الدرس : 2 - سورة الحجر - تفسير الآيات 4 – 15 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 2 - سورة الحجر - تفسير الآيات 4 – 15


1986-11-21

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الثاني من سورة الحجر، ووصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

﴿ وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ(4)مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾

وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ

 حينما يصل إلى علمنا أن قرية أهلكها الله عز وجل بأيّ نوع من أنواع الإهلاك، قد تهلك القرية بزلزال، وقد تهلك ببركان، وقد تهلك بمجاعة، وقد تهلك بحرب .

﴿ وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ ﴾

المعنى الأول : الإهلاك ليس بالصدفة :

 المعنى الأول : لهذه الآية أن هذا الإهلاك مقدر بزمن معلوم من قِبل الله عز وجل، وأن هذا التقدير له أساس، والله سبحانه وتعالى من أسمائه الحكيم، ومن أسمائه العليم، ومن أسمائه السميع البصير، ومن أسمائه القوي، فهذا الأجل الذي أجلها الله إليه بتقدير عزيز عليم .
 عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ))

[ أحمد ]

 كل شيء بقضاء وقدر، والإيمان بالقضاء والقدر يذهب الهمّ والحزن .
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( ... احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ : لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ : قَدَرُ اللَّهِ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ))

[ مسلم ]

 هذا هو المعنى الأول: أي: إن هذا الإهلاك لم يكن صدفة، لم يكن من غير حكمة، لم يكن من غير علم، لم يكن تعسفاً، إنما هو إهلاك بتقدير عزيز عليم، في الوقت المناسب، وفي المكان المناسب، وللأسباب المناسبة .

﴿ وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ ﴾

المعنى الثاني : لكل إنسان كتاب فيه عمله :

 المعنى الثاني : كيف أن لكل إنسان أو لكل موظف في الذاتية إضبارة فيها حسناته وسيئاته، إنجازاته وعقوباته ومكافآته، كل حركة كل سكنة، كل عمل طيب، كل عمل سيئ مسطر في هذا الكتاب، يؤيد هذا المعنى قوله تعالى :

﴿ وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا(13)اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾

( سورة الإسراء )

 وقال سبحانه :

﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾

( سورة الكهف )

 والمقصود به كتاب الأعمال .
 هذه القرية إن كانت تتعامل بالربا، إن كانت تستبيح المحرمات، إن كان الفقير فيها مظلوماً، إن كان الغني فيها بخيلاً، إن كان الأمير فيها قاسياً، هذه القرية إن كان كسبها حراماً، إن أباحت المنكرت، إن فعلت الفواحش، إن اضطهد الفقير، واستعلى الغني، هذه القرية لها عندنا كتاب معلوم، أعمالها، انحرافاتها، تقصيراتها، معاصيها، تجاوزاتها، كل هذا في الكتاب المعلوم .

﴿ وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ ﴾

 أهلكت بموجبه، وبموجب أعمالها المسطورة في هذا الكتاب، فإذا سمعت عن كارثة، أو عن زلزال، أو عن فيضان، عن خسف، عن بركان، عن قهر، هذا إهلاك من الله عز وجل، والإهلاك له كتاب معلوم .
 هذه القرية، أو هذا المجمع السكاني هذه المدينة لها عند الله كتاب معلوم يتقرر إهلاكها في ضوء هذا الكتاب، تستحق الهلاك في ضوء معطيات هذا الكتاب، في ضوء ما سطر عليها في هذا الكتاب .
 الإهلاك إذاً ليس عشوائياً، ولا صدفة، ولا مزاجياً، ولا مرتجلاً، إنما إهلاك بتقديرٍ من عزيز عليم .

﴿ وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ(4)مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾

لكل أمة أجل ووقت مسمًّى :

 إذا رأيت أمة أو مجتمعاً يزداد قوة واستعلاء، ويزداد معصية انحرافاً وفجوراً فلا تقل : لمَ لم يهلك الله هذه القرية؟ إن لها عند الله كتاباً معلوماً، هذا المعنى الثالث، فلا تستبطئ إهلاك القرية الفاسدة الفاجرة المنحرفة، فإن لها عند الله كتاباً معلوماً .

﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى ﴾

( سورة طه )

 إن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليسعدهم، ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاماً إهلاكهم في أجل مسمى، فلكل أمة أجل .

﴿ وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ(4)مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾

الإهلاك له قانون :

 الحقيقة : هناك من يستنبط من المفسرين أن إهلاك القرية أو إهلاك الأمة له عند الله قانون، مادام فيها ذرة من خير فالله سبحانه وتعالى يبقيها، فلعل هذا الخير ينمو، ولكن متى تستحق الأمة الهلاك ؟ إذا أصبحت عاتية عن أمر ربها، ولا خير فيها، ولا مثقال ذرة من خير فيها، إذا شردت عن الله شرود البعير، إذا عصت، واستعلت في عصيانها، إذا عصت، ورأت أن المعصية هي الصواب، وأن الدين شيء لا يصلح لهذا الزمن التي هي فيه، وأنه غيبي، وأن العلم هو كل شيء، إذا بلغت الأمة هذا المبلغ فلا خير فيها، لا خير يرجى من أبنائها، إذا استنفد الله كل أسباب الهداية، وشردوا على ربهم شرود البعير عندئذ تستحق الأمة الهلاك، ولا يهلك إلا هالك .
 فلا تقل: لو حينما تهلك الأمة، أو تهلك القرية، فلا خير يرجى منها، قال :

﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ(31)قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ(32)لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ(33)مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ(34)فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(35)فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ﴾

(سورة الذاريات )

 أخرجنا هذا البيت، وأهلكنا الباقين، إذاً يمكن أن نستنبط من هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى لا يهلك قرية إلا بعد أن يستنفد كل أسباب الهداية، حينما ترد الحق، حينما يضطهد الفقير، حينما يستعلي القوي، حينما يأكل القوي الضعيف، حينما تفجر فإنها تستحق الهلاك .

﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ﴾

( سورة الإسراء )

﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾

( سورة هود : 102)

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12)إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ﴾

( سورة البروج )

﴿ وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾

وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ

هذا قول الملأ من قريش :

 من الذين قالوا هذا؟ كفار قريش، زعماء الشرك، علية القوم، الملأ من قريش، أصحاب الحول والطول، الأغنياء المترفون، هؤلاء قالوا تهكماً واستهزاءً، واستخفافاً : إنك تزعم أنه نزل عليك الذكر، هذا بزعمك، بل إنك لمجنون، يبدو أنهم غارقون في ملذاتهم، في حفلاتهم، في حياتهم الدنيا، غارقون في مآكلهم، ولبس أجمل الثياب، يأكلون الربا، ويفعلون الموبقات، نظروا إلى هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام فوجدوه عازفاً عن الدنيا، بعيداً عن شهواتها، مترفعاً عن حطامها، وجدوه حسب قيمهم الزائفة أنه مجنون .
 لذلك مرَّ في بعض الأحاديث في الجامع الصغير قوله صلى الله عليه وسلم :

(( اطلعت على أهل الجنة فوجدت عامة أهلها من البله ))

[ البزار، والسيوطي في الجامع الصغير ]

 قد يقع الإنسان في حيرة، كيف يكون المؤمن أبلهَ، وهو الكيس الفطن الحذر؟ لا بدّ أن يكون أبلهَ في نظر الناس، إذا أتيح لإنسان أن يأخذ مليوناً من الليرات بحركة بسيطة، بملاحظة يكتبها، بغض بصر يغضه عن مخالفة ما، فإذا ترفع، ورفض، ورضي بدخله اليسير مؤثراً هذا الدخل اليسير على هذا المال الوفير، لأنه من حرام، إن هذا الإنسان الورع النزيه ذا القيم، ذا المبادئ، يتهم في نظر زملائه ومن حوله بأنه مجنون أو أبله، نعم إنه أبله في نظر البله، ويا حبذا أن يكون المؤمن أبله في نظر أهل الدنيا .
 هذا هو المعنى : هم غارقون في دنياهم الرخيصة، ونظروا إلى هذا النبي النظيف العفيف، الطاهر الحامد، المحمود، نظروا إليه نظرة شهوانية، نظرة منطلقة من قيمهم الأرضية، من خلودهم إلى الدنيا، فقالوا :

﴿ وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾

لابد من الصبر :

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَطَلَعَتْ الشَّمْسُ، فَقَالَ :

(( يَأْتِي اللَّهَ قَوْمٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نُورُهُمْ كَنُورِ الشَّمْسِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَنَحْنُ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لَا، وَلَكُمْ خَيْرٌ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّهُمْ الْفُقَرَاءُ وَالْمُهَاجِرُونَ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَقَالَ : طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، فَقِيلَ : مَنْ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : نَاسٌ صَالِحُونَ فِي نَاسِ سَوْءٍ كَثِيرٍ، مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ ))

[ أحمد في المسند ]

 وهؤلاء الأحباب أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم نوّه لهم النبي عليه الصلاة والسلام، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ ))

(الترمذي)

 مثلاً: حينما يزمع التاجر أن يطبق شرع الله في تجارته يصبح أضحوكة بين الناس، مجنونا، أتبيع بضاعة نسيئة بسعر غير نسيء؟ أي: كما تبيع نقداً، إذا أراد التاجر أن يكشف عيب البضاعة يصبح أضحوكة بين زملائه، إذا أراد الرجل ألا يأخذ مالاً حراماً، وهو متاح له فهو عند الناس يعد مجنوناً .

﴿ وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾

 وقال تعالى :

﴿ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ(1)مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾

( سورة القلم )

الله يدفع عن نبيه فرية الجنون :

 إذا منحك الله رحمة عميت على من حولك، هم في وادٍ، وأنت في واد، هم لهم أذواق، وأنت لك ذوق، هم يسعدهم الطعام والشراب، وأنت يسعدك القرب من الله سبحانه وتعالى، هم تسعدهم الدنيا، وأنت يسعدك العلم بالله، ورتبة العلم أعلى الرتب .

﴿ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ(1)مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾

 النبي عليه الصلاة والسلام فيما جاء في الأثر أنه رأى في الطريق مجنوناً، فقال أصحابه رضي الله عنهم : هذا مجنون، فقال عله الصلاة والسلام :

(( لا تقولوا هكذا، بل هذا مبتلى، المجنون من عصى الله ))

[ ورد في الأثر ]

هذا هو المجنون :

 المجنون من باع الآخرة الباقية بالدنيا الفانية، المجنون من آثر دنياه على آخرته فخسرهما معاً، والعاقل من آثر آخرته على دنياه فربحهما معاً، المجنون من سار في طريق مسدود ينتهي بالموت، والعاقل من سار في طريق الإيمان الذي يوصله إلى روضات الجنان .
 العقل أصل الدين، كما قال عليه الصلاة والسلام، ومن لا عقل له لا دين له، من لا دين له لا عقل له، وأرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً، فتبارك الذي قسم العقل بين عباده أشتاتاً، إن الرجلين ليستوي عملهما وبرهما، ويختلفان في العقل كالذرة إلى جانب أحد، وما قسم الله لعباده نصيباً أوفر من العقل واليقين، وإن أكيسكم أكثركم للموت ذكراً، وأحزمكم أشدكم له استعداداً، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والتزود لسكنى القبور، والتأهب ليوم النشور، فازداد عقلاً تزدد من ربك قرباً .
 الشيء الوحيد الذي يميز الإنسان عن الحيوان عقله، سيدنا خالد حينما أسلم قال عليه الصلاة والسلام :

(( عجبت لك يا خالد، أرى لك فكراً ))

[ ورد في الأثر ]

 لمَ لم تستخدمه؟ العقل أن تصل إلى الشيء قبل أن يصل إليك، فالمجنون من التفت إلى الدنيا على حساب الآخرة .
 فالإنسان أحياناً حينما يسلم، حينما يسير في طريق مستقيم، حينما يلتزم الإسلام التزاماً صحيحاً قد يثور عليه أهله في البيت، قد تتعبه زوجته، قد يتعبه أبناؤه، قد يعارضه أبوه، قد تعارضه أمه، تقول له: غيرت خطة حياتنا، نشأنا على غير هذا، فرقت الأسرة .
 أم سعد قالت لابنها سعد: يا بني، إما أن تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وإما أن أصوم حتى أموت، فقال: يا أمي، لو أن لك مئة نفس فخرجت واحدة وَاحدة ما كفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم، فكلي إن شئت، أو لا تأكلي .

﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

(سورة لقمان)

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾

( سورة الكهف 28)

﴿ وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ(6)لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ ﴾

لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ

مسلَك التعجيز : أرِنا الملائكة :

 أين الملائكة؟ الآن الآيات سلكت مسلكاً خاصاً، فهؤلاء الكفار إن لم يؤمنوا باختيارهم فلن يؤمنوا، ولو شاهدوا كل شيء، الإنسان مخير، ولن يؤمن إلا إذا أراد الهدى .

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾

( سورة الإنسان)

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى ﴾

( سورة البقرة 148 )

 ما دمت يا محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ تزعم أن ملكاً اسمه جبريل يأتيك بهذا الكتاب فأين هذا الملك؟ دعنا نراه كي نؤمن بك،( لو)بمعنى لولا أداة حَصّن .

﴿ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ ﴾

 يروى أن إنساناً معه ثروة كبيرة أراد أن يضعها عند شخص أمين بشرط أن يأكل ملعقة من الملح، هذه قصة يرويها الناس، فجاء رجل فقال: أنا آكل كل هذه الملعقة، قال: تفضل، وضع إصبعه في فمه، ولعق لعقة واحدة من الملح، وقال: أكلتها، قالوا: كيف؟ قال: من لم يؤثر به القليل لن يؤثر فيه الكثير .

 

الآيات مبثوثة في الكون فلماذا رؤية الملائكة؟

 ملايين الآيات: الشمس آية، القمر آية، النجوم آية، المجرات آية، الأرض والجبال آية، الصحارى، السهول، الوديان، الأغوار، الأنهار، الينابيع، الأسماك، الأطيار، المواشي، الأنعام، الوحوش، زوجتك ابنك، السحاب، الأمطار، كل هذه الآيات الدقيقة أين هي ؟ ما فكرت فيها، تريد أن ترى الملك الذي يأتي بالوحي، وجاء بهذا الكتاب، إذا كنت في عمىً عن كل هذه الآيات فلن تؤمن بالله حتى لو رأيت الملائكة كلهم أجمعين .
 هذه المثانة تتسع للتر ونصف من البول، من جعلها بهذا الحجم ؟ من الممكن أن تمضي ثماني ساعات في عمل دون أن تحتاج إلى أن تفرغها، هذا يحفظ لك شأنك بين الناس، يحفظ لك مكانتك، علماً أن الكليتين تقذفان في هذه المثانة في كل دقيقة نقطتين، فلولا المثانة لكانت حالة الإنسان لا تطاق، ولكانت كرامته مهدورة، من زود هذه المثانة بالعضلات ؟ لو لم يكن فيها عضلات والماء، إن لم يكن فوقه ضغط هوائي لا ينزل، والدليل مستودع الوقود لو كان محكم الإغلاق من أعلى الصنبور، فإنه لا يسمح للوقود أن ينزل من أسفله، فهذه المثانة لولا هذه العضلات لا تفرغ .
 هذه المثانة كيف يتم تفريغها ؟ هناك أعصاب في جدرانها تتحسس بالضغط، فإذا امتلأت بالبول ضغط البول على جدران المثانة، فتنبهت أعصاب الحس، فأرسلت إشارة إلى النخاع الشوكي أن قد امتلأت، يأتي النخاع الشوكي فيعطي أمرين، أمراً لعضلات المثانة بالتقلص، وأمراً للفتحة التي في أسفلها المضبوطة بعضلة بالاسترخاء، هذه العضلات تتقلص كي تدفع البول، وهذه العضلة المحكمة تسترخي كي تفتح الصنبور .
 ومن ثم، فهل هذا الفعل منعكس شرطي، يعني أنه يتم في النخاع الشوكي ؟ الجواب : لا، فلو كان كذلك لفتح الصنبور، وهو لا يشعر، وهو في أحرج الأوقات، لا، هذا الأمر بإفراغ المثانة لا يتم إلا إذا صدق من المراجع العليا من الدماغ، في منطقة الوعي والمحاكمة والإدراك، وتأتي الموافقة على إفراغها في الوقت المناسب، أما إذا تعنتت هذه المراجع العليا، ولم توافق على إفراغها، وأصرت على قرارها عندئذ يقع الإنسان في خطر التسمم بالبول، يعود البول من الحالبين إلى الكليتين، فيختلط بالدم عندئذ تكون المصيبة الكبرى، في هذه الحالة المركز العصبي في النخاع الشوكي يعطي أمراً بإفراغ المثانة من دون أن يرجع إلى المراجع العليا فتفرغ المثانة.
 تصميم من؟ هذه آية، القلب آية، المعدة آية خمس، فيها ثلاثون عصارة هاضمة، العين آية، فيها مئة وثلاثون مليون عصية ومخروط في الشبكية، العدسة آية، العدسة مرنة يزداد تقعرها وتحدبها من أجل أن يبقى الخيال على الشبكية، وهذه العملية المعقدة تسمى المطابقة، هذه آية، الدماغ آية، الجمجمة مشدودة إلى الداخل بقوة تعادل أربعمئة كيلو، لو أنك أردت أن تفتح هذه الجمجمة فتحاً، أن تفكها من مفاصلها، وتمكنت من أحد سطوحها لاحتجت إلى أربعمئة كيلو كي تشدها بها، من جعل بين الجمجمة والدماغ سائلاً يقيه الصدمات، يوزع هذا السائل الصدمة على كل السطح على مبدأ الهيدروليك تماماً ؟ يأتي الضغط من جهة فيوزع على كامل السطح فلا يؤذي الدماغ، هذه كلها آيات .
 هذه الأصابع آيات، هذه الخطوط والتجاعيد في الجلد آية، لولا هذه التجاعيد لما كان بإمكانك أن تثني أصابعك، كون بطن كف اليد خال من الشعر آية، لو كان الشعر هنا لكانت الحياة لا تطاق، لاضطررت أن تحلق ذقنك وباطن كفك كل يوم من الشعر، ليس في الفم شعر، هذه آية، ليس في الشعر أعصاب حس، هذه آية، لو أن في الشعر أعصاب حس لاضطررت أن تذهب إلى المستشفى كل يوم تحلق فيه ذقنك ليجريَ لك تخديراً، وبعد التخدير يأتي الحلاق ليحلق لك .
 كل هذه الآيات التي لا تعد ولا تحصى، ألم يرها الإنسان فيأخذ منها العبرة ؟ بل يقولون : أين الملك الذي ينزل عليك يا محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ حتى تؤمن لك ؟ إن لم تؤمن بكل هذه الآيات فلن تؤمن بخرق العادات، إن لم تؤمن بهذه الآيات المعجزات فلن تؤمن بخرق قوانين الكون .

 

﴿ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ(7)مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ ﴾

مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِين

لا تنزل الملائكة إلا بالعذاب في حينه :

 الملائكة تنزل مرة واحدة بالعذاب، وبعد العذاب ينزل البلاء والهلاك، فلا عودة، ولا رجوع، ولا توبة، ولا توقف، لو أن الملائكة نزلت على قوم لنزلت بالعذاب المبين، وحينما تنزل الملائكة :

﴿ مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ(8)إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون

اطمئن فإن القرآن محفوظ لا يُغيَّر  :

 هذه الآية تطمئننا أن هذا الكتاب تولى الله سبحانه وتعالى حفظه رغم كيد الكائدين، رغم تزوير المبطلين، محاولات تلو المحاولات جرت لتحريف هذا الكتاب، كل هذه المحاولات كشفت في وقت ولادتها، وانتهت .
 المستعمرون حينما كانوا هنا في سوريا طبعوا خمسين ألف نسخة من كتاب الله، وحذفوا كلمة واحدة مؤلفة من ثلاثة أحرف، قال تعالى :

﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ ﴾

( سورة آل عمران )

 حذفوا كلمة( غير )، العملية كشفت في وقتها، وأتلفت المصاحف، وأحرقت .
 شيء عجيب، إذا تولى الله سبحانه وتعالى حفظ هذا الكتاب فإنه يوفر له أناساً مخلصين يحفظونه، ويهتمون بدقائقه، وبمحكمه بمتشابه وبآياته، فربنا عز وجل تكفل حفظ هذا القرآن .
 طبعاً هناك قصص كثيرة حول هذا الموضوع، يروى أن أحد الخلفاء التقى رجلاً من أهل الكتاب، وكان يهودياً، فدعاه إلى الإسلام فأبى، بعد عام رآه، وقد أسلم فقال : يا هذا ما حملك على إسلامك ؟ قال : أخذت التوراة، ونسختها، وبدلت، وزدت، وأنقصت، وبعتها في كنُسِ اليهود، فاشتروها مني، وقبلوها، وجئت بالإنجيل، وحذفت، وبدلت، وبعته في كنائس النصارى فاشتروه مني، وقبلوه مني، ثم جئت بالقرآن، فحذفت، وبدلت فيه، وغيرت، ولما أردت أن أبيعه للوراقين تصفحوه، فعرفوا كل ما فعلت فيه، فردوه، ولم يشتره أحد :

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾

 إذا تولى الله سبحانه وتعالى حفظ الكتاب فلا تستطيع جهة في الأرض أن تنتقص منه جزءاً، ولا حركة، ولا علامة وقف، ولا أن تزيد فيه، هذا الكتاب تولى الله حفظه، ماذا فعل الكائدون للإسلام ؟ كادوا في تفسيره، لذلك قال :

﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾

( سورة يونس : 39 )

احذروا الإدلاء بالرأي في آيات القرآن :

 إذاً: ليحذر الإنسان من أن يقرأ تفسير آية أو حديث لمغرض، كادوا الكيد في تفسيره، كان في الكتاب الإسرائيليات وهي قصص اليهود عن أنبيائهم ما أنزل الله بها من سلطان تتناقض مع كتاب الله تناقضاً كبيراً، فمن افتراءاتهم أن سيدنا داود مثلاً أحب تسعاً وتسعين امرأة، وتزوجهن، ثم علم أن أحد قواده له زوجة جميلة فدفعه إلى القتال، وطلب منهم أن يقدموه كي يموت فيأخذ زوجته، هذه بعض الإسرائيليات .
 ربنا عز وجل ينفي عن نبينا هذه القصص، تقوَّلوا على سيدنا يوسف أقوالاً هو منها بريء، تقوّلوا على سيدنا موسى، على سيدنا عيسى، كذلك، ولهذا حفظ الله نص القرآن، أما في تفسيره فيجب أن يكون الإنسان حذراً لئلا يدخل عليه من تفسير المغرضين والكائدين للإسلام والمسلمين .

 

انتبهوا إلى الأحاديث فمنها ما هو موضوع غير صحيح :

 أمّا الحديث الشريف فهناك وضّاعون كثر وضعوا في الحديث مئات الألوف من الأحاديث الباطلة، وضعوها فحرموا بها الحلال، وحللوا بها الحرام، لذلك يجب أن ننتبه انتباهاً جيداً حينما نقرأ الحديث، أهو متواتر، أهو صحيح، أهو حسن، أهو ضعيف، أهو موضوع ؟ أما أن نقرأ الحديث هكذا من دون تصحيح، من دون تخريج، فهذا قد يدخل على الإسلام ما ليس فيه .
 باب التبديل والتغيير في كتاب الله مغلق :

 

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾

 بقي الباب مفتوحاً للتأويل وللحديث وضعاً وتأويلاً .

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(9)وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ(10)وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ(10)وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ

تسلية للنبي عليه الصلاة والسلام :

 هذه الآية تسلية للنبي عليه الصلاة والسلام، هذا شأن المنافقين، وشأن الكفار يستخفون بالحق، يستخفون بالدعاة، يستخفون بالرسل، ويستهزئون بهم .

﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ(14)اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

(سورة البقرة )

﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ

المعنى الأول : الكفار كذبوا بالقرآن عن علمٍ به :

 هذه الآية دقيقة جداً، وأوجه تفسير وجدته لها أن الله سبحانه وتعالى كما أنه أفهم المؤمنين كتابه الكريم كذلك سلك القرآن في قلوب المجرمين، فقد وضح لهم الحق، فإذا كذبوا به فقد كذبوا به عن علم .

﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾

( سورة فصلت 53 )

 هذا الكافر مستهدف من الله عز وجل، ومطلوب منه أن يؤمن، لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقاً إليّ، يا داود هذه إرادتي في المعرضين، فكيف إرادتي في المقبلين ؟

﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

 يعني أن الله عز وجل يضع المجرم في ظرف، ويسمعه الكتاب، ويسمعه تفسيره أحياناً، فإذا أصرّ على كفره فقد تولى أن يسمعه هذا الكتاب، ورغم ذلك كابر، وعاند، هذا المعنى الأول .

المعنى الثاني : المجرم غارق في شهواته :

 المعنى الثاني : أن المجرم الغارق في شهواته، لو قرأ القرآن يفهمه فهماً معكوساً، لأن فيه قيوداً وحدوداً يرفضها، لذلك إذا قرأ الظالم القرآن كان عمىً عليه .

﴿ أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا(78)وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا(79)وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا ﴾

( سورة الإسراء )

 وقال سبحانه :

﴿ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾

( سورة الإسراء)

 الظالم لنفسه البعيد الشهواني المنحرف، لو قرأ القرآن لوجده عمىً عليه، يفهمه فهماً معكوساً، ويزيده ضلالاً، هذا المعنى الثاني، هكذا يستخفون به .

﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ(12)لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ﴾

لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِين

سنن الله وقوانينه نافذة في خلقه :

 قوانين الله نافذة، فإما أن تؤمن بها فتنجو، وإما أن تسخر بها فتهلك، لو كلفنا إنساناً أن ينزل من الطائرة، وهو في الجو، فالهواء له قوانين، والسقوط له قوانين، الثقالة لها قوانين، إما أن يفهم هذه القوانين، ويتأدب معها، ويحترمها، فيستخدم المظلة، فينزل إلى الأرض سليماً، وإما أن يستخف بها، ويحتقرها، ويهزأ منها، فلا يستخدم المظلة، فينزل إلى الأرض مكسراً، القوانين نافذة، قوانين السقوط نافذة، لن تعطل، ولن تبدل، القرآن الكريم قوانينه نافذة .

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

( سورة طه )

 شيء قطعي، إما أن تؤمن بهذه الآية فتذكر الله عز وجل، فتسعد بقربه، وإما أن تتجاهلها فتشقى .

﴿ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ﴾

 خلت يعني مضت .

﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنْ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾

وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنْ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ

 لو أن السماء فتحت، وصعد هؤلاء إليها، ورأوا ما لا عين رأت، ورأوا ملكوت السماوات والأرض، ورأوا كل شيء :

﴿ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾

لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ

 إن لم يكن الإيمان نابعاً من اختيارك، من إرادتك، فإن الإيمان القسري لا فائدة منه .
 لو أن الله سبحانه وتعالى فتح لهم السماء، وعرجوا فيها، ورأوا ملكوت السماوات والأرض ما آمنوا، ماذا يقولون ؟

 

﴿ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾

 

الهدى أن تأتي مطيعا لله :

 منعنا عن النظر، رأينا خيالات ليست حقائق، هذه الآية دقيقة جداً، لو أن هذا يجعلهم مؤمنين لفعله الله سبحانه وتعالى، ولكن هذا لا يجدي، ولا ينفع، الهدى أن تأتي إلى الله طائعاً .
 آيات كثيرة تبين أنه لن يهتدي الإنسان إلا إذا سلك الطريق الذي رسمه الله سبحانه وتعالى، فإذا اقترح هذا الإنسان على الله طريقاً للهدى فإن هذا الطريق لا يجدي، هم اقترحوا، وقالوا :

﴿ وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ(6)لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ ﴾

 هم الذين اقترحوا أن يروا الملائكة، الله سبحانه وتعالى يجيبهم : ولو أننا فتحنا السماء أبواباً، وعرجوا فيها، ورأوا كل الملائكة دفعة واحدة، بل رأوا ملكوت السماوات والأرض :

﴿ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾

 لذلك نعود لقوله تعالى :

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾

( سورة الأنفال)

القرآن لا يهتدي به إلا المستقيمون :

 أما معنى قوله تعالى :

﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

 يعني هذه الكتاب لا يهتدي به إلا المطهرون .

﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ(77)فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ(78)لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴾

( سورة الواقعة)

 لا يهتدي به إلا المستقيم، أما المنحرف فإن الله سبحانه وتعالى يسلكه في قلبه كما يسلكه في قلوب المنافقين .

﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ(12)لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ(13)وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنْ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ(14)لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾

 كلمة حول قوله تعالى :

﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

المعنى الدقيق للآية :

 المعنى دقيق : أن ربنا عز وجل من رحمته بعباده حتى الكافر والمعرض مستهدف من قِبل الله عز وجل، مدعو للإيمان، مدعو لمعرفته، كيف قال تعالى :

﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى(43)فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾

(سورة طه )

معنى أول للآية : كلّ إنسان مستَهدف من الله :

 إذاً: كل إنسان على وجه الأرض مهما يكن كافراً، مهما يكن منحرفاً، مهما يكن مجرماً فهو مستهدفٌ من قِبل الله عز وجل، فلا بدّ من أن يتوضح لهذا المجرم بشكل أو بآخر حقيقة هذا الكتاب، بعد أن يعرف الحقيقة هو، فإما أن يستجيب أو لا يستجيب، وإن لم يستجب، وبعد أن عرف الحقيقة، فالحجة قائمة عليه، وليست له، هذا التفسير وجدته في كتاب محاسن التأويل .
 والمعنى الأول : أن المجرم لإجرامه ولبعده وانغماسه في شهواته وإصراره على معاصيه إذا سمع آيات القرآن يستهزئ بها، لماذا ؟ لأنه إن لم يستهزئ بها حاصرته نفسه، ووقع في حرج داخلي، فهو يخطط أن يعيش في الدنيا فقط، الدنيا عنده كل شيء، فإذا سمع آيات القرآن تنقله للآخرة، وما فيها من عذاب أليم، ومن نعيم مقيم يختل توازنه الداخلي، فيرد على هذا الاختلال بإنكاره هذا الكتاب أو الاستخفاف به، المعنيان دقيقان .
 إما أن الله سبحانه وتعالى الفعل فعله والكسب كسب العبد، كأن تقول : رسب المعلم الطالب، الفعل فعل المعلم، والكسب كسب الطالب، تنفيذ الترسيب كان من قِبل المعلم .

﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

 معناه أن هذا المجرم لبعده عن الحق، وانغماسه في الشهوات بعيد عن أن يفهم كتاب الله، ولو فهمه لاختل توازنه، يرد على هذا الاختلال بالاستهزاء به، هذا هو المعنى الذي عند أكثر المفسرين .

معنى آخر للآية :

 أما في تفسير محاسن التأويل يرى أن الله سبحانه وتعالى يسلك هذا القرآن في قلوب المجرمين كما يسلكه في قلوب المؤمنين، يوضح لهم كل شيء، يعني أن المنحرف يوضع في ظرف يستمع إلى الحق، ويكون مدعواً إلى حفلة كتاب مثلاً، حفلة قران، يقوم شخص، ويتكلم كلمة، الله يسمعه الآيات وما فيها من الإنذار والوعيد، ويسمعه أن هناك آخرة بعد الحياة الدنيا، فالآية تحتمل المعنيين .

﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

 وأما أن تفهم من هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى منعهم من الهدى، ثم أدخلهم النار خالدين فيها فهذا المعنى لا يقبله ذو عقل سليم .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018