الدرس : 4 - سورة الحجر - تفسير الآيات 20 – 23 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 4 - سورة الحجر - تفسير الآيات 20 – 23


1986-12-05

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الرابع من سورة الحجر .

﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ(17)إِلَّا مَنْ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ(18)وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ(19)وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ(21)وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ(22)وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ﴾

مظاهر الإعجاز في المخلوقات

 ترون معي أن هذه الآيات بمجملها تتحدث عن مظاهر الإعجاز في الخلق، وكيف أن التفكر في الآيات الكونية هو الطريق إلى معرفة الله سبحانه وتعالى، ثم إن الله سبحانه وتعالى قال قَبْل هذه الآيات :

﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنْ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ(14)لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾

 خرق النظم الكونية لا يجدي فتيلاً، ولكن التفكر في الآيات الكونية هو الطريق لمعرفة الله سبحانه وتعالى، وقد تحدثنا في الدرس الماضي عن بعض الآيات في السماء، ثم أتبعها الله سبحانه وتعالى بآيات في الأرض، كيف أن :

﴿ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ﴾

 وقفنا عند هذه الآية، لكن توضيحاً لآية سبقت لابد منه، وهي قوله تعالى :

﴿ وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ(17)إِلَّا مَنْ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ ﴾

عالَم الغيب لا يدرك بالحواس بل بالخبر الصحيح :

 في درس العقيدة أشرت إلى أن الشيء إذا ظهرت عينه أدركناه بحواسنا، وأن الشيء إذا غابت عينه، وبقي أثره أدركناه بفكرنا، أما إذا غابت عينه وأثره فلا يمكن أن نعرفه إلا بالخبر الصادق، فالشمس ظاهرة للعيان، هذه ندركها بحواسنا، والروح تبدو لنا آثارها، فنستدل على وجود الروح في الإنسان بحركته ونطقه وسمعه وبصره، وأما الشيء الذي غابت عنا عينه، وغابت عنا آثاره فلا سبيل إلى معرفته إلا عن طريق الخبر الصادق .
 عالم الجن مغيب عنا، والدليل قوله تعالى :

﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ﴾

( سورة الأعراف 27 )

 إذاً عالم الجن مغيب عنا، السبيل إلى معرفة هذا العالم هو الخبر الصادق، والله سبحانه وتعالى أخبرنا أن الجن مكانهم في الأرض، والملائكة مكانهم في السماء، فإذا أراد الجن أن يجاوزوا الحدود ليسترقوا السمع، وليعرفوا أخبار السماء يأتي شهاب ثاقب فيحرق هذا الجني الذي سولت له نفسه أن يسترق السمع، كل ما نملك من معلومات حول هذا الموضوع هي هذه الآيات، لذلك لا أنا ولا غيري يستطيع أن يزيد عليها شيئاً، إلا أن الذي قلته في الدرس الماضي هو أن الشهب لها تفسير علمي، وهذا التفسير العلمي لا يتناقض مع كتاب الله بل يتكامل معه .
 الشهب كويكبات خرجت من مدارها، فسقطت في جو الأرض، في أثناء احتكاكها بطبقة الجو تشهبت وتلاشت، النيازك تصل إلى الأرض، لكن الشهب تتشهب في جو السماء، هذا هو التفسير العلمي للشهب، وهذا لا يمنع أن يكون الشهاب هو شهاب ثاقب يرصده الله سبحانه وتعالى لكل من أراد من الجن أن يتجاوز الحدود .
 على كلٍّ، هذا الموضوع لا نملك فيه إلا ما قال الله عز وجل، موضوع الجن، موضوع الملائكة، موضوع عالم الأزل، موضوع عالم الآخرة، هذه العوالم مغيبة عنا بذواتها وبآثارها، إذاً لا تعرفها إلا من طريق الخبر الصادق، لكنك إذا فكرت في الكون فإنه تحت سمعك وبصرك، المجال في التفكر والدرس والتأمل والتبحر والاستقصاء والمشاهدة والاستنباط والملاحظة مجال واسع جداً، وفي الأثر : تفكروا في المخلوقات ولا تفكروا في الخالق فتهلكوا.

التفكر في ذات الله باب محظور :

 باب آخر محظور علينا الدخول فيه، وهو التفكر في ذات الله، لأن العبد عبد والرب رب، لا يعرف الله إلا الله، نحن سمح لنا أن نتفكر في الكون لكي نتعرف إلى طرف من أسماء الله الحسنى، أما أن نفكر في ذاته كيف يرى ؟ كيف يسمع ؟ كيف يحاسب الناس دفعة واحدة ؟ هذا من باب التفكر في ذات الله وقد نهينا عنه .
 أما بقية الآيات الدالة على عظمة الله سبحانه وتعالى، والتي وردت في هذه السورة الكريمة فقوله تعالى :

﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾

وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ

ما هي المعايش ؟

 المعايش جمع معيشة، والمعيشة تحتمل معاني عدة، وجعلنا لكم فيها هذه الهاء تعود على الأرض، لقوله تعالى :

﴿ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ(19)وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ﴾

المعنى الأول : في الأرض ثروات لا يعلمها إلا الله :

 فيها أي : في الأرض، وأما وجعلنا لكم أي : هذا الذي ذكره الله سبحانه وتعالى خلق خصيصى لكم، من أجلكم وتكريماً لكم .

﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ﴾

 يعني أن الله سبحانه وتعالى أودع في الأرض ثروات لا يعلمها إلا هو .

﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ﴾

( سورة طه)

المعادن:

 جعل في الأرض المعادن : الحديد، النحاس، الفضة، الذهب، القصدير، الرصاص، وجعل أشباه المعادن، هذه كلها يستخرجها الإنسان، ويصنعها ليعيش بها وعن طريقها، يعيش بها أي : تصبح هذه المعادن وأشباه المعادن وسيلة للعمل .

الأخشاب :

 خلق الله الأخشاب، واستخدم الإنسان الخشب لصناعة الأبواب، وصناعة الأثاث، وصناعة ما لا يحصى من المصنوعات، لولا الخشب لتوقفت كل الصناعات المعتمدة عليه، لولا الحديد لتوقفت كل النشاطات البشرية المعتمدة على الحديد .

﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ﴾

 الأخشاب عالم، كما قال لي بعضهم : أكثر من ألف نوع للخشب، هناك حاجات لا يصلح لها إلا خشب خاص، النوافذ معرضة للحر والقرّ والشمس والمطر، أيّ خشب آخر لو وضع مكان الخشب الذي تصنع منه النوافذ لساء الأمر، وهناك خشب يستخدم للأثاث، وهناك خشب يستخدم كجسور للبيوت، وهناك خشب يستخدم للصناعات الخفيفة، وهناك خشب يستخدم كدواء .
 أنواع الخشب لا يعلمها إلا الله، ولكل نوع خصائص، هناك خشب يستخدم كقاعدة تحت الآلات، لأن أليافه تجمع بين المرونة والليونة، فألياف هذا الخشب بمرونتها تمتص الصدمة، فالخشب معايش، والحديد والنحاس والقصدير، وكل هذه الثروات الباطنة التي أودعها الله في الأرض إنما جعلت مجالات للعمل .

النباتات :

 أما النباتات، فهناك نباتات دوائية، وهناك نباتات تزيينية، وهناك نباتات غذائية، والغذاء أنواع محاصيل، وخضراوات وفواكه، لكل نوع من هذه النباتات مواسم وخصائص وأشياء دقيقة جداً يتعامل بها الإنسان، عالم النبات من المعايش .

الأسماك :

 وعالم الأسماك من المعايش، كم من البشر يعيش على صيد الأسماك! كم من البشر يعيش على تصنيع الثروة البحرية! كم من الناس يعيش على النباتات! كم من البشر يعيش على المعادن !
 الله سبحانه وتعالى جعل الأرض بجبالها وبسهولها، بمعادنها بثرواتها بحيواناتها بأطيارها بأسماكها، بكل شيء أودعه فيها جعلت هذه الأشياء معايش، يعني مجالات للعمل .

هكذا يكسب الناس رزقهم ، بعضهم من بعض :

 ارتفاع الحرارة، كم من البشر يكسب رزقه من التبريد، والمكيفات والمراوح والألبسة الحريرية والمرطبات والثلج، كم من البشر يكسب رزقه من التدفئة، المدافئ والبسط والسجاد والألبسة الصوفية والطعام الذي يناسب الشتاء .

﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ﴾

 كم من البشر يعيش أو يكسب رزقه من خلال طول شعر الإنسان، كم من البشر يعيش بفضل حشرة خلقها الله عز وجل يكافحها المزارعون، وتصنع لها الأدوية، يختص لها المختصون، وتنشأ لها المعامل لصناعة هذه الأدوية، ثم تنقل هذه الأدوية، ولها مكاتب تجارية وسيارات وشحن، يعني كم من إنسان عمل في نقل الدواء وتصنيعه وبيعه وتوزيعه بسب هذه الحشرات التي خلقها الله سبحانه وتعالى .
 كم من البشر يعيش على وسائل رعاية صحة الإنسان، لولا المرض كم مليوناً يموتون جوعاً ؟ بناء المستشفيات وتأثيثها، الموظفون الإداريون، الأطباء، الممرضون، كم من البشر يعيش على موضوع المرض، فالمرض سبب للرزق، والحرارة سبب للرزق، والبرودة سبب للرزق، والحشرات النباتية سبب للرزق، والمعادن التي أودعها الله في الأرض سبب للرزق، وأشباه المعادن والعناصر والأسماك والأطيار والحيوانات والجراثيم والعصيات والفيروسات، إذاً فالله عز وجل أودع في الأرض كل شيء وجعل هذه الأشياء مجالاً للعمل، وهذا الموضوع لا ينتهي في هذا الدرس، هذه نماذج يعني فكّر ملياً وانظر وتأمّل .
 أحياناً الرياح العاتية تكسب الناس أرزاقهم، أحياناً بعض النكبات مصائب قوم عند قوم فوائد، سبحان رازق العباد، سبحان الله كيف يرزق عباده، هذه معايش .

المعنى الثاني : في الإنسان إمكانات لكسب الرزق :

 الشيء الثاني، والأخطر أن الله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان إمكانات كسب الرزق، أعطاه الفكر، أعطاه قدرة على التعلم، أعطاه قدرة على أن ينمى قدراته، التعلم والخبرات والمعارف والمهارات والأعمال اليدوية ذات الصناعة الفائقة، هذا كله من فضل الله سبحانه وتعالى، كلما شاهدت إنساناً يتقن عمله، أقول في نفسي: سبحان من أعان كل امرئٍ على صنعته! يبدو لك هذا العمل مستحيلاً، لكنه بالنسبة لصاحبه فسهل جداً، هذا يعمل في الأقمشة، وهذا يعمل في اللحوم، وهذا يعمل في الخياطة، وهذا يعمل في الحلاقة، وهذا يعمل في المناجم، وهذا يعمل في تقطيع الرخام، وتقطيع الرخام من الجبال هذا أمر يكاد يكون مستحيلاً، لكن على أصحابه وأربابه شيء سهل، وهذا يغوص في أعماق البحر ليصطاد اللؤلؤ، وهذا يطير في الجو، وهذا يخترع، وهذا يكتشف، سبحان الله! فإنه أعطى الإنسان قدرات عامة، وقدرات خاصة، وإمكانات التعلم، وإمكانات الاستفادة من التجارب، أعطاه القدرة على الإبداع، هذا كله من فضل الله سبحانه وتعالى، وهذا يدخل في قوله تعالى :

﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ﴾

المعنى الثالث : الله هو خالق الرزق :

 شيء آخر، خلق الله الرزق، هذا هو المعنى الثالث، المعايش جميع المواد التي يتعامل معها الإنسان التي يكسب بها قوته، والمعايش الإمكانيات التي أعطاها الله للإنسان، بئر للنفط في بعض البحار، تصور كيف غاص الإنسان، وعرف النفط في هذا المكان؟ وكيف وصل إليه؟ وكيف أنشأ هذه البئر في قاع البحر؟ وكيف استخرجه؟ من أعطاه القدرة على ذلك؟ الله سبحانه وتعالى .
 لذلك حتى هذه الإمكانيات التي زود الله بها الإنسان هي من خلق الله سبحانه وتعالى، ومن توفيق الله، ومن إلهام الله، حتى الفكرة التي يكتشفها العلماء هي إلهام من الله عز وجل يعترف بهذا جميع الناس، جميع العلماء يقولون: إشراق، قفزة في المجهول، اكتشاف .
 المعنى الثالث للمعايش: أن الله خلق هذا النبات لتأكله، خلق القمح، خلق الشعير، خلق العدس، خلق كل أنواع المحاصيل، خلق كل أنواع الخضراوات، خلق كل أنواع الفواكه بشكل وحجم وطعم ورائحة وقوام مناسب للإنسان، وقد فصلنا في الدرس الماضي في قوله تعالى :

﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ﴾

كل شيء بحجم ولون وشكل وطعم :

 فالله سبحانه وتعالى جعل هذا الرزق بحجمه وبكميته ولونه وشكله وطعمه وطريقة الوصول إليه، وطريقة نقله، وطريقة حفظه، وطريقة فساده كذلك، فساد المحاصيل نعم من نعم المولى، لولا فساد المحاصيل لاحتكرت المحاصيل، ولكن السوس يفسد هذه المحاصيل فلا بدّ من بيعها في الوقت المناسب، وإلا تفقد قيمتها، كل شيء له آية تدل على أنه واحد، فهذه المعايش هي ما خلقه الله في الأرض، وما تحت الأرض، وما على سطح الأرض، ومن المعايش كذلك الإمكانيات التي زود الله بها الإنسان .
 كيف يقطع الحديد؟ كيف ينحت الصخر؟ كيف يصنع القماش؟ كان قطناً كيف غزله؟ كيف جعله خيوطاً؟ كيف نسجه كيف صبغه؟ إمكانات أعطاها الله للبشر .

كل حاجة في الإنسان لها ما يقابلها في المخلوقات :

 الله خلق الطعام والشراب، وخلق الماء، وخلق لكل حاجة في جسمك شيئاً في الأرض، قد تحس أن هناك مغصاً معوياً خلق لك الكمون، قد تحس أن هناك التهاباً في حلقك خلق لك الزهورات، قد تحس أن هناك كتماً في أمعائك، خلق لك الملينات، هناك مواد تهدئ، ومواد تلين، ومواد تسكن، وما هذه الأدوية التي تراها عينك في الصيدليات قد يسبق الوهم إلى خاطرك أنه من صنع البشر، لا والله، إن تعليبها من صنع البشر، ولكنها مواد خلقها الله في الأرض، اكتشفها الإنسان، وعرف خصائصها، وعرف استطباباتها، وصنعها، وحفظها، وباعها .
 الصيدلية على اتساع أنواع الأدوية فيها، إن هذه الأدوية كلها أساسها مواد نباتية أو كيميائية، خلقها الله سبحانه وتعالى، هذه المادة توسع الشرايين، هذه المادة تنظم ضربات القلب، هذه المادة تعين على إدرار البول، هذه المادة تغلف المعدة من الداخل بغلاف يمنع عنها التقرح، هذه المادة تهدئ الأعصاب، هذه المادة مرممة لقرنية العين، سبحان الله اقرأ نشرات الأدوية تجد من ميزات هذه المادة الفعالة كذا وكذا، من أودع فيها هذه الميزات ؟ الله رب العالمين، كل شيء تراه عينك ينطق بحمده، ويسبح بعظمته، هذه معايش .
 هذا البلد الأمين كل شيء فيه، فأنت بحاجة إليه قد تحتاج إلى شجرة تظلك أمام البيت، هناك أشجار مهمتها الوحيدة أن تكون مظلة لك، أوراقها دائمة الخضرة وحجمها مناسب منظرها جميل، هناك أشجار مهمتها أن تعطيك عود الأراك كي تنظف به أسنانك، سبعون مادة أودعها الله في السواك، معطرة، ومطهرة، ومقوية للثة، إلى ما لا يعد ولا يحصى، هناك نبات خلق كي تنظف به ما بين أسنانك، وهو الخلة، هناك نبات خلق من أجل أن تنظف بثماره جلدك، هذا هو الليف الطبيعي، هناك نبات جعل لك من أجل إمتاع العين، أنواع الأزهار، أنواع الأبصال، ألوان تأخذ بالألباب، أنواع لا تعد ولا تحصى نبات يعيش في الصالونات من أجلك، إذا جلست في غرفة الجلوس فهناك نباتات خاصة لهذه الغرفة من أجل أن تمتع عينيك بها، وتسبح الذي خلقها، وهناك نباتات تعيش في الصحراء، ونباتات تعيش في الأنهار وفي البحار، وفي كل مكان هناك نباتات لها طباع تتآلف مع جو الأرض، هذه معايش .

ينتهي الحبر ولا تنتهي كلمات الله :

 والله الذي لا إله إلا هو هذا غيض من فيض، أحس أن قدرة اللغة عاجزة عن توضيح كل شيء، وأن ضيق الوقت لا يكفي لتوضيح كل شيء، وأن كل كلمة في كتاب الله مشحونة بطاقات تعبيرية لو أمضينا كل حياتنا لما استنفذناها، وهذا يؤكده قوله تعالى :

﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾

(سورة الكهف)

 بحار الأرض، البحار المحيطة والمحاطة، البحار في الأرض أربعة أخماس مساحة الأرض، وما القارات الخمس إلا خمس الأرض، وهذه البحار تزيد أعماقها في بعض الأماكن على اثني عشر كيلو مترًا تحت الأرض، لو أن البحار كلها ومثلها أيضاً كانت مداداً أي حبراً لكلمات الله سبحانه وتعالى ما نفدت .

﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾

﴿ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾

وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ

كل دابة على الله رزقها :

 قال بعض المفسرين : إنها الحيوانات التي يتولى الله سبحانه وتعالى رزقها، في الأرض حيوانات، وفي الجبال حيوانات، في أعماق البحار حيوانات، في كل مكان حيوانات تسبح ربها، ويتولى الله رزقها .

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾

( سورة هود)

 الدابة جاءت نكرة، وهذا التنكير تنكير الشمول، و(من)لاستغراق أفراد كل نوع على حده، ما من دابة إلا على الله رزقها حصراً، وعلى الله تعني : على سبيل الإلزام، لأن كلمة(على)إذا اقترنت بلفظ الجلالة فهي تعني أن الله سبحانه ألزم نفسه .

كل أعضاء الإنسان على الله رزقها :

 هذه الأعضاء التي في جسدك الله يرزقها، البنكرياس له رزق خاص يأتي به الدم، وقرنية العين لها رزق خاص، وخلط العين الزجاجي له رزق خاص، والأشعار لها رزق خاص، والعظام لها رزق خاص، والعضلات لها رزق خاص، والأمعاء لها رزق خاص، والغدة النخامية لها رزق خاص، وكل عضو وكل جهاز وكل غدة في جسدك لها رزق خاص يأتيها عن طريق الدم وأنت لا تدري .

﴿ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾

 هل تعرف كيف يتغذي دماغك؟ لا والله، هل تعرف كيف تتغذي أعصابك؟ لا والله، هل تعرف كيف يتغذى الجنين عن طريق المشيمة ؟

﴿ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾

 هل تعرف كيف تتغذى الأسماك في البحار؟ لا والله .

﴿ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ( 20)وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾

 أي شيء يخطر في بالك فخزائنه عند الله، لكن هذا التقنين الذي تراه عينك ما هو تقنين عجز، وإنما هو تقنين حكمة، وتقنين تأديب .

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾

وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ

كل شيء بقدر وحكمة :

 هذا القدر هو القدر المناسب بحسب علم الله، وبحسب حكمته، والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾

( سورة الشورى)

﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾

 وهذا من علم الله وحكمته، ويجب أن يعلم المؤمن علم اليقين أن الرزق من عند الله وأن هذا القدر المعلوم الذي نزله إنما هو في منتهى الحكمة، لذلك عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ ))

[ ابن ماجه ]

 اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، اصبر عن الحرام يأتك الحلال .

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾

 لا يعرف مدلول هذه الآية إلا من كان عمله بمواد يفتقدها أحياناً، يتمنى لو أن هذه المادة متوافرة، يتمنى لو أن لهذه المادة سيولة لا تنقطع، لكن اختناقات المواد الأولية تجعل فهمنا لهذه الآية فهماً دقيقاً .

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾

التقنين الإلهي بحكمة ولحكمة وتأديب :

 يجب أن تعلم علم اليقين أن التقنين الإلهي يختلف اختلافاً جذرياً عن التقنين البشري، التقنين الإلهي بسبب علم وحكمة وتأديب، وأما التقنين البشري فبسبب عجز فقط .
 في ليلة واحدة نزل من الأمطار ما يعادل أمطار سنة كاملة في منطقة دمشق، بل إن في بعض المناطق في الجنوب نزل في يومين أو ثلاثة مئتا ميليليتر، أي: ما يعادل ما نزل في دمشق مرتين في العام الماضي، نزل في منطقة دمشق ثمانون ميليليترا .
 إذاً :

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ﴾

 لو أن الله سبحانه وتعالى رفع نسبة الفواكه الناضجة لأصبحت بلا ثمن، هناك أدلة أحياناً تشير إلى أن بعض النباتات تنتج محاصيل فوق التوقع، ذات مرة قبل سنوات عدة أنبتت الأرض من القمح ما لا تتسع له كل المستودعات في القطر، فاضطرت الدولة إلى بناء مستودعات إضافية تستوعب هذه الكمية .

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾

 قبل عامين أنتجت أشجار الفواكه من المشمش ما جعل سعره يفوق حد التصور، أو يقل عن الحد الأدنى بسبب وفرة الإنتاج، وفي العام الماضي كان إنتاج البطاطا يزيد على حاجة القطر بثلاثة أمثال فبيع بثمن بخس .

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾

 كن فيكون :

(( لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ))

[ مسلم عن أبي ذر ]

 ذلك لأن عطائي كلام، وأخذي كلام :

(( فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾

 هذا يشتهي الذكور ، وعنده تسع بنات، فلان عنده ثلاثة عشر ذكراً، وذاك عقيم، هذا نصيبه البنات فقط، هذا الذكور فقط، أما ذاك فقد زوجهم الله ذكوراً وإناثاً، يجب أن تعلم إذاً أن الله على كل شيء قدير، وأن هذا الذي تراه عينك من تقنين في الأمطار أو في المواد ما هو إلا بسبب حكمة بالغة لو اطلعت عليها لذابت نفسك شكراً لله .
 لذلك من اتكل على حسن اختيار الله له ما تمنى حالة إلا الحالة التي هو فيها، لأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، أي ليس في إمكانك أيها الإنسان أبدع مما أعطاك الله سبحانه وتعالى .

﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾

وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ

أرأيتم إلى هذا الماء ، ما أنتم له بخازنين :

 نهر الأمازون غزارته في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف متر مكعب في الثانية الواحدة، أين الخزانات لهذا النهر ! أي جبال تتسع لهذه المياه !

﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾

 وللإيضاح أذكر أنه أنشئ خزانان متواضعان جداً يشبهان إلى حد ما طريقة التخزين الإلهية، بعمق أربعمئة متر تحت سطح الأرض لكل خزان، ويتسع لاستهلاك دمشق ليومين أو ثلاثة، هذا كلف ألف مليون، خزان متواضع جداً كي يسد الحاجة لأيام عدة كلف ألف مليون، أين خزان نهر التايمز مثلاً؟ خزان نهر الدانوب؟ خزان نهر النيل؟ أين هذه الخزانات؟ إذا كان خزان نبع الفيجة يمتد من دمشق إلى حمص، ومن وسط لبنان إلى سيف البادية، هذا خزان نبع الفيجة الذي غزارته ستة عشر متراً مكعباً في الثانية، فإلى أي مدى تصل خزانات الأنهر المذكورة قبل قليل ؟

﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾

هذه رحمة الله بالعباد في الماء :

 لو أن الله سبحانه وتعالى ألغى الينابيع والأنهار، وجعل الأنهار وحدها طريقة لتخزين المياه، واضطررنا أن نجمع مياه الأمطار، ونخزنها في بيوتنا لكي نستهلكها على مدار العام، كيف نصنع هذه الخزانات؟ إن كل بيت يحتاج إلى مثل مساحته، ومثل حجمه خزاناً، ولا يخفى عليكم أن هذه المياه تفسد بعد أسبوعين، تنبت فيها الطحالب، وتتولد فيها الجراثيم، والحيوانات والكائنات الدقيقة، إلى أن يصبح ماؤها آسناً لا تستطيع أن تنظر إليه، فضلاً عن أن تشرب منه .

﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ﴾

وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ

الرياح تلقح السحابفينزل الماء :

 قال بعض المفسرين : تلقح السحابة ببخار الماء، إذ يساق بخار الماء إلى السحب، فتشحن به، ثم تلاقي هذه السحب سحباً أخرى ذات شحنة كهربائية معاكسة، ويأتي ارتفاع الضغط وانخفاضه ليجعل بخار الماء الذي تحمله السحب ماءً طهوراً ينزل على الأرض الميتة فيحييها .

﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ ﴾

 هل إذا شربت كأس الماء تقول: الحمد لله رب العالمين؟ هل إذا شربت كأس الماء ترى فضل الله عليك بكأس الماء ؟ وإن بعض الخلفاء سأله وزيره : يا مولاي بكم تشتري هذه الكأس من الماء إذا منعت عنك ؟ قال بنصف ملكي، قال فإذا منع إخراج فضلاتها، قال : بنصف ملكي الأخر، فقال : أيها الخليفة : إن ملكك كله يعدل كأساً من الماء .

انظر إلى نعمة الله ، ثم اشكرها قولا وعملا :

 الآلام التي يعانيها من تعطلت كليتاه عن إفراز البول فيرتفع الأوريه في الدم فيصاب الإنسان بأمراض لا توصف، يصبح شرساً كالوحش، ارتفاع الأوريه في الدم يسبب اضطرابات نفسية، واضطراباً في السلوك لا يوصف، قد يضرب كل شيء، قد يحطم كل شيء إذا ارتفعت نسبة الأوريه في الدم، حتى الذين تتعطل كليتاهم عن العمل الأوريه ويذهبون للمستشفى من أجل الغسيل في الأسبوع مرتين ، وتبقى نسب قليلة من الأوريه في الدم لا تستطيع المصافي الصناعية أن تصفيها ، وهذه النسبة الضئيلة تغير نفسياتهم وأمزجتهم .
 هذه الكأس من الماء ماذا تفعل إذا منع إخراج فضلاتها، من آلام حصر البول لا توصف، آلام الكليتين لا توصف، آلام انسداد المستقيم لا توصف، لذلك :

﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾

 لا تستطيعون خزن الماء، هذا يفوق طاقتكم، هذا فوق إمكانياتكم .
 إن تحلية الماء فقط، كما بلغني أن لترًا من الماء الذي يحلى من مياه البحر يكلف الدولة أربعة ريالات ضرب ستة، يعني كل لتر ماء يحلى من مياه البحر يكلف ما يقارب خمسًا والعشرين ليرة، فهذه الكأس من الماء كم يكلف ؟ بعض السذج يتوهم أنه دفع ثمن الماء، هذا الذي تدفعه لمؤسسة مياه عين الفيجة هذا ليس ثمن الماء، هذا ثمن بعض الخدمات، مها حفظ هذه الينابيع وإيصالها إلى المدينة، ثمن الماء لا يقدر بثمن، فإذا شربت كأس ماء فقل: الحمد لله رب العالمين، لو أن الماء كله ملح أجاج ماذا نفعل .

﴿ فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ(22)وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ﴾

وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ

الأرض ومن عليها لله ، وهو الوارث :

 لا تقل : هذا بيتي، هذا البيت ليس لك، إن الله يرث الأرض، ومن عليها، ومن فيها، ليس هذا البيت بيتك، وليس هذا المحل محلك، وليس هذا المال مالك، إنها عارية مستردة، أحد الأعراب كان يقود قطيعاً من الإبل، سئل : لمن هذا القطيع، قال : هو لله في يدي .

﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ﴾

 هذه الأرض ثمانية وثمانون دنماً، وثلاثمائة دنم لا أبيعها بخمسة ملايين، هي لك ملكاً مادام القلب ينبض، فإذا توقف عن النبض فهي ليست لك، بل يملكها غيرك .

لابد من التفكر في آيات الله :

 أيها الإخوة، هذه الآيات التي ساقها الله سبحانه وتعالى لتكون دالة على عظمته يجب أن نفكر فيها، يجب أن نتدبرها، لما قال ربنا عز وجل :

﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾

 يجب أن نفكر في هذه الآية، أن نتأمل فيها، أن ندرك أبعادها، لأنك إذا عرفت الله سبحانه وتعالى عن طريق الكون، فإن هذه المعرفة تصمد أمام الإغراءات وأمام الضغوط، أما المعرفة التقليدية فإنها تلقي الأفكار من دون تأمل، من دون بحث، ومن دون تدقيق، هذا التلقي لا يصمد أمام الضغوط ولا أمام المغريات، إذا عرفت الله من خلال الكون قال تعالى :

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

( سورة فاطر : 28)

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾

( سورة يوسف)

آيات الله بين تعامل البهائم وتعامل الإنسان العاقل :

 هناك من يتعامل مع الآيات تعامل البهائم، وهناك من يتعامل معها تعامل الإنسان، الحيوان يشرب الماء، والإنسان يشرب الماء، فإذا شرب الإنسان الماء، ولم يفكر من الذي أنزله من السماء ماءً طهوراً ؟ من الذي أودعه في الجبال ؟ من الذي فجره ينابيع ؟ من الذي جعله أنهاراً ؟ هذا الذي يشرب، ولا يشكر، ولا يعرف هو كالبهيمة .

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾

( سورة محمد)

 فكلمة :

﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾

 آية، وكلمة :

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ﴾

 وبعد؛ يجب أن تعلم علم اليقين أن هذه الآيات الكونية إنما خلقت من أجل أن ترى الله من خلالها، وتزداد يقيناً .
 وفي درس قادم إن شاء الله تعالى نتابع هذه الآيات .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018