الخطبة : 0746 - النصر : حقيقته - مستوياته - أسبابه ـ مصير الخائن. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0746 - النصر : حقيقته - مستوياته - أسبابه ـ مصير الخائن.


2000-05-26

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذُ به مِن شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومَن يُضْلِل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم، رسول الله سيِّد الخَلْق والبشر، ما اتَّصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر، اللهمَّ صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريَّته ومَن والاه ومَن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الفرح من خصائص الحياة النفسية للإنسان :

 أيها الأخوة المؤمنون... لا يستطيع المرءُ أن يعزل نفسه عمَّا يجري حوله من أحداث، وهو في الوقت نفسه يحب أن يعرف التفسير الدقيق لهذه الأحداث مِن منظورٍ إسلامي، لأن هذه الأحداث مبنيةٌ على سننٍ إلهية..

﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾

[ سورة الأحزاب : 62]

﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾

[ سورة فاطر : 43]

 فالإنسان أيها الأخوة مِن سماته الأصيلة أنه يفرح، ويحزن، ويتمنّى، فالفرح من خصائص الحياة النفسية للإنسان، ربنا عز وجل ذكر الفرح الذي يقبله، ويرضاه، ويحبه، فقال عز وجل:

﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾

[ سورة الرعد: 36]

 المؤمن يفرح إذا عرف الله، ويفرح إذا عرف مَنْهَجَهُ، لأنه وجد نفسه، لأنه انسجم مع فطرته، لأنه اصطلح مع خالق السموات والأرض، لأنه انسجم مع كل ما خلق الله:

﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾

[ سورة الرعد: 36]

 وفرحٌ آخر ذكره الله عز وجل في القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾

[ سورة الروم : 4-5]

 عن العلاء بن الزبير عن أبيه قال: رأيت غَلَبَةَ فارس للروم، ثم رأيت غَلَبَةَ الروم لفارس، ثم رأيت غلبة المسلمين لفارس وللروم، كل ذلك في خمس عشرة سنة، فقال تعالى:

﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾

[ سورة الروم : 5]

 أي عزيزٌ في انتصاره وانتقامه مِن أعدائه، رحيمٌ بعباده المؤمنين، قال تعالى:

﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾

[ سورة الروم: 6 ]

 أي أن هذا الذي أخبرناك به يا محمد مِن أننا سننصر الروم على فارس، وعد مِن الله حق، وخبر من الله صدق، ولابد من وقوعه، لأن الله قد جرت سُنَّتَهُ أن ينصر أقرب الطائفتين المقتتلَتَيْن إلى الحق، ويجعل لها العاقبة..

﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾

[ سورة الروم: 6 ]

الفرح الحقيقي هو فرح من أذِن الله له أن يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر :

 أيها الأخوة الكرام:

﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾

[ سورة الروم: 6 ]

 نفى عنهم العِلْم، وأثبت لهم عِلْماً آخر، قال:

﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

[ سورة الروم: 7 ]

 فقد قال الإمام الحسن البصري: إن أحدهم ليبلغ مِن العلم بدنياه أنه يقلب الدرهم على ظفره، فيخبرك بوزنه، وما يحسن أن يصلي..

﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾

[ سورة الروم: 7 ]

 أيها الأخوة الكرام... فرح الإنسان حق، يفرح إذا اصطلح مع الله، ويفرح إذا عرف منهج الله، ويفرح إذا حَمَلَ نفسه على طاعة الله، ويفرح إذا أنفق مِن ماله تقرباً لله، ويفرح إذا انتصر المؤمنون.
 أيها الأخوة... الإنسان فيه حاجاتٌ كثيرة، أحد هذه الحاجات، وهي شائعةٌ بين كل الناس، حاجته إلى الطعام والشراب، وهذه حاجةٌ يحافظ بها على شخصه، والحاجة إلى الجِنْس يحافظ بها دون أن يشعر على نوعه، ولكن هناك حاجة عليا في الإنسان، سمَّاها علماء النفس حاجة تأكيد الذات أو حاجة الذِكْر، هذه الحاجة أيضاً أساسيةٌ عند الناس، والمؤمنون من الناس، فالمؤمن يفرح بنصر الله.
 أيها الأخوة الكرام... هذه الحاجات الثلاث يمكن أن تُلَبَّى وأنت في دائرة الإيمان، قال تعالى:

﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة الصف : 13]

 لكن الله عز وجل أرادنا أن نفرح بفضل الله، وأرادنا أن نفرح برحمتِه، قال تعالى:

﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾

[ سورة يونس : 58]

 حينما يُجْرِي الله على يديك الخير، حينما يأذن لك أن تكون أداة خير، حينما يأذن لك أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر، حينما يُقَدِّرَ الله على يديك هداية الخَلْق، فبهذا ينبغي أن تفرح، وهذا هو الفرح الحقيقي..

﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾

[ سورة يونس : 58]

 أهل الدنيا يجمعون الدرهم والدينار، وقد يموتون عن مئات الملايين، ولكنهم ماتوا فقراء، لأنهم افتقروا إلى أن يكونوا مِمَّن رضي الله عنهم ورضوا عنه.

 

الفرح الذي لا يُرْضي الله هو أن تفرح بالدنيا و العلو في الأرض :

 أيها الأخوة الكرام... والله سبحانه وتعالى ذكر نوعاً من الفرح لا يرضاه، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾

[ سورة الأنعام: 44 ]

 " أبواب " لم يقل باباً، و.. " أبواب كل شيء "، فما من كلمتين في القرآن أوسع شمولاً من هاتين الكلمتين..

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾

[ سورة الأنعام: 44 ]

 هذا هو الفرح الذي لا يُرْضي الله ؛ أن تفرح بالدنيا، أن تفرح بالدرهم والدينار، أن تفرح بالعلو في الأرض، أن تفرح أن تكون مُتَحَكِّماً بالناس، هذا الفرح الذي لا يرضي الله قال:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾

[ سورة الأنعام: 44 ]

 إذاً ينبغي أن تفرح بمعرفة الله، وينبغي أن تفرح بمعرفة حُكْم الله، وينبغي أن تفرح بانتصارك على نفسك بطاعة الله، وينبغي أن تفرح إذا قَدَّرَ الله على يديك الخير، إن أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، وينبغي أن تفرح أن ينتصر المؤمنون، هذا الفرح الذي أراده الله وسمح به وأثنى عليه، ولكن الفرح الذي لم يرده أن تفرح بالدنيا..

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾

[ سورة الأنعام: 44 ]

من فرح بقوته و نسب الفضل إليه أهلكه الله عز وجل :

 وهناك فرحٌ آخر لا يحبُّه، على شاكلة هذا الفرح، قال تعالى:

﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾

[ سورة القصص: 76]

 لأنه قال:

﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾

[ سورة القصص: 78]

 فقد أشرك بالله عز وجل، أربع كلماتٍ مهلكات: أنا، و نحن ، و لي، و عندي، قال الشيطان:

﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾

[ سورة الأعراف: 12 ]

 فأهلكه الله.. وقال فرعون:

﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾

[ سورة الزخرف: 51]

 فأهلكه الله عز وجل.. وقال قارون:

﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾

[ سورة القصص: 78]

 فأهلكه الله عز وجل.. وقال قوم بلقيس:

﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾

[ سورة النمل: 33 ]

 فأهلكهم الله عز وجل..

﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾

[ سورة القصص: 76]

 المؤمن أيها الأخوة يراقب قلبه، ما الذي يفرحه؟ وما الذي يحزنه؟ قل لي ما الذي يفرحك أقل لك من أنت، أن تفرح بمعرفة الله، وأن تفرح بمنهج الله، وأن تفرح بطاعة الله، وأن تفرح بأن يجري الله على يديك الخير، هذا فرحٌ يحبه الله، وأن تفرح بنصر المؤمنين، هذا فرحٌ يحبه الله. أما أن تفرح بالدنيا، هذا فرحٌ لا يحبه الله، لأن الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عُقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي.

 

حقيقة النصر :

 أيها الأخوة الكرام... لو وقفنا وقفةً متأنيةً عند قوله تعالى:

﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾

[ سورة الروم : 4-5]

 أضيف النصر إلى الله، فإذا أضيف إلى غير الله فهو شِرْك، هذا النصر أضيف إلى الله وحده، وأي نصرٍ أضيف إلى غير الله فهو شركٌ وباطل..

﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾

[ سورة الروم : 4-5]

 ذلك أن الله عز وجل يقول:

﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾

[ سورة آل عمران: 126 ]

 في هذا التركيب أيها الأخوة تركيب قصر، وتركيب حصر..

﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾

[ سورة آل عمران: 126 ]

 ذلك أيها الأخوة أن القلوب بيد الله، يملؤها خوفاً أو يملؤها ثباتاً، قال تعالى:

﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾

[ سورة آل عمران: 151 ]

 آيةٌ ثانية:

﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾

[ سورة الأنفال: 12 ]

 آيةٌ ثالثة:

﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾

[ سورة الحشر: 2 ]

 فقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن ملأ القلب شجاعةً أقدم، وإن ملأه خوفاً انهزم، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 وقد قال بعضهم: إن أُمَّةَ النبي عليه الصلاة والسلام حينما لم تُحَكِّم سنته في حياتها، حينما لم تُطَبِّق منهج النبي في حياتها، يمكن أن تهزم بالرعب مسيرة سنة، النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 في آيةٍ أخرى يقول الله عز وجل:

﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾

[ سورة آل عمران: 160 ]

 أي إذا كان الله معنا فمَن علينا؟ وإذا كان الله علينا فمَن معنا؟

﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾

[ سورة آل عمران: 160 ]

 ولكن الله إذا نصر عباده المؤمنين ينصرهم نصراً عزيزاً مؤَزَّراً، قال تعالى:

﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾

[ سورة الفتح : 3]

بلا شروط، ولا أنصاف حلول، ولا تهديد، ولا وَعيد، هذا هو النصر الذي يتمنَّاه المؤمنون.

من فضائل المؤمن أنه يتَّبع القيَم الثابتة التي تحميه من السقوط :

 أيها الأخوة الكرام... الإنسان إذا غفل عن الله، إذا سار على هوى نفسه، ما الذي يحصل؟ هناك قيمٌ سائدةٌ في المجتمع، قيمٌ سائدة فرزتها الحياة المادية، فلو أنه غفل عن منهج الله، وغفل عن القيم الثابتة، واتبع القيم السائدة، قد يأخذ من الدنيا الشيء الكثير، ولكن هذه القيَم ليست ثابتة، متبدلة، إذا تبدَّلت فجأةً صار في القاع، صار في الحضيض، سقط مِن عَلٍ، من فضائل المؤمن أنه يتَّبع القيَم الثابتة، بهذه القيم الثابتة هو مُحَصَّنٌ من أن يسقط، محصنٌ من أن يفتضح، أما إذا غفل الإنسان عن الله عز وجل فيتَّبع القيم السائدة، وهذه القيم السائدة زِئْبَقِيَّة، متبدَّلة، تتبدل فجأةً، فإذا الإنسان في القاع بعد أن كان في القمة.
 أيها الأخوة الكرام... من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم:

((وأعوذ بك من فجأة نقمتك، وتحول عافيتك، وجميع سخطك ))

[ الجامع الصغير عن أبي نعيم ]

 فجأةً.. لذلك قال الله عز وجل:

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾

[ سورة يوسف : 21]

 لو جئنا إلى الأمثلة التطبيقية، قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

[ سورة آل عمران: 123 ]

 كنتم مفتقرين إلى الله عز وجل فانتصرتم، ولكن في حُنَيْن..

﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾

[ سورة التوبة : 25]

 أصحاب رسول الله هم هم، في بدرٍ افتقروا فانتصروا، في حنين ظنوا أنهم كُثُر ولن يغلبوا، فتخلى الله عنهم، خذ من هذا الدرس درساً بليغاً، إذا قلت: الله تولاَّك الله، إذا قلت: أنا تخلى الله عنك.

 

أنواع النّصر :

 أيها الأخوة الكرام... تحدَّثت عن حقيقة النصر، حقيقته من عند الله وحده، لأن قلوب العباد بيد الله، والنصر من عند الله وحده، أما أنواع النصر: فقال بعض العلماء: هناك نصر اِسْتحقاقي، هو نصر المؤمنين، المؤمنون بمعرفتهم بربهم، واستقامتهم على أمره، وأخذهم بالأسباب، يستحقون النصر، هذا هو النصر العزيز..

﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾

[ سورة الفتح : 3]

 يؤكِّد هذا كلام الله:

﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 249]

 هذا نصرٌ استحقاقي، ولكن ذكر العلماء أن هناك نصراً تَفَضُّلِيَّا، ويمكن أن تسميه تشجيعياً، قال تعالى:

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الروم: 2-4]

 هذا هو النصر التَفَضُّليّ، أو النصر التَشْجيعي، لأن فئتين يقتتلان، أحدهما كافرة، والثانية مُقَصِّرة، فتقضي حكمة الله عز وجل أن ينصر الأقرب إلى الإيمان على التي لا تعرف الله في الأصل.
 وقال العلماء: هناك نصرٌ تكويني. إذا كان الطرفان بعيدين عن الله عز وجل، إذا كان الطرفان المتقاتلان لا يعرفان الله أبداً، فانتصر أحدهما على الآخر، معنى ذلك أن القوي قد انتصر، وأن الأذكى قد انتصر، وأن الأكثر جَمْعاً قد انتصر، وأن الأكثر عُدداً قد انتصر، وأن الأحدث سلاحاً قد انتصر، وأن الذي معه سلاحٌ له مدىً مجدٍ أعلى ينتصر، هذا نصرٌ تكويني تدخل فيه أنواع الأسلحة، والإعداد، والمعنويات، والأقمار الصناعية وما إلى ذلك.
 يؤكِّد هذه الحقيقة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لسيدنا سعد بن أبي وقاص يوصيه: " أما بعد، فإني آمرك ومَن معك مِن الأجناد بتقوى الله عز وجل على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العُدَّة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومَن معك أن تكونوا أشدّ احتراساً من المعاصي فإنها أخطر عليكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، فإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإذا استوينا في المعصية، كان لهم الفضل علينا بالقوة"
 هناك نصرٌ استحقاقي يَسْتَحقُّه المؤمنون الملتزمون، وهناك نصرٌ تَفَضُّلِيّ يستحقه الأقرب إلى الإيمان، وهناك نصرٌ تكويني يستحقه الأقوى والأذكى والذي يأخذ بأسباب النصر أكثر.

 

أسباب النصر :

 أيها الأخوة الكرام... لو قرأنا القرآن الكريم فبحثنا عن أسباب النصر لوجدنا أن للنصر سببين لا ثالث لهما، إن تحققا كان النصر حليف المؤمنين، السبب الأول:

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الروم: 47]

 أي أن تكون مؤمناً بالمعنى الدقيق، لأن الله عز وجل يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا﴾

[ سورة النساء: 136]

 معنى هذا أن إيمانهم لا يُعْجِب الله عز وجل، بالمعنى الدقيق، والمعنى الدقيق للإيمان أن يحمِلك على طاعة الواحد الديّان، الإيمان الذي لا يحملك على طاعة الله لا قيمة له ولا جدوى منه، فإذا قال الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

[ سورة النساء: 136]

 أي: يا من آمنتم بوجودي، ووحدانيتي، وكمالي، يا مَن حملكم إيمانكم على طاعتي، يا من حملكم إيمانكم على العمل الصالح، يا من حملكم إيمانكم على طلب الآخرة، هذا هو الإيمان المُجْدي، قال تعالى:

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الروم: 47]

 فلابد من أن تؤمن، والشرط الثاني:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾

[ سورة الأنفال: 60 ]

 لابد من أخذ الاستعداد، لابد من أن تعد للعدو ما تستطيع، ولكن رحمة الله جل جلاله ما كَلَّفَتْكَ أن تعد القوة المكافئة، ولكن رحمة الله عز وجل كلفتك أن تعد القوة المُتاحة، يكفي أن يكون إيمانك قوياً، وأن تعد العدة المتاحة، والله عز وجل ينصرك، لأنه لو كلَّفنا أن نعد القوة المكافئة ربما لن ننتصر، لأن هناك بَوْناً شاسعاً بين المؤمنين وبين أعدائهم، بون شاسع في أنواع السلاح، وفي السيطرة الجوية وفيما إلى ذلك، ولكن الله عز وجل أمرنا أن نؤمن الإيمان الذي يحملنا على طاعته، وأمرنا أن نُعِدَّ لهم ما استطعنا، أن نستنفد كل وسعنا في الإعداد لعدونا، وجاءت كلمة "قوة " نكرة، والتنكير هنا يفيد الشمول، وجاءت كلمة " من " تفيد استغراق أفراد النوع..

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

[ سورة الأنفال: 60 ]

 قال تعالى:

﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾

[ سورة الأنفال: 60 ]

 جاء عطف الخاص على العام، ليتوضَّح ما هي القوة، وقت أصحاب النبي رباط الخيل، وبعد حين تأتي الأسلحة الأخرى، ولكل عصرٍ أسلحته، وكلمة قوة تغطي كل أنواع الأسلحة.

 

مستويات النصر :

 أيها الأخوة الكرام... أما مستويات النصر فقد قال الله عز وجل:

﴿أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾

[ سورة الأنفال:65 ]

 واحد إلى عشرة، إذا كان الإيمان قوياً واحد إلى عشرة..

﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾

[ سورة الأنفال:65 ]

 أما حينما يضعف الإيمان..

﴿الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

[ سورة الأنفال:65 ]

 أيها الأخوة الكرام... هذه مستويات النصر، وقبلها أسباب النصر، وقبلها أنواع النصر، وقبلها حقيقة النصر، والمؤمنون يفرحون بنصر الله وهذا من خصائصهم.

 

حقائق لرفع معنويات المؤمنين :

 أيها الأخوة الكرام... لرفع المعنويَّات يقول الله عز وجل:

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾

[ سورة آل عمران : 146]

 وقال سيدنا خالد رضي الله عنه: " خُضْتَّ سبعين معركةً أو زهاءها، وما في جسمي موضع شبرٍ إلا وفيه ضربة سيفٍ أو طعنةٍ رمحٍ، وهأنذا أموت على فراشي حتف أنفي، فلا نامت أعين الجبناء "
 أيها الأخوة الكرام... هذا القرآن الذي بين أيدينا كتاب الله عز وجل، كلام الله عز وجل كلُّه قوانين، كله سُنَن ثابتة، فحينما نقرأ كلام ربنا قراءةً متأنيةً، ونعتقد اعتقاداً جازماً أن كل كلمةً فيه تعني قانوناً ثابتاً، عندئذٍ نتوافق مع هذه القوانين، فنقطف ثمارها، أما إذا جُعِلَ كلام الله وراء ظهور الناس، ولم يعبؤوا به، واستعانوا ببعضهم، دون أن ينتبهوا إلى قوانين النصر، فهذا جهلٌ عاقبته وخيمةٌ على المؤمنين.
 أيها الأخوة الكرام... آيةٌ كريمة، يقول الله عز وجل:

﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾

[ سورة الصافات: 173]

 أي إذا كانت جُنْدِيَّتك لله عز وجل خالصةً لا يمكن إلا أن تنتصر..

﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾

[ سورة الصافات: 173]

 ويجب أن نعلم عِلم اليقين أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، بل إن الله عز وجل في آيةٍ دقيقةٍ جداً بَيَّنَ مصير الكُفَّار:

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾

[سورة آل عمران: 12]

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾

[ سورة الأنفال: 36]

 سيدنا خالد فيما تروي الأخبار أنه استنجد بسيدنا أبي بكر يمده بخمسين ألف مقاتل، في إحدى المعارك الحاسمة، سيدنا الصديق أرسل له صحابياً واحداً، هو القعقاع بن عمرو ومعه كتاب، فلما وصل هذا الصحابي إلى سيدنا خالد، قال: أين المدد؟ قال: أنا. قال: أنت وحدك !! أطلعه على كتابٍ من سيدنا الصديق قال له: " من أبي بكرٍ إلى خالد بن الوليد، أحمد الله لك، يا خالد لا تعجب أني أمددتك بواحد، فوالله إن جيشاً فيه القَعْقاع لن يغلب ".
 وهذا الذي كان بهذا الصحابي الجليل الواحد تَمَّ النصر، النصر من عند الله، البطولة أن نكون مؤمنين بالله، وأن نستعدَّ استعداداً كما أمر الله، وعلى الله الباقي، هذه حقيقة من أجل أن ترفع معنويات المؤمنين، من أجل أن تعتقد أن الله لن يُسْلِمْكَ إلى أحد، الأمر كله بيد الله..

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

[ سورة هود: 123 ]

 اليأس نوعٌ مِن أنواع الكُفر، والشعور أننا قد انتهينا، وأن عدونا قوي، ولن ننتصر عليه، هناك أمثلةٌ كثيرةٌ في التاريخ القديم والمعاصر تؤكِّد أن النصر بيد الله، وأن الله إذا ألقى في قلب العدو الخوف، ولَّى مدبراً، وأن الله إذا ألقى في قلب المسلم المقصر الخوف ولى مدبراً، ما الذي يجعلك تتقدم؟ تثبيت الله لك..

من طبق سنة النبي في حياته فهو في مأمن من عذاب الله :

 أيها الأخوة الكرام... هذه بعض الحقائق أردت أن أضعها بين أيديكم، لأننا أمةٌ نعاني ما نعاني من أعدائنا، ولأننا أمةٌ قضيتنا اليوم نكون أو لا نكون، نكون إذا عرفنا الله، ونكون إذا طبَّقنا منهجه، ألم يقل الله عز وجل:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

[ سورة الأنفال: 33]

 قال علماء التفسير: ما دامت سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم مطبقةٌ في حياتنا، فنحن في مأمن مِن عذاب الله، هذا القرآن الكريم هو القول الثابت، ينبغي أن تُثَبَّت قلوبنا بالقول الثابت، ينبغي ألا نيئس، ينبغي ألا نذل، ينبغي ألا نستسلم لعدوٍ متغطرس، وقد ترون وتسمعون كيف أن الله في أية لحظة يلقي في قلبه الخوف، فإذا هو يولي هارباً.
 أيها الأخوة الأكارم... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن مَلَكَ الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، وسيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيِّسُ مَن دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز مـن أتبع نفسه هواها، وتمنَّى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مصير الخائن :

 أيها الأخوة... راجعت كلمة الخيانة في القرآن الكريم، فإذا هي آياتٌ كثيرة، ولكن مِن أبرز هذه الآيات قول الله عز وجل:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾

[ سورة الأنفال : 58]

 أما الآية الخطيرة فهي قوله تعالى:

﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾

[ سورة يوسف : 52]

 فالخائن لابد مِن أن يُفْتَضَح، ولابد مِن أن يسقط، ولابد من أن يلقى نتيجة خيانته.
 أيها الأخوة... يقول الله عز وجل:

﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾

[ سورة البقرة: 130 ]

 أنت حينما تعرض عن شيء قد تحتقره إلا الدين فإن أعرضت عنه فإنَّك تحتقر نفسك، ذلك أن العلماء يقولون: إن الماء للتراب، والتراب للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان للإنسان، والإنسان لمَن؟ إنه للواحد الديَّان، أنت لله، إنك حينما تكون لغير الله تحتَقِر نفسك، إنك حينما تكون لغير الله لا تعرف قيمة نفسك، إنك حينما تكون لغير الله فقد كنت مع السفهاء.

﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾

[ سورة البقرة: 130 ]

 أيها الأخوة... إذا كنت لغير الله؛ لفردٍ، أو جماعة، أو جهةٍ، واليتهم على حساب دينك ومبادئك فما النتيجة؟ تمسح بك أقذر عمليةٍ ثم تلقى في سلَّة المهملات، هؤلاء الذين خانوا الله ورسوله، وخانوا أمتهم ووطنهم وانضموا لليهود، قدَّموا لهم المعلومات، ونفَّذوا رغباتهم القذرة، كيف تخلَّى اليهود عنهم في لحظةٍ واحدة؟ وكيف أسلموهم إلى أعدائهم؟ بل كيف أطلقوا عليهم النار حينما لجؤوا إليهم؟ هذا درسٌ بليغ أيها الأخوة، هذا درسٌ بليغ يجسِّد قوله تعالى:

﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾

[ سورة يوسف : 52]

 أية خيانة؛ قس على هذه القصة آلاف القصص، قس على هذه القصة ملايين القصص، أنت حينما تتخلَّى عن دينك، وعن مبادئك، وعن قيَمك من أجل الدنيا، أنت حينما تكون لجهةٍ أو لفردٍ تبيعه نفسك وأمانتك ودينك وإخلاصك، لابد من أن يخيب ظنك، ولابد من أن تسقط من علٍ، وهذا الدرس الذي رأيناه قبل يومين درسٌ بليغ، في لحظةٍ واحدة تخلوا عنهم، وأسلموهم إلى خصومهم، بل أطلقوا عليهم النار، هذه الآية الخطيرة:

﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾

[ سورة يوسف : 52]

 الذي يخون الله ورسوله، الذين آمنوا برسول الله وكانوا معهم، أين هم الآن؟ في لوْحة الشرف، والذين عادوا رسول الله أين هم الآن؟ في مزبلة التاريخ، وهذا التاريخ يعيد نفسه.

 

الإنسان لله فهو مكرّم و معزّز :

 أيها الأخوة الكرام: أنت لله، ولا يليق بك إلا أن تكون لله، أنت مكرمٌ عند الله..

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء: 70]

 حينما تعرف الله عز وجل، وتعرف أنك المخلوق الأول، وتعرف أنك مخلوقٌ لجنةٍ عرضها السموات والأرض، وأن الله سخر الكون كله من أجلك، حينئذٍ لا تبيع نفسك لجهةٍ في الأرض، لأنك مكرَّم معزز، لأنك تبيع نفسك لله..

﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾

[ سورة التوبة: 111 ]

 المؤمن الصادق باع نفسه لله، ولا يقبل أن يكون محسوباً على غير الله، لا يقبل إلا أن يكون لله، هذه حقائق بديهيةٌ مستنبطةٌ مِن كتاب الله وسُنَّة رسول الله.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، واصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم صُن وجوهنا باليَسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد مَن أعطى، وذم مَن منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء. اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم، فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعْلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018