مدارج السالكين - الدرس : 053 - الأدب - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مدارج السالكين - الدرس : 053 - الأدب


1999-04-05

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

ما تفسير هذه الآية في رأي ابن عباس وغيره؟ :

 أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثالث والخمسين من دروس مدارج السالكين، في منازل إياك نعبد وإياك نستعين, والمنزلة اليوم: منزلة الأدب، انطلاقاً من قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾

[سورة التحريم الآية: 6]

 قال ابن عباس وغيره: أدبوهم وعلموهم.

قف هنا :

 إنسان في الستين من عمره, يقول لك: هذا الجهاز انظر من خلاله على كل ما في العالم، وأنا لا أتأثر بسلبياته، فقلت له: ألا تخشى على أولادك؟ قال: بلى, قلت: يكفيه شراً أنه يؤذي أولادك، لأن الله عز وجل يقول:

﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً﴾

 فأنت مكلف أن تقي نفسك، وأن تقي أهلك من النار، فإذا كنت في وضع معين, وفي سن معين، وفي اهتمامات معينة، وسمحت لأولادك أن يطلعوا على شيء يجعلهم كالبركان الثائر، فأنت ربما تمكنت أن تقي نفسك ولكنك لم تقِ أولادك، والله عز وجل يقول:

﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً﴾

 قال ابن عباس وغيره: أدبوهم وعلموهم.

ماذا تعني كلمة الأدب؟ :

 أيها الأخوة, كلمة الأدب كلمة جامعة، كما أن الكريم كلمة جامعة, يقابلها اللئيم كلمة جامعة، الكريم كلمة تجمع كل صفات الخير في الإنسان، واللئيم كلمة تجمع كل الصفات الخسيسة، والأدب كلمة جامعة تجمع خصالاً كثيرة، طبعاً الأدب كعلم أو كفن، الجامعة تمنح لسانس في آداب اللغة العربية وعلومها، في الآداب والعلوم، النحو, والصرف، والبلاغة، والعروض، هذه علوم، أما الأدب، التعبير المثير عن حقائق الحياة، التعبير الفني، الصيغة الشعرية، النثر الفني هذا أدب.
 من تعريفات الأدب: علم إصلاح اللسان والخطاب، وإصابة مواقعه, وتحسين ألفاظه، وصيانته عن الخطأ والخلل، وهو شعبة من الأدب العام، فلان أديب، يعني يكتب كلاماً جميلاً.

لاحظ الفرق بين هذا القول وبين قول الأديب :

 واحد قال: تكاثرت علي المصائب، الأديب يقول:

رباني الـدهـر بالأرزاء حتـى  فـؤادي في غـشــاء مـن نـبالِ
فـصرت إذا أصابـتني ســهام  تكسرت النصال على النصـــــال

 وقول آخر:

كفى بجســمي نحولاً أنني رجل  لولا مخــــاطبتي إيــاك لم ترن

 نحيل جداً, لولا مخاطبتي إياك لن تراني, تعبير فني.
أحد الشعراء أراد أن يهجو مغنياً قال:

عواء كلـبٍ على أوتار مندفـة في  قبح قــرد وفي اســتكبار هامان
وتحســب العين فكـيه إذا اختلفا  عـند التنــغم فـكي بغل طــحان

 هذا أدب, يعني وصف بليغ، الشعر العربي أدب، والنثر أدب.

 

من ديوان الشعر العربي :

 الحجاج خطب فقال: إني لأرى رؤوساً قد أينعت -استوت- وحان قطافها, وإني لصاحبها –سأقطعها-.
 طبعاً ليس الدرس درس أدب, لكن الأدب فرع من فروع الأدب العام، من عنده أسلوب جميل لفظاً أو كتابةً، هذا يقال له: أديب.
 يعني بالشعر الجاهلي يصف عنترة فرسه قال:

فـازور مـن وقـع الـقـنا بلـبانــه  وشــكــا إلي بـعـبـرة وتحـمـحمِ
لو كان يدري ما المــحاورة اشتــكى  ولكــان لــو عــلم الكــلام مكلمي

 أبو العتاهية يقول:

لا تأمن الموت في طرف ولا نفس
وإن تمنعـــت بالحجاب والحـرس
فمـا تزال ســـهام الـمــوت نافـذة
فـي جـنـب مدرع منها ومتــرس
أراك لســـت بـوقـاف ولا حـذر
كالحاطب الخــابط الأعواد في الغلس
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها
إن السـفينة لا تجـري على اليـبـس

 يقول عليه الصلاة والسلام:

((إن من البيان لسحر، وإن لمن الشعر لحكمة، والشعر ديوان العرب))

أصغ السمع إلى مديح هذا الشخص لرسول الله صلى الله عليه وسلم :

 وكلمة الشرعي أنه كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، وأن إنساناً مدح رسول الله:

فليتـك تحلـو والحيـاة مريرة  وليتك ترضى والأنــــام غضابُ
وليت الذي بيـن وبينك عامـر  وبيــني وبين العــالمين خـراب

 كلام طيب:

فلو شـاهدت عيناك مـن حسـننا
الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا
خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولو ذقت من طعـم المحبة ذرة
عذرت الذي أضحى قتيلا بحبنا
ولو نسـمت من قربنا لك نسمة
لمت غريبـاً واشـتـياقا لقـربنـا
ولـو لاح من أنــوارنا لـك لائح
تركـت جمـيع الكائـنات لأجـلـنا
فمـا حبنا سهل وكـل من ادعى
سـهولته قلنـا له: قـد جهـلـتنا

 انظر إلى هذا الوصف البديع لهذا الشاعر لضيفه الذي كان يزوره في الظلام :

 

 أحد الشعراء أصابته حمى, قال:

وزائـرتــي كأن بهـا حياء فلـيـ  ـس تـزور إلا فـي الـظــلام
بذلت لهــا المــطارف والحشـايا  فعافتــها وبــاتت في عـظامي
أبنت الــدهر عنـــدي كلُ بنـت  فكيف وصـــلت أنت من الزحام؟

 كل بناته عندي، فكيف وصلت أنت من الزحام؟ .
 يعني إذا الإنسان قوىّ أسلوبه، ودعا إلى الله، الأسلوب الحسن يحسن المضمون, أنت لو قدمت شراباً نفيساً بكأس نظيف وجميل، جمال الكأس ونظافته تزيد الشراب طيباً، ولو قدمت هذا الشراب النفيس بكأس غير نظيف أو كأس قبيح لأساء لمضمونه.
 على كلٍ؛ كان عليه الصلاة والسلام أفصح العرب قاطبةً.
 علمونا في الجامعة أن أعلى نص بعد القرآن كلام رسول الله، كان أوتي جوامع الكلم، وأعلى نصٍ بعد كلام رسول الله كلام سيدنا علي رَضِي اللَّه عَنْه.

من تعاريف الأدب :

 فإذا الإنسان قرأ نصاً, يجب أن يضع يده على المواطن الجمالية فيه, وجد فيه صورة جميلة، في أحياناً صور رائعة جداً، تعبيرية, تشبيه, استعارة، كناية، صورة متحركة، عبارة رشيقة، حكمة بليغة, ما ضاعت عَبرةٌ كانت لصاحبها عِبرة, صدق القائل:

إذا مـلك لم يكن ذاهبة  فـدعـه إن دولته ذاهبة

 طبعاً: أعطيتكم نماذج من الشعر والنثر هذا هو الأدب، من تعاريفه الدقيقة: التعبير المثير عن حقائق الحياة، التعبير الفني، الأسلوب الجميل، إن من البيان لسحراً، والله عز وجل يقول:

﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾

[سورة الرحمن الآية: 1 ـ 4]

 الأدب كأسلوب في الإلقاء، أو في الكتابة، أو في الشعر، فرع من فروع الأدب العام، والذي يملك ذوقاً أدبياً، ويستمع إلى كلمات عامية قبيحة، يتألم أشد الألم، وجمال الرجل فصاحته.

انظر إلى هذا الحوار الذي دار بين عبد الملك بن مروان وبين هذا الغلام الصغير :

 كلكم يعلم: دخل على عبد الملك بن مروان وفد, تقدمهم غلام صغير, فغضب غضباً شديداً، فتوجه إلى حاجبه, وقال: ما شاء أحد أن يدخل علي حتى دخل، حتى الصبيان، فقال هذا الصبي الصغير: أيها الأمير, إن دخولي عليك لم ينقص من قدرك، ولكنه شرفني، كهذه السنوات العجاف، قال: أصابتنا سنة أذابت الشحم، وأصابتنا سنة أكلت اللحم، وأصابتنا سنة دقت العظم, ومعكم فضول مالٍ، فإن كان هذا المال لله فنحن عباده، وإن كان لكم تصدقوا به علينا, وإن كان لنا فعلامَ تحبسوه عنا؟ فقال الملك أمير المؤمنين: والله ما ترك هذا الغلام لنا في واحدة عذرا.

هكذا يربي الإسلام أبناءه :

 سيدنا عمر كان يمشي بالطريق, رأى أطفالاً، لما رأوه ولوا هاربين، بقي واحد منهم بأدب، قال: أيها الغلام, لِمَ لم تهرب مع من هرب؟ قال: أيها الأمير، لست ظالماً فأخشى ظلمك، ولست مذنباً فأخشى عقابك، والطريق يسعني ويسعك.

هذا ما أوتي به النبي عليه الصلاة والسلام :

 أجمل ما في الرجل فصاحته وبيانه، وكان عليه الصلاة والسلام أوتي جوامع الكلم، كان منطقه كأنه خرزات نظم يتحدرن، كان كلاماً فصلاً لا هذراً ولا نذرا.
 كان عليه الصلاة والسلام يقول:

((إن الله تعالى يكره الانْبِعاقَ في الكلام, فرحم الله عبداً أوجز في كلامه))

أنواع الأدب :

 اليوم درسنا منزلة الأدب بمعناها الواسع؛ أن تكون أديباً مع الله, وأن تكون أديباً مع رسول الله، وأن تكون أديباً مع الخلق.
 فقال العلماء: الأدب ثلاثة أنواع: أدب مع الله سبحانه وتعالى، وأدب مع رسوله وشرعه، وأدب مع خلقه.

أنواع الأدب مع الله :

 فالأدب مع الله ثلاثة أنواع أيضاً:
 أحدها: صيانة معاملته أن يشوبها بنقيصة: أنت بالصلاة تعامل الله، وفي الصيام تعامل الله، وفي الحج تعامل الله، وفي تنفيذ أوامر الله تعامله، تغض بصرك عن محارم الله، تتحرى الحلال، لا تأخذ ما ليس لك، صيانة معاملته عن أن يشوبها بنقيصة.
 والثاني: صيانة قلبه عن أن يلتف إلى غيره.
 والثالث: صيانة إرادته أن تتعلق بما يُمقتك عليه: يعني لا تريد إلا رضاه، ولا تنشغل إلا به، ولا يشوب معاملتك له شائبة، هذا هو الأدب مع الله.

ما قيل عن الأدب :

 قال أحد العلماء: من تأدب بأدب الله صار من أهل محبته.
 وقال ابن المبارك: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم.
 الأدب يعقد صلة مع الله، الأدب يحرك المشاعر، نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم.
 والإمام الحسن البصري سئل عن أنفع الأدب, فقال: التفقه بالدين, والزهد بالدنيا، والمعرفة بما لله عليك.
 قال بعض العلماء: القوم استعانوا بالله, على الله, على مراد الله, وصبروا لله على آداب الله، فكيف بالذي يستعين بالله على معصيته؟ كيف الذي يجاهر الله بالمعصية؟.
 قال بعض العلماء: القوم -يعني أهل الحق- استعانوا بالله على مراد الله، وصبروا لله على آداب الله.
 قال أبو حفص لما قال له الجنيد: لقد أدبتُ أصحابك أدب السلاطين، فقال: حسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب بالباطن.
 يعني أنت كيف مع إنسان عظيم تحترمه، ترتدي ثياباً كاملة أمامه, تخاطبه بأدب جم، تجلس أمامه جلسة أديبة، كيف تتصرف مع عظيمٍ من بني البشر، هكذا ينبغي أن تكون مع خالق البشر.
 وقال بعضهم: والأدب مع الله حسن الصحبة معه، بإيقاع الحركات الظاهرة والباطنة ، على مقتضى التعظيم والإجلال والحياء, كما لو أنك تجالس ملكاً، يعني إنسان لا ينام، والمصحف نحو قدميه لا ينام، لا يجعل مثلاً في غرفة نومه أشياء مقدسة، لعله يستحي من الله عز وجل، لا يغتسل عرياناً كما خلقه الله.
 يعني النبي الكريم رأى رجلاً يغتسل عرياناً، طبعاً أمام الناس ليس في الحمام, فقال:

((خذ أجارتك لا حاجة لنا بك، فإني أراك لا تستحي من الله))

 يعني الحياء من الله مطلوب.
 يلفت نظري بالحج أحياناً: الحاج نصفه العلوي عارٍ كلياً، ونساء ورجال، هذا ليس من الأدب، يعني في إزار وفي رداء، الرداء ضعه على كتفيك، فهناك من يخلع الرداء ويبقى على الإزار فقط، في عرفات وفي أثناء الجلوس في الخيام، وفي نساء في رجال، الإنسان كلما كان أكثر أدباً، كلما كان أكثر قرباً لله عز وجل.
 عن أنس -رَضِي اللَّه عَنْه- قال: ما رؤي قط مادا رجليه بين أصحابه.
 وهو سيد الخلق، كان يقول: ‏آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد
 قال: الأدب مع الله حسن الصحبة معه، بإيقاع الحركات الظاهرة والباطنة على مقتضى التعظيم والإجلال والحياء، كحال مجالسة الملوك ومصاحبتهم.
 وقال بعض العارفين: من قهر نفسه بالأدب فهو يعبد الله بالإخلاص.

ما قيل عن الأدب أيضاً :

 ويرى بعضهم أن طريق الأدب: أن تعرف رعونات النفس، وأن تجتنب تلك الرعونات.
 أحياناً الإنسان يتجشأ بصوت عالٍ، يجلس جلسة فيها كبر، يضع رجلاً فوق رجل، يجلس ورجلاه متباعدتان، يتثاءب ويفتح فمه, والله الأدب جميل، اللهم صل عليه كان مثلاً أعلى في الأدب, بالتواضع، دخل مكة خافضاً رأسه، تواضعاً لله عز وجل، حتى كانت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وكان أكثر حياء من العذراء في خدرها.
 يعني امرأة سألته سؤالاً محرجاً، فاحمر وجهه، قالت: كيف أتتبع مواضع الدم في أثناء الحيض؟ قال: يا سبحان الله! تتبعي مواضع الدم, -وما فصَّل أكثر خجلاً-.
 امرأة تسأل سؤالاً على الهاتف لا أدب فيه، بقضايا نسائية محضة، خاصة جداً, وكأنها لا تقول شيئاً, الإنسان كلما ازداد قربه من الله ازداد أدبه.
 وقال بعض العارفين: إذا صحت المحبة تأكدت على المحب ملازمة الأدب، إن صحت محبتك لله كنت أديباً معه.

انظر إلى أدب هذا النبي مع ربه :

 الآن: أضع بين أيديكم طائفة من مواقف الأنبياء مع الله عز وجل, ولعله هو محور درسنا هذا.
 سيدنا عيسى -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام-:

﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾

[سورة المائدة الآية: 116]

 لو أنه قال: لم أقل ذلك، قال: ‏

﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾

[سورة المائدة الآية: 116]

طرفة :

 في خليفة أموي سأل وزيره: لِمَ لمْ ينزل عثمان درجة كما فعل عمر؟ قال له: والله لو فعلها لكنت أنت في قعر بئر، عملها سيدنا عمر مرة وانتهى الأمر، إذا ولو عملها سيدنا عثمان لأصبحت سنة.
 على كلٍ؛ هذا أدب كبير.

هذا أدب عمر مع صاحبه الذي سبقه إلى رحمة ربه :

 سيدنا عمر مع أصحابه, مدحه أحدهم كما هي العادة, قال له: والله ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله، قال: فأحدَّ فيهم النظر، وغضب غضباً شديداً، إلى أن قال أحدهم: لا والله لقد رأينا من هو خيراً منك، قال له: من هو؟ قال: أبو بكر، فقال: كذبتم جميعاً وصدق -عد سكوتهم كذباً-, قال: والله كنت أضل من بعيري, وكان أبو بكر أطيب من ريح المسك.
 أرأيتم إلى هذا الأدب مع الخليفة السابق الراحل؟ الناس الآن الحالي يذم السابق دائماً، أما سيدنا عمر كان يثني على سيدنا الصديق.

تمعن قليلاً في هذه الآيات :

﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

[سورة المائدة الآية:116 ـ 118]

 هذه الآيات الإنسان إذا قرأها, يشعر بهذا المستوى الرفيع من هذا الأدب، كيف يخاطب رب العزة؟.

ورد في الأثر :

 جاء في بعض الآثار: أن حملة العرش أربعة, اثنان يقولان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك, لك الحمد على حلمك بعد علمك، واثنان يقولان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك, لك الحمد على عفوك بعد قدرتك, لأن الله عز وجل يقول:

﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾

[سورة النساء الآية: 12]

 الحمد لله على حلمك بعد علمك، الإنسان قد لا يعرف عن ابنه شيئاً ساكت، أما إذا عرف أنه فعل عملاً قبيحاً يثور ويغضب، فربنا عز وجل يعلم ما يفعل عباده.

وقفة تأمل :

 مرة وقفت على جبل قاسيون, نظرت إلى دمشق، مدينة وادعة، لطيفة، هادئة، لكن يا ترى: في البيوت كم بيت فيه معصية؟ كم بيت فيه دعارة؟ وكم بيت فيه زنا؟ وكم بيت فيه شرب خمر؟:

﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾

[سورة الإسراء الآية: 17]

 الحمد لله على حلمك بعد علمك، الله يعلم، نحن كبشر الإنسان أمامك؛ كلامه لطيف، أنيق، نظيف، مرتب، لكن يا ترى له أعمال خسيسة؟ أنت لا تعلم، لكن الله يعلم، ويعلم ويحلم:
 الحمد على حلمك بعد علمك، وعلى عفوك بعد قدرتك.
 الضعيف إذا عفا لا قيمة لعفوه، لكن القادر إذا عفا، العفو عند المقدرة.

هذا ما صنعه نبيكم مع من أساؤوا إليه ولدعوته :

 النبي -عليه الصلاة والسلام- مكة ناصبته العداء عشرين عاماً, وقتلت أصحابه، ونكلت بهم، وأخذت أموالهم، وهجّرت النبي، وحاولت قتله وأخرجته، وناصبته العداء عشرين عاماً، فلما دخل مكة -يعني بإمكانه أن يلغي وجودهم بكلمة واحدة، عشرة آلاف سيف متوهجة تنظر أمراٌ منه-, فقال عليه الصلاة والسلام:

((ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء))

 العفو بعد المقدرة.
 أهل الطائف بالغوا في الإساءة إلى النبي، كذبوه، وسخروا منه, وأغروا صبيانهم بإيذائه، الله عز وجل مكنه أن ينتقم منهم، جاءه ملك الجبال، قال:

((يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين، قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، عسى الله أن يخرج من أصلابهم من يوحده))

 ما تخلى عن قومه، واعتذر عنهم، ودعا لهم، وتأمل أن يهديهم الله عز وجل.

من معاني هذه الآية :

﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾

[سورة الشعراء الآية: 78 ـ 80]

 بعض العلماء حملوها على أنه أدباً مع الله، قال: وإذا مرضت, لكن الحقيقة: هناك معنى آخر لهذه الآية، أصل المرض مخالفة لمنهج الله، يعني أنت مصمم تصميماً رائعاً ألا تمرض، فإذا خرجت عن منهج الله، ومنهج رسوله، فالمرض أصله من مخالفة القواعد التي جاء بها الأنبياء، وأحياناً يكون المرض بأسباب من العصر، تلوث عام, مواد مسرطنة عامة، ضغط نفسي، على كل؛ الإنسان مصمم أن يحيا حياة ناعمة هادئة.

انظر إلى هذا الأدب عند مؤمني الجن :

 مؤمنو الجن قالوا:

﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾

[سورة الجن الآية: 10]

 لا ندري أشر أريد بمن في الأرض, ما قال: لا ندري أشرٌ أراد الله بمن في الأرض، قال: لا, لا ندري أشر أريد بمن في الأرض, هذا من الأدب.

انظر إلى أدب الأنبياء مع ربهم :

 سيدنا موسى قال:

﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾

[سورة القصص الآية: 24]

 سيدنا آدم قال:

﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾

[سورة الأعراف الآية: 23]

 سيدنا أيوب قال:

﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾

[سورة الأنبياء الآية: 83]

 يعني الله عز وجل سميع بصير: مسني الضر وأنت أرحم الراحمين, هذا دعاؤه.
 سيدنا يوسف قال:

﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾

[سورة يوسف الآية: 100]

 ولم يقل من الجب، لأنه لو قال من الجب لذكر أخوته بعملهم الشنيع، ولم يقل تأمروا عليه، قال:

﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾

[سورة يوسف الآية: 100]

ما معنى هذا القول؟ :

 قال بعض العلماء: الزم الأدب ظاهراً وباطناً، فما أساء أحد الأدب في الظاهر إلا عوقب ظاهراً، وما أساء أحد الأدب باطناً إلا عوقب باطناً.
 الإنسان أحياناً الله يحجبه, حجابه أكبر عقاب، إذا كان فيما بينه وبين الله ليس على حال حسن، يحجبه، إذا أساء بالظاهر يهينه، إذا أساء بالباطن يحجبه، فإذا أساء الأدب ظاهراً يعاقبه ظاهراً, وإن أساء الأدب باطناً يعاقبه باطناً، لذلك واحد قال:
 إذا صليت فلم تشعر بشيء، وإذا قرأت القرآن ولم تشعر بشيء، وإذا ذكرت الله فلم تشعر بشيء، مشكلة كبيرة في علاقتك مع الله، معناها محجوب, والله عز وجل يقول:

﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾

[سورة المطففين الآية: 15]

 صليت ولم تشعر بالقرب، ذكرت ولم تشعر بالصلة، قرأت القرآن وأنت بارد العاطفة، معناها محجوب, في مشكلة، يجب أن تبحث عنها، في تقصير، في إساءة، في مخالفة، في سوء ظن بالله، في تعلق بالدنيا, في تعلق بشخص منحرف، في إهمال العبادات، الله عز وجل أغنى الأغنياء عن الشرك، أن تسوء علاقتك بالله في حجاب، من عنده حساسية بالغة، ومن عنده حكمة, يراقب نفسه عندما يحجب, إنما يحجب لعلَّة.

احذر أن تقع في هذا الحرمان :

 وقال ابن المبارك: من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السنن, ومن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة:

﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾

[سورة المطففين الآية: 14]

 في آداب، في سنن، في فرائض، في معرفة، إن تهاونت بالأدب عوقبت بالحرمان من السنن، إن تهاونت بالسنن عوقبت بالحرمان من الفرائض، إن تهاونت بالفرائض عوقبت بالحرمان من المعرفة، ران على قلب هذا الإنسان الغشاوة التي تحول بينه وبين الحق.

من تعريفات الأدب :

 وقيل: الأدب في العمل علامة قبول العمل.
 قال بعضهم: تاهت الفضيلة تيهاً بفضلها فانكشفت عورتها.
 حتى العمل الطيب إذا اقترن بالمن والأذى والفخر، هذا العمل الطيب تاه صاحبه به فذهبت قيمته.
 وقال بعضهم: حقيقة الأدب استعمال الخُلق الحسن، وقال بعضهم الآخر: الأدب استخراج ما في الحياة من الكمال من القوة إلى الفعل.
 يعني أنت مفطور فطرة عالية، هذه الفطرة العالية الخفية تترجم إلى عمل، تترجم إلى ابتسامة, إلى تواضع، إلى كلمة شكر.

نهاية المطاف :

 والشيء الذي يوضح الحقيقة الآن: قال تعالى:

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾

[سورة الشمس الآية: 7 ـ 8]

 يعني فطرها وجبلها على جبلة عالية، فإن فعلت الكمال ارتاحت، وإن فعلت النقص اكتأبت، وكل إنسان عمله السيء عقاب له عقابٌ لفطرته، كل إنسان يخرج عن قواعد فطرته الكاملة, يتألم وينقبض ويشعر بأنه قد أساء، وما يقال اليوم: عن الكآبة، وضيق النفس, والسأم, والضجر، والملل، هذا كله من علامات خروج النفس عن قواعد فطرتها.

ملخص الملخص:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾

[سورة الشمس الآية: 9 ـ 10]

 يعني أعظم عمل على الإطلاق أن تذكي نفسك، لتكون مؤهلةً لدخول الجنة، إلى أبد الآبدين، والله عز وجل يقول:

﴿قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018