الخطبة : 0743 - الكلمة الطيبة - الدماغ. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0743 - الكلمة الطيبة - الدماغ.


2000-05-05

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومَن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيّته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظر أو سمعت أذنٌ بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومَن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

حقيقة الإيمان راسخةٌ في كل إنسان :

 أيها الأخوة الكرام... القرآن الكريم مائدة الرحمن، وآياته الكريمة مهما قرأتها تزدك علماً، وتزدك إيماناً، فالله عزَّ وجل يقول:

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾

[ سورة إبراهيم : 24-25]

 لعلَّهم يتذكرون؛ الإنسان مفطورٌ على الإيمان، الإيمان في الأصل فطري..

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾

[ سورة الروم: 30 ]

 الإنسان مجبولٌ على الإيمان بالله، لا يجد نفسه إلا إذا عرف الله، لا يطمئن قلبه إلا إذا اصطلح معه، لا يسعد إلا إذا اقترب منه..

﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾

[ سورة إبراهيم : 25]

 حقيقة الإيمان راسخةٌ في كل إنسان كائناً من كان، لكن الآيات، والأمثلة، والدُعاة، والأحداث تُذَكِّره بهذه الحقيقة الكامنة فيه.

 

التوحيد نهاية العِلم والعبادة نهاية العمل :

 أيها الأخوة الكرام... شبَّه الله تعالى الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح، والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع، ومثل..

﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾

[ سورة إبراهيم : 24]

 كما أن الشجرة تثمر كذلك الكلمة الطيبة تثمر عملاً صالحاً، والأنبياء والمرسلون بماذا جاؤوا؟ جاؤوا بكلمةٍ طيِّبة سعدت بها الشعوب، وسعدت بها الأمم، والطغاة بماذا جاؤوا؟ جاؤوا بآلةٍ، آلةٍ مدمرةٍ، جاؤوا بجهازٍ يسبب البطالة للناس، فالأنبياء جاؤوا بكلمةٍ طيبة أساس سعادة الأمم.
أيها الأخوة الكرام... شيءٌ دقيقٌ هو أن العلماء قالوا: الكلمة الطيبة هي شهادة أن لا إله إلا الله، بل إن كلمة التوحيد فحوى دعوة الأنبياء جميعاً..

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾

[ سورة الأنبياء: 25 ]

 لو أردت أن تضغط الدين كله في كلمتين؛ أن توحده وأن تعبده، أي أن تعرفه وأن تطيعه، وما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد، بل إن التوحيد نهاية العِلم، والعبادة نهاية العمل، أي أعلى علم أن تعرفه وأن توحده، وأعلى عمل أن تطيعه.

 

الشجرة الطيبة هي المؤمن و الكلمة الطيبة هي الإيمان :

 أيها الأخوة الكرام... بعضهم قال: الشجرة الطيبة هي المؤمن، أصلها ثابت وفرعها في السماء، أي أن المؤمن بنى إيمانه على حقائق ثابتة، مَرّ الليالي والأيام لا يبدّلها بل يزيدها تألقاً، أما أي مذهبٍ وضعي مع مرور الأيام فتظهر أخطاؤه، ويصبح في الوحل، أي مذهبٍ أرضيٍ من صنع البشر نهايته إلى الوحل، بينما الكلمة الطيبة التي هي أساس التوحيد تشبه الشجرة الطيبة، في بعض الأقوال: هو المؤمن، بنى إيمانه على حقائق ثابتة لا تتبدَّل، ولا تتغيَّر على مرِّ العصور والدهور، عند المؤمن نعمةٌ لا يعرفها إلا مَن فقدها، هو أنه كلما تقدَّم العصر، كلما تقدم العِلم، كلما تعقَّدت الحياة يزداد إيمانه بدينه، بينما أي مذهبٍ وضعيٍ آخر قد يفاجأ أصحابه بحقيقةٍ تلغيه، أو تبطله، أو تسفِّهه.
 ففي قول بعض العلماء: الشجرة الطيبة هي المؤمن أصلها ثابت وفرعها في السماء، وقال بعضهم في تعليل قوله تعالى:

﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾

[ سورة إبراهيم : 24]

 أي بنى إيمانه على الإخلاص، وهذا الإيمان المبني على الإخلاص أثمر عملاً ارتفع إلى السماء وقبله الله عزَّ وجل.
 وهناك معنىً آخر: الكلمة الطيبة هي الإيمان، فالإيمان هو الشجرة الطيبة أصلها ثابت، لا يزول، فالإسلام مرَّ عليه ألفٌ وأربعمئة عام، كم ظهرت من مذاهب، ومن مبادئ، ومن نظريات بقي شامخاً كالطود، أما هذه النظريات، وهذه المذاهب فسقطت الواحدة تلو الأخرى، الثبات شيء رائع في الإنسان، مما يبعث الطمأنينة في الإنسان أن عقيدته ثابتة، أن يقينه ثابت، أن مبادئه ثابتة، أن قيمه ثابتة؛ لا تتبدَّل ولا تتغير، والوقائع تؤكِّدها، تدعمها، تزيدها رسوخاً، تزيدها تألقاً، وفرع هذه الشجرة في السماء، أي الأعمال ترتفع إلى الله ويقبلها، خشية الله والإخلاص له يجعل العمل عند الله مقبولاً.
 أيها الأخوة الكرام... هذه الشجرة تثمر في كل وقت، قد تقول كلمة طيبة يهتدي بها إنسان، وهذا الإنسان يهتدي به أناسٌ آخرون، فهذه الكلمة الطيبة تكلَّمت بها فإذا هو مجتمعٌ مؤمن، فإذا هي أسرةٌ متماسكة، فإذا هو عملٌ رائع، فالكلمة الطيِّبة جاء بها الأنبياء، وهذه الكلمة هي التي ينبغي أن يبحث عنها المؤمن ليلقيها، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن..

((الكلمة الطيبة صدقة ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 وما من صدقةٍ أفضل من كلمة الحق، ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل وقت بحسب ثباتها في القلب، ومحبة القلب لها، وإخلاصه فيها، ومعرفته بحقيقتها، وقيامه بحقوقها، ورعايتها حق رعايتها. فمَن رسخت هذه الكلمة في قلبه بحقيقتها، واتصف بها، اصطبغ بصبغة الله.
 ما معنى التوحيد؟ الكلمة الطيبة هي التوحيد، يجب أن تعتقد بها ويجب أن تلقيها، يجب أن تسمعها، ويجب أن تنطق بها، التوحيد يجعل همومك هماً واحداً، التوحيد يجعل وجهتك وجهةً واحدة، التوحيد يجعل تركيزك على شيءٍ واحد، التوحيد يجمع، والشرك يفرِّق. هذه الكلمة الطيبة تثمر كلماً طيباً كثيراً يقارنه عملٌ صالح.

 

عدم التفريق بين القول و العمل في القرآن الكريم :

 أيها الأخوة الكرام... لو قرأتم القرآن الكريم كله لا تجدون فيه تفريقاً بين القول والعمل.

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

[ سورة البينة: 7 ]

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾

[ سورة فصلت: 33 ]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾

[ سورة الصف : 2-3]

 الكلمة الطيبة، الصادقة، المخلصة تثمر عملاً طيباً، لذلك ما من شيءٍ يعتقده الإنسان إلا وينعكس سلوكاً، لو أن الاعتقاد لا يتأثر به الإنسان في سلوكه نقول له: اعتقد ما شئت، ولكن لأن أي اعتقادٍ ينعكس سلوكاً فلابد من أن تدقق..

((ابن عمر، دينَك دينَكَ إنه لحمك ودمك))

[ كنز العمال عن ابن عمر ]

 لو أن السلوك لا يتأثر بالاعتقاد اعتقد ما شئت، بل إن الاعتقاد ينعكس حتماً سلوكاً، والسلوك محاسبٌ عليه، أخطر شيءٍ في الدين العقيدة، من صحت عقيدته صحّ عمله، ومن فسدت عقيدته فسد عمله، ولا تنفعه المظاهر شيئاً.

 

التوحيد في الوجهة والاعتقاد والعمل يثمر عملاً مخلصاً :

 أيها الأخوة الكرام... المقصود بكلمة التوحيد أن يشهد المؤمن أنه لا إله إلا الله، أن يعرف معناها وحقيقتها، نفياً وإثباتاً، متصفاً بموجباتها، أي إذا أيقنت أن المعطي هو الله، وأن المانع هو الله، لا يمكن أن تُنافق، إذا أيقنت أن الله بيده كل شيء لا يمكن أن تيئس، إذا آمنت أن الله عزَّ وجل سميعٌ مجيب لا يمكن أن تلجأ لغيره، ما التوحيد؟ أن تؤمن إيماناً حقيقياً بكل قطرةٍ في دمك، وبكل خليةٍ في جسمك؛ أنه لا معطي إلا الله، ولا مانع إلا الله، ولا معز إلا الله، ولا مذل إلا الله، ولا رافع إلا الله، ولا خافض إلا الله. هذا التوحيد في الوجهة، والتوحيد في الاعتقاد، والتوحيد في العمل يثمر عملاً مخلصاً طيِّب الرائحة، لا تجد إنساناً له عملٌ طيب إلا بسبب عقيدة صحيحة وإخلاص شديد لله عزَّ وجل.
 أيها الأخوة الكرام... لا يزال المؤمن يخرج منه الكلام الطيب والعمل الصالح يصعد إلى الله..

﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾

[ سورة إبراهيم : 24]

 أي أن وجهته إلى الله، الله مقصده، الله غايته، الله حَسْبه، الله همُّه، هذا هو المؤمن، أعماله كلها يصعد بها إلى الله عزَّ وجل. وفي آيةٍ أخرى:

﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾

[ سورة فاطر: 10 ]

 أي كلمٍ طيب يصعد إلى الله، ولكن العمل الصالح هو الذي يرفع هذا الكلم الطيب إلى الله عزَّ وجل.

 

كيفية كون الإيمان ثابت الأركان مثمر الأغصان :

 أيها الأخوة الكرام... من دقائق هذا التفسير: الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة، الشجرة لها عروق، ولها ساق، ولها فروع، ولها ورق، ولها ثمر، وكذلك الإيمان يجب أن ينطبق المشبَّه على المشبَّه به، عروق الإيمان هو العلم، وكل إنسانٍ ينقطع عن العلم يجف وييبس، والإنسان حينما يتلقَّى دروس العلم، وحينما يحافظ على خطب الجمع هو يسمح لعروق هذه الشجرة أن يمر عبرها الغذاء، فلابدَّ من شحنةٍ علميةٍ روحيةٍ كل حين، خطبة الجمعة شحنةٌ أسبوعية، الصلوات الخمس شحناتٌ يومية، صوم رمضان شحنةٌ دَسِمةٌ سنوية، حج بيت الله الحرام شحنةٌ يجب أن تكفيك إلى مدى العمر.
 يا أيها الشجرة الكرام... الشجرة لها عروق وعروقها العلم، فعروقها العلم والمعرفة واليقين، وساقها الإخلاص، وفروعها الأعمال الصالحة، وثمرتها ما توجبه هذه الأعمال الصالحة من الآثار الحميدة، والصفات الممدوحة، والأخلاق الذكية، والسَمْت الصالح، الحلم ثمرة، الهدوء ثمرة، الصبر ثمرة، الإنصاف ثمرة، الرحمة ثمرة، الحكمة ثمرة، العِرق هو العلم من هنا يأتيك الخير، الجذع هو الإخلاص، الفرع هو العمل الصالح، الثمرة النتائج الطيبة التي تجنيها من العمل الصالح، الناس يحبون المتواضع، يحبون الرحيم، يحبون المُنصف، يحبون الحكيم، يحبون الذي يحرص على مصالحهم.
 أيها الأخوة الكرام... إذا كان العلم صحيحاً مطابقاً لمعلومه الذي أنزل الله كتابه به، وكان الاعتقاد مطابقاً لما أخبر الله به عن نفسه، وأخبرت به عنه رُسُله، وكان الإخلاص قائماً في القلب والأعمال، وكانت الأعمال موافقةً للأمر والهدي، عندئذٍ يكون هذا الإيمان ثابت الأركان، مثمر الأغصان.

الكلمة الخبيثة كلمة تزوير و افتراء :

 يا أيها الأخوة الكرام... أما الشجرة الخبيثة..

﴿اجْتُثَّتْ﴾

[ سورة إبراهيم : 26]

 قطعت، انظر إلى شجرةٍ اقتلعت من جذورها وأصبحت ملقاةً على الأرض؛ لا عروق، ولا وَرَق، ولا ثمر، ولا ظِل..

﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾

[ سورة إبراهيم : 26]

 ما لها استقرار، لا تنفع، لا تستحق إلا الحرق، الشجرة اليابسة تحرق، فرقٌ كبير بين كلمةٍ طيبة هي كلمة التوحيد، كشجرةٍ طيبة، وبين الكلمة الخبيثة التي هي الشرك..

﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾

[ سورة لقمان : 13]

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾

[ سورة النساء: 48]

 الكلمة الخبيثة أن تدل على غير الله، أن تكون محسوباً على غير الله، أن تنحاز إلى غير الله، أن تعتقد العطاء بغير الله، أن تخاف من غير الله، أن ترجو غير الله، هذه كلمةٌ خبيثة تشبه شجرةً..

﴿اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ﴾

[ سورة إبراهيم : 26]

 الشرك ما له أصل، ما له أصل واقعي، الشرك افتراء، الشرك كذب، الشرك تزويغ للحقيقة، الكلمة الطيبة هي التوحيد، هي كلمةٌ لها أصلٌ ثابت، ولكن كلمة الشرك كلمةٌ لا أصل لها، لا وجود لها، تزويرٌ وافتراء، وهذه الكلمة الخبيثة تشبه شجرة خبيثة..

﴿اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾

[ سورة إبراهيم : 26]

 أيها الأخوة الكرام... هذا المثل الذي وضعه الله عزَّ وجل، ومثل..

﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾

[ سورة إبراهيم :24-25]

 الخير ينمو، والخير يزداد..

﴿بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾

[ سورة إبراهيم :25]

 والكلمة الخبيثة..

﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾

[ سورة إبراهيم : 26]

 التقلُّب، والتبدُّل، والتلوُّن هذا كله من صفات أهل الشرك.

 

سرّ ثبات المؤمن و استقراره :

 أيها الأخوة الكرام... يقول الله عزَّ وجل:

﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾

[ سورة إبراهيم : 27]

 ما سر ثبات المؤمن؟ ما سر استقراره؟ ما سر وضوح الرؤية عنده؟ الكلمة الطيبة، ما سرّ تقلب الكافر وتأرجحه وتبدُّل مواقفه؟ سبب ذلك الكلمة الخبيثة، فلذلك التوحيد التوحِيد، وما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد، والتوحيد أيها الأخوة هو الدين، أن تعتقد أن لهذا الكون إلهاً هذا اعتقادٌ لا يغيب عن مُعظم الناس في شتَّى بقاع الأرض، ولكن الإيمان الحقيقي أن تعتقد أن الله..

﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾

[ سورة الزخرف: 84 ]

 وأن الأمر كله بيده..

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

[ سورة هود: 123]

 التوحيد ألا ترى مع الله أحداً، التوحيد ألا تتجه لغير الله، كل هذه المعاني أيها الأخوة تأتي من الكلمة الطيبة، والكلمة الطيبة شجرة طيبة أصولها ثابتة، وأعمالها راقية، ومصيرها إلى الجنة، وكل مشكلات البشر من كلمةٍ خبيثةٍ - كلمة الشرك - كلمة البُعد عن الله، كلمة اتباع الهوى، وهذه الكلمة الخبيثة هي في الحقيقة شجرة ما لها من قرار، لا تثمر، ولا تورق، ولا تنفع، مصيرها إلى النار.

 

مثال عن الإنسان حينما يؤتيه الله آياته فينسلخ منها فيصبح من الغاوين :

 أيها الأخوة الكرام... آية أخرى تبيِّن حقيقة المؤمن، يقول الله عزَّ وجل:

﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾

[ سورة الأعراف: 175 ]

 إنسانٌ آتاه الله آياته، أي آتاه الله علماً..

﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾

[ سورة الأعراف: 175 ]

 لم يقل الله عزَّ وجل: فسلخناه منها، هو انسلخ منها باختياره..

﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾

[ سورة الأعراف: 175 ]

 كل كلمةٍ في هذه الآية تدل على حقيقة، الله عزَّ وجل قال:

﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾

[ سورة الليل: 12 ]

 ربنا عز وجل نصب الآيات في الآفاق، الكون كله يدل عليه، الأفعال كلها تدل عليه، الله عزَّ وجل خلق الآيات، خلق آياتٍ كونية، وخلق آياتٍ تكوينية، وأنزل قرآناً هو آياتٌ قرآنية، والآية العلامةٌ الدالة على وجوده ووحدانيته وكماله..

﴿آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾

[ سورة الأعراف: 175 ]

 كما تنسلخ الحيَّة من جلدها، كما يُسلخ الجلد عن اللحم..

﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾

[ سورة الأعراف: 175 ]

 ولما انسلخ منها..

﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾

[ سورة الأعراف: 175 ]

 متى يأتي الشيطان؟ سلطانه على الذين اتبعوه، على الذين تركوا ربهم..

﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾

[ سورة الأعراف: 175 -176]

 لو أنه أخذ هذه الآيات، وفهم فحواها، وعمل بها، لرفعه الله عزَّ وجل وأنقذه من شر الشيطان.

﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾

[ سورة الأعراف: 176]

 مالَ إلى الدنيا، مال إلى مُتَعِها، مال إلى مباهجها، مال إلى شهواتها.
 أيها الأخوة الكرام..

﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾

[ سورة الأعراف: 176]

 أي هو يلهث وراء الدنيا في السراء والضراء، في الأمن والخوف، في إقبال الدنيا وإدبارها، إذا سمع الموعظة يلهث، وإن لم يسمعها يلهث، إن جاءت الأمور كما يحب يلهث، وإن جاءت على خلاف ما يجب يلهث، هذا مثلٌ ربنا عزَّ وجل ضربه لنا..

﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾

[ سورة الأعراف:175- 176]

 أي لو أخذ بها، وعمل بها، وعمل بما يلزمه منها..

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾

[ سورة الأعراف: 176]

القرآن الكريم قرآن مفعم بالأمثال :

 أيها الأخوة الكرام... الدنيا مُفْعمةٌ بالحقائق، والقرآن الكريم مُفْعَمٌ بالأمثال، وهذه الأمثال يضربها الله لنا كي ننتفع بها، فدققوا في مثلين، وهما محورا هذه الخطبة، مثل كلمة التوحيد وكلمة الشرك، ومثل الإنسان حينما يؤتيه الله آياته، وحينما ينسلخ منها، فيتبع الشيطان، فيصبح من الغاوين، وكان من الممكن أن يرقى بها إلى أعلى عليين، وأن يسعد في الدنيا والآخرة، ولكنه آثر الدنيا على الآخرة، فكان يلهث وراء شهواته كالكلب تماماً.
 أيها الأخوة الكرام... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن مَلَكَ الموت قد تخطّانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز مَن أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الدّماغ :

 أيها الأخوة الكرام... الدماغ في الإنسان أضخم ما في المملكة الحيوانية وزناً بالنسبة إلى الجسم، كل المخلوقات لو نسبنا وزن دماغها إلى جسمها لكان الإنسان في أعلى مرتبة، وزن دماغه إلى جسمه في أعلى نسبةٍ على الإطلاق، بينما الوزن المُطلق لبعض الأدمغة هو في الحوت والفيل.
 وفي هذا الدماغ " الفص الجبهي " أكبر فصوص الدماغ، والعلماء ظنوا سابقاً أن الفص الجبهي منطقةٌ صامتة، ثم تبيَّن لهم أن هذه المنطقة في الجبهة تختص بالوظائف العقلية العُليا في الإنسان، وأن تلفها بحادثٍ، أو أن نزيفاً فيها، أو ورماً حميداً فيها، يؤدي إلى ضعفٍ في القدرات العقلية، وهبوطٍ في المعايير الخُلُقية. ففي هذا الفص يخطط الإنسان لما سيقوله ثم ينفِّذه، وفي هذا المكان في الجبهة يخطط الإنسان لما سيفعله ثم يفعله، تخطيط القول والفعل في هذا الفص الجَبْهيّ، ماذا قال الله عزَّ وجل ؟ قال الله عزَّ وجل:

﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾

[ سورة العلق : 15-16]

 تكذب في الأقوال، وتخطئ في الأفعال، مكان تخطيط الأقوال وتخطيط الأفعال في الفص الجبهي ما تحت الناصية..

﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾

[ سورة العلق : 15-16]

 منبع الكذب من الفص الجبهي، منبع الخطأ من الفص الجبهي، لو أن إنساناً أصيب بحادث سير، أو أصيب بنزيفٍ في الدماغ، أو بورمٍ حميدٍ ضغط على هذا الفص؛ تختلُّ أقواله، وتهبط معايير أخلاقه، له أفعالٌ لا تُقْبَل إطلاقاً، وقد ذكر بعض الأطباء أن امرأةً أصيبت بنزفٍ داخلي في جبهتها غيَّر من سلوكها إلى حين، وبعد أن امتص الجسم هذا النزيف عادت إلى طبيعتها، فاستنبط العلماء أن الإدراك العقلي العالي، وأن التخطيط هو في هذا الفص. ماذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام في هذا؟

((اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك ))

[ من الأذكار النووية عن أبي موسى الأشعري]

 وقال تعالى:

﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾

[ سورة الفرقان : 6]

 العلماء قالوا: النطق يبدأ من هذا الفص، وينفِّذه اللسان، وتحريك العينين يبدأ من هذا الفص، وتنفِّذه عضلات العينين، وتحريك الرأس يبدأ من هذا الفص، وتنفِّذه عضلات الوجه، بل إن تحريك الجسم كلِّه يبدأ من هذا الفص، الفص الجبهي الذي سمي بالقرآن (الناصية..)

﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾

[ سورة العلق : 15-16]

 بعد أن اخترع العلماء " المرنان المغناطيسي " استطاعوا أن يقيسوا تدفق الدم في داخل المخ، فحينما وضعوا إنساناً تحت هذا الجهاز، وسألوه عن معاني بعض الكلمات، فكان التدفق في أشده إلى هذا الفص الجبهي، لأن منطقة التفكير، والاستنتاج، والاستنباط، والحكم، والإدراك، والتخطيط، والتحريك كلها في هذا الفص.
 أيها الأخوة الكرام...

﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾

[ سورة هود: 56 ]

 إذا أراد ربك إنفاذ أمرٍ أخذ من كل ذي لبٍ لبَّه . أي أن الله عزَّ وجل منحنا هذه القدرة العقلية العالية جداً، وسوف نحاسب عليها، بل إن الله عزَّ وجل حينما قال:

﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي﴾

[ سورة الرحمن: 41 ]

 يعاقب الإنسان بمكانٍ هو سبب انحرافه القولي والعملي.

 

الدعاء :

 أيها الأخوة الكرام... إني داعٍ فأمِّنوا.
 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل مَن واليت، ولا يعز مَن عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم صُن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد مَن أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018