الخطبة : 1158 - الموضوعية ، الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم - معالجة ابيضاض العين. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1158 - الموضوعية ، الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم - معالجة ابيضاض العين.


2010-07-02

الخطبة الأولى:

الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهد في الله حقّ الجهاد، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

البحث عن عيوب في القرآن الكريم من قِبل مستشرق غربي :

وإنه لقرآن كريم
أيها الأخوة الأكارم، مستشرق غربي أراد أن يقرأ القرآن ليبحث فيما يتوهم عن عيوب القرآن الكريم، ما الذي وجده؟ لقد كان من المبشرين النشطين جداً في الدعوة إلى غير دين الإسلام، وأيضا له علم غزير بالكتاب المقدس، هذا الرجل يحب الرياضيات بشكل كبير، لذلك يحب المنطق أو التسلسل المنطقي للأمور، في أحد الأيام أراد أن يقرأ القرآن بقصد أن يجد فيه بعض الأخطاء التي تعزز موقفه عند دعوة المسلمين لدينه، وكان يتوقع أن يجد القرآن كتاباً قديماً مكتوباً قبل أربعة عشر قرناً، يتكلم عن الصحراء وما إلى ذلك، لكنه كان منصفاً، لما قرأ القرآن ذهل لما وجده فيه، بل واكتشف أن هذا الكتاب يحوي على أشياء لا توجد في أي كتاب آخر، كان يتوقع أن يجد بعض الأحداث العصيبة التي مرت بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ كوفاة زوجته خديجة رضي الله عنها، أو وفاة بناته وأولاده، لكنه لم يجد شيئاً من هذا، بل الذي جعله في حيرة من أمره أنه وجد أن هناك سورة كاملة في القرآن الكريم تسمى سورة مريم، وفيها تشريف أي تشريف لمريم عليها السلام، لا يوجد مثيل له في كتاب آخر، ولا يجد سورة باسم عائشة أو فاطمة رضي الله عنهن، وكذلك وجد أن عيسى عليه السلام ذكر بالاسم خمساً وعشرين مرة في القرآن الكريم، بينما لم يذكر النبي عليه الصلاة والسلام باسمه إلا خمس مرات.

دعوة القرآن المسلمين وغير المسلمين إلى إيجاد الأخطاء فيه و تحديهم :

أخذ يقرأ القرآن بتمعن لعله يجد مأخذاً عليه، لكنه صعق بآية عظيمة وعجيبة ألا وهي الآية الثانية والثمانين في سورة النساء، وهي قوله تعالى:

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾

[ سورة النساء: 82 ]

يقول هذا المستشرق ـ اسمه الدكتور ملر ـ عن هذه الآية: من المبادئ العلمية المعروفة في الوقت الحاضر مبدأ إيجاد الأخطاء، أو تقصي الأخطاء في النظريات إلى أن تثبت صحتها. والعجيب أن القرآن الكريم يدعو المسلمين وغير المسلمين إلى إيجاد الأخطاء فيه ويتحدى أن يجدوا خطأً واحداً.
يقول أيضاً عن هذه الآية: لا يوجد مؤلف في العالم يمتلك الجرأة أن يؤلف كتاباً ثم يقول: هذا الكتاب خالٍ من الأخطاء، ولكن القرآن على العكس تماماً، يقول لك: لا يوجد أخطاء بل ويعرض عليك أن تجد فيه أخطاء ولن تجد.
هذه آية فيها تحدٍّ، وقف هذا المستشرق عند قوله تعالى طويلاً:

﴿ أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 30 ]

يقول هذا المستشرق: إن هذه الآية هي بالضبط موضوع البحث العلمي الذي حصل على جائزة نوبل في عام ثلاثة وسبعين، وكان عن نظرية الانفجار الكبير، وهي تنص أن الكون الموجود هو نتيجة انفجار ضخم حدث منه الكون بما فيه من سماوات وكواكب.
هذه الآية تتطابق مئة بالمئة مع أحدث نظرية لنشوء الكون.

 

اعتراف المستشرق الغربي بأن آيات القرآن

تنزيل العزيز الحكيم
من الأمور الإعجازية :

الآن يأتي هذا المستشرق إلى الشيء المذهل في أمر النبي عليه الصلاة والسلام، والادعاء بأن الشياطين هي التي تعينه، والله تعالى يقول:

﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ*وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ*إِنَّهُمْ عَنْ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ﴾

[ سورة الشعراء: 210-212 ]

﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾

[ سورة النحل: 98 ]

يقول: أيعقل أن يؤلف الشيطان كتاباً ثم يقول لقارئه قبل قراءته استعذ بالله مني؟ مستحيل، أنا أعرض عليكم رجلاً يظن أن القرآن الكريم كلام بشر، وأنه يقرأه ليبحث فيه عن أخطاء، أما هذه المفاجأة، يقول هذا المستشرق: إن هذه الآيات من الأمور الإعجازية في هذا الكتاب المُعجز، وفيها ردّ منطقي لكل من قال بهذه الشبهة.

 

القصص و المعجزات التي أبهرت

الدكتور ملر :

من القصص التي أبهرت الدكتور ملر، وبعدها من المعجزات هي قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي لهب، يقول الدكتور ملر: هذا الرجل أبو لهب كان يكره الإسلام كرهاً شديداً، لدرجة أنه كان يتبع محمداً صلى الله عليه وسلم أينما ذهب ليقلل من قيمة، بل ليقلل من قيمة ما يقول، إذا رأى الرسول يتكلم لأناس غرباء فإنه ينتظر حتى ينتهي الرسول من كلامه ليذهب إليهم، ثم يسألهم ماذا قال لكم محمد؟ لو قال لكم أبيض فهو أسود، ولو قال لكم ليل فهو نهار، المقصد أنه يخالف أي شيء يقوله الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ويشكك الناس فيه، قبل عشر سنوات من وفاة أبي لهب نزلت سورة في القرآن الكريم اسمها سورة المسد, هذه السورة تقرر أن أبا لهب سوف يذهب إلى النار, أي بمعنى آخر أن أبا لهب لن يدخل الإسلام، وخلال عشر سنوات كان على أبي لهب أن يقول ولو تمثيلاً أن يأتي النبي عليه الصلاة والسلام ويسلم فيلغي هذه السورة، أين ذكاؤه؟ لو أتى النبي عليه الصلاة والسلام أعلن شهادته ولو تمثيلاً لألغى هذه السورة، لكنه لم يفعل ذلك، إذاً هو كلام الله.
أيها الأخوة، شيء آخر هو أن الله عز وجل يقول:

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ*مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ*سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ*وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ*فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾

[ سورة المسد: 1-5 ]

الآية الثانية أبلغ:

﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾

[ سورة البقرة: 142]

هؤلاء الأشخاص وصفوا بنص هذه الآية أنهم سفهاء، لو سكتوا لألغوا هذه الآية، بالحالة الأولى مع أبي لهب لو تكلم، لو جاء مسلماً إسلاماً ظاهراً، لألغى هذه السورة، هؤلاء السفهاء لو سكتوا، لو لم ينطقوا ببنت شفة، سكوتهم يلغي هذه الآية، لكنهم وصفوا بأنهم سفهاء، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها.

 

من المعجزات الغيبية القرآنية أيضاً التحدي للمستقبل :

أيها الأخوة، يقول هذا الدكتور المستشرق الذي أبهرته هذه الآيات لإعجازها الغيبي: من المعجزات الغيبية القرآنية هو التحدي للمستقبل بأشياء لا يمكن أن يتنبأ بها الإنسان، وهي خاضعة لنفس الاختبار السابق نفسه ألا وهو مبدأ إيجاد الأخطاء حتى يتبين صحة الشيء.
أيها الأخوة، القرآن يقول: إن اليهود هم أشد الناس عداوة للمسلمين، معنى القول، وهذا مستمر إلى وقتنا الحاضر، فأشد الناس عداوة للمسلمين هم اليهود، ويقول: إن هذا يعتبر تحدياً عظيماً، ذلك أن اليهود لديهم فرصة لهدم الإسلام بأمر بسيط، ألا وهو أن يعاملوا المسلمين معاملة طيبة لبضع سنين ويقولون عندها: ها نحن نعاملكم معاملة طيبة، والقرآن يقول: إننا أشد الناس عداوة لكم ,إذاً القرآن على خطأ.
كلام الله حق وواضح كالشمس
نقرأ القرآن الكريم نحن كثيراً قد لا ننتبه لهذه الملاحظات، القرآن الكريم يؤكد أن اليهود هم أشد الناس عداوة للمسلمين، لو أرادوا بذكاء أن يلغوا هذه الآية فعاملوا المسلمين معاملة طيبة إلى حين، الآية ألغيت، والسفهاء لو سكتوا لألغوا هذه الآية، وأبو لهب قبل عشر سنوات من وفاته تنبأ الله له بدخول النار فلو جاء مسلماً صورة، لألغى هذه السورة.
أيها الأخوة، ويقول: إن هذا يعتبر تحدياً عظيماً، ذلك أن اليهود لديهم الفرصة بهدم الإسلام بأمر بسيط، ألا وهو أن يعاملوا المسلمين معاملة طيبة لبضع سنين، ويقولون عندها: ها نحن نعاملكم معاملة طيبة والقرآن يقول: إننا أشد الناس عداوة لكم، ولكن هذا لم يحدث خلال ألف وأربعمئة عام، ولن يحدث لأن هذا الكلام نزل من الذي يعلم الغيب، وليس من عند إنسان، الآية الكريمة أيها الأخوة:

﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ*وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ*وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنْ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 82-84]

القرآن الكريم يزود الإنسان بمعلومات لم يكن يعلمها من قبل :

أيها الأخوة الكرام، يقول هذا المستشرق الذي أراد أن يقرأ القرآن ليبحث عن أخطائه: بأدنى أي شك يوجد في القرآن الكريم توجه فريد ومذهل لا يوجد في كتاب آخر, ذلك أن القران يعطيك معلومات معينة لم تكن تعلمها من قبل، مثل قوله تعالى:

﴿ ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 44]

آية ثانية:

﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾

[ سورة هود: 49]

أيها الأخوة الكرام، يقول هذا المستشرق: لا يوجد كتاب مما يسمى بالكتب الدينية يتكلم بهذا الأسلوب, كل الكتب الأخرى مجموعة من المعلومات التي تخبرك من أين أتت هذه المعلومات.
أيها الأخوة، أهل مكة يستمعون لهذا القرآن، وهم على عداوة كبيرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أن هذه المعلومات وصلت إليهم بطريقة أو بأخرى لقالوا: هذا نعرفه، لكن الذي حصل أن هذه المعلومات التي وردت في القرآن الكريم، والتي أكّد الله عز وجل أن هذه الحقائق لا تعلمونها إطلاقاً فلو علمت لتكلموا.

 

الموضوعية قيمة تجمع بين العلم والأخلاق :

صحة المنهج تدفع لطريق الصواب
أيها الأخوة، هذا رجل بعيد عن الدين الإسلامي بعد الأرض عن السماء، بل هو يتوهم أن هذا القرآن الكريم كلام بشر لكنه منصف، وأنا أقول لكم هذه الكلمة: أنت موضوعي إذاً أنت عالم، أنت موضوعي إذاً أنت أخلاقي، والموضوعية قيمة تجمع بين العلم والأخلاق، لمجرد أن تبحث موضوعاً بتجرد، أن تبحث موضوعاً بما له وما عليه، فأنت عالم، علمك لا يقاس بالمعلومات المحشوة في ذهنك، علمك يقاس بالمنهج الذي تبحث فيه، فإذا كان المنهج صحيحاً وكنت منصفاً أنت عالم ورب الكعبة.
إنسان مستشرق أراد أن يقرأ القرآن الكريم ليبحث عن أخطاء يتوهمها، في النهاية أقرّ أن هذا القرآن الكريم كلام الله، والذي انتهى إليه أنه أعلن إسلامه، والآن من الدعاة الإسلاميين الكبار، لكن بشكل موضوعي.

الآيات الإعجازية في القرآن شهادة الله لنا أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل القرآن :

أيها الأخوة، هذا موضوع من الموضوعات التي أردت أن أعرضها عليكم لننتبه إلى بعض الآيات، بعض الآيات معجزة، هناك تحدٍّ في أشياء جديدة تؤكد أن هذه لا تعلمونها، لو أنها معلومة، لو أنها من كلام بشر، لقالوا: لا نعلمها، يركب الإنسان أحدث طائرة ويفتح القرآن الكريم فيقرأ قوله تعالى:

﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾

يركب طائرة الآن أكمل الآية:

﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل : 8]

إذاً كلام الله، الطائرة دخلت، والحوامة دخلت، والقطار دخل، والسيارة دخلت، والمركبة دخلت، كله دخل فيها لأنه كلام الله.
رائد الفضاء حينما صعد إلى القمر في أول رحلة، بعد أن تجاوز طبقة الهواء التي يبلغ سمكها خمساً وستين ألف كيلو متر صاح بأعلى صوته: لقد أصبحنا عمياناً، وكان حاضراً في القاعدة الفضائية عالم فلكي كبير من مصر، لأن في الأرض ظاهرة اسمها انتثار الضوء، لأن أشعة الشمس حينما تسلط على ذرات الهواء تعكس بعض الأشعة على ذرات أخرى، فإذا تجاوزنا الغلاف الجوي تنعدم هذه الظاهرة، تنعدم كلياً، فنحن أمام جو مظلم هالك، لقد أصبحنا عمياناً، تقرأ القرآن الكريم قبل ألف وأربعمئة عام، يقول الله عز وجل :

﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنْ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ، لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾

[ سورة الحجر: 14-15]

هذه الآيات الإعجازية في القرآن هي شهادة الله لنا إلى يوم القيامة، أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذه القرآن الكريم.

 

الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم في حدود ما يعلم ومع من يعرف

هذه فقرة الأولى من الخطبة، الفقرة الثانية وردتني تأثرت لها تأثراً بالغاً، أردت أنّ في عرضها على أخوتي الكرام فائدة كبيرة، لأنني أعتقد أن الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، فرض عين في حدود ما يعلم ومع من يعرف، فرض كفاية أي هناك تبحر، وهناك تعمق، وهناك تفرغ، أما فرض العين في حدود ما يعلم ومع من يعرف.
يقول إمام مسجد في أمستردام، في كل جمعة وبعد الصلاة، كان هذا الإمام وابنه البالغ من العمر إحدى عشرة سنة من شأنه أن يخرج إلى إحدى ضواحي أمستردام، يوزع على الناس كتيباً صغيراً بعنوان:" طريقنا إلى الجنة"، وغيرها من المطبوعات الإسلامية، في أحد أيام الجمعة بعد صلاة الجمعة، جاء ابن الإمام كي ينزلا إلى الشارع، وكان الجو بارداً جداً، والمطر في أشد تهطاله، الصبي ارتدى ملابس كثيرة، حتى لا يشعر بالبرد، وقال لأبيه لننزل، الأب اعتذر لأن البرد لا يحتمل والأمطار غزيرة، فهذا الابن الصغير أصرّ على والده أن ينزل، فلما اعتذر الأب اعتذاراً مطلقاً، قال هذا الابن لأبيه: أتسمح لي أن أنوب عنك اليوم؟ الأب سمح له.
كل انسان داعية
لكن هذا الطفل حمل هذه الكتيبات، وذهب على عادته يوزعهم على من يرى من الناس، ورغم أن عمر هذا الصبي أحد عشر عاماً إلا أنه مشى في شوارع المدينة في هذا الطقس البارد والممطر كي يوزع الكتيبات على من يقابله من الناس، وظلّ يتردد من باب إلى باب، حتى يوزع الكتيبات الإسلامية، بعد ساعتين من المشي تحت المطر، بقي معه كتيب واحد، هذه القصة مؤثرة جداً أنت أحياناً تتكلم بكلمة لإنسان قد تكون هذه الكلمة سبب هدايته.
بقي معه كتيب واحد، والشوارع مهجورة تماماً، برد شديد، وأمطار غزيرة، ثم استدار إلى الرصيف المقابل لكي يذهب إلى أول منزل يقابله حتى يعطيهم الكتاب، ودق جرس الباب، ولكن لا أحد يجيب..ظلّ يدق الجرس مراراً وتكراراً، ولكن لا أحد يجيب، وأراد أن يرحل، ولكن شيئاً ما يمنعه، مرة أخرى، التفت إلى الباب ودق الجرس، وأخذ يطرق على الباب بقبضته بقوة وهو لا يعلم ما الذي جعله ينتظر كل هذا الوقت، بعد حين فتح الباب وكانت تقف عند الباب امرأة كبيرة مسنة، يبدو عليها علامات الحزن الشديد، قالت له: ماذا أستطيع أن أفعل لك يا بني؟ قال لها الصبي الصغير ونظر لها بعينين متألقتين وعلى وجهه ابتسامة أضاءت لها العالم: سيدتي! أنا آسف إذا كنت قد أزعجتك، ولكن فقط أريد أن أقول لكي إن الله يحبك، ويعتني بك، وجئت إليك كي أعطيك آخر كتيب معي، و الذي سوف يخبرك كل شيء عن الله، والغرض الحقيقي من الخلق، قالت له: شكراً لك يا بني وحياك الله.

التعرف إلى الله الواحد الديان ينقذ الإنسان من نار جهنم :

القصة انتهت، في الأسبوع القادم بعد صلاة الجمعة كان الإمام والده يعطي محاضرة، وعندما انتهى منها وسأل هل لدى أي شخص سؤال، في الصفوف الخلفية وبين السيدات، كانت سيدة عجوز يُسمع صوتها تقول: 'لا أحد في هذا الجمع يعرفني، ولم أتِ إلى هنا من قبل، وقبل الجمعة الماضية لم أكن مسلمة، ولم أفكر أن أكون كذلك، وقد توفي زوجي منذ أشهر قليلة، وتركني وحيدة تماماً في هذا العالم، ويوم الجمعة الماضي كان الجو بارداً جداً، والسماء تمطر، وقد قررت أن أنتحر، لأنني لم يبقَ لدي أي أمل في الحياة، لذلك أحضرت حبلاً وكرسياً، وصعدت إلى الغرفة العلوية في بيتي، ثم قمت بتثبيت الحبل جيداً في إحدى عوارض السقف الخشبية، ووقفت فوق الكرسي، وثبت طرف الحبل الآخر حول عنقي، وقد كنت وحيدة، ويملؤني الحزن، وكنت على وشك أن أقفز، وفجأة سمعت صوت رنين جرس الباب في الطابق السفلي، فقلت: سوف أنتظر لحظات ولن أجيب، وأياً كان من يطرق الباب فسوف يذهب بعد قليل، انتظرت ثم انتظرت حتى ينصرف من في الباب، ولكن كان صوت الطرق على الباب يرتفع ويزداد، قلت لنفسي: من على وجه الأرض يمكن أن يكون هذا؟ لا أحد على الإطلاق يعرفني، لماذا يدق الجرس هكذا؟ رفعت الحبل من حول رقبتي وقلت: أذهب لأرى من بالباب يدق الجرس، وعندما فتحت الباب لم أصدق عيني فقد كان صبى صغير، وعيناه تتألقان، وعلى وجهه ابتسامة ملائكية لم أر مثلها من قبل، حقاً لا يمكنني أن أصفها لكم بالكلمات، ثم جاءت من فمه كلمة مست قلبي الذي كان ميتاً الذي قفز إلى الحياة مرة أخرى، وقال لي بصوت ملائكي: سيدتي لقد أتيت الآن لكي أقول لكِ: إن الله يحبك حقيقة، ويعتني بك، ثم أعطاني هذا الكتيب الذي أحمله، الطريق إلى الجنة، وكما أتاني هذا الملاك الصغير فجأة اختفى مره أخرى، وذهب من خلال البرد والمطر، وأنا أغلقت بابي وبتأنٍّ شديد قمت بقراءة كل كلمة في هذا الكتاب، ثم ذهبت إلى الأعلى، وأزلت الحبل والكرسي، لأنني لن أحتاج إليهما بعد اليوم.
أيها الأخوة، تقول هذه المرأة: ترون أنا الآن سعيدة جداً لأنني تعرفت إلى الإله الواحد الحقيقي.
أيها الأخوة، أؤكد لكم للمرة العاشرة أن الدعوة إلى الله فرض عين على كل واحد منكم، طفل صغير، معه كتيب، أنت احمل كاسيت، CD، معك درس تأثرت به كثيراً أعطه لمن تثق أنه ينتفع به، ما قولك من أن تنقذ إنساناً من جهنم إلى الجنة؟

من لم يدعُ إلى الله على بصيرة فليس متبعاً لرسول الله :

أيها الأخوة، الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم في حدود ما تعلم ومع من تعرف، أقسم لكم بالله شدّ نظري، ولفت نظري شاب صغير غير متعلم، اشترى مئة سيدي، وزعها على أقربائه، يعطيها لقريبه يقول له: معك أسبوع، اسمعه لآتيك بواحد آخر، والله خلال أشهر جلب إلى هذا المسجد عشرات من أقربائه، الدعوة طريقها سهل جداً، إذا لم تكن تستطيع الكلام أعطِ شريطاً، أعطِ سيدي، أعطِ كتيباً، طفل صغير أنقذ امرأة من النار أعطاها كتاباً بعنوان " الطريق على الجنة ".
فنحن الآن مع الضلالات، والترهات، والأباطيل، والشهوات المستعرة، والفتن اليقظة، بحاجة إلى دعوة إلى الله، بحاجة إلى أن يكون كل واحد منكم داعية، في خطبة تأثرت بها كثيراً خذ الشريط أعطه لأقربائك،يجب أن يكون كل واحد منكم داعية إلى الله، تقول لي: ما الدليل؟

﴿ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف الآية : 108 ]

تعددت وسائل الدعوة إلى الله
فإن لم تدعُ إلى الله على بصيرة أنت لست متبعاً لرسول الله، يكفي هذا الدليل؟ دليل آخر:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

طفل صغير لا تزيد سنه عن إحدى عشرة سنة حمل كتيبات، ووزعها، آخر باب كان سبب إسلام هذه المرأة، وسبب انصرافها عن الانتحار، وأن تموت كافرة، أنت لا تعلم كم تؤثر هذه الكلمة، كم يؤثر هذا الشريط، كم تؤثر هذه الموعظة، عليك أن تدعو إلى الله، عليك أن تسعى، وليس عليك أن تحقق شيئاً اسعَ.
أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الإعجاز في القرآن الكريم :

أيها الأخوة، تمكّن عالم مسلم من الحصول على براءة اختراع دولتين؛ الأولى براءة اختراع أوروبية، والثانية براءة اختراع أمريكية، وذلك بعد أن قام بتصنيع قطرة للعين لمعالجة المياه البيضاء، استلهمها من نصوص سورة يوسف عليه السلام، يقول هذا الدكتور: كنت في فجر أحد الأيام أقرأ في كتاب الله عز وجل، فاستوقفتني هذه القصة العجيبة، وأخذت أتدبر الآيات الكريمات، التي تحكي قصة تآمر أخوة يوسف عليه السلام, وما آل إليه أمر أبيه بعد أن فقد بصره.
طبعاً أصيب بصره بالمياه البيضاء، أي العدسة شفافة، أحياناً التقدم بالسن وحده، أو الألم الشديد، يجعل هذه العدسة الشفافة حليبية، شافة، غير شفافة، لا يرى بعد ذلك، تسمى عند العوام بالمياه الزرقاء، أو ابيضاض العدسة، الآن العملية تجري، أوسع عملية في العيون هذه العملية، تُزال هذه العدسة توضع عدسة بلاستيك مكانها، الآن هذا الطبيب فسر؛ ألقي قميص على وجه يعقوب عليه السلام فارتد بصيراً.
القميص ما به؟ قال: وأخذت أسأل نفسي ترى ما الذي يمكن أن يكون في قميص يوسف عليه السلام حتى يحدث هذا الشفاء وعاد الإبصار إلى ما كان عليه؟ ومع إيماني بأن القصة معجزة، أجراها الله على يد نبي من أنبياء الله، وهو سيدنا يوسف عليه السلام، إلا أني أدركت أن هناك بجانب المغزى الروحي الذي تفيده القصة مغزى آخر مادياً، يمكن أن يوصلنا إليه البحث تدليلاً على صدق القرآن الكريم، الذي نقل إلينا تلك القصة كما وقعت, وأخذت أبحث حتى هداني الله إلى ذلك البحث، إلى علاقة الحزن بظهور المياه البيضاء، هناك علاقة بين الحزن وبين الإصابة بالمياه البيضاء، حيث أن الحزن يسبب زيادة هرمون الأدرينالين وهو يعتبر مضاداً لهرمون الأنسولين، وبالتالي فإن الحزن الشديد أو الفرح الشديد يسبب زيادة مستمرة في هرمون الأدرينالين، الذي يسبب بدوره زيادة في سكر الدم, وهو أحد مسببات العتامة, هذا بالإضافة إلى تزامن الحزن مع البكاء، ولقد وجدنا أول بصيص أمل في سورة يوسف عليه السلام, فقد جاء عن سيدنا يعقوب عليه السلام في سورة يوسف قول الله تعالى:

﴿ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾

[ سورة يوسف: 84 ]

وكان ما فعله سيدنا يوسف عليه السلام بوحي من ربه أن طلب من أخوته أن يذهبوا لأبيهم بقميص الشفاء.

﴿ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾

[ سورة يوسف: 93 ]

قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾

[ سورة يوسف: 96 ]

من هنا كانت البداية.

 

القرآن الكريم لا تنقضي عجائبه وهو كلام خالق الأكوان :

علم الإنسان ما لم يعلم
فماذا يمكن أن يكون في قميص سيدنا يوسف عليه السلام من شفاء؟ وبعد التفكير لم نجد سوى العرق، عرق الإنسان، وكان البحث في مكونات عرق الإنسان، حيث أخذ هذا الطبيب عدسات مستخرجة من عيون من ابتلوا بالابيضاض بالعملية الجراحية التقليدية، وتمّ نقعها في العرق، فوجدنا أنه تحدث حالة من الشفافية التدريجية لهذه العدسات، العدسة كانت حليبية، غير شفافة، فلما نقعت في عرق الإنسان بدأت تصبح شفافة.
وكان السؤال الثاني: هل كل مكونات العرق فعّالة في هذه الحالة أم إحدى هذه المكونات؟ بالفعل أمكن التوصل إلى إحدى المكونات، مركب البولينا في العرق، مادة من أربع وستين مادة، والتي أمكن تحضيرها كيميائياً، و أجريت على مئتين وخمسين متطوعاً، معهم مياه بيضاء، وزال هذا البياض من تسعين بالمئة من هؤلاء، من دون عملية جراحية بهذه القطرة المأخوذة من البولينا أحد مكونات العرق، هذا كلام الله:

﴿ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الإسراء: 82 ]

هذا العالم من هذه الآية استنبط قطرة توضع على العين المبيضة، فتعود لها شفافيتها، تسعون بالمئة من هؤلاء المتطوعين عادت لهم شفافية عدساتهم من دون عمل جراحي.
إذاً أيها الأخوة، هذا القرآن الكريم لا تنقضي عجائبه، هذا القرآن الكريم كلام خالق الأكوان.

(( فَضْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ ))

[الترمذي عن أبي سعيد ]

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018