فقه السيرة النبوية - الدرس : 32 - الهجرة -7- قصة سراقة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

فقه السيرة النبوية - الدرس : 32 - الهجرة -7- قصة سراقة


2006-03-27

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

دلالات ودروس من حادثة سراقة مع النبي :

أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وقد وصلنا في الدرس السابق إلى حديث سراقة، والحديث عن سراقة حديث ذو دلالات كثيرة، ذلك أن الإنسان حينما يهزم من داخله ينتهي، قد يهزم في دولة أو في معركة وهو واثق من نصر الله له فقصة سراقة تعلمنا دروساً كثيرة، أبرز هذه الدروس:

1 – وضعية النبيe قبل الهجرة وتآمر الناس على قتله:

أن إنساناً وصلت دعوته إلى النهاية الصغرى إلى الحضيض، بعد أن خرج النبي عليه الصلاة والسلام من مكة المكرمة مهاجراً إلى المدينة، وبعد أن أخفقت قريش في ملاحقته وضعت مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً.
المؤمن إنسان واثق بنصر الله تعالى له
أرأيتم إلى ضعف كهذا الضعف، إنسان ملاحق، مهدور دمه، موضوع مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، ومع ذلك كانت ثقته بنصر الله لا حدود لها، أحياناً في هذه الظروف الصعبة التي تتداعى عليها الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، ورد في بعض الأحاديث الصحية:

(( يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل: ومن قِلّةٍ نحن يومئذٍ ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنكم غثاءٌ، كغثاء السيل ))

[ رواه أبو داود عن ثوبان ]

لا وزن لهم إطلاقاً، لمَ يا رسول الله ؟ قال: يصيبكم الوهن.

(( قيل: وَمَا الْوَهْنُ ؟ قالَ: حُبّ الدّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ ))

2 – صبر النبي والصحابة في مواجهة الضغوطات:

لذلك كان السلف الصالح الواحد بألف، ومع تأخر المسلمين وضعفهم الألف بأفٍّ واحد كألف، وألف بأف.

للتوضيح:

سيدنا أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه جاءه استنجاد من قائده خالد بن الوليد في معركة من المعارك، وطلب منه خالد 50 ألف جندي، لأنه معه 30 ألفًا واجه 300 ألف، طلب النجدة، فإذا بالصديق رضي الله عنه يرسل له رجلاً واحداً، اسمه القعقاع بن عمرو ، ولولا أن التاريخ يؤكد هذه القصة لما أمكن أن تقبل، لما وصل القعقاع إليه قال: أين المدد ؟ قال له: أنا المدد، قال له: أنت ؟! قال له: أنا، ومعه كتاب، فتح الكتاب يقول الصديق رضي الله عنه: يا خالد، لا تعجب أن أرسلت إليك بواحد، فو الذي بعث محمد بالحق إن جيشاً فيه القعقاع لا يهزم، وانتصر.

3 – قانون النصر والتمكين: يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا:

من آمن بالله وعمل صالحاً استخلفه الله في الأرض
مليار وثلاثمئة مليون، وفي رقم أحدث مليار ونصف، ليس أمرهم بيدهم ، وليست كلمتهم هي العليا، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، لأن القصة كلها كما يلي:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

( سورة النور الآية: 55 ).

هل نحن مستخلفون ؟ لا والله.

 

﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

( سورة النور الآية: 55 ).

هذا قانون:

 

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

( سورة النور الآية: 55 ).

4 - واقع المسلمين وتجرؤ الأعداء على دينهم ورسولهم:

هل نحن ممكَّنون في الأرض ؟ يرسمون النبي عليه الصلاة والسلام بصور لا يستطيع داعية في الأرض أن يصفها.

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

هل المسلمون آمنون ؟ كل يوم تهديد، كل يوم وعيد، كل يوم عدوان، كل يوم قصف، يقول الله عز وجل:

 

﴿ يَعْبُدُونَنِي﴾

( سورة النور الآية: 55 ).

إن صح التعبير أن الله جل جلاله وتباركت أسماءه فريق أول، وأن المؤمنين فريق ثانٍ، الفريق الأول هو الله عز وجل، وعد بالنصر والتمكين والنصر والتطمين، وعلى الفريق الثاني أن يعبده، فإذا أخلّ الفريق الثاني بما عليه فالله جل جلاله في حل من وعوده، ولا تنسوا أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ ﴾

كقانون للمؤمنين:

﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي ﴾

بعد المسلمين عن الله اليوم سبب ضعفهم وتفرقهم
إخواننا الكرام، هذا في القرآن، أما في السنة فقد أردف النبي عليه الصلاة والسلام سيدنا معاذ بن جبل:

 

(( يا معاذ، هل تدري ما حق اللَّه على عباده ؟ وما حق العباد على اللَّه؟ قلت: اللَّه ورسوله أعلم ـ سأله ثانية وثالثة ـ قال: فإن حق اللَّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ـ هذا واضح، ثم سأله: يا معاذ، هذا كلام دقيق جداً وفيه بشارة ـ يا معاذ ما حق العباد على الله إذا هم عبدوه ؟ قال: ألا يعذبهم ))

 

[ متفق عليه ].

أنشأ الله لنا حق عليه، الإله العظيم، خالق السماوات والأرض، أنشأ لك حقاً عليه، وقال طالبني به، حق العباد على الله إذا هم عبدوه ألا يعذبهم.

كل مؤمن مستقيم على أمر الله له عند الله حق ألا يعذبه
هناك شاهد آخر:

﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

( سورة المائدة الآية: 18 ).

استنبط الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أن الله تعالى لو قبِل دعواهم أنهم أحبابه لما عذبهم، لأن الله لا يعذب أحبابه، فكل مؤمن مستقيم على أمر الله له عند الله حق ألا يعذبه، الآيات المطمئنة:

 

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾

(سورة الجاثية).

حياة الشاب المؤمن هي من تقدير الله عز وجل، ومستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يعامل شاب مستقيم عفيف ورع، مؤدٍ لعباداته كما يعامل شاب متفلت.

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

5 – معية الله: عامة وخاصة:

أنا أطمئن الإخوة الكرام، الحضور والمستمعين، لكنني أبين أن معية الله عز وجل لها ثمن، معية الله معيتان معية عامة، ومعية خاصة، المعية العامة هو معنا بعلمه، هو مع كل إنسان، حتى الكافر حتى العاصي، حتى المنافق، حتى الفاجر، معهم بعلمه، ولكن الله عز وجل إذا قال:

 

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾

(سورة الأنفال ).

أي معهم بالتوفيق، والتأييد، والنصر، والحفظ.

6 – المعنويات العالية: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا:

أيها الإخوة، يقول الله عز وجل:

 

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾

( سورة التوبة الآية: 51 ).

ولم يقل: علينا.

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

علينا أن نشكو ضعفنا وهمومنا لله وحده ونثق بحكمه وفرجه
الذي أريد أن أوضحه في هذا الدرس أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى الطائف رده أهلها شر رد، كذبوه واستهزؤوا به، وأغروا صبيانهم أن يضربوه، وقال:

 

(( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري ؟ إن لم تكن ساخطا علي فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى، غير أن عافيتك أوسع لي ))

 

[ أخرجه الطبراني في الكبير عن عبد الله بن جعفر ].

كان قد خرج من مكة وقد أخرجه أهلها، ولما أراد أن يعود إليها يقول سيدنا زيد بن ثابت، وكان رفيقه في هذه الرحلة: يا رسول الله، كيف تعود إلى مكة وقد أخرجتك ؟ فقال عليه الصلاة والسلام:

(( إن الله ناصر نبيه ))

[ ورد في الأثر]

معنوياته عالية جداً، وفي الهجرة وقد أهدر دمه، ووضعت مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، ولحقه سراقة وأدركه، وغاصت قدما فرسه في الرمل، وعلم سراقة أن هذا الرجل ممنوع منه، قال: يا سراقة: كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ يعني أنا سأصل إلى المدينة، وسأؤسس دولة، وأنشئ جيشاً، وسأحارب أقوى دولتين في الأرض، وسأنتصر عليهما، وسوف تأتيني كنوز كسرى، ولك يا سراقة سوار كسرى.

قصة عدي بن حاتم مع النبي:

إخواننا الكرام، عدي بن حاتم بن ملك الغساسنة، وقعت أخته سفانة أسيرة عند النبي عليه الصلاة والسلام، ولها قصة، ولكن حينما أطلق النبي سراحها قالت: يا عدي، اذهب إلى هذا الإنسان الطيب، رأيت فيه خصالاً تعجبني، يطعم الفقير، ويفك الأسير، ويحمل الكل، فإن يكن نبياً فللسابق فضله، وإن يكن نبياً فلم تزل في عز ملكه، عدي بن حاتم توجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، إلى المدينة، ودخل عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم سأله من الرجل ؟ قال: عدي بن حاتم، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( أنزلوا الناس منازلهم ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود عن عائشة ].

وكان عليه الصلاة والسلام يعرف قدر من حوله، فقام بي إلى بيته، وهذا عرف عالمي، إذا دعوت ضيفاً إلى بيتك فهذا تكريم ما بعده تكريم، يقول عدي بن حاتم، وهو لا يعلم أهذا الإنسان نبي أم ملك ؟ يقول عدي بن حاتم: فقال: قم بنا إلى البيت، وانطلق بي إلى البيت، وإنه لعامد بي إلى البيت في الطريق لقيته امرأة ضعيفة، فكلمته، فوقف معها طويلاً يكلمها في حاجتها، فقال عدي: والله ما هذا بأمر ملك، فلما وصلا إلى البيت، إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عدي: دفع إلي وسادة من أدم محشوة ليفاً، فقال: اجلس عليها، ما في ببيته غير هذه الوسادة، فقلت: بل أنت تجلس عليها، قال: بل أنت قال: فجلست عليها وجلس رسول الله على الأرض، قال إيه يا علي بن حاتم ألم تكن ركوسياً ـ دين بين النصرانية والصابئة ـ قال: بلى، قال أو لم تكن تأخذ في قومك بالمرباع ؟ تأخذ ربع أموالهم ؟ قال: بلى، قال: فإن ذلك لم يكن يحل في دينك، فانتبه عدي، قال: فعلمت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل.
العالم يعادي المسلمين بسبب تفرقهم
الآن ثلاثة أسئلة وجهها النبي عليه الصلاة والسلام لعدي بن حاتم، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم معنا في هذا الزمان، إيه يا عدي بن حاتم، يعني تكلم، ثم قال له: لعله يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، وايم الله ليوكشن أن تسمع بالمرأة في أرض بابل تحج البيت على بعيرها لا تخاف، يعني سوف ينتصر، وسوف يؤسس المسلمون دولة عظيمة تفضي السلام والأمن على كل البقاع، ولعله إنما يمنعك يا عدي من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم من فقرهم، وايم الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعله يا عدي، إنما يمنعك من دخول في هذا الدين أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم الآن:
هناك فقر في المجتمع الإسلامي، وأعداء المسلمين العالم كله، كثرة العدو، والفقر، وما ترى من تشرذمهم، وتفرقهم.
ولعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، الأقوياء ليسوا مسلمين، الأقوياء من الطرف الآخر، ولقد عاش عدي حتى رأى هذه البشارات الثالث قد حققت.
التفاؤل يرفع معنويات المسلمين فالله لن يتخلى عنهم أبداً
أرأيت إلى التفاؤل ؟ هدفي الوحيد من قصة سراقة أن ترتفع معنويات المسلمين الله لا يتخلى عنهم، لكنه يعالجهم، نحن في العناية المشددة، وهذه نعمة ما بعدها نعمة تماماً كما لو سأل مريض قد أصيب بورم خبيث منتشر في كل جسمه، سأل الطبيب: ماذا آكل ؟ وما الأكلات التي تمنعني أن آكلها ؟ يقول له الطبيب: كُلْ كلَّ شيء، لأن أمْره انتهى، لذلك:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾

( سورة الأنعام).

فرق كبير بين أن تكون في العناية المشددة، وبين أن تكون خارج العناية المشددة، فالنبي عليه الصلاة والسلام تفاءل أن يستتب الأمن والنظام في ربوع العالم الإسلامي ، وتفاءل للمسلمين أن يغتنوا حتى يفيض المال فيهم، وحتى لا يوجد من يأخذه، وتفاءل أن الأعداء سوف ينقلبوا أصدقاء.

عصمة الله نبيّه من سراقة بن مالك:

أيها الإخوة، وحصلت المعجزة الثانية حين عصم الله جل جلاله رسوله صلى الله عليه وسلم، وحماه من سراقة بن مالك، الذي طلبهم طمعاً في جائزة قريش، فقد علم سراقة بخبرهم من رجل من بني مدلج، رآه عن بعد وهم مرتحلون مع الساحل، فاتبعهم سراقة وهم في مكان من الأرض، وينقل البخاري حديث سراقة حيث يقول:
(( وقد كنت أرجو أن أرده على قريش فآخذ المئة ناقة، كان سراقة يرجو أن يرد النبي على قريش ويأخذ المئة ناقة، قال: فركبت فرسي على أثره، فبينما فرسي يشتد بي عثر بي، فسقطت عنه، قال: فقلت: ما هذا، قال: ثم أخرجت قداحي ـ سهامي ـ فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره، قال: فأبيت إلا أن أتبعه، قال: فركبت في أثره فبينما فرسي يشتد بي عثر بي فسقطت عنه .

سنة الله في أنبيائه: النصر والتمكين:

قصة موسى وقومه مع فرعون:

قال سيدنا موسى وهارون:

﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى ﴾

(سورة طه ).

فرعون بطاش جبار.

 

﴿ قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾

( سورة طه ).

أفضل إيمان الرجل أن يعلم أن الله معه حيث كان
أفضل إيمان الرجل أن يعلم أن الله معه حيث كان.
هناك قصص في التاريخ عجيبة، شرذمة من بني إسرائيل ومعهم موسى عليه السلام متجهون نحو الغرب ونحو البحر:

 

﴿ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾

( سورة طه الآية: 78 ).

طاغية جبار، متغطرس، حاقد، لئيم، قلبه كالحجر، لا يرحم، معه عدة وعتاد وسلاح فتاك.

 

﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾

( سورة الشعراء الآية: 61 ).

المؤمنون مع سيدنا موسى في اتجاه البحر.
﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ ﴾

رأوا فرعون وراءهم، وو يتبعهم بأسلحته، وجبروته، وقسوته، وحقده، وبطشه، وتألهه:

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾

( سورة الشعراء).

هل هناك أمل ؟ بمقياس الأرض، بموازين الأرض دولة بكل ثقلها، بكل أسلحتها بكل مدرعاتها، بكل أجهزتها، بكل طيرانها، بكل ما تملك من قوة تتبع شرذمة قليلة أمامها البحر، كم احتمال نجاة ؟ ولا واحد بالمليون.

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾

﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾

(سورة الشعراء ).

إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟

يا رب، ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟
كن مع الله تــر الله معك و اترك الكل وحاذر طمعك
و إذا أعطاه من يمنــعه ثم من يعطي إذا ما مـنعك

فإنك بأعيننا:

أيها الإخوة، يقول سراقة: فركبت فرسي على أثره فبينما فرسي يشتد بي عثر بي، فسقطت عنه، قال: فقلت: ما هذا، قال: ثم أخرجت قداحي ـ أي أسهمي ـ فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره، قال: فأبيت إلا أن أتبعه، قال: فركبت في أثره فبينما فرسي يشتد بي عثر ـ المرة الثالثة ـ فسقطت عنه قال: فقلت ما هذا ؟ فلما بدا لي القوم، ورأيتهم يعني رأى النبي وصاحبه، ومن يقود الناقة، فلما رأيت القوم، ورأيتهم عثر بي فرسي للمرة الرابعة، وذهبت يداه في الأرض، وسقطت عنه ثم انتزع يديه من الأرض، وتبعهما دخان كالإعصار، قال: فعرفت حين رأيت أنه قد مُنع مني، وأنه ظاهر، قال: فقال رسول لأبي بكر: قل له: وما تبغي منا ؟ فقال له ذلك أبو بكر، قال: قلت ـ سراقة ـ تكتب لي كتاباً يكون آية بيني وبينك، فقد أدرك سراقة أن هذا إنسان غير عادي، لأنه أصر أول مرة والثانية، والثالثة، والرابعة، وكل مرة تغوص قدما فرس سراقة، ويقع عن فرسه، لكن المئة ناقة تتلألأ له فكان مصراً على أن يقتل محمدًا عليه الصلاة والسلام، أما في المرة الرابعة أدرك أن هذا الإنسان ممنوع من أن يناله أذىً، قال الله عز وجل قال:

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

( سورة الطور الآية: 48 ).

إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟

. أجمل كلمة أقولها لكم: قال بعض العلماء: هذا خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، لكن لكل مؤمن من هذا الخطاب نصيب من كان مع الله فمن عليه
وأنت أيها المؤمن إذا كنت مستقيماً ومخلصاً، ومتوجهاً إلى الله فإنك بأعين الله، فإنك بعين الله ترعاك، بقدر إيمانك واستقامتك وإخلاصك، فإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟

 

﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾

( سورة طه ).

أين أنا ؟ لذلك لما رأى سراقة أن النبي e إنسان غير عادي ممنوع من أن يناله أحد بأذى قال: أريد أن تكتب لي كتاباً يكون آية بيني وبينك، قال: اكتب له يا أبا بكر، فكتب لي كتاباً في عظم، أو في رقعة، أو في خرقة، ثم ألقاه إلي، فأخذته فجعلته في كنانتي، ثم رجعت فلم أذكر شيئاً، أراد أن يكون هذا سراً بينه وبين النبي، ويبدو أنه حينما أيقن أنه ربما قُتل، وأن النبي e لم يقتله، وإنه إنسان ممنوع من أن يناله بأذى، أراد وفاء مع النبي أن يعتم عليه كل خبر، فلم أذكر شيئاً مما كان، ثم حكى خبر لقاءه برسول الله e بعد فتح مكة وإسلامه.

مقام ومنزلة النبي عن المسلمين بين الحقيقة والواقع:

أنا أتصور هؤلاء الذين عاملوا النبي كإنسان عادي لما كشفت لهم الحقيقة أنه رسول الله، ماذا الذي حصل لهم ؟
سهيل بن عمر حينما فاوض النبي e في صلح الحديبية قال النبي لعلي بن أبي طالب: اكتب: هذا ما اتفق عليه محمد رسول الله، قال: امحُ رسول الله، لو آمنا بك رسولاً لما فاوضناك، امحُ، قال: امحها يا علي، ند لند، فإذا علمت أن هذا الإنسان هو سيد الخلق وحبيب الحق، وسيد ولد آدم، كيف نتأدب بعد مماته ؟

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾

( سورة الحجرات الآية: 1).

مادامت سنة رسول الله قائمة في أمته فهي في مأمن من عذاب الله
لا تقدم اقتراحات، ولا تنتقد توجيهات، ولا تقل: دعوة النبي لغير هذا العصر، ولا تقل: الحياة كانت محدودة، كل هذا من باب تقديم اقتراحات فيها تطاول على مقام النبي عليه الصلاة والسلام.
هناك معنى آخر أحب أن أضيفه إليكم: أن الله سبحانه وتعالى حينما قال:

 

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية:33).

المعنى الآن الظاهر: ما دام النبي بين ظهراني صاحبته الكرام فهم في مأمن من عذاب الله، لكن ماذا نفعل في هذه الآية بعد وفاة رسول الله ؟ قال علماء التفسير: مادامت سنة النبي e قائمة في أمته فأمته في مأمن من عذاب الله، أما إذا نالهم العذاب إذاً هم ليسوا على منهجه، ولم يستغفروا، لأن الله عز وجل يقول:

 

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

( سورة الأنفال ).

وقد نذكر سراقة في رواية صحيحة أنه اقترب من رسول الله وأبي بكر حتى سمع قراءة رسول الله e وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، كما ذكر أنه عرض عليهم الزاد والمتاع فلم يأخذا منه شيئاً، وأن وصيته كانت أنه أخفِ عنا

العناية الإلهية المشددة دليل خير وعافية:

أيها الإخوة، موضوع سراقة أمضينا فيه وقتاً طويلاً، لكن أهم شيء في هذا الموضوع يجب أن تكون واثقاً بأن الله لا يتخلى عن المؤمنين، لكنه يعالجهم، لكنه يؤدبهم لكنه يشدد عليهم، وقد ورد في الأثر:

(( أوحى ربك إلى الدنيا أن تشددي، وتضيقي على عبدي المؤمن لأني أحب أن أرحمه ))

[ ورد في الأثر]

إخوتنا الكرام، استبشروا إذا كنتم في العناية المشددة، استبشر إذا تابعك الله عز وجل، استبشر إذا جاء عقب تقصير، أو مخالفة العقاب الإلهي، معنى ذلك أنك ضمن العناية المشددة.
إذا كان معك التهاب معدة فقط، وليس معك ورم خبيث، ما دام هناك تشديد، وتضييق ومتابعة، وعقاب، وتأديب، معنى ذلك أنت في العناية المشددة، والمرض الذي سبب فوق هذه المصيبة قابل للشفاء، أما إذا أعطى الله الإنسان كل ما يشتهي وهو يزداد كفراً وعناداً ومعصية فهذا خارج العناية المشددة، هذا كلام دقيق، معنى ذلك أنه يرجى منك الخير.
وصدقوا أيها الإخوة أن 90% ممن ينجو من أخطار الدنيا كانت نجاته بسبب معالجة إلهية حكيمة.
والله مرة أحد الإخوة له أخ بعيد عن الله بعد الأرض عن السماء، أخ شارد، غارق في كل أنواع المعاصي والآثام، وله شبكة علاقات نفيسة مع الأقوياء، ومع المنحرفين، ثم أصيب بأزمة قلبية حادة أدخِل على أثرها إلى المستشفى، وإلى غرفة العناية المشددة، بعد هذا التقيت معه، وقال لي وهو على سرير العناية المشددة انه قال: يا رب أعطني فرصة أتوب إليك، أنا لا أرضى أن آتي إليك وأنا بهذه الحال، فالله عز وجل أعطاه فرصة، والأزمة أزيحت عنه، واستعاد صحته، ولزم دروس العلم، وتابع هذه الدروس، ثم مرة قال لي: وأنا أناجي ربي، قلت له: يا رب، كل هذه السعادة بسبب الإقبال عليك على إثر هذه المصيبة التي أصابتني ! لمَ لم ترسل لي هذه المصيبة من عشر سنوات ؟ تمنى أن تأتي في وقت مبكر.
من أقبل على الله عز وجل شعر بالسعادة
أنت حينما تنالك عناية الله بشيء يزعجك في الأول.

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾

( سورة البقرة ).

لعلي ذكرت هذه القصة سابقاً، لكن هنا مناسبة جداً:
الله يمتحننا بالمصيبة ليحملنا على التوبة
فتاة تحمل شهادة ثانوية، وتحب أن تكون معلمة، إنها سافرة، ولا تصلي، ولا تعتقد أن الدين سبيل سعادتها، فطلب منها فحص صدر، ذهبت إلى مستشفى حكومي، وفُحص صدرها، فإذا بتقرير يؤكد أنها مصابة بمرض السل، فلما علم أهلها ابتعدوا عنها، وخافوا من العدوى، وجعلوها تقبع في غرفة خاصة، ولها أدواتها الخاصة، وثيابها الخاصة، وحاجاتها الخاصة، وبكت، وبكت، وانهارت، ويأسِت إلى أن قررت أن تصلي، ثم قررت أن تتحجب، ثم ذاقت طعم القرب من الله، لكنّ أخاها من باب الفضول ذهب إلى المستشفى ليستطلع الخبر، فإذا بالتقرير أعطي لها خطأ، هي سليمة، لكن أعطي لها تقرير إنسان آخر، إذاً الله عز وجل ساق لها شبح المصيبة، حتى حملها على التوبة، لذلك قال تعالى:

 

﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾

( سورة لقمان الآية: 20 ).

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018