الدين والحياة - الحلقة : 4 - الفرق بين العبادة والطقوس - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠18برنامج الدين والحياة - قناة الدنيا
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدين والحياة - الحلقة : 4 - الفرق بين العبادة والطقوس


2008-09-21

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

العبادات والطقوس :

أعزائي المشاهدين ... أخوتي المؤمنين ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

العبادات في الإسلام معللة بمصالح الخلق :

كما تعلمون الصيام ثاني أكبر عبادة في الإسلام ، والعبادات في الإسلام معللة بمصالح الخلق ، وفرق كبير بين العبادة وبين الطقس ، الديانات الوثنية الأرضية التي هي من صنع البشر فيها طقوس وليس فيها عبادات ، معنى الطقوس أي حركات وسكنات وتمتمات وإيماءات ، هذه الحركات والسكنات والتمتمات لا معنى لها ، تؤدى أداءً شكلياً فارغاً ، أما في الدين الذي جاءنا من عند الله فيه عبادات ، العبادات معللة بمصالح الخلق ، مثلاً :

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء َالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

( سورة العنكبوت الآية : 45 )

إذاً علة الصلاة أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وعلة الصلاة أن أكبر ما فيها ذكر الله ، وأن ذكر الله عز وجل يهب الإنسان الحكمة ، ويهب الإنسان الأمن والرضا والسعادة .
الزكاة :

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾

( سورة التوبة الآية : 103 )

فالزكاة معللة بمصالح الخلق ، والصلاة معللة بمصالح الخلق ، والصيام معلل بمصالح الخلق :

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾

(سورة البقرة)

والحج معلل بمصالح الخلق :

﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ (97)﴾

(سورة المائدة)

ومتى علم العبد أن الله يعلم استقام على أمره ، وسعد بقربه وسلم في الدنيا ، ودخل جنة ربه في الآخرة .

 

التقوى ليست طريقاً محفوفاً بالورود ولكن التقوى تحتاج إلى جهد وصبر :

أيها الأخوة ، حينما يقول الله عز وجل :

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾

(سورة البقرة)

طريق التقوى يحتاج إلى بذل الجهد والصبر والانضباط
هناك بعض الملامح في آيات الله التي أدرجت فيها كلمة التقوى ، قال تعالى :

﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)﴾

( سورة يوسف )

ليست التقوى طريقاً محفوفاً بالورود ، ولكن التقوى تحتاج إلى صبر ، حفت الجنة بالمكاره ، وحفت الجنة بالشهوات .

(( أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ، أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ))

[ أحمد عن ابن عباس ]

فلابدّ من بذل جهد ، لابدّ من الضبط ، لابدّ من أن توقع حركتك أيها الإنسان وفق منهج الله ، لابدّ أن تكتفي بما سمح الله لك به ، لابدّ أن تتحرك في شهوتك في المجال الذي سمح الله به :

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

( سورة طه )

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ﴾

( سورة القصص الآية : 50 )

المعنى المخالف ، الذي يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه ، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل قناة نظيفة تسري خلالها ، ليس في الإسلام حرمان ولكن في الإسلام تنظيم .

 

الله عز وجل يدعو كل إنسان إلى مستوى رفيع من التقوى :

إذاً التقوى تحتاج إلى صبر ، ما الصبر ؟ أن تكون بين التهور والجبن ، أن تكون بين الإسراف والتقتير ، الصبر أن توقع حركتك وفق منهج الله ، الصبر يشبه من يقود مركبة فيها محرك هي الشهوات ، فيها مِقود هو العقل ، فيها الشرع هو الطريق ، فبطولة قائد المركبة أن يمسك بالمقود ليبقي هذه المركبة وهي مندفعة بقوة المحرك على الطريق ، إذاً التقوى تحتاج إلى صبر :

﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)﴾

( سورة يوسف )

ولكن لابدّ من بذل كل الجهد من أجل التقوى ، يقول الله عز وجل :

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (16)﴾

( سورة التغابن )

وهذه العبارة تفهم فهمين ، تفهم فهماً ما أراده الله أن تبذل بعض الجهد ،

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (16)﴾

لكن المعنى الذي أراده الله أن تبذل كل الجهد ،

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (16)﴾

الله عز وجل يدعونا إلى مستوى رفيع من التقوى ، أن تشكره فلا تكفره ، وأن تذكره فلا تنساه ، أن تطيعه فلا تعصيه .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 102 )

أي اتقوه في أعلى مستوى من التقوى .

 

التقوى طريق لمغفرة الذنوب

و فتح صفحة جديدة مع الله عز وجل :

أيها الأخوة الكرام ، شيء آخر :

(( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ ))

[ الترمذي عن أنس بن مالك]

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾

( سورة الزمر الآية : 53 )

وكأن الله عز وجل جعل التقوى طريقاً لمغفرة الذنوب ، حينما تتجه إلى الله ، وتصطلح معه ، وتوقع حركتك في الدنيا وفق منهجه ، يغفر لك ما تقدم من ذنبك ، الله عز وجل يقول :

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5)﴾

( سورة الطلاق )

كل واحد منا يتمنى أن يفتح مع الله صفحة جديدة حينما يعقد العزم على أن يتقي الله ، وعلى أن يستقيم على منهج الله ، وعلى أن يصطلح مع الله ، وعلى أن يخطب ود الله ، كأنه ألغى الماضي ، وفتح مع الله صفحة جديدة ، هذا المعنى تؤكده الآية الكريمة :

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5)﴾

( سورة الطلاق )

من يتقِ الله في علاقته بربه يجعل الله له مخرجاً من عقوبات التأديب :

ولكن الآية الأساسية أن التقوى تحل بها أكبر المشكلات ، ويا أيها الأخوة والله الذي لا إله إلا هو عندي يقين أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق الله وعوده للمؤمنين بهذه الآية ، الآية تقول :

﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴾

( سورة الطلاق )

نزلت فلما استحكمت حلقاتها فرجت و كان يظن أنها لا تفرج
* * *

ومن يتق الله يجعل له مخرجاً
حينما تغلق الأبواب ، حينما تسد الطرق ، حينما يقع الإنسان في اليأس ، حينما لا يجد مخرجاً ، حينما تسلط عليه الهموم ، حينما يتلقى الرفض من كل جهة في هذه الحالة يقرأ قوله تعالى :

﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴾

( سورة الطلاق )

وللآية سباق ولحاق وسياق ، الآية في سياق سورة الطلاق من يتق الله في تطليق زوجته يجعل الله له مخرجاً إلى إرجاعها ، أما إذا نزعت الآية من سياقها من يتق الله في اختيار زوجته يجعل الله له مخرجاً من الشقاء الزوجي ، من يتق الله في تربية أولاده يجعل الله له مخرجاً من عقوقهم ، من يتق الله في كسب ماله يجعل الله له مخرجاً من إتلاف المال ، من يتق الله في علاقته بربه يجعل الله له مخرجاً من عقوبات التأديب ، فلذلك هذه الآية تحل بها جميع المشكلات :

﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴾

( سورة الطلاق )

وكلمة مخرجاً تعني أن المنافذ كلها مغلقة ، أبواب الأرض أغلقت جميعها والله عز وجل لحكمة بالغة يغلق أمام الإنسان المتردد أبواب الأرض ليطرق أبواب السماء .

 

وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا :

هناك آية أخرى تقترب منها :

﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾

( سورة الطلاق )

تيسر أموره ، ييسر عمله ، ييسر زواجه ، ييسر رزقه :

﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾

( سورة الطلاق )

التقوى طريق النجاح في الدنيا والآخرة :

من اتق الله عز وجل حقق نجاحاً في الدنيا والآخرة
أيها الأخوة ، شيء آخر التقوى طريق النجاح في الدنيا والآخرة :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ (28)﴾

(سورة الحديد)

يعني كفالة لكم في الدنيا وكفالة لكم في الآخرة ، إنكم إن اتقيتم ربكم حققتم نجاح الدنيا والآخرة ، نجاح الدنيا والآخرة معاً ، فلذلك النجاح كل النجاح ، والفوز كل الفوز ، والتفوق كل التفوق ، والفلاح كل الفلاح ، بتقوى الله عز وجل ، وتقوى الله تعلي قدر الإنسان:

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

( سورة الحجرات الآية : 13 )

بل إن الله يحب المتقين ، وإذا أحب المتقين حفظهم ، ورزقهم ، ونصرهم ، ودعمهم .

 

من نتائج التقوى :

1 ـ أن الله عز وجل ولي الإنسان المؤمن :

من نتائج هذه التقوى أن يكون خالق السماوات والأرض وليك قال تعالى :

﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19)﴾

(سورة الجاثية )

2 ـ أن يكون الله معك :

من نتائج التقوى أن يكون الله معك ، إذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان عليك فمن معك .

3 ـ أن تكون في قمة النجاح والفلاح والتفوق والفوز :

من نتائج التقوى أن تكون في قمة النجاح والفلاح والتفوق والفوز ، قال تعالى:

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130)﴾

(سورة آل عمران )

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

( سورة الأحزاب الآية : 71 )

من آمن بالله وشكره حقق الهدف من وجوده :

الله عز وجل حينما خلق الكون سخره لك تسخيرين ، تسخير تعريف وتسخير تكريم ، ردّ فعل التعريف أن تؤمن ، ورد فعل التكريم أن تشكر من آمن بالله تعالى وشكره حقق الهدف من وجوده
فإذا آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك ، لذلك أنت حينما تتقي الله تكون ماشياً في طريق الشكر قال تعالى :

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)﴾

( سورة آل عمران )

أيها الأخوة الكرام ، التقوى وردت في ثلاثمئة آية في القرآن الكريم ، وتعني أن تتقي غضب الله بطاعته ، أن تتقي عقابه بالإنابة إليه ، أن تتقي سخطه بمحبته ، وهكذا و نحن في شهر التقوى :

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾

(سورة البقرة)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018