أحاديث متفرقة - الدرس : 062 - أحاديث شريفة تبدأ بكلمة المؤمن..... - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث متفرقة - الدرس : 062 - أحاديث شريفة تبدأ بكلمة المؤمن.....


1995-11-26

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة الكرام : لازلنا مع كتاب الجامع الصغير ، الذي رتبت فيه أحاديث البشير النذير وفق حروف الهجاء ، فلهذا الكتاب ميزة ، أنك تنتقل من موضوع إلى موضوع دون أن تتقيد بموضوع واحد ، ولكن الذي يجمع كل الأحاديث أنها تبدأ بحرف واحد ، وقبل أن نبدأ في ذكر بعض الأحاديث الشريفة في فصل المحلى بأل من حرف من ، أريد أن أضع بين أيديكم هذه الحقيقة :
 لو دخلت إلى مكتبة ، ونظرت إلى مئة ألف كتاب ، أو إلى عشرات مئات الألوف من الكتب ، ليس في هذه الكتب كلها إلا كتاب واحد ، إذا قرأته أنت على يقين قاطع أن كل ما فيه صحيح ، هذا الكتاب هو كتاب حديث رسول الله ، بسبب بسيط ، هو أن الله سبحانه وتعالى عصمه ، النبي معصوم من أن يخطئ ، لو أن الإنسان تلقى توجيهاً ، أو قرأ حقيقة ، أو فكرة من كتاب لغير النبي e فاحتمال الخطأ وارد ، الإنسان إذا أخطأ في أمور معاشه فالقضية محصورة ، أخطأ في شراء بيته ، يباع البيت ، أخطأ في اقتناء مركبته ، تباع المركبة ، أما إذا أخطأ في أثمن شيء يملكه ، ألا وهو قلبه ، ودينه ، فهذا خطأ مدمر ، فالإنسان أحياناً يتلقى توجيهات من جهات عديدة ، هذه التوجيهات فيها الصواب ، وفيها الخطأ ، فلو أن الإنسان لم يعتمد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد وقع في خطأ كبير ، هو أنه قامر بدينه ، الدين كما قال عليه الصلاة والسلام :

((دِينك دينك إنه لحمك ودمك خذ عن الذين استقاموا))

  فالنبي عليه الصلاة والسلام هو سيد الخلق ، وحبيب الحق ، لذلك سيدنا سعد حينما قال :

((ثلاثة أنا فيهن رجل ، وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس ، ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى))

 لذلك أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم لو مضى عليها ألف عام ، وألفا عام ، ومئة ألف عام حقائقها لا تتبدل ، ولا تتغير ، وما من انحراف ، وما من مشكلة تصيب البشرية إلا بمخالفة منهج رسول الله ، لأنه لا ينطق عن الهوى ، وصف جامع مانع ، لا ينطق عن الهوى ، أناس كثيرون ، بل عن معظم الناس إذا نطقوا نطقوا عن الهوى ، يعني عن مصالح ، عن غرائز ، عن ميول ، عن شهوات ، عن نوايا خبيثة ، ينطق عن الهوى ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى ، من هو السعيد ؟ هو الذي اهتدى بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في زواجه ، اهتدى بهدي النبي في عمله في تجارته ، اهتدى بهدي النبي في شؤون صحته ، اهتدى بهدي النبي في علاقاته ما من إنسان يهتدي بهدي النبي صلى الله عليه وسلم إلا أفلح ، وربح ، وفاز وتفوق .
 الآن الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم :

((المؤمن أخو المؤمن ، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر))

[ مسلم ]

  من أجل تمتين العلاقة بين المؤمنين من أجل أن يكون المؤمنون صفاً واحداً كالبنيان المرصوص ، من أجل أن يكون مجتمع المؤمنين مجتمعاً متماسكتاً ، من أجل أن تشعر بأخوة الإيمان لا ينبغي أن تفعل شيئاً يضعضع هذه العلاقة ، كأن تبتاع على بيع أخيك ، أو أن تخطب على خطبة أخيك ، أو أن تغتاب أخاك ، أو أن تحقره ، أو أن تخذله ، أو ألا تلبي دعوته ، دققوا ، أي شيء يضعضع العلاقة بين المؤمنين نهى النبي e عنها أي شيء على الإطلاق يضعضع ويفرق ، ولا يؤلف ، ويوهن هذه الجسور التي بين المؤمنين ، النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها ، وأي شيء يقوي هذه العلاقة أمر النبي e بها ، يقويها إفشاء السلام ، يقويها أن تعود أخاك المريض ، يقويها أن تهنئه ، يقويها أن تعزيه ، يقويها أن تواسيه ، يقويها أن تقرضه ، يقويها أن تعاونه على أمر دينه ودنياه ، يقويها أن تنصحه ، يقويها أن تبش له ، يقويها أن تبذل له ، مبدأ العلاقات بين المؤمنين ، كل ما من شأنه أن يقوي هذه العلاقة فقد أمر الله به ، كل ما من شأنه أن يضعضعها نهى الله عنه ، فلذلك أنت حينما تتبع منهج النبي صلى الله عليه وسلم فأنت في بحر الأمان ، أنت في سلام مع نفسك ، ومع الناس ومع ربك ، لأن الله سبحانه وتعالى أراد أن نطيعه ، أرادنا بنص القرآن الكريم :

 

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

 

[ سورة الحشر : 7]

  أنت مأمور من قبل الذي خلقك أن تتبع هذا النبي e ، لأن الله عصمه ، وتولى حفظه ، تولى حفظ كتابه ، وتولى حفظ سنة نبيه ، وأمرك أن تتبعه ، وأدق مثل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير بشكل أو بآخر إلى تعليمات الصانع فأنت حينما تتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم فأنت تطبق تعليمات الذي خلقك .
 فإنسان اشترى حاجة ، أو باع حاجة ، قال لك شخص : أنا أبيعك أرخص من هذا ، أرجع له هذه الحاجة ، وتعال ، وخذها من عندي ، هذا موقف نهى عنه النبي e ، لا تشتر على شرائه ، ولا تبع على بيعه ، ولا تنافسه ، المؤمن أخو المؤمن ، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ، إنسان خطب امرأة من بيت ، يدخل على الخط ، أنا أغنى ، أنا بيتي ملك ، أنا دخلي أكبر ، ما لكم وله ، ارفضوه ، ووافقوا علي ، هذا خطب على خطبته ، فالخطبة ، والبيع لا ينبغي إلا أن ينتهي البيع ، وافقوا أو لم يوافقوا ، عندئذ ادخل ، أنا ما أردت هذه الحادثة بالذات ، أردت أن كل ما من شأنه أن يضعضع العلاقة بين المؤمنين نريد أن نبتعد عنه ، وكل ما من شأنه أن يقوي العلاقة بين المؤمنين يجب أن نفعله ، عندئذ يرضى الله عنا .
 حديث آخر ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ))

[ مسلم ، أحمد ، ابن ماجه ]

 لماذا الحقيقة القوة وحدها ليست مستحبة أن تكون بيد غير المؤمن ؟ لأن غير المؤمن متفلت ، بلا منهج ، محرك مندفع بلا مقود ، والطريق منعطفات ، فالحادث حتمي ، فالقوة إذا كانت بيد المؤمن فهو راشد ، هو حكيم ، له منهج يسير عليه في حياته ، منظومة قيم ، افعل ولا تفعل ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ))

  قوي بماذا ؟ المال قوة ، والعلم قوة ، والقوة قوة ، أن تكون في منصب حساس ، أحياناً مدير مخبر يبنى على هذا المخبر غذاء المسلمين ، فأي عينة مغشوشة يؤتى بها لهذا المخبر ، وتفحص ، فلو تواطأ صاحب هذا المخبر مع إنسان ما من دفع الثمن ؟ عامة المسلمين فأحياناً في مناصب حساسة ، فإذا كنت عالماً تحمل شهادة عليا ، تفوقت في عملك ، وصلت إلى هذا المنصب ، فهذا المنصب فيه خدمة للمجتمع ، فإذا كنت مستقيماً نزيهاً فلا تباع ، ولا تشترى ، كنت خير من يتولى هذا العمل ، فالمنصب قوة ، والمال قوة ، والعلم قوة ، فكلمة قوة شاملة ، طبعاً العالم غير الجاهل ، الخبير غير الجاهل ، وصاحب المال هو الذي بماله يفعل الأعمال الصالحة ، ورد في حديث قدسي :

(( أحب ثلاثاً ، وحبي للثلاث أشد ، أحب الطائعين وحبي للشاب الطائع ، أشد أحب الكرماء وحبي للفقير الكريم أشد ، أحب المتواضعين وحبي للغني المتواضع أشد ، وأبغض ثلاث وبغضي لثلاث أشد ، أبغض العصاة وبغضي للشيع العاصي أشد ، وأبغض المتكبرين وبغضي للفقير المتكبر أشد ، وأبغض البخلاء وبغضي للغني أشد))

 فالمؤمن القوي ، هذا الكلام للطلاب ، حينما تنال شهادة عليا هذا مركز قوة لك ، قد يتاح لك أن تخدم المجتمع بشكل جيد ، يتاح لك أن تظهر أمام الناس ، أن تظهر عظمة هذا الدين ، متعلم مثقف ثقافة عالية ، لكن سياجاً من القيم يحكم أعمالك ، لا تتصور مقدار شأن الإنسان المتعلم والأخلاقي بآن واحد ، الناس لا يحبون هذا الإنسان الطيب الجاهل ، أو ذاك المتعلم الفاسق ، نموذجان كريهان ، مثقف ثقافة عالية ، لكنه زنديق ، لا شيء يحكمه ، أو طيب القلب ، لكنه جاهل ، ما الذي يلفت نظرك ، وينتزع إعجابك ؟ أن ترى إنساناً على مستوى عال من الثقافة ، وفي الوقت نفسه على مستوى عال من الأخلاق والانضباط .

 

((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ))

  فرق مئة بالمئة ، محلان تجاريان ، واحد صاحبه مؤمن ، والثاني شارد ، إذا فتح المؤمن المحل ، وقال : نويت خدمة المسلمين ، هل تصدقون أن كل حركاته وسكناته ، وبيعه ، وشرائه ، وعقد صفقاته تحسب له أعمالاً صالحة ، أنت حرفتك ، صنعتك ، اختصاصك ، كونك موظفًا ، كونك مدرسًا ، كونك طبيبًا ، كونك صاحب معمل ، كونك تعمل بالأعمال الحرفية ، كونك بالأعمال الخدمية ، كل إنسان إذا أتقن عمله ، ونوى به خدمة المسلمين انقلب إلى عمل صالح ، لذلك الأعمال العادية التي يقهر الناس على فعلها هي عند المؤمن أعمال صالحة ، نويت خدمة المسلمين ، إذا بعت المسلمين سلعةً جيدةً ، بسعر معقول ، ببشاشة في وجهك ، فأنت تفعل عملاً .
 أنا سمعت في بلد إسلامي إندونيسيا ، هذا البلد الآن أكثر من مئتي مليون يفوق العالم العربي كله ، هذا البلد سبب إسلامه هو التجار المسلمون ، ما فتح بالسيف ، ولا بالمعارك ، فتح من خلال التجارة ، فالمؤمن القوي ، الكلام للطلاب ، أنت طالب تفوق بالتجارة ، تفوق بالصناعة ، والحقيقة سأقول لكم كلمة أرجو الله سبحانه وتعالى أن تقع في قلوبكم موقعاً حسناً : الناس لا يحترمون دينك إلا إذا تفوقت في عملك ، الإنسان المهمل الذي يعد أمره فرطا ، المؤجل ، المرجئ ، غير المتقن ، الذي يسيب من حوله ، هذا الإنسان لا يحترم دينه ، هذا الإنسان يبعد الناس عن الدين ، هذا الإنسان يفسر الناس أن تخلفه بسبب دينه .
 فلذلك أيها الإخوة الأكارم : التّفوقُ أحد أسبابه أن يرضى الله عنه ، أن تجذب الناس إلى الدين ، وأنت ساكت ، بانضباطك ، بعفتك ، بنظافتك ، بإخلاصك ، بصدقك .

 

 

((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ))

 هناك أطباء ، وجراحون ، ومهندسون ، وأصحاب حرف ، وأصحاب معامل ، وإنسان متقن عمله إتقاناً كاملاً ، هذا المتقن ينتزع إعجاب الناس ، فإذا رأوه متديناً ربطوا تفوقه بتدينه ، فعرفوا أن الدين هو سبب سعادة الإنسان ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام حكيم ، ومربٍّ ، قال :

 

(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ))

 إذا ما كان الإنسان قوياً ، أنا في خطب سابقة فرقت بين فقر الكسل ، وفقر القدر ، هناك فقر أساسه الكسل ، ولكن هناك فقر أساسه القدر ، طرقت كل الأبواب ، سلكت كل السبل ، اتخذت كل الأسباب ، وشاء الله لك أن تبقى فقيراً ، هذا الفقر أسميه وسام شرف ، هذه مشيئة الله ، والمؤمن يحترم مشيئة الله ، ويرضى بقضائه وقدره ، طرق كل الأبواب ، سلك كل السبل ، اتخذ كل الأسباب ، لكن حكمة الله شاءت له أن يبقى فقيراً ، هذا اسمه فقر القدر ، فقر القدر غير فقر الكسل ، فقر القدر فيه حكمة ما بعدها حكمة ، قال تعالى :

 

﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾

 

[ سورة الشورى : 27]

  هو العليم ، هو الخبير ، هو الذي يعلم ، ونحن لا نعلم ، هو الحكيم ، ونحن لا نعلم ، لذلك أجمل آية في هذا الموضوع ، والله إذا قرأها المؤمن يجب أن يقشعر جلده ، قال تعالى :

 

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

 

[ سورة البقرة : الآية 216]

  ربنا عز وجل أحياناً يمتحن معرفتك به ، يمتحن عبوديتك ، يأتي الشيء غير مألوف ، غير معقول ، غير مستحب ، مرفوض ، أنت بعلمك بالله ، وبإيمانك به تقول : الحمد لله على كل حال ، حمداً لله ، يا رب ، أنا راض بقضائك وقدرك ، ثم يكشف الله عز وجل الحكمة البالغة من هذا الفعل الإلهي ، عندئذ تذوب حباً لله ، واستسلاماً ، ورضاءً بقضائه وقدره .

 

(( وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ))

  أنت ما كنت قوياً ، لا لكسل ألمّ بك ، ولكن لقضاء وقدر نزل بك ، الآن سأوسع الموضوع هناك فقر الكسل ، وفقر القدر ، إذا ما كان الشخص قوياً ، كان سقيماً ، ما كان قوياً ، كان ضعيفاً ، ما كان قوياً ، ما أتيح له أن يتعلم ، ذكرت قبل قليل قوة العلم ، وقوة المنصب ، وقوة المال ، أحياناً أنت أستاذ جامعة ، أستاذ كرسي الكيمياء الحيوية ، أنت مؤمن ، لن تخطئ في عملك ، سوف تدرس الطلاب بإخلاص ، وسوف تقيم ميزانًا دقيقًا فيما بينهم ، لا تحاب أحداً ، كل إنسان مؤمن وصل إلى مركز من فضل الله عليه أن هذه المركز يشرف به لنزاهته ، واستقامته ، الآن إذا ما أتيح للإنسان أن يصل إلى هذا المركز ، شاءت حكمة الله أن يكون ضعيفاً ، فقيراً ، غير متعلم ، غير قوي ، ماذا يفعل ؟ نقول : هذا وسام شرف ، هذا فقر القدر ، هذا يشف عن حكمة بالغة عرفتها أم لم تعرفها ، أما دقة كلام النبي عليه الصلاة والسلام ، والنبي كلامه يسع الناس جميعاً :

 

((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ))

 إذا كنت مؤمناً فأنت على خير ، وأنت عند الله مقرب ، ولو كنت ضعيفاً ، أما إذا كنت قوياً ومتاح لك أن تفعل خيراً أكبر ، كطبيب فتح عيادة يوم الجمعة للمرضى الفقراء مثلاً ، لو ما كان طبيباً لم يتمكن من هذا العمل الطيب ، إنسان معه اختصاص ، محام وجد إنساناً ضعيفاً فنصره ، هو يعلم بالقوانين أوصله إلى حقه ، إنسان مختص بالرياضيات ، وابن أحد أصدقائه ضعيف في هذه المادة ، اختصاصه أتاح له أن يفعل خيراً ، القوة تتيح لك أن تفعل الخير ، النقطة الدقيقة كلام الله عز وجل حينما حدثنا عن قارون ماذا قال له قومه ؟

 

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾

 

[ سورة القصص : الآية 77]

 والله هذه الآية الله ماذا آتاك ؟ آتاك علماً ، وظف هذا العلم في الحق ، آتاك مكانة رفيعة ، وظفها في نصرة الضعيف ، آتاك مالاً ، وظفه في عون الفقراء والمساكين ، فالمؤمن العاقل وهو في الدنيا يوظف كل حقوقه في سبيل الله ، قال تعالى :

 

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾

 

[ سورة القصص : الآية 77]

  ثم يقول النبي عليه الصلاة والسلام :

((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ ))

  في هذا الحديث شيء دقيق ، الإنسان أحياناً يستسلم لواقعه ، يقول لك : الوضع غير سليم ، الأمور كلها غير صحيحة ، يستسلم ، العصر فسد ، لا يربي أولاده ، يقول : العلم ما يأتي بالخبز ، يبقي أولاده جهلة ، أحيانا الإنسان يستسلم ، النبي ما قال هكذا ، قال النبي عليه الصلاة والسلام :

((إن الله يلوم على العجز ، ولكن عليك بالكيس ، فإذا غلبك أمر فقل : حسبي الله ونعم الوكيل))

 تحرك ، اسعَ ، فإذا غلبك أمر فقل : حسبي الله ونعم الوكيل .
 أنا لا أقول لكم : يجب أن يكون أولادكم أطباء ، لكن أعرف أسرة الابن عاد الكفاءة يعيدها أربع مرات ، والبكالوريا ثلاث سنوات ، وأمه مصرة على أن يكون طبيباً ، وصار طبيبًا ، إصرار عجيب ، وحملته على أن يكون طبيباً ، وصار طبيباً .
 قلت لكم : أحد شيوخ الأزهر كان أمياً ، حاول أن يتعلم القراءة والكتابة ، وجد جبالا أمامه ، وتقدم في السن ، ستة أربعين عاما ، وهو جالس بمكان وجد نملة صعدت على الحائط ، ثم وقعت ، ثم أعادت الكرة ، ثم وقعت ، عد محاولاتها فكانت أربعين محاولة ، فاستحيا من ربه ، نملة تصر هذا الإصرار ، وتلح هذا الإلحاح ، فطلب العلم ، وأصر على بلوغه ، وما مات إلا بعد توليه منصب شيخ الأزهر ، هذا غير الأنصار ، هذا الذي قال : أين الأزعر ، ركب دابته من إحدى قرى الصعيد ، واتجه إلى القاهرة ، وسأل : عن الأزعر ، فقال له رجل : ما الأزعر ، هذا اسمه الأزهر الشريف ، ذاك في الخامسة والخمسين من عمره ، تعلم القراءة والكتابة ، وتعلم قراءة القرآن ، وطلب العلم ، وما مات وهو شيخ الأزهر ، مات بالسادسة والتسعين .
 الإنسان أيها الإخوة عنده طاقات لا يعلمها إلا الله ، لكن الواحد لا يكسل ، فتضعف همته ، هناك أدلة كثيرة ، الثاني نملة علمته أربعين محاولة .
 زارني أخ من مدة ، أنا لا أعرفه سابقاً ، يسمع بعض الأشرطة ، قال لي : أنا من يومين أخذت نتيجتي ، معي ليسانس لغة عربية ، والحمد لله ، قال لي : أنا عمري سبعين سنة ، دخلت الجامعة في السن بالسادسة والستين ، وأخذ في السبعين ليسانس لغة عربية ، ما هذه الهمة ، همة عالية ، استعن بالله ، ولا تعجز ، لا تقل : راحت علي ، عند الكبرة جبة حمرة ، لا تقل هذا الكلام ، هناك متسع ، والله كريم .
 سيدنا زيد الخير قدم إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، علم بدعوته ، فقدم ، سمع خطبته أعجب بها ، النبي e أحبه ، دعاه إلى بيته ، قال : من الرجل ؟ قال : أنا زيد الخيل ، كان من الشخصيات اللامعة بالجاهلية ، كريمًا وجميل الصورة ، وطويل القامة ، قال النبي عليه الصلاة والسلام : بل أنت زيد الخير ، لا زيد الخيل ، أول شيء النبي غير له اسمه ، قال له : لله درك يا زيد ، ما وصف لي أحد فرأيته إلا كان دون ما وصف لي إلا أنت يا زيد ، جلس مع النبي e قليلاً ، وقدم له وسادة ليتكئ عليها ، فقال هذا الإنسان حديث العهد في الإيمان : والله لا أتكئ في حضرتك ، وقال : يا رسول الله مرني ماذا أفعل ؟ أعطني ثلاثمئة فارس لأغزو لك بها الروم ، فقال له النبي : لله درك يا زيد ، أي رجل أنت ، ثم غادر بيت النبي e ، واتجه إلى قبيلته ، وفي الطريق جاءته المنية ، كان إسلامه من يومين أو ثلاثة ، لكن مات على الإيمان .
 الإنسان لا يقل : أنا كبرت ، راحت علي ، اطلب العلم ، أشرف عمل على الإطلاق أن تطلب العلم ، العلم نور ، العلم سلاح ، العلم حارس ، حياة العالم بالله ، بأمر الله حياة راقية جداً ، كيف أن قطعة لحم - وأنت جائع جداً - مشوية ، وقطعة لحمة متفسخة ، والقطعتان لحم ، ولكن شتان بين القطعتين ، هناك إنسان كالجيفة ، روائحه تصعد مئة متر ، إنسان بذيء ومزحه رخيص ، كبره ، استعلاؤه ، قلبه القاسي ، مثل الجيفة ، وهناك إنسان تشتهي أن تجلس معه ، تشتهي أن يعاملك ، تشتهي أن يكون معه .

 

((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ)

  لا تقل : لا أستطيع ، الزمن صعب ، يا أستاذ لا إمكان ، الاستقامة صعبة جداً ، ماذا نفعل ، نحن مثل الناس ، هذا كلام العجز ، كلام الخور ، كلام الضعف ، كلام الخنوع ، ممكن أن تكون في أفسد بيئة صالحاً ، ممكن أن تكون عالماً ببيئة جهلة ، ممكن أن تكون أخلاقياً ببيئة لا أخلاقية ، والشواهد كثيرة جداً ، هناك فتيات يعملن في الفن ، ويعملن في مستنقع آسن تاب الله عليهم ، وتحجبن ، وصرن مؤمنات ، قانتات ، ممكن ، لا تعز لبيئتك السبب ، البيئة لها أثر ، لكن ليس لها كل الأثر ، لا تعز قصورك إلى تربيتك البيتية ، أبي ما ربانا ، ربِّ نفسك أنت ، أبي ما أعطانا ، اجتهد ، المحيط الذي حولنا فاسد ، أنت كن صالحاً .
 أنا الذي أريده حقيقة ، والله عرفتها من أمد طويل ، التعبير عنها دقيق ، كلنا ضعاف ، الله قوي ، كلنا فقراء ، الله غني ، كلنا لا نعلم ، الله الذي يعلم ، أما إذا أردت الحق ، وأصررت عليه يعينك الله ، إذا أردت الاستقامة يعينك الله عليها ، إذا أردت أن تحصن نفسك الله عز وجل يستجيب لك ، أنت لا شيء بالأساس ، لا شيء فعلاً ، وليس أدباً مع الله ، فعلاً لا شيء ، واللهُ كل شيء ، أنت ليس عليك إلا أن تطلب بصدق ، فإن طلبت بصدق أنالك الله مرادك ، إذا كان عندك قدرات ذاتية ضعيفة يمكن أن تضعف معها ، لو أن لك إمكانات محدودة يمكن أن تضعف معها ، أنت لا شيء ، والله كل شيء ، الفرق بينك وبين المتفوق أنه أراد ، وأنت لم ترد ، قضية إرادة فقط ، لو أردت الخير وصلته ، لو أردت العلم أعانك الله عليه ، لو أردت أن تنفق المال أغناك الله ، لو أردت أن تعلم الناس علمك الله ، لو أردت أن تكون خيراً أكرمك الله ، أنت لا شيء بالأساس ، كلنا لا شيء ، والله كل شيء ، لكن الله يستجيب بقدر صدقك ، الله عز وجل لا يتعامل مع التمنيات ، التمنيات لا شأن لها عند الله إطلاقاً ، قال تعالى :

 

 

﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾

 

[ سورة النساء : الآية 123]

 الآية الكريمة :

 

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾

 

[ سورة الإسراء : الآية 19]

  تحرك ، اطلب العلم ، اخرج من بيتك ، يا رب اهدني ، لو قال الإنسان : اهدني ، واهد بي ، ألا يهديه الله ؟ يا رب دلني عليك ، ودلني على من يدلني عليك ، ألا يدله الله عليه ؟ قال تعالى :

 

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾

 

[ سورة العنكبوت : الآية 69]

  الله عز وجل يخلق من الضعف قوة ، من المحدودية في التفكير عبقرية ، من الخطأ ينتج الصواب ، أحياناً الإنسان لا ييأس ، أنا أريد من هذا الدرس ومن هذا الحديث بالذات لا تضعف ، قال تعالى :

 

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ﴾

 

[ سورة آل عمران : الآية 139]

  أنت الله معك ، خالق الكون معك ، وما من إنسان يبتغي وجه الله بعمل صالح ، بطلب علم إلا أكرمه الله عز وجل ، أعرف أخاً كريماً يعمل مدرسَ لغة إنكليزية ، وتقاعد ، وصار في الخامسة والخمسين ، اشتهى أن يقرأ القرآن ، وأن يحفظه ، الآن يقرأ كتاب الله كله ، ويحفظه في الخامسة والخمسين ، يقول لك : العلم في الكبر كالكتابة على الماء ، ليس صحيحاً إذا أصررت ، اقرأ كتاب الله ، اطلب العلم ، اعمل عملاً ، دائماً هناك حديث يؤرق المؤمن ،

((يا بشر لا صدقة ولا جهاد ، فبم تلقى الله إذاً ؟))

 هذا السؤال الدقيق ، مستقيم ، لكن أنت حينما تصل إلى ملاقاة الله عز وجل ما العمل الذي بين يديك ؟ ما العمل الذي سوف تقدمه لله عز وجل ؟ يا رب أنت خلقتني ، وأرسلتني إلى الدنيا ، وأمضيت في الدنيا سبعين عاماً ، ثم جئت إليك ، وهذا العمل الذي فعلته تقرباً إليك ، لك دعوة إلى الله ، لك إنفاق ، لك معاونة ، أمّا لا معاونة ، ولا إنفاق ، ولا دعوة ، ماذا تفعل إذاً ؟ والله اشترينا بيتاً ، ورتبناه ، هذا البيت انتهى عند الموت ، كل منجزاتك الدنيوية تنتهي عند الموت ، هذه لا تذكر أبداً .
 أخ صار يأتي إلى المسجد ، صار له زيارات ، ثم أخبرني ابنه أنه توفي باكراً ، طبعاً من واجب الأخوّة أن نشيعه ، أنا أعرف بيته ، وأعرف عمله ، عنده معمل ضخم ، وعنده مركبات ، وعنده بيوت ، وأذواقه عالية جداً ، ورحلاته كثيرة ، وضع في النعش ، وصلينا عليه ، وكان أحد علماء دمشق يرتاد مجالسه أيضاً ، فقال : ليؤبنه ، فقال : أخوكم أبو فلان كان يؤذن ، اقرؤوا الفاتحة ، انتهى التأبين ، تأبين إنسان لا يزيد عن دقيقة ، ماذا يقول ؟ أين أعماله ؟ إذا كانت مساحة بيته هل تذكر عند التأبين ؟ لا تذكر ، ماركة سيارته تذكر عند الموت ؟ لا تذكر ، حجمه المالي هل يذكر ؟ ماذا يذكر عند الموت ؟ عمله الصالح فقط ، اعمل عملاً يتكلم عنك دقيقتين ، أو ثلاث دقائق ، أو خمس دقائق ،

((لا صدقة ، ولا جهاد فبمَ تلقى الله إذاً ؟))

  الرجل كان صالحاً أنا لا أذمه أبداً ، أحيانا يكون عمل الإنسان قليلا ، منشغل بالدنيا ، غارق في الدنيا ، لكنه من مشكلة إلى مشكلة ، من حل قضية إلى حل قضية ، من صفقة إلى صفقة ، نريد عملاً لله ، نريد عملاً للآخرة ، نريد طلب علم ، تعليم علم ، أمرًا بالمعروف ، نهيًا عن المنكر ، إنفاق مال ، نريد إصلاح أحوال ، معاونة ضعفاء .
 إخواننا الكرام : أرجو الله سبحانه وتعالى أن تضعوا هذا السؤال يومياً : ماذا قدمت لآخرتي قال تعالى :

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ﴾

 

[ سورة الحشر : الآية 18]

  انظر لساعة مغادرة الدنيا ، حينما يوضع الإنسان في النعش ، ويؤخذ ليدفن ، ماذا قدم لله ؟ هناك أناس لهم أعمال كالجبال ، أن تضع اللقمة في فم امرأتك هي لك صدقة ، اسأل نفسك دائماً : ماذا قدمت للآخرة ؟ أنا أعطيكم أمثلة ، ألك دعوة ؟ الدعوة عمل عظيم ، هل لك إنفاق ؟ والإنفاق عمل عظيم ، هل لك خدمة ؟ والخدمة عمل عظيم ، الإنسان يخدم بعضلاته ، إنسان يدعو إلى الله بعلمه ، إنسان ينفق بماله ، لا مال ، ولا خدمة ، ولا علم ، ماذا تعمل ؟ يعمل لدنياه ، والدنيا تنتهي عند الموت .

 

((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ ))

 لا تقل : لا أقدر ، الذي قدر مثلك معه الخصائص نفسها ، والذي قدر طلب من الله ، وافتقر إلى الله ، أصر على طلبه ، والذي قدر سبق في طلبه .

 

 

((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ))

 الماضي لا جدوى من الحديث عنه.
 ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها.
 أدق شيء أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله ، تصور ، لا أقدر ، كلنا لا نقدر ، لكن نقدر بالله ، كلنا ضعاف ، نحن أقوياء بالله ، كلنا لا نعلم ؛ نعلم بالله ، كلنا فقراء ، أغنياء بالله ، لا تقل : لا أقدر ، لأن الله وحده هو الذي يقدر ، وأنت لا تقدر ، لكن أنت تقدر على شيء واحد ، أن تطلب ، إذا دخل إنسان إلى المطعم فما عليه أن يدفع شيئاً ، إلا أن يطلب ، هذا الطعام مجاناً ، لكن الشرط أن تطلبه ، فالإنسان إذا كسل عن أن يطلب فهو أكسل الناس ، طلب فقط ، اطلب بصدق .
 أنا قلت لكم : صليت في مسجد في بعض المدن السورية ، حدثني صاحبه أقسم بالله حينما أنهى الخدمة الإلزامية أنه كان لا يملك قرشاً ، باع قطعة حلي أخته بثلاثمئة ليرة سورية ، والقصة قديمة ، واشترى بطاقة طائرة ، وذهب بها إلى الخليج ، قال لي ، وهو في الطائرة : قال : والله الشفتان لم تتحرك ، إلا أنني قلت في نفسي : لأن أكرمني الله لأبنينّ لله مسجداً ، خاطر مرّ على ذهنه ، والله عز وجل أكرمه ، وحدثنا عن قصة بناء المسجد ، فكانت تلفت النظر .
 الله حاضر ، ناظر ، اطلب ليعطيك ، لكن اطلب بصدق ، الزعبرة مشكلة ، والتلبسة مشكلة ، اطلب بصدق يعطك ، اطلب العلم يعلمك ، اطلب المال يغنك ، اطلب خدمة الناس يقوّك ، الله هو الموجود ، استعن بالله دائماً ، اسأل نفسك هذا السؤال : ماذا قدمت لآخرتي ؟ ماذا سأقدم بين يدي ربي يوم القيامة ؟ ماذا فعلت يا عبدي ؟ قال تعالى :

 

 

﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48)﴾

 

[ سورة المدثر ]

  الحديث من الأحاديث الأساسية ، لا تعجز ، لا تضعف همتك ، لا تقل : لا أقدر ، لا تقل : الزمن صعب ، لا تقل : البيئة معقدة ، لا تقل : الناس كلهم متفلتون ، أنا مع الناس ، لا ،

((من قال : هلك الناس فهو أهلكُهم))

 وفي رواية :

((فهو أَهْلَكَهُم))

 هو الذي جعلهم يهلكون بكلامه .

 

((... وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ))

  حديث آخر ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

 

((الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ))

[ ابن ماجه ، الترمذي ]

  هناك أشخاص نموذج عجيب ، إذا خدم إنسان خدمة ، وهذا الإنسان أساء له يحلف بالله ألا يخدم إنساناً في حياته ، أنا عندي حديث شريف أعزي به نفسي دائماً ، وأسلي به كل مسلم :

((اصنع المعروف مع أهله ، ومع غير أهله ، فإن أصبت أهله أصبت أهله ، وإن لم تصب أهله فأنت أهله))

  لو أساء يسيء ، لو تنكر لك ، لو جحد فضلك ، أنت فعلت هذا مع ربك ، الله موجود ، ويحفظ عملك الصالح

((اصنع المعروف مع أهله ، ومع غير أهله ، فإن أصبت أهله أصبت أهله ، وإن لم تصب أهله فأنت أهله))

  الإنسان إذا انسحب من المجتمع ، وانزوى ، وتقوقع ، يقول : الناس ليس فيهم خير ، لا تخالط أحداً ، العمل بالمخالطة ، يجب أن تخالط المؤمنين ، يجب أن تنصحهم ، يجب أن تعينهم ، إلا إذا كان المجتمع فسد فساداً كلياً ، ساعتئذ أن تبتعد عنه خير ، موضوع دقيق حساس يحتاج إلى من ينبئك بدقائقه ، أحيانا تكون العزلة أفضل ، و أحيانا الاختلاط أفضل ، أما القاعدة أعطيكم إياها ذهبية كلعبة شد الحبل ، إن دخلت إلى مجتمع ، وقدرت على أن تشدهم إلى الدين فادخل معهم ، خالطهم ، أما إذا شدوك فابتعد عنهم ، أنت حسيب نفسك ، و تعلم أنت علم اليقين من أنت ؟ إن كنت تقدر على أن تشدهم فكن معهم ، أما إن لم تقدر فابتعد عنهم ، هذا المقياس الدقيق .
 المؤمن الذي يخالط الناس ، و يصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ، و لا يصبر على أذاهم ، إذا دخل الإنسان بزواج الإنسان و آلمه رأسه فلك أجر كبير ، أنت دللتني عليهم ، أنا لا أعلم ، أحياناً زوجان يتفاهمان الإنسان أربعة أشهر وهم ساكتون ، يتشاجران ، يأتون إلى الوسيط ، هذه زوجتك ، لماذا عندما كنت معها أربعة أشهر بأحلى حياة ما شكرتني على هذا ؟ كنت ساكتًا ، ثم في أيّ مشكلة يرجع إلى الوسيط ، و مع ذلك لو جاءتك المتاعب من هذا الزواج أفضل شفاعة أن تشفع بين اثنين في النكاح .
 ورد بالأثر :

((من مشى بتزويج رجل بامرأة كان له بكل كلمة قالها ، وبكل خطوة خطاها عبادة سنة ، قام ليلها ، و صام نهارها))

  الإنسان بحق نفسه قصير ، أب عنده خمس بنات ، يجب أن تُعرف فيه أنت ، الفت النظر إلى بناته ، إذا كان بناته محجبات مؤمنات طاهرات ، تحرك حركة ، دل الناس عليه ، هذا عمل عظيم ، يوجد أناس ليس عندهم هذه الرغبة ، إذا كان الأخ مؤمنًا ، وبيت فيه عفة ، وفيه أدب ، وعلم ، وانضباط ، وتعرف شاباً مؤمناً يريد امرأة طيبة فاسعَ ، تحرك ، أفضل شفاعة أن تشفع بين اثنين في نكاح ، ولما تتزوج البنت ، ويكون الزوج مؤمناً فأنت جبرت خاطر العائلتين والأسرتين ، هذا عمل عظيم ، أنا أقول لكم : من أجلّ الأعمال أن تسهم في تزويج الشباب المؤمنين بالشابات المؤمنات ، طبعاً سيأتيك بعض المتاعب ، لابد منها ، ستكون أنت مسؤولا ومرجعًا ، وكل قضية يأتون إليك ، ويلومونك على هذا الاختيار ، لا مانع من هذا .

 

((الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ))

  ترى شخصاً مؤمناً ليس له عمل صالح ، يسمع دروساً ، في بيته لا يعاون ، ولا يقدم شيئاً ، هذا إذا أحب الله أن يرقيه يبتليه بالمصائب حتى يرقى ، فالأعمال الصالحة أكثر راحةً من المصائب ، انتبهوا ، لأن المؤمن المستقيم غالٍ على الله ، واللهُ يريد أن يرقيه ، فإما أن ترقى بعمل صالح ، وإما أن ترقى بصبرك على مصيبة ، والمصيبة دائماً يرقى المؤمن بها ، ولكن هناك رقي أسرع ، وأكثر راحة أن ترقى بعمل صالح ، تحرك ، لا تكن سلبياً ، لا تكن منسحباً متقوقعاً ، أولاد أخيك أنت عمهم ، يقول : أمهم حيوان ، هذا الكلام لا يقال ، لأدنى سبب ينسحب ، لا يخدم أحداً ، تكلم كلاماً طيباً ، واخدم الناس ، فإن الله عز وجل يكرمك .
 قال لي أخ : احترق قلبي ، شكا مشكلته لأخ زوجته ، فقال له : أنصحك ، قال : نعم ، قال : طلقها .

 

 

((الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُم))

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018