه البيت من شؤون بين الرجل و زوجته يجب أن يُطوى في أستار مسبلة فلا يطّلع عليه أحد مهما قرب ، قال عليه الصلاة و السلام عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(( إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا ))

[رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري]

حقيقة الورع و أنواعه :

 أيها الأخوة ؛ تطبيقاً لمفهوم الأمانة العلمية و توضيحاً لما تقتضيه أمانة هذا الموضوع فإن التقصير في أداء الواجب في كل الأعمال و الحرف و الوظائف يدخل الشبهة على المال الذي يكسبه المقصِّر ، لقد ضلَّ من قصر الدين على أداء العبادات من صوم و صلاة وحج و زكاة ، و نسي أن ترك درهم من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام ، و نسي أن الرجل لأن يمشي في حاجة أخيه خير له من صيام شهر و اعتكافه ، فمن أجل أن يصح دين الرجل ينبغي أن يحرر دخله من الشبهات ، و من التقصير في أداء الواجبات ، وهذه هي حقيقة الورع ، و قد ورد في الأثر أن ركعتين من ورع خير من ألف ركعة من مخلط .
 أيها الأخوة ؛ الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في إحيائه يقول : " الورع أربع درجات ؛ أدناه ورع العدول ، و هو الذي يوجب الفسق باقتحامه و يسقط العدالة بنواله ، و يثبت العصيان و التعرض للنيران ، وهو الورع عن كل ما تحرمه فتاوى الفقهاء" .
 الدرجة الثانية ورع الصالحين ، هو الامتناع عن كل ما فيه شبهة التحريم ، ولكن المفتي يفتي بحله بناء على ظاهر أمره ، و قد بني هذا على قول النبي صلى الله عليه و سلم ، عَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ قَالَ : قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ مَا حَفِظْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ : حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ ))

[رواه الترمذي عن أبي الحوراء السعدي]

 و الدرجة الثالثة ورع المتقين ، وهو الامتناع عما لا تحرمه الفتوى ، ولا شبهة في حله ، و لكن يُخشى أن يؤدِي إلى محرم ، وهذا مأخوذ من قول النبي عليه الصلاة و السلام :

(( لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ دَرَجَةَ الْيَقِينِ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ مَخَافَةَ مَا بِهِ بَأْسٌ))

[النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ]

 و أما الدرجة الرابعة فهي أعلى الدرجات ، إنها ورع الصدِّيقين ، وهي الامتناع عما لا بأس به أصلاً و لا يُخشى أن يؤدي إلى ما به باس ، و لكنه يُتناول لغير الله ، و على غير نية التقوي على طاعة الله ، من لقي الله ورعاً أعطاه الله ثواب الإسلام كله .

 

الشريعة الإسلامية عدل كلها ورحمة كلها :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الشريعة الإسلامية عدل كلها ، ورحمة كلها ، و مصالح كلها ، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور ، و من الرحمة إلى ضدها ، ومن المصلحة إلى المفسدة ، ومن الحكمة إلى العبث ، فليست من الشريعة و لو أدخلت عليها بألف تأويل و تأويل .
 النبي عليه الصلاة و السلام يقول :

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة))

[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]

 قال تعالى :

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾

[سورة النساء : 58]

 أمانة التكليف ، نفسك أمانة بين يديك ، أمانة التبليغ ، هي أمانة الأنبياء و المرسلين ، أمانة التبيين هي أمانة العلماء ، أمانة الولاية ، أمانة التولية ، أمانة الواجب ، أمانة المجالس ، أمانة العلاقات الزوجية .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا و سيتخطى غيرنا غلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت ، و العاجز من أتبع نفسه هواها ، و تمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الصلاة و الدعاء يساعدان على الشفاء :

 وبعد ؛ أيها الأخوة الكرام ؛ تنفيذاً لأداء أمانة التبيين ، قبل أسبوعين حدّثتكم عن معلومة وردت في أحد المواقع المعلوماتية ، وهي دراسة قامت بها جامعة من الجامعات المحترمة تؤكد أن الصلاة و العلاج الروحاني يمكن أن يقللا من الألم الذي يشعر به المريض ، و أن يعجلا بشفائه ، بعض الأخوة الكرام تمنى علي أن أوضِّح أن هذه الحالة النفسية العالية التي تعين على الشفاء وتعين على تخفيف الآلام ، هذه الحالة النفسية هي حالتان؛ إما أن تكون حالة وهم أو أن تكون حالة إيمان ، قد تعطي إنساناً شيكاً بمئة مليون ، و لكنه مزوّر ، و لا يدري أنه مزوّر ، ترتفع معنوياته ، و يشعر أنه غني كبير ، هذه حالة عالية و لكنها ليست حالة واقعية صحيحة ، فالدراسة أشارت إلى أن الحالة النفسية المرتفعة لها علاقة بتخفيف الآلام و تعجيل الشفاء ، و لكن قد تكون هذه الحالة بسبب الإيمان بالله عز وجل و الاستسلام لأمره والاتصال به ، فهذه الحالة الطيبة هي التي قصدتها أنا في تعليقي السابق ، أما قد تكون هذه الحالة موهومة أساسها غير صحيح ، و لها نفس الأثر ، لذلك قالوا : العلم حكَم على الحال ، فكلما كان علمك متيناً قيَّمت بعلمك المتين حالك ، فهناك حال رحماني ، وهناك حال شيطاني .
 أيها الأخوة الكرام ؛ أردت من هذا التعليق أن أبيِّن أن الدراسة متعلقة بحالة عالية ، قد تكون بسبب الإيمان بالله عز وجل و الاستقامة على أمره و الاتصال به ، وقد تكون بسبب آخر لا يعنينا .
 أنا أردت من الذي ذكرته في الأسبوع الماضي الزاوية الثانية ، الحالة المرتفعة بسبب الإيمان بالله ، و الاتصال به ، والاستقامة على أمره ، والعيش في كنفه .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، و عافنا فيمن عافيت ، و تولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا و اصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق و لا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ، و لا يعز من عاديت ، تباركت ربنا و تعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك و نتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك ، اللهم أعطنا و لا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا و لا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا و بين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، و من اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا و أبصارنا وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا و لا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا ما لا يخافك و لا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم إنا نعوذ بك من عضال الداء و من شماتة الأعداء و من السلب بعد العطاء ، اللهم إنا نعوذ بك أن نضل أو نُضل ، أو نزل أو نزَلّ ، أو أن نجهل أو أن يُجهل علينا ، يا رب العالمين ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيمن تحب ، يا رب العالمين ، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك ، يا رب العالمين ، اللهم وفِّق ولاة المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها لما تحب و ترضى ، اللهم سدد خطاهم ، يا رب العالمين .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018