الخطبة : 0744 - الوقف من خلال السنة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0744 - الوقف من خلال السنة.


2000-05-12

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومَن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر. وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم، رسول الله سيِّد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر. اللهمَّ صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريَّته ومَن والاه ومَن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

التمسك بالمنهج القويم سبيل استرداد الدور القيادي الذي شرّفنا الله به :

 أيها الأخوة المؤمنون... نحن أمةٌ شَرَّفها الله بالإسلام، وازدهر ماضيها بالتمسُّك به، وأعزَّها باتباع سنة نبيّه، ووعدها في مستقبلها أن يستخلفها في الأرض، وأن يمكِّن لها دينها بشرط أن يرتضيه، وأن يبدل خوفها أمناً، كل هذا في قوله تعالى:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي﴾

[ سورة النور: 55 ]

 أيها الأخوة الكرام... لا سبيل إلى استرداد هذا الدور القيادي الذي شرَّفنا الله به إلا بالتمسُّك بالمنهج القويم، الذي جاء به سيد المرسلين عليه أتمّ الصلاة والتسليم، هذا النبي الكريم بيَّن للناس ما نُزّل إليهم، وأخرجهم من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، وأنقذهم مِن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات.
 أيها الأخوة الكرام... الإنسان من خلال العقيدة الإسلامية الصحيحة، أو بتعبيرٍ آخر من خلال التصوّر الإسلامي خُلِقَ لجنةٍ عرضها السموات والأرض، وأن ثمن هذه الجنة هو عملٌ صالح ؛ يصلح به حال المسلمين، ويصلح للعرض على الله.
 يجب أن يكون العمل الصالح خالصاً؛ ابتغي به وجه الله، وصواباً؛ وافق السنة، وكلاهما شرطٌ لازمٌ غير كافٍ، حيث نزّه هذا العمل الصالح عن كل غرضٍ دنيوي، قال تعالى:

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾

[سورة الكهف: 110]

أصل الوقف في السنة :

 لذلك أيها الأخوة، اندفع ثلَّةٌ من أوائل المسلمين، وقليلٌ من آخرهم، إلى التسابق إلى عملٍ صالح يرجون به رحمة الله، ويدفعون به نقمته في دنياهم وأخراهم، فكان الوقف، كلمة نسمعها كثيراً، ولو تدبرناها لوجدنا فيها خيراً كثيراً.
 أيها الأخوة... أصله في السُنَّة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه قال للنبي عليه الصلاة والسلام:ـ إن المئة سهمٍ التي بخيبر لم أصب مالاً قَطُّ هو أعجب إليَّ منها، وقد أردت أن أتصدَّق بها؟ فقال عليه الصلاة والسلام:

(( احبس أصلها وسَبِّل ثمرتها ))

[مسند عمر بن الخطاب للنجاد عن عمر ]

 سَبِّل: وزِّع ثمرتها صدقةً. وفي رواية البخاري في صحيحه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصاب أرضاً بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها
 فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضاً بخيبر، لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ فقال عليه الصلاة والسلام:

(( إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها - أي بثمرها -))

[مسلم عن ابن عمر]

 قال: فتصدق بها عمر، على أنه لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، وتصدَّق بها في الفقراء، وفي القُرْبى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على مَن وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير مُتَمَوِّلٍ، ودعا نفراً من المهاجرين والأنصار وأشهدهم على ذلك، فاشتهر ذلك.
 أصل الوقف في السُّنة هذان الحديثان الشريفان، وقد أقبل المهاجرون والأنصار على وقف بعض أموالهم، وفي ذلك قال جابر رضي الله عنه: " لم أعلم أحداً من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالاً من أمواله صدقةً مؤَبَّدةً لا تشترى، ولا توهب، ولا توَرَّث، وكان كثيرٌ من الواقفين يكتبون كتاب وقفهم مصرحين فيه: بأنه كان على سُنَّة سيدنا عمر، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ))

[أحمد عن عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ]

 وحبس عثمان بئر روما على المسلمين، بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينتقل بذلك الخَلَف عن السَلَف، وجيلاً بعد جيل.
 أيها الأخوة الكرام... وثبت أيضاً أن كلاً من سيدنا أبي بكرٍ وسيدنا علي بن أبي طالب حبس شيئاً من أمواله، وتبعهم مَن أتى بعدهم، بحيث لم يخلُ عصرٌ من العصور إلا وحبس فيه أناسٌ شيئاً من أموالهم على جهاتٍ خيرية.

 

اللذة و السعادة :

 يا أيها الأخوة الكرام... في الخطبةٍ قبل السابقة تحدثت عن اللذة والسعادة. وبيَّنت أن اللذة طبيعتها حسية، تأتي مما حول الإنسان من متعٍ، ومن طعامٍ، وشرابٍ، ومناظر جميلة، ومن بيتٍ مريح، ومركبةٍ فارهة، وأن هذه اللذة من طبيعتها أنها متناقصة في تأثيرها، يعقبها كآبةٌ في أغلب الأحيان، فإذا بُنِيَت على معصية الله، كانت سبباً للهلاك في الدنيا والآخرة، بينما السعادة طبيعتها نفسية، وتنبع من الداخل، وهي متعاظمة في تأثيرها، إن كان صاحبها مُخْلِصاً، انتهت بجنةٍ عرضها السموات والأرض. ثم بينت أيضاً أيها الأخوة أن للذة شروطاً ثلاثة، لا بد من أن يغيب واحداً منها دائماً، شروط اللذة؛ الوقت، والمال، والصحة. ففي أول طورٍ من أطوار حياة الإنسان تتوافر الصحة والوقت ويفتقد المال، وفي الطور الثاني يفتقد الوقت، وفي الطور الثالث تفتقد الصحة. بينما السعادة لها شروطٌ ثلاث؛ الإيمان بالله، والاستقامة على أمره، والعمل الصالح. ولكن لا بد من وقفةٍ متأنية للحديث عن هذه الشروط الثلاثة.

 

العمل الصالح هو الثمرة الطبيعية للإيمان :

 أنت إذا آمنت بالله ماذا فعلت؟ الله موجود، وواحدٌ، وكامل، إن اكتفيت أنك آمنت به ما فعلت شيئاً، لأنك إن لم تؤمن فهناك خللٌ في العقل، وإن آمنت ولم تتقرَّب إلى الله عز وجل ما نفعك إيمانك، كما آمن إبليس أن الله عز وجل خالق وربٌ وعزيزٌ، وآمن باليوم الآخر. أما إذا استقمت على أمره، ومع أن الاستقامة تحتاج إلى جهدٍ كبير، لكنها تنتهي بك إلى السلامة فقط، إن آمنت بالله ولم تعمل صالحاً، إن آمنت بالله ولم تستقم على أمره، ما فعلت شيئاً، إن استقمت على أمره وصلت إلى السلامة، ولكن كل مخلوقٍ على وجه الأرض كائناً مَن كان يبحث عن شيئين ثابتين هما السلامة والسعادة، فالسلامة بالاستقامة على أمر الله، بينما السعادة في القُرب منه، وأداة القرب منه العمل الصالح. قال تعالى:

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

[سورة الكهف: 110]

 من خلال العقيدة الإسلامية الصحيحة، ومن خلال التصوّر الإسلامي الصحيح، أنت مخلوقٍ في الدنيا من أجل العمل الصالح، لأنه ثمن الجنة، مفروغٌ منه أنك مؤمن، ومفروغ منه أنك مستقيمٌ على أمره طلباً للسلامة، ولكن ثمن الجنة الحقيقي هو العمل الصالح، والدليل أن الإنسان حينما يأتيه مَلَك الموت، لا يندم إلا على شيءٍ واحد:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * عَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا ﴾

[ سورة المؤمنون: 99-100]

 أيها الأخوة الكرام... العمل الصالح هو الثمرة الطبيعية للإيمان، الثمرة الطبيعية، لأن الإيمان حقيقةٌ إيجابيةٌ متحرِّكة، فما إن تستقر في النفس حتى تسعى بذاتها إلى تحقيق ذاتها في صورةٍ عمل صالح، فإن لم يتحرَّك هذه الحركة الطبيعية فالإيمان مُزَيَّفٌ أو ميتٌ، ذلك أن الإيمان ليس انكماشاً، ولا سلبيةً، ولا انزواءً، وليس مجرد نوايا طيبة لا تتمثل في حركةٍ أو عمل، علامة إيمانك العمل الصالح، أن تستقيم على أمره من أجل السلامة، هذا مفروغٌ منه، ودائماً الاستقامة تبدأ بكلمة: لا، أنا لم أغتب، لم أنظر إلى حرام، لم أكسب مالاً حراماً، لم أَنُم، الاستقامة في طابعها سَلْبِيّ، ولكن العمل الصالح إيجابي، العمل الصالح بذلٌ من وقتك، بذلٌ من جهدك، بذلٌ من مالك، بذلٌ من خبرتك، بذلٌ في عضلاتك.

 

العوامل التي ترفع من قيمة العمل الصالح :

 أيها الأخوة الكرام... لو وقفنا وقفة متأنيِّة في التمييز بين الأعمال الصالحة ؛ كلما اتسعت رقعة العمل الصالح فشملت أعداداً كبيرةً من البشر، وكلما امتد أمد العمل الصالح وطال، حتى توارثت ثماره أجيال وأجيال، وكلما تغلغل العمل الصالح في كيان الإنسان كله؛ المادي والنفسي والاجتماعي والروحي، حتى تحقق له وجوده الإنساني، وتألَّقت من خلاله روحه، كان العمل الصالح أعظم من غيره، ابحث عن أعلى الأعمال الصالحة.
 يا أيها الأخوة الكرام... الأعمال الصالحة رأس مالك، الأعمال الصالحة ثمن جنَّتك، الأعمال الصالحة مكان مرتبتك في الجنَّة، فالعمل الصالح كلما اتسعت رقعته، وكلما امتد أثره، وكلما تغلغل في أعماق الإنسان، كان أعظم. قد تطعم الإنسان لقمةً، قد تضع لقمةً في بطن جائع، هذا عمل صالح، ولكنك إن هديت هذا الإنسان إلى الله، وعرَّفته بربه، فعرف سر وجوده وغاية وجوده، هذا من أعظم الأعمال الصالحة على الإطلاق.

(( خير له مما طلعت عليه الشمس ))

[الطبراني عن أبي رافع ]

(( فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ))

[ متفق عليه عن سهل بن سعد]

(( خير لك من الدنيا وما فيها ))

[ تخريج أحاديث الإحياء للعراقي ]

 أيها الأخوة الكرام... تزداد قيمة العمل باتساع رقعته، وتزداد قيمة العمل بامتداد أمده، وتزداد قيمة العمل بعُمق تأثيره، وتزداد قيمة العمل بنيّة فاعله، هذه العوامل ترفع من قيمة العمل الصالح، ويزداد ثِقَل العمل الصالح في ميزان الحق، وتتضاعف قيمته ومثوبته عند الله جل جلاله كلما كثرت المعوِّقات في سبيله، وعظُمت الصوارف عنه، في عصرٍ كله فتنٌ يقظى، وكله شهواتٌ مُسْتَعرة، هناك عقباتٌ، وهناك صوارف، فكلما ازدادت العقبات وكثرت الصوارف، ارتفعت قيمة العمل الصالح، وكلما قلّ المُعين عليه، والمشجِّع له، وازداد المثبِّط، ومضعف الهمة، ازدادت قيمة العمل الصالح.

 

العاقل من يبحث عن عمل يستمر بعد موته :

 أيها الأخوة الكرام... حينما يُرْزَق الإنسان مثل هذه الأعمال يحيا وهو ميت، ويؤدي رسالته وهو تحت التراب، ففي الحديث الصحيح:

(( إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ - والوقف من الصدقات الجارية - وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ ))

[الترمذي عن أبي هريرة ]

 ولهذا الحديث تفصيلاتٌ في حديثٍ آخر، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم:

(( إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ ))

[ابن ماجة عن أبي هريرة ]

 فهنيئاً وهنيئاً وهنيئاً لمن كانوا تحت الثرى، والناس مهتدون بهديهم سعداءٌ بأعمالهم.
 أيها الأخوة الكرام... ملَخَّص هذا الكلام: ابحث عن عملٍ يستمر بعد موتك، ابحث عن عملٍ لا ينقضي بانقضاء حياتك، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.

 

كيفية تطبيق سنة الوقف في عصرنا الحاضر :

 يا أيها الأخوة الكرام... أحكام هذا الدين فيها خيرٌ عميم، لا يعلمه إلا الله، أحكام هذا الدين من عند خالق الأرض والسموات، كيف نطبق هذه السُنَّة النبوية الرائعة؛ سنة الوقف في عصرنا الحاضر؟ لا بد من وقفتين، الوقفة الأولى عند التحديث، لا تحديث في الإسلام..

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾

[ سورة المائدة: 3 ]

 هذا دين الله عز وجل، دين مُطْلَقٌ في كماله، وفي عصمته، وفي صلاحيّته، ولكن هذه الأحكام القطعية الثابتة تطبق على حالاتٍ جديدة، إن أردنا أن نقول كلمة " تحديث " لا نقصد بها إلا هذا المعنى الضيق، نطبق قواعد عامة جاء بها الكتاب والسنة على حالاتٍ مستجدة لم تكن من قبل. ولا بد من وقفةٍ عند التجديد، لا تجديد في الدين لأنه دين الله عز وجل، وحينما يقول الله عز وجل مرةً ثانية:

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾

[ سورة المائدة: 3 ]

 أي أن التمام عددي، والكمال نوعي، فعدد القضايا التي عالجها الدين تامةٌ لا يضاف عليها، ولا يُحْذَف منها، وطريقة المعالجة وزاويتها وعمقها كاملةٌ، لا تحتاج إلى تعديلٍ ولا إلى تغيير، ولكن التجديد تماماً كبناء قديم تواضعت عليه طبقةٌ من الغبار والدخان وبعض الغازات، فجعلت لونه الناصع الجميل أسود، تجديد هذا البناء يعني أن تزيل هذه الطبقة التي تراكمت عليه عبر العصور والدهور والتي ليست منه، هذا هو التجديد.
 الإسلام دين الله عز وجل كاملٌ وتام، لا يضاف عليه ولا يحذف منه، ولكن إذا استخدمنا كلمة تجديد، نقصد بها أن نزيل عنه ما علق به مما ليس منه، هذا هو التجديد، وأما التحديث أي أن نطبِّق قواعده الثابتة على حالاتٍ مستجدة لم تكن في العصور السابقة.

 

الوقف تعاونٌ على البر والتقوى :

 أيها الأخوة الكرام... نظراً لأهمية الوقف في حياة المسلمين لابد من تنميته، وإثرائه، وتطويره، وحث الناس على القيام بهذا العمل الجليل الذي يعد الصدقة الجارية التي لا تنقطع بموت صاحبها، فهي ترقى بصاحبها إلى أعلى عليين، وينتفع بها المسلمون، فتتقوّى الروابط الاجتماعية، وتحل المشكلات الاقتصادية.
 أيها الأخوة... ألم يقل الله عز وجل:

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

[سورة المائدة:2]

 وحينما يوقف الإنسان بعضاً من ماله للخير العام، فهذا تعاونٌ على البر والتقوى، البر كما فسَّره المفسرون صلاح الدنيا، والتقوى صلاح الآخرة، فأنت مأمورٌ بنص هذه الآية أن تتعاون مع إخوانك على صلاح دينهم ودنياهم.
 أيها الأخوة... بالمناسبة الإنسان طبعه فردي، فيسير مع طبعه حينما يعصي ربه، أما حينما يطيع الله عز وجل فالتكليف جماعي، أنت بحسب التكليف يجب أن تتعاون، وبحسب الطبع يجب أن تنسحب من الحياة الاجتماعية.

 

أنجح الأساليب تحويل الفقير المستهلك إلى إنسانٍ منتجٍ مُنْفِق :

 أيها الأخوة الكرام... إن من أنجح الأساليب أن نحوِّل الفقير المستهلك إلى إنسانٍ منتجٍ مُنْفِق، ماذا يفعل بعض المحسنين؟ يعطي هذا الفقير مبلغاً من المال ينفقه في أسبوع، ثم يأتيه ثانيةً، وثالثةً، ورابعة إلى أن يصبح هذا الفقير معتاداً على التسوّل، ضعفت كرامته، وخدش حياؤه، بل ذهب ماء وجهه، لأنك أطعمته ولم تشبعه، أطعمته ولم تغنه، لذلك قال بعض الحكماء - دققوا في هذه الحكمة -: لا تطعمني سمكةً، ولكن علمني كيف أصطاد السمك.
 أيها الأخوة الكرام... أعظم الأعمال الصالحة أن نحوِّل قابض الزكاة إلى دافعٍ للزكاة. تجربةٌ سمعت بها أعجبتني: إنسانٌ فقير طلب مساعدةً من محسن، هذا المحسن اشترى له مركبةً ذات العجلات الثلاث رخيصة جداً، فاستخدمها في تجارته المتواضعة، وبعد حينٍ رد هذا القرض، ودفع زكاة ماله، فهذا الإنسان الشاب الناشئ في طاعة الله، بدل أن تعطيه ما يأكل به، أعطه أداةً يكسب بها، ولعل حكمة الزكاة هي هذه، أن تحوِّل قابض الزكاة إلى دافع للزكاة.

أمثلة واقعية ومقترحات تحلّ مشكلات المسلمين :

 أخوتنا الكرام... الأعمال البطولية القديمة نعجب بها، ولكن قد نقول: نحن لنا ظروف جديدة، ولنا معطيات، وهناك ضغوط، وهناك تعقيدات، أما إن جئنا بمثلٍ واقعي من حياتنا فهذا يعطينا حماساً بأن نطبق أحكام هذا الدين بكل ما أوتينا من قوة، رجلٌ محسنٌ توفّاه الله عز وجل، ورحمه الله، وطيَّب ثراه، وقف بيتاً كبيراً واسعاً في أحد أرقى أحياء دمشق، جمعيةٌ خيرية أخذت هذا البيت، وجهَّزته بكل وسائل التدريب المهني، ابتدأت بتعليم الفتيات الفقيرات مهنة الخياطة، وكان التدريب في أعلى مستوى، ثم أعطت كل فتاةٍ نجحت في الامتحان أداة معدات الخياطة إلى بيتها كهبةٍ، واشترت إنتاجها بسعرٍ مرتفع، وسوَّقته هي عن طريق تجار الألبسة، ماذا فعلنا نحن؟ نقلنا هذه الفتاة الفقيرة البائسة التي كانت تتسول، والتي تمد يدها لتأكل هي ومَن حولها، جعلناها منتجةً، رافعة الرأس، تعمل في بيتها، وتبيع إنتاجها، وقد اكتفت هي وأولادها، فهذا الذي وقف البيت توفاه الله عز وجل، أما هذا البيت فبقي إلى آمادٍ طويلةٍ، يرعى الفتيات الفقيرات، ويعلمهن حرفةً، يكسبن منها قوت يومهم وقوت من حولهم.
 أيها الأخوة الكرام... هذه حالةٌ من حالات الوقف، ما الذي يمنع أغنياء المسلمين أن يوقفوا بعضاً من أموالهم لتأسيس شركاتٍ زراعيةٍ وصناعيةٍ وتجاريةٍ متكاملةٍ فيما بينها، تمد السوق بإنتاج زراعيٍ يسهم بخفض أسعار المواد الغذائية؟ وتمده بسلعٍ أساسيةٍ تخفف العبء على الفقير المستهلك وتوفِّر فرص عملٍ للشباب الذين لا يجدون عملاً؟
 أيها الأخوة... سيدنا عمر سأل أحد ولاته: ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارقٍ أو ناهب؟ فقال: أقطع يده- هكذا تروي الرواية- قال: إذاً فإن جاءني مِن رعيتك مَن هو جائعٌ أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله استخلفنا عن خلقه لنسُد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفِّر لهم حرفتهم، فإن وفَّينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً، التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية.
 أيها الأخوة الكرام... أي زواجٍ يحتاج إلى مأوى، وكل شيءٍ غير المأوى سهل؛ قد يرتدي ثياباً ليست جديدة، وقد يأكل أخشن الطعام، ولكن إن لم يكن هناك مأوى فلا زواج، وعندئذٍ يَحِلُّ السفاح محل النكاح، وعندئذٍ تنتشر دور الدعارة، فما الذي يمنع أغنياء المسلمين أن يوقفوا بعضاً من أموالهم لإنشاء أبنيةٍ سكنية تكون مأوىً لأصحاب الدخل المحدود؟ حينها يزوّجون أبناءهم وبناتهم، ويدفع المنتفعون بها أجراً رمزياً لمدة خمس سنواتٍ فقط، ثم تؤجَّر لهم بعد هذه المدة بأجر المثل، دعماً للمشروع، وتوليداً لمشروعٍ آخر.
 لا تفكر أن تطعم الفقير لقمةً، فكر أن تزوجه، فكر أن تجعل هذا الإنسان رافع الرأس، فكر أن تعطيه حرفةً، أن تؤويه في منزل، ما الذي يمنع أن تخصص بيوتاً للشباب المتزوجين حديثاً تحمل عنهم بعض أعباء الزواج؟ أرجو الله سبحانه وتعالى وهذا يبدو أنه قريب أن يعدَّل قانون الإيجار، فتعرض في المدن مئات ألوف البيوت بأجرةٍ معقولةٍ.
 أيها الأخوة... ما الذي يمنع بعض أغنياء المسلمين، ممن يتمتعون بثقافةٍ عالية، أن يوقفوا بعض أموالهم لتأسيس دور نشر ترعى الشاب المثقف الملتزم وتنشر نتاجه العلمي والأدبي والديني بسعرٍ منخفضٍ؟ يسهم في نشر الثقافة ودعم المؤلفين الشباب، هذا عملٌ طيب، نشر الكتب الإسلامية بأسعارٍ منخفضة وتشجيع المؤلفين، هذا من السُّنة النبوية.
 ما الذي يمنع أغنياء المسلمين أن يوقفوا بعض أموالهم لتأسيس معاهد للمهن الراقية، ومنها الحاسوب؟ سمعت أن بعض أثرياء المسلمين في بلدٍ إسلامي، أسس معهداً شرعياً، جعله عشرة طوابق، الطوابق الثلاثة الأولى لتعليم طلاَّب العلم الشرعي مِهَنَاً يكسبون منها أرزاقهم، من أجل أن تجعل طالب العلم مكتفياً، لا أن تجعله عالةً على الناس، هذه أعمال جليلة أيها الأخوة.
 يا أيها الأخوة... لا زلنا في هذه الاقتراحات، طبعاً هذه البلدة الطيبة التي ذكر النبي عليه الصلاة والسلام:

(( إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي، فأتبعته بصري فإذا هو نور ساطع فعمد به إلى الشام))

[ الدر المنثور في التفسير المأثور عن ابن عمر ]

 هذه البلدة أنشئت فيها مستوصفات كثيرة، هذه المستوصفات تعالج المرضى الفقراء بأسعارٍ رمزية، وتحليلات، وتصوير، وإيكو، ومرنان، هذا كله من نتاج العمل الصالح. ابحث عن عمل صالحٍ يدوم أثره بعد موتك، ابحث عن عملٍ صالحٍ لا ينقطع بانقطاع حياتك.
 أيها الأخوة الكرام... قضية القروض قضيٌة خطيرة، قلّما يقرض أحدٌ أحداً، ما الذي يمنع أغنياء المسلمين أن يوقفوا بعض أموالهم لتأسيس صندوقٍ للقرض الحسن، يلبي حاجات الفقراء، ولا يوقعهم في مخالفة منهج ربِّهم، ويقوم على إدارة هذا الصندوق رجال أكفاء مخلصون، أما حينما يُضَّطر الفقير أن يأخذ قرضاً ربوياً، حُجِبَ عن ربه لأنه وقع في مخالفة شرعية، وقع في عقدة الذنب، صندوق لإقراض الفقراء، بأساليب موضوعية، وبضمانات، وبرهون وما إلى ذلك.
 أيها الأخوة... ما الذي يمنع أغنياء المسلمين أن يوقفوا بعضاً من أموالهم لتأسيس صندوقٍ للتأمين التعاوني الذي سمح به الشرع الحنيف بل ندب له؟ إذا تلف مال أو بضاعة لأحد المشتركين في هذا الصندوق، تلقى تعويضاً مكافئاً لحجم خسارته، ونجا من التأمين الاستغلالي الذي يفتقر إلى المعاوضة، والذي حرَّمه الشرع أصلاً.
 أيها الأخوة... تجربة وقع بها بعض أبناء الجالية الإسلامية في بلاد الغرب، هناك بأنظمتهم: المريض إذا توهَّم أن الطبيب أخطأ في حقه يقاضيه، وقد يحكم له القاضي بثروةٍ تعادل دخل الطبيب مُنذ أن فتح عيادته، وهذا شيءٌ لا يحتمله الطبيب، لذلك يلجأ الأطباء هناك إلى التأمين، مبالغ التأمين كما سمعت تزيد عن مليون ليرة في السنة، بعض هؤلاء الأطباء أسسوا صندوقاً فيما بينهم، دفعوا هذه المبالغ بصندوق، فإذا أقيمت دعوى على أحدهم، دفع هذا الصندوق هذه المبالغ، فإذا لم تقم أية دعوى، هذا المال لهم، وعاد إليهم، فهذا التأمين التعاوني مندوبٌ لهم لقوله تعالى:

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

[سورة المائدة:2]

 أيها الأخوة الكرام... هذه بعض الأمثلة الواقعية والمقترحات التي تحل مشكلات المسلمين، أنا أريد أن يرتقي العمل الصالح، لا إلى مستوى أن تطعم الفقير لقمة، وأن تجعله متسوِّلاً، يجب أن تكفيه عاماً بأكمله أو طوال حياته، يجب أن تنقله من مستهلكٍ إلى منتج، من قابض زكاةٍ إلى دافع زكاة، ينبغي أن يأخذ أجراً لا أن يأخذ صدقة، أن يأخذ أجراً وأن يرفع رأسه عالياً، وأن يشعر مَن حوله أن أباهم مُنْتِج، ينبغي أن نفكر بأعمالٍ صالحة من هذا النوع ؛ ترفع شأن المسلم، وتحيل بؤسه وفقره إلى وضعٍ آخر.
 أيها الأخوة الأكارم... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز مـن أتبع نفسه هواها، وتمنَّى على الله الأماني.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018