الخطبة : 0749 - ذكرى المولد1 - نهجه القويم . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0749 - ذكرى المولد1 - نهجه القويم .


2000-06-16

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا ، مَن يهده الله فلا مضل له ، ومَن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمَن جحد به وكفر .
 وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر . اللهمَّ صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومَن والاه ومَن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

سُنَّة النبي فرض عينٍ على كل مسلم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ نحن في ذكرى مولد سيد الأنام عليه الصلاة والسلام ، سيد الخلق وحبيب الحق ، الذي بلَّغ الرسالة ، وأدّى الأمانة ، ونصح الأمة وكشف الغمة ، وجاهد في الله حق الجهاد ، وهدى العباد سبيل الرشاد .
 أيها الأخوة الكرام ؛ بادئ ذي بَدءٍ يجب أن نعلم علم اليقين أن معرفة سُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام فرض عينٍ على كل مسلم ، كيف؟ لأنه أمرنا ربنا جلَّ جلاله أن نأخذ ما أتانا ، وأن ننتهي عما عنه نهانا . .

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

[ سورة الحشر : 7 ]

 فكيف نأخذ ما أتانا إن لم نعلم هذا الذي أتانا؟! ما لا يتمُّ الفرض إلا به فهو فرض ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وما لا تتم السُنة إلا به فهو سنة ، أرأيتم إلى الوضوء إنه فرض ، لأن الصلاة التي هي فرضٌ لا تتم إلا به . .

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

[ سورة الحشر : 7 ]

 تأخذُ ماذا وتنتهي عن ماذا إن لم تعرف ماذا أمر وعن أي شيءٍ نهى؟ إذاً معرفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية فرض عينٍ على كل مسلم لأن كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ، ما لم تقم قرينةٌ على خلاف ذلك ، الأصل في الأمر الوجوب ، والدليل أن الله عزَّ وجل يقول :

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾

[ سورة الأحزاب : 21]

 كيف يكون النبي عليه الصلاة والسلام أسوةً لنا إن لم نعرف أحواله في بيته ومع جيرانه ومع أصحابه في سِلْمِهِ وحَرْبه في إقامته وسفره في السرَّاء التي ألمَّت به وفي الضراء التي أصابته؟ إنه أسوتنا .
 إذاً معرفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية والعملية فرض عينٍ على كل مسلم ، لأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وتنفيذ أمْرَي القرآن الكريم بأن نأخذ ما أتانا ، وأن ننتهي عما عنه نهانا ، وأن يكون هو أسوتنا وقدوتنا ، هذا أمرٌ يقتضي الوجوب ، ومن لوازم هذا الأمر أن نتعرَّف إلى سنته وسيرته ، فإذا كنا في ذكرى مولده ينبغي أن نعكف على سنته وسيرته ، هذه واحدة .

 

معرفة شمائل النبي وخصائصه جزءٌ من الدين :

 أما الثانية فهي أن الله عزَّ وجل يقول :

﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾

[ سورة هود : 120 ]

﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾

 يا محمد . . ،

﴿مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾

 إذا كان قلب سيد الخلق ، وحبيب الحق يزداد ثبوتاً بسماع قصة نبيٍ دونَه ، فكيف بسماع مؤمنٍ سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ؟! كيف لو عرفنا شمائله الشريفة؟ كيف لو عرفنا تواضعه ورحمته وعدله ومحبَّته ورأفته وحلمه ورضاه؟ إن معرفة شمائل النبي ، وفضائل النبي ، وخصائص النبي جزءٌ من الدين . .

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾

[ سورة المؤمنين : 69 ]

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾

[ سورة سبأ : 46]

 أيها الأخوة الكرام ؛ بكلمةٍ مختصرة : معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ حقيقة نبوته ، وحقيقة رسالته ، وحقيقة منهجه ، وحقيقة فضائله ، وحقيقة شمائله جزءٌ لا يتجزَّأ من الدين ، بل إننا ملزَمون على مدار العام ، لا في شهر ربيعٍ الأول فحسب ، على مدار العام أن نتحدث عن النبي ، وعن فضائل النبي ، وعن سيرة النبي ، لأن معرفة النبي عليه الصلاة والسلام جزءٌ لا يتجزَّأ من الدين ، بل إن كلمة الإسلام الأولى : لا إله إلا الله ـ هو التوحيد ـ محمدٌ رسول الله ـ الرسالة ـ

 

منهج النبي في المعتقدات :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا النبي الكريم - ونحن في ذكرى مولده - جاءنا بعقيدةٍ وَسَط ، بين اعتقاد الخرافيين الذين يصدِّقون كل شيء ، ويؤمنون بكل برهان ، وبين المادييّن الذين ينكرون كل شيءٍ وراء الحس ، ولا يصغون إلى صوت الفطرة ، ولا إلى نداء العقل ، ولا إلى صراخ المعجزات ، الإسلام الحق يدعو إلى الإيمان ، والاعتقاد بما قام عليه الدليل القطعيُّ ، والبرهان اليقينيُّ ، ويعدُّ اليقين الحسيّ ، واليقين الاستدلالي ، واليقين الإخباري مسالك يقينيةً للتلقّي ، ويرفض كل ما وراء ذلك . .

﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾

[ سورة النمل : 64]

﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾

[ سورة المؤمنون : 117]

 جاء هذا النبي الكريم - ونحن في ذكرى مولده - بعقيدةٍ وسط ، بين عقائد الماديين التي لا تؤمن بشيءٍ وراء الحِس ، وبين عقائد الخرافيين الذين يصدِّقون كل شيءٍ بلا دليل ، أعطانا النبي عليه الصلاة والسلام عقيدةً وسطاً ، فيها إعمالٌ للعقل في الكونيات ، وفيها تصديقٌ للإخباريات ، وفيها يقينٌ بالحسيّات .
 أيها الأخوة الكرام ؛ جاء هذا النبي الكريم - ونحن في ذكرى مولده - بنظرةٍ صائبةٍ عن الكون ، فالإسلام يعدُّ الكون حقيقةً ، هناك مَن يرى الكون خيالاً ، هناك من يرى الكون بحقيقته المادِّية فقط هو كل شيء ، وهناك من يراه وهماً وخيالاً ، الإسلام يعدُّ حقيقةً ، ولكنَّه يعبِّر عن هذه الحقيقة بأشياء كثيرة ، ثم إنه يَعْبُرُ من هذه الحقيقة إلى حقيقةٍ أكبر منها ، يعبر من الكون إلى المكوِّن ، ومن الخَلْق إلى الخالق ، ومن النظام إلى المُنَظِّم ، ومن الصور إلى المصوِّر ، ومن التسيير إلى المسيّر ، ومن التربية إلى المربي ، فالكون في الإسلام حقيقةٌ تنقلنا إلى حقيقةٍ أكبر وهي أن لهذا الكون خالقاً ، ومربياً ، ومسيراً ، وموجوداً ، وواحداً ، وكاملاً .
 النظرة المتوازنة إلى الكون في الإسلام ، والعقيدة الصحيحة التي هي مطابقةٌ للواقع هي في الإسلام ، هذا النبي الكريم - ونحن في ذكرى مولده - جاءنا بنظرةٍ واقعيةٍ متوازنةٍ إلى الأنبياء ، هم بشرٌ مثلنا ، يأكلون مثلنا ، ويمشون في الأسواق ، ولكثيرٍ منهم أزواجٌ وذرِّية ، ولكنهم قممٌ في معرفة ربهم ، وطاعتهم له ، وإخلاصهم إليه ، اصطفاهم ، وطهَّرهم ، وعصمهم ، وامتنَّ عليهم بالوحي ، وأيَّدهم بالمعجزات . هذه نظرة الإسلام إلى الأنبياء ، بين الذين ألَّهوا الأنبياء ، وبين الذين قتلوا الأنبياء .
 وهذا النبي الكريم عليه أتمُّ الصلاة والتسليم - ونحن في ذكرى مولده - جاءنا بنظرةٍ متوازنةٍ إلى العقل ، فالعقل وحده ليس أداة المعرفة - معرفة حقائق الوجود - ليس العقل وحده أداة معرفة حقائق الوجود ، الإسلام بين الذين لا يؤمنون إلا عن طريق الإلهام أو الأوهام ، وبين الذين لا يؤمنون إلا عن طريق العقل الماديّ ، هذا تطرُّف ، وذاك تطرُّف ، الإسلام يقرر أن الدين في الأصل وحيٌّ ونقلٌ ، وبما أن أخطر ما في النقل صحته ، فللعقل مهمتان حيال النقل : مهمة إثبات صحة النقل ، ومهمة فهم النقل تمهيداً لتطبيقه ، فبالعقل تصل إلى الإيمان بالله يقيناً ، وبالعقل تؤمن بكتابه يقيناً عن طريق إعجازه ، وبالعقل تؤمن برسوله يقيناً عن طريق الكتاب ، وهنا ينتهي دور العقل في البحث ليبدأ الدور في التلقّي إثباتاً وفهماً ، فالحقائق التي عجز عنها العقل لافتقارها إلى آثار تدل عليها ، يتلقَّاها العقل عن الوحي دون أن يكون حَكَماً عليها ، وهذه النظر نظرةٌ متوازنةٌ في الإسلام إلى العقل ، بين الذين ألَّهوا العقل ، وجعلوه حكماً على كل شيء ، وجعلوه مصدر المعرفة ، هؤلاء ضلوا وأضلوا ، وبين الذين عطَّلوا العقل كلياً وقبلوا كل خرافة ، الإسلام وسطٌ بين هؤلاء وهؤلاء ، أعطى للعقل دوراً قبل النقل للتأكد من صحة النقل ، وأعطى للعقل دوراً بعد النقل لفهم النقل ، والحق وسطٌ بين طرفين .

 

منهج النبي في العبادات :

 والنبي عليه الصلاة والسلام - ونحن في ذكرى مولده - جاءنا بمنهجٍ قويم ، فيه عباداتٌ بعضها شعائريّ كالصلاة والصوم والحج ، هذه العبادات الشعائرية كان بين إلغائها وبين الانقطاع لها ، العبادات الشعائرية في الإسلام محدودةٌ ، معقولةٌ ، معلَّلةٌ بمصالح الخَلق ، وهي فضلاً عن هذا مترابطةٌ مع العبادات التعامليَّة ، فمَن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لا يعدُّ مصلياً ، بالمعنى الدقيق الذي أراده الله عزَّ وجل ، ومن لم يدع قول الزور والعمل به لا يعد صائماً ، ومن حجَّ بمالٍ حرام يقال له عند التلبية : " لا لبيك ولا سعديك وحجك مردودٌ عليك " ، والإنفاق مع الفسق غير متقبَّل لقوله تعالى :

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 53 ]

منهج النبي في المعاملات :

 الإسلام ربط ربطاً رائعاً بين العبادات الشعائرية وبين العبادات التعامُلية ، ويتمثل هذا واضحاً في قول النبي عليه الصلاة والسلام حينما سأل أصحابه :

(( أَتَدْرُونَ مَنْ المُفْلِسُ ؟ قالُوا : المُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ الله من لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ ، قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : المُفْلِسُ مِنْ أَمّتِي مَنْ يَأتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةِ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ ، وَيَأْتِي قَد شَتَمَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا ، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا ، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا ، فيقعُدُ فَيَقْتَصّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصّ عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ ، فَطُرِحَ عَلَيْهِ ، ثُمّ طُرِحَ في النّارِ ))

[ البخاري عن أَبي هُرَيْرَةَ ]

 أرأيتم إلى هذا الربط الرائع بين العبادات التعاملية والعبادات الشعائرية ؟ .
 النبي عليه الصلاة والسلام - ونحن في ذكرى مولده - جاء بمعاملاتٍ متوازنة ، بين أن تدير خدك الأيسر لمن ضربك على خدك الأيمن ، هذه حالة ، وبين أن تكيل له الصاع عشرة أَصْوع ، قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾

[ سورة الشورى : 39-40]

﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ﴾

[ سورة النحل : 126]

 الإسلام في المعاملات وسطي .
 أيها الأخوة ؛ من خلال هذه النقطة يتبيَّن أن على المسيء أن يدفع ثمن إساءته مُلْزَماً ، وأن لصاحب الحق أن يعفو عنه مختاراً ، العدل قسري ، والإحسان طوعي . هذه منهجية الإسلام في المعاملات .

 

منهج النبي في الأخلاق :

 وأما في الأخلاق ، فالإسلام وسطٌ بين غُلاة المثاليين الذين تصوروا الإنسان ملاكاً أو شبه ملاك ليس غير ، رسموا له مستوىً لم يستطع أن يصل إليه ، وبين غُلاة الواقعيين الذين حسبوا الإنسان حيواناً أو كالحيوان يعيش لشهواته . الإسلام ينطلق من أن الإنسان رُكِّب من عقلٍ وشهوة ، فإن قاده عقله إلى معرفة ربه ، وضبط شهوته وفق منهج خالقه ، سما وسما حتى تجاوز في سموه الملائكة المقرَّبين ، وإن عطَّل عقله ، أو أساء استخدامه ، فنسي سرَّ وجوده ، وجهل منهج ربه ، وتحكَّمت فيه شهوته سقط حتى صار أدنى من الحيوان .
 أيها الأخوة الكرام ؛ ونحن في ذكرى مولد النبي العدنان ، جاءنا هذا النبي الكريم بنظرةٍ متوازنةٍ إلى الحياة الدنيا ، فهو بين الذين عدّوا الحياة الدنيا هي كل شيء ، وقالوا :

﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾

[ سورة الأنعام : 29]

 فعبدوا شهواتهم ، ومصالحهم الماديّة ، وبين الذين عدّوا وجودهم في الدنيا شراً فانسحبوا من الحياة ، وحرموا أنفسهم من طيِّباتها ، وزينتها المشروعة ، لقد عدَّ الإسلام الحياتين ؛ الدنيا والآخرة ، متكاملتين ، فالأولى مطيةٌ للآخرة .
 أيها الأخوة ؛ الإسلام الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام - ونحن في ذكرى مولده - بين الروحية والمادية ، وسطٌ بينهما ، بين الدين والدنيا ، بين القيَم والحاجات ، بين الغريزة والعقل ، بين الشهوة وبين المبدأ ، بين الإنسان كما أراده الله عزَّ وجل ، إنساناً مخلوقاً من قبضةٍ من تراب الأرض ومن نفخةٍ من روح الله ، الإنسان يجمع بين هذين الشيئين : النزعة الأرضية ، والنزعة الروحية .
 أيها الأخوة الكرام ؛ شيءٌ دقيقٌ جداً في هذا الموضوع ؛ ليس في الإسلام إفراطٌ ولا تفريط ، ولا غلوٌ ولا تقصير ، ولا طغيانٌ ولا إخسار ، ولا شططٌ ولا انكماش ، بل كلٌ يأخذ حقه بالقسطاس المستقيم ، فالإسلام وسطٌ بين المادية المقيتة والروحية الحالمة ، بين الواقعية المُرَّة والمِثالية التخيّلية ، بين الفردية الطاغية والجماعية الساحقة ، بين الثبات الرتيب والتغيُّر المُضطرب ، بين الحاجات الملحة والقيمَ البعيدة ، بين العقلانية الباردة والعاطفية المتّقدة ، بين نوازع الجسد ومتطلبات الروح .

 

منهج النبي في حقوق الإنسان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ النبي عليه الصلاة والسلام - ونحن في ذكرى مولده - جاءنا بمنهجٍ قويم متوازن ، فالإنسان لا ينبغي أن ينسحب من الحياة ، وأن يتفرَّغ للعبادة تفرغاً تاماً ، فيتبَطَّل فلا يعمل ، يتقشَّف فلا يتمتع ، يتبتل فلا يتزوج ، يتعبد فلا يفتر ، ليله قائم ، ونهاره صائم ، يده من الدنيا صفر ، وحظُّه من الدنيا خبزٌ الشعير ، ولبسٌ المُرقَّع ، ليس هذا هو الإنسان الذي أراده الله ، كما أنه ليس كصاحب الجنتين يفخر على صاحبه منتفخاً بثروته ، مختالاً بجنَّته قائلاً :

﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾

[ سورة الكهف : 34]

 أيها الأخوة الكرام ؛ الإنسان الحق ليس هذا ولا ذاك ، الإنسان في نظر الإسلام مخلوقٌ مزدوج الطبيعة ، يقوم كيانه على قبضةٍ من طين الأرض ونفخةٍ من روح الله .
 أيها الأخوة ؛ نحن في ذكرى مولد النبي عليه الصلاة والسلام ، أراد الإنسان نموذجاً بعنصره الطيني المادي ، الذي هو قادرٌ على أن يسعى في الأرض ، وأن يَعْمُرها ، وأن يكتشف ما أودع الله فيها من كنوزٍ ونِعَم ، وعلى أن يسخِّر قواها لمنفعته ، والنهوض بمهمته . وهو بعنصره الروحي مهيَّأٌ للتحليق في أفقٍ أعلى ، والتطلع إلى عالمٍ أرقى ، والسعي لحياةٍ أسمى هي خيرٌ وأبقى .
 أيها الأخوة الكرام ؛ المسلم الحق يسخِّر المادة ولا تُسَخِّره ، ويستخدم ما على الأرض من ثروات وخيرات من دون أن تستخدمه ، ومن دون أن تستعبده .
 كان عليه الصلاة والسلام - وقد جاءنا بمنهجٍ قويم - يقول :

(( اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري ، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي ، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي ، واجعل الحياة زيادةً لي في كل خير ، واجعل الموت راحةً لي من كل شيء ))

 هذا من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام . وهل من دعاءٍ أكثر توازناً من هذا الدعاء ؟

(( اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ))

[الترمذي عن ابن عمر ]

 هذا من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام . وقد قال لبعض أصحابه عندما رآه منعكفاً على العبادة والتبتُّل ، قال :

(( صم وأفطر ، وقم ونم ، فإن لبدنك عليك حقاً ، وإن لعينك عليك حقاً))

[متفق عليه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

 النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( ؛ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ))

[ البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ ما هذا المنهج القويم الذي جاء به سيد المرسلين؟ إن برَّ الوالدين يعدل الجهاد في سبيل الله .

(( انصرفي أيتها المرأة ، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله ـ أي يعدل الجهاد في سبيل الله ـ ))

[ابن عساكر وأخرجه البيهقى في شعب الإيمان عن أسماء بنت يزيد الأنصارية]

 إن حسن تربية الأولاد - ولا سيما البنات - طريقٌ إلى الجنة ، إن العمل الذي ترتزق منه إذا كان في الأصل مشروعاً ، وسلكت به الطرق المشروعة ، وابتغيت به كفاية نفسك ، وأهلك وخدمة المسلمين ، ولم يشغلك عن واجبٍ ديني ، انقلب إلى العبادة ، ما هذا المنهج القويم الذي هو دين الفطرة؟

 

التقاء الفردية والجماعية في صورةٍ متزنة في منهج النبي :

 أيها الأخوة الكرام ؛ في هذا المنهج القويم الذي جاء به النبي - ونحن في ذكرى مولده - تلتقي الفردية والجماعية في صورةٍ متزنة ، شعوبٌ كثيرة رجَّحت الجماعية على الفرد فسحقته ، وشعوبٌ أخرى رجَّحت الفرد على الجماعة فسحقتها ، في هذا المنهج القويم تلتقي الفردية والجماعية في صورةٍ رائعة ، تتوازن فيها حرية الفرد ومصلحة الجماعة ، تتكافأ فيها الحقوق والواجبات ، تتوزَّع فيها المغانم والتَبعات بالقسطاس المستقيم ، المشرِّع هو الله ، هو خالق الإنسان ، فمن المستحيل أن يشرِّع الخالق الحكيم من الأحكام والنُظُم ما يعطِّل فطرة الإنسان ، أو يصادمها ، وقد خلق الله الإنسان على طبيعةٍ مزدوجة؛ فرديةٍ واجتماعية في آنٍ واحد .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا المنهج القويم الذي جاء به سيد المرسلين - ونحن في ذكرى مولده - يقرر للإنسان حق الحياة . .

﴿مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾

[ سورة المائدة : 32 ]

 لذلك أوجبت شريعته الغرَّاء القصاصَ في القتل ، وأكَّدت هذا المعنى في قوله تعالى :

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾

[ سورة البقرة : 179]

 في هذا المنهج القويم الذي جاء به سيد المرسلين - ونحن في ذكرى مولده - قرر حريّة الاعتقاد ، فلا يجوز أن يُكْرَه إنسانٌ على ترك دينه واعتناق دينٍ آخر ، قال تعالى :

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾

[ سورة البقرة : 256]

 وهذا الدين القويم الذي جاء به سيد المرسلين ، أشار إلى حُرْمَة العِرْضِ ، أي سمعة الإنسان ، فصان للفرد حق الكرامة فلا يجوز أن يهان في حضرته ، ولا أن يؤذى في غيبته . هذا المنهج القويم الذي جاء به سيد المرسلين أكد حرمة المال . .

﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾

[ سورة النساء : 29]

 هذا المنهج القويم الذي جاء به سيد المرسلين أكد حرِّية البيت . .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾

[ سورة النور :27]

 هذا المنهج القويم الذي جاء به سيد المرسلين ، أكد حرية النَقْد البنَّاء المُخلص . .

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

[ سورة آل عمران : 104 ]

 هذا المنهج القويم الذي جاء به سيد المرسلين ، أكد المسؤولية الفردية . .

﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾

[ سورة المدثر : 38]

 وأنه . .

 

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

[ سورة فاطر : 18]

 أيها الأخوة الكرام ؛ الإسلام مراعاةً للجانب الاجتماعي للإنسان ، فرض عليه واجبات تكافئ حقوقه عليه ، وقيَّد هذه الحقوق والحريات الفردية بأن تكون في حدود مصلحة الجماعة ، وألا يكون فيها مضرةٌ للغير ، وليس للفرد في مجتمع المسلمين أن يستخدم حقَّه فيما يؤذي الجماعة ويضرُّها ، كما أن حق الفرد مَصونٌ إذا تعارض مع حقوق الجماعة .

 

تلخيص لما سبق :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه ملامح منهج النبي عليه الصلاة والسلام في المعتقدات ، وفي العبادات ، وفي المعاملات ، وفي الأخلاق ، وفي حقوق الإنسان .
 نحن في ذكرى المولد الشيء الذي ينبغي أن نفعله أن نعكف على سنة النبي فنقرأها ، ونطبقها ، ونحن في بحبوحةٍ ما دمنا نطبِّق سنة النبي عليه الصلاة والسلام ، قال تعالى :

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

[ سورة الأنفال : 33]

 ما دامت سنتك قائمةً ؛ في بيوتهم ، في أعمالهم ، في إقامتهم ، في سفرهم ، في لهوهم البريء ، في أفراحهم ، في أتراحهم ، هم في مأمنٍ من عذاب الله .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيِّس مَن دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز مـن أتبع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني .

* * *

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليه ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز مَن عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك .
 اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمَّن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم أعطنا سؤلنا يا أكرم الأكرمين . اللهم إنا نعوذ بك من عُضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السَلب بعد العطاء .
 اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم ، فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم صُن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونُبْتَلى بحمد مَن أعطى ، وذم مَن منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك ما تشاء قدير وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018