الدرس : 1 - سورة الحجر - تفسير الآيات 1 – 3 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 1 - سورة الحجر - تفسير الآيات 1 – 3


1986-11-14

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ

 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الأول من سورة الحجر :
 بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ ﴾

الكتاب جنس لجميع الكتب السماوية:

 فالكتاب كما قال بعض العلماء ينطبق على كل كتاب سماوي، مطلق الكتب المنزلة على أنبياء الله سبحانه وتعالى، الله سبحانه وتعالى خلق الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل عليهم الكتاب، خلقهم، وأنزل إليهم منهاجهم، فلذلك تأتي كلمة الكتاب في القرآن الكريم لتشمل كل الكتب السماوية .

﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ﴾

الآية هي العلامة :

 الآيات جمع آية، والآية هي الدليل والعلامة، فاصفرار الفاكهة علامة نضجها، وظهور بعض السحب في السماء علامة المطر الكثير .

 

لكل شيء آية :

 ربنا سبحانه وتعالى جعل لكل شيء علامة، وقال :

 

﴿ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾

( سورة النحل )

 البلوغ له علامة، والنضج له علامة، واقتراب الشتاء له علامة، واقتراب فصل الربيع له علامة، وكل شيء له علامة، هذه علامات على أشياء، فما الدلائل أو العلامات الدالة على الله سبحانه وتعالى ؟

 

الآيات كونية وتكوينية وقرآنية :

 الآيات التي تدل على الله سبحانه وتعالى على ثلاثة أنواع :

 

الآيات الكونية :

 هناك الآيات الكونية، خلقُك دليل على أسماء الله الحسنى، هذا القلب الذي بين جوانحك يضخ في كل نبضة سبعين سنتيمتراً مكعباً، اضرب هذه السبعين في ستين مرة كي تعرف كم ينبض في الدقيقة، اضرب هذا الرقم في ستين كي تعرف كم يضخ في الساعة، اضرب الناتج الأخير في أربع وعشرين كي تعرف كم يضخ في اليوم، بعضهم بدأ يضرب إلى أن ضرب الرقم الأخير بعمر تقريبي، فكان حجم الدم الذي يضخه القلب طيلة عمر الإنسان شيء لا يصدق، الرقم لا يصدق، هذا القلب، هذه الآلة التي بين جوانحنا لا تفتأ عن الضخ، ولا تكل، ولا تتعب، القلب آية من آيات الله سبحانه وتعالى .
 اللسان آية، وكل حرف ينطق به اللسان تسهم في هذا النطق سبع عشرة عضلة، فالكلمة المؤلفة من خمسة حروف كم عضلة تسهم في حركتها ؟ والدرس الذي يلقى خلال ساعة كم مرة تحركت العضلات بشكل أو بآخر حتى جعلت هذا الكلام يلفظ فيسمعه الناس .
 فالآيات على ثلاثة أنواع، آيات كونية، أي شيء حولك ينطق بعظمة الله، حيثما التفت، وأينما نظرت، إلى السماء، أو إلى الأرض، وإلى الجبل، إلى أي شيء نظرت، إلى الماء، الماء كما قال بعض العلماء لا ينضغط، ولأنه لا ينضغط فله وظائف كثيرة يؤديها، الماء إذا بردته إلى درجة +4 يزداد حجمه، ازدياد حجم الماء تتوقف عليه الحياة على وجه الأرض، لولا أن حجم الماء يزداد عند التبريد لما كنّا وإياكم في هذا المكان، فازدياد حجم الماء في هذه الدرجة بالذات دليل وآية على عظمة الله عز وجل .
 فحينما وصلت إلى كلمة :

﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ﴾

 الآيات على ثلاثة أنواع :
 الآيات الكونية، كأس الماء آية كونية، رغيف الخبز آية كونية، البذور آية كونية، النبات آية كونية، تخزين الماء آية كونية، الأنهار آية كونية، الينابيع آيات كونية، هذه عناوين موضوعات للتفكر .
 المؤمن الصادق لا يمر على هذه الآيات مراً سريعاً، بل يقف عندها، يتأمل فيها، يتعرف إليها، يستنبط أن لها خالقاً عظيماً، هناك من يأكل كما تأكل الأنعام، هناك من يتعامل مع المخلوقات كما تتعامل الأنعام مع بعضها، همه أن يأكل، وأن يشرب، وأن ينام، ولا يعرف أن هذا الصوف الذي ينام عليه من خلق الله سبحانه وتعالى، وأنه خلق خصيصى له، ولا يعرف أن هذا الثوب الصوفي الذي يقيه البرد إنما هو من خلق الله سبحانه و تعالى، وأن شعرة الصوف صنعت بشكل عجيب، صنعت مجوفة، وبطول محدود، يعين على غزلها، فإذا غزل الصوف بهذا الطول له فوائد يعرفها الخبراء بالخيوط، لذلك فإن الخيوط الصناعية التي يمكن أن تنتج مستمرة تقطع إلى أطوال تساوي أطوال الصوف الطبيعي، من أجل أن تكون لها ميزة في غزلها، فماذا أقول لكم ؟

 

وفي كل شيء له آية  تدل على أنه واحد
***

 هذا الموضوع لا حد له، لا يحصر بكلمات، لكن الذي يعنينا منه أن كل مؤمن مدعو إلى التفكر في آيات الله الكونية، ليتفكر بعينه، هذه العين، جميع خلايا الجسم البشري تتغذى عن طريق الشعيرات الدقيقة، إلا قرنية العين يتم غذاؤها بطريقة عجيبة، بطريقة الحلول، الخلية الأولى تأخذ الغذاء، فينتقل غذاؤها وغذاء جارتها عبر الغشاء الخلوي إلى الخلية الثانية، كل هذا من أجل الرؤية الصافية .
 العين في شبكيتها مئة وثلاثون مليون مخروط، الذي عد هذه المخاريط نال جائزة نوبل في عام 1967، مئة وثلاثون مخروطًا، وسبعة ملايين عصية من أجل استقبال المؤثرات الضوئية، ونقلها إلى الدماغ كي تنقلب إلى صور، فالعين آية، العصب البصري مؤلف من أربعمئة ألف عصب .
 السمع آية، الشم آية، اللمس آية، القلب آية، جهاز الهضم آية، جهاز التنفس آية، جهاز الدوران آية، جهاز التصفية آية، الجهاز التناسلي آية، العضلات آية، والعظام آية، قال لي طبيب : إن عظم الجمجمة مشدود إلى الداخل بحيث لو تمكنا من بعض سطوح الجمجمة، وأردنا أن نسحب هذه السطوح إلى الخارج لاحتجنا إلى قوة تزيد على أربعمئة كيلو غرام، هذه السطوح الثلاثة التي ركبت بشكل مفصل متداخل مسنن هذا التركيب مشدود إلى داخل الجمجمة، ولا يفك إلا بقوة كبيرة، وذلك إذا استطعنا أن نمسك ببعض هذه السطوح، لذلك في عمليات فتح الجمجمة للوصول إلى الدماغ أهون على الطبيب أن ينشر العظام نشراً من أن يفك هذه المفاصل، وهذه المفاصل عند الولادة تتداخل بعضها ببعض، فإذا لم تتداخل لا يوجد جهة حتى الآن تستطيع أن تصنعها، سطوح مسننة تتداخل مع بعضها تتعشق كما يقول الميكانيكيون، وإذا تعشقت كانت مفصلاً ثابتاً، ما فائدة هذا المفصل الثابت ؟ لمص الصدمات، حينما يسقط الطفل على الأرض تسمع رنين رأسه على البلاط بشكل واضح، ما الذي يقي هذا الرأس من أن ينكسر ؟ هذه المفاصل الثابتة .

 

﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾

(سورة الأنعام)

 والله الذي لا إله إلا هو لو بقينا سنوات متصلات نتحدث عن آيات الله لما توصلنا إلا إلى شيء قليل جداً .

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾

( سورة الإسراء)

 لكنني والله الذي لا إله إلا هو، وأنا ناصح لكم أدعوكم إلى التفكر في آيات الله، لماذا كان غضروف الأنف في الطفل قاسياً؟ وبعدئذ يصبح غضروفاً ليناً، لماذا كان عظم الأنف إلى هنا وسط الأنف، والقسم الباقي غضروفي؟ هذا السؤل أجب عنه وحدك .

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ(190)الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

( سورة آل عمران)

 هؤلاء المتقون، هؤلاء المؤمنون يتفكرون في خلق السماوات والأرض، هذا الكأس من الماء التي تشربها كان ماؤها ملحاً أجاجاً فصار عذباً فراتا، قدرة من حولته من هذه الحال التي تمجها النفس إلى تلك الحال التي تستسيغها النفس ؟ الله سبحانه وتعالى .
 هذا القسم الأول هو الآيات الكونية، وربنا عز وجل ذكر بعضها، وترك لنا التفكر بالباقي، وأما الآيات الثانية فهي الآيات القرآنية .

 

الآيات القرآنية :

 هناك آيات كونية، وهناك آيات قرآنية، فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، هل يوازن خالق بمخلوق ؟ كذلك لا يوازن كلام الله بكلام الناس، فالذي يمضي حياته في دراسات تتعلق بكلام الناس فقد ضيع عمره سدىً، والذي يمضي حياته بفهم كلام الله والتعرف إلى دقائقه، ومدلولاته، واستنباط القواعد الثابتة، ومعرفة طريق سعادته فهو من السعداء، آيات القرآن الكريم آيات دالة على عظمة الله سبحانه وتعالى، حتى إن بعض العلماء قال : القرآن كون ناطق، والكون قرآن صامت، وبعض العلماء يقول : إن لله في أرضه كتابين، إن لله في خلقه كتابين، الكون كتاب، والقرآن كتاب .

 

 

الآيات التكوينية : الحوادث :

 وأما الآيات ذات النوع الثالث فهي الحوادث، الحوادث أيضاً آيات دالة على عظمة الله سبحانه وتعالى :

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

(سورة الأنعام)

 تتبع إنساناً مؤمناً، تتبع حياته الخاصة، تَتَبَّع حياته العامة، تَتَبَّع حياته النفسية، تَتَبَّع حياته الاجتماعية، تَتَبَّع علاقاته العامة تر أنه سعيد، تَتَبَّع حياة المنحرف العاصي الشقي تر أنه في جحيم لا يطاق .
 فهذه الحوادث التي يصنعها الله سبحانه وتعالى قرآن ثالث، قرآن مطبق، أيّ آية في كتاب الله هناك ما يدل عليها في الكون تَتَبَّع، وهناك ما يدل عليها في الحياة .

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴾

( سورة الزخرف)

 هذه آية قرآنية، لو تتبعت الحياة الاجتماعية لوجدت أن الله موجود مع الناس يحاسبهم، ويقضي بينهم بالحق، ويجزي المحسن منهم، ويعاقب مسيئهم، من كان ماله حراماً أتلفه الله، ومن كان ماله حلالاً رزقه الله، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ))

[ البخاري ]

 فهذه الآيات مطبقة أيضاً في الأرض .
 عودة إلى هذه الآية، الآية هي العلامة، التفاح يكون أخضر اللون، فإذا اصفر وشح بلون أحمر فهذا الاصفرار، وهذا الوشاح دليل أنه قد نضج، فعلامة نضجه اصفراره، فالاصفرار علامة أو هو دليل على نضجه .
 الآيات الدالة على عظمة الله سبحانه وتعالى، آيات الله في الكون المجرات، المجموعة الشمسية، الشمس والقمر، النجوم، الأرض ... إلخ، القرآن آيات، وأفعال الله في الأرض آيات .

﴿ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ ﴾

معنى : مبين :

 معنى مبين مِن أبان أي : وضّح، فالآيات واضحات، عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ : وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ :

(( قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ حَيْثُمَا انْقِيدَ انْقَادَ ))

[ أحمد ]

 عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ ))

[ متفق عليه ]

 الحلال بين، الحرام بيّن، الشرع بيّن، ما أمر الله به، وما نهى عنه بيّن، هذا القرآن بيّن، حينما قال الله عز وجل :

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ﴾

 

(سورة الزلزلة)

 آية واضحة كالشمس، قال :

(( يا رسول الله، عظني وأوجز، فقال له الرسول الكريم:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ﴾

 قال الأعرابي: قد كفيت، فقال عليه الصلاة والسلام: فقه الرجل ))

 

أنا أؤكد لكم أن آية واحدة تكفيكم جميعاً طوال الحياة، آية واحدة هي :

﴿ فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

( سورة طه )

 من اتبع هدى الله عز و جل فهو في ضمان الله عز وجل، ضمان من الله خالق الكون ألاّ يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ومن منا لا يتوق إلى هاتين المرتبتين، ألاّ يضل، وألاّ يشقى .

﴿ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ(1)رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴾

رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ

معنى ( رُبَّ ):

 أقف قليلاً عند كلمة: ( رُبَّ )، لأن بعض الناس إذا تعلموا العربية في المدارس تعليماً ناقصاً يتوهمون أن كلمة : ( رُبَّ )تفيد التقليل، أينجح فلان ؟ فيجاب : ربما ينجح، هذا العلم ناقص، فرجعت إلى كتب النحو حول كلمة ( ربّ )، ربّ من حروف الجر، وهذا الحرف كما جاء في أوسع كتاب للنحو يفيد التكثير كثيراً، ويفيد التقليل قليلاً، وكلمـة ( ربّ )تشابه كم الخبرية، كم كتاب عندي، يعني ما أكثر الكتب التي عندي .
 فربنا سبحانه وتعالى قال :

﴿ رُبَمَا ﴾

 بالتخفيف، والأساس ( ربّ )بالتشديد، ( ربّ )لا تدخل إلا على الأسماء، ربّ ضارة نافعة، فإذا أردنا أن ندخلها على الأفعال تحتاج إلى ( ما )، تقول : ربما قام فلان، ربما سافر فلان، لكن ربّ لا تدخل على الفعل المضارع أبداً إلا في كتاب الله، لماذا أدخلت في كتاب الله على الفعل المضارع؟ لأن المضارع في القرآن كالماضي تماماً، من باب تحقق الوقوع، فإذا وعدك الله بوعد في المستقبل فكأنه قد وقع، فقد يعبر الله سبحانه وتعالى عن شيء سيقع يوم القيامة بالفعل الماضي، وتوجيه هذا التعبير أنه من باب تحقق الوقوع .
 فربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ رُبَمَا ﴾

 والأكثرون على تشديدها ( ربّما )، وبعضهم ( ربما)بالتخفيف، لكنها في قراءة عاصم جاءت مخففة .

 

﴿ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴾

 هذه الآية أرجو من الله سبحانه وتعالى أن يوفقني إلى توجيه مدلولاتها .

 

 

المعنى الأول : يود الكافر في الدنيا لو كان مسلما :

 وهذا يعني كثيراً ما يتمنى الذين كفروا لو أنهم كانوا مسلمين، وبعض العلماء قال : هذا التمني في الدنيا، يعني الكافر الذي جمع المال الحرام، وأتلفه الله في ساعة خيبة الأمل، وفي ساعة الإحباط، وفي ساعة المصيبة، وفي ساعة الندم يتمنى لو كان مسلماً، فكسب المال الحلال، وبارك الله له فيه، وعاش حياة سعيدة رغيدة .
 قد يتزوج الكافر امرأة تعجبه، ولا يبالي بدينها، فإذا اقترن بها، ورأى من فظاظتها وانحرافها ما أقضّ مضجعه عندئذ يتمنى لو كان مسلماً، فيهيئ الله له زوجة صالحة مثله يسعد بها، هذا المعنى الأول .
 كلما وقع الكافر في مصيبة في ماله إن كان حراماً، في بيته إن كان اختياره للزوجة على أساس غير ديني، لأنه من تزوج المرأة لجمالها أذله الله، ومن تزوجها لمالها أفقره الله، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءة، فعليك بذات الدين تربت يداك .
 فهذا الكافر كثيراً ما يتمنى لو أنه مسلم، لو كان مسلماً لكانت حياته طيبة :

 

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

(سورة النحل)

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

( سورة الجاثية : 21)

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ ﴾

( سورة السجدة )

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ(35)مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

( سورة القلم : 35ـ 36)

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ ﴾

( سورة القصص )

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

( سورة طه : 124)

 إذاً: الكافر وهو في الدنيا حينما يرى نتائج عمله ونتائج المال الحرام الذي كسبه، وكيف دمره الله، ودمر أولاده، وحينما يرى نتائج الزواج الفاسد، حينما يرى نتائج الخوض فيما لا يعنيه، حينما يرى نتائج الكذب يتمنى لو كان مؤمناً، بل كثيراً ما يتمنى لو كان مؤمناً .

﴿ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴾

المعنى الثاني : يود الكافر يوم القيامة لو كان مسلما :

 قيل: هذا في الحياة الدنيا، ويوم القيامة ربما يتمنى الكافر أن يكون مسلماً، حينما يعرض على النار، قال تعالى :

﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنعام )

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا(27)يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﴾

( سورة الفرقان )

﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ(99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

( سورة المؤمنون )

﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ(104)أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ(105)قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ(106)رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ(107)قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴾

( سورة المؤمنون )

 الكافر حينما يعرض على النار، وحينما يرى مصيره يصيح صيحة لو سمعها أهل الأرض لصعقتهم، والكافر أيضاً يتمنى لو كان مسلماً، وهو على فراش الموت يختم عمله ، ويطلع على ما أعد الله له من عذاب أليم، لذلك أهل الكفر حينما يأتيهم ملك الموت يضطربون ويصيحون ويستغيثون، ولكن لا مغيث .
 هذه فرصة أعطيت لنا، هذا الكلام يقال، ونحن في بحبوحة، ونحن كلنا قلب ينبض، ما دام الإنسان حيًّا فكل شيء له حلّ .

﴿ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴾

المعنى الثالث : رُبّ طاعم في الدنيا جائع يوم القيامة ...

 والمعنى الآخر لهذه الآية قال عليه الصلاة والسلام :

(( يا ربّ نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة، يا ربّ نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة، يا ربّ مكرم لنفسه وهو لها مهين، يا ربّ مهين لنفسه وهو لها مكرم، يا ربّ متخوض فيما لا يعنيه ما له في الآخرة من خلاق ))

[ البيهقي في شعب الإيمان عن أبي البجير ]

المعنى الرابع : حين يصيح الكافر من عذاب النار :

 شيء آخر في معنى كلمة ( ربما )، النبي عليه الصلاة والسلام بين لنا أن أهل النار وهم يصيحون فيها قد يجتمع فيها المشرك بمن آمن بالله، ثم انحرف عن طريق الحق، آمن، ولم يستقم على أمر الله، آمن وفعل السيئات، قد يشمت هذا المشرك بهذا المؤمن، يقول له: ما نفعك إيمانك شيئا، فبعض الآثار تروي أن الله سبحانه وتعالى بعد حقب طويلة جداً يخرج المؤمن من النار، ويدخله الجنة، عندئذ يتمنى الكافر أنه لو كان مسلماً في الدنيا، ولو بنوع ما من الإسلام، لأنه صح في الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( يُخْرَجُ مِنْ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ الْإِيمَانِ ))

[ الترمذي وأحمد ]

 ولكن متى؟ لا يعلم إلا الله، بعد مليون سنة مثلاً، الله أعلم، لكن في النهاية يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، حتى هذه الذرة من الإيمان يتمناها الكافر، وهو في النار، هذا هو المعنى الرابع .

﴿ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴾

المعنى الخامس : الآية بشارة للنبي عليه الصلاة والسلام :

 والمعنى الخامس: في هذه الآية بشارة للنبي عليه الصلاة والسلام، أي: يا محمد، لا تثريب عليك، لا بدّ من أن يأتي اليوم الذي ينصرك الله فيه نصراً عزيزاً، وعندئذ يتمنى الكفار لو كانوا مسلمين .
 عكرمة بن أبي جهل أهدر النبي عليه الصلاة والسلام دمه، فلما فتحت مكة هام على وجهه، وتمنى لو كان مسلماً، صفوان بن أمية، كذلك هند التي كادت للنبي عليه الصلاة والسلام تمنت يوم فتح مكة أنها لو كانت مسلمة، الكفار الذين كادوا للنبي عليه الصلاة والسلام، وأخرجوه من بلده مكة، وعذبوا أصحابه، وائتمروا على قتله عندما فتحت مدينتهم، وكانوا في قبضة النبي عليه الصلاة والسلام تمنوا لو كانوا مسلمين .

المعنى السادس : الكافر يتمنى لو أسلم مبكِّرا :

 المعنى الذي بعده : أن الكافر الذي أسلم، وحسن إسلامه يتمنى لو أنه أسلم في وقت مبكر، يعني هذا الذي أسلم، وعرف الله، واستقام على أمره، وهو في ريعان الشباب فأفنى عمره في طاعة الله، وأفنى وقته في العبادات والقربات وحضور مجالس العلم، هو الذي أحرز الخير كله، أما الذي عرف الله في سن متأخرة، عرف الله في الأربعين، في الخمسين يتمنى دائماً وأبداً لو كان قد أسلم في سن مبكرة، فيحظى بشرف الإسلام في الشباب .
 فيا أيها الشباب، إن كنتم كما يريد الله عز وجل فاشكروا الله، فالإيمان في سن مبكرة لا يعدله شيء، لكن من بلغ الأربعين، ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار، لأنه من شبّ على شيء شاب عليه طوال حياته، ألِف أن ينظر إلى النساء، وفي سن الخمسين أصبح من الصعب أن يغض من بصره، أما إذا نشأ الشاب على غض البصر فبعد سنوات يصبح هذا السلوك بنية من بناه النفسية، وانتهى الأمر، ومن شاب على شيء مات عليه، بل من مات على شيء حشر عليه، ألِف طوال حياته لعب الطاولة، وسهر الليالي فعلى هذا ماذا استفاد ؟ في الأربعين إذا قيل: اذكر الله، واقرأ القرآن، يقول: النبي قال : ساعة لك، وساعة لربك، هذا ليس حديثاً، ومن قال لك: إن هذا الكلام حديث ؟
 فمن بلغ الأربعين، ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار، فهذا الذي يسلم في وقت متأخر يتمنى طوال حياته لو أنه أسلم في وقت مبكر، لأن سبعة يظلهم الله ظله يوم لا ظلّ إلا ظله، ومنهم شاب نشأ في طاعة الله، إن الله ليباهي الملائكة بالشاب المؤمن يقول: انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي، ما من شيء أحب إلى الله من شاب تائب مستقيم، والتوبة شيء حسن، لكن في الشباب أحسن، أبواب رحمة الله مفتحة على مصارعها، الدنيا مطية الآخرة .
النبي الكريم عليه الصلاة والسلام نهانا عن أن نسبّ الدنيا، لماذا؟ لأنها مطية المؤمن إلى الله عز وجل، بها ترقى إلى رضوان الله، بهذه الشهوة التي أودعها الله فيك إن كبَحْت جماحها فإنك ترقى إلى الله، بحبك للمال تنفقه في طاعة الله ترقى حينما تنفقه على الفقراء والمحتاجين، بحبك للنساء تغض البصر عنهنّ ترقى، فتتزوج وفق ما أمرك الله .

﴿ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴾

المعنى السابع : الآية تثبيت للنبي عليه الصلاة والسلام :

 والمعنى الذي بعده : أن هذه الآية تثبيت للنبي عليه الصلاة والسلام، أيها النبي لا بدّ من أن ينصرك الله عز وجل، وهذا الكلام لنا الآن، أيها المؤمن لا تهن، ولا تضعف، ولا تيأس، ولا تقنط، النبي عليه الصلاة والسلام حينما التقى عدي بن حاتم قال :

(( يا عدي، لعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، أي : من فقر هؤلاء المسلمين، وايم الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالمرأة البابلية تحج هذا البيت على بعيرها لا تخاف، ولعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البابلية مفتحة للعرب ))

[ كنز العمال ]

 فهذه الآية تثبيت لك إن كنت مسلماً، فأبشر بأنه سيأتي على الناس ساعة يتمنون أن يكونوا مثلك، أنت من النوع النادر، وفي الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَطَلَعَتْ الشَّمْسُ، فَقَالَ :

(( يَأْتِي اللَّهَ قَوْمٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نُورُهُمْ كَنُورِ الشَّمْسِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَنَحْنُ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لَا، وَلَكُمْ خَيْرٌ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّهُمْ الْفُقَرَاءُ وَالْمُهَاجِرُونَ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَقَالَ : طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، فَقِيلَ : مَنْ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : نَاسٌ صَالِحُونَ فِي نَاسِ سَوْءٍ كَثِيرٍ، مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ ))

[ أحمد ]

 هؤلاء الذين يحبهم رسول الله عليه الصلاة والسلام سمّاهم أحبابه، وصفهم فقال: القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ ))

(الترمذي، وأحمد)

 لو أن الشاب المؤمن أراد أن يقيم أمر الله في بيته من يعارضه؟ أقرب الناس إليه، أمه تقول: ما ألفنا هذا الدين، هذا تزمت، يا أمي هذه آية في كتاب الله، لا، لا تشذ عن قواعد الأسرة، من يعارضه؟ أبوه، جاره، صاحبه، زميله، قريبه .

﴿ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴾

 إن كنت مسلماً حقاً فأبشر، لأن هؤلاء الناس الذين تقع عينك عليهم لا بدّ من أن تأتي عليهم ساعة، ويا هول تلك الساعة، يتمنون لو كانوا مسلمين .

﴿ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴾

 الكافر يتمنى أن يكون مسلماً في الدنيا حينما يفشل في زواجه، وحينما يدمر ماله، وحينما يصاب بمرض عضال يجعله مفتقراً لكل إنسان، ويتمنى أن يكون مسلماً عند الموت، حينما تلوح له نهايته الحزينة، ويتمنى أن يكون مسلماً حينما يعرض على الله عز وجل، وحينما يعرض عمله على الله عز وجل، ويتمنى أن يكون مسلماً حينما يعرض على النار .

﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ﴾

( سورة غافر 46)

 وهذه الآية بشارة للنبي عليه الصلاة والسلام، ولكل مؤمن في هذا الزمان، أبشر، واصبر، واثبت، فلا بدّ أن يأتي على الذين يخاصمونك ويعادونك ساعة يتمنون أن يكونوا مسلمين .

﴿ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ(2)ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمْ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾

ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمْ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ

ذَرْهُمْ : تهديد ووعيد :

 معنى ( ذرهم )هذا تهديد، تقول أحياناً لابنك : افعل ما تريد، هل تأمره أن يفعل ؟ لا والله، إنك تهدده، ذرهم يا محمد، دعهم يأكلوا ويختاروا أطيب الأطعمة، دعهم يجلسوا في أجمل الأماكن، ويأكلوا في هذه الأماكن ما لذّ وطاب، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، هم يحسبون أنهم قد أفلحوا، وقد فازوا، وقد تفوقوا، وقد نجوا من الفقر .

﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا ﴾

 بنسائهم اللائي يحللن لهم، أو باللاتي لا يحللن لهم، يتمتعوا بكل شيء بالمناظر الخلابة، بالشهوات الدنيئة، بالانحرافات بكل شيء، ذرهم يأكلوا، ويتمتعوا .

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

( سورة الأنعام )

 ( ذرهم )، اتركهم، فقد وعظتهم ما فيه الكفاية .

﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾

(سورة البقرة : 272)

﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾

(سورة القصص : 56)

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾

(سورة الغاشية )

﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا(11)وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا(12)وَبَنِينَ شُهُودًا(13)وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ﴾

(سورة المدثر )

 اتركه، دعه لي، أنا أتولى معالجته، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ ))

( البخاري)

 دعهم يأكلوا، ويتمتعوا بالدنيا، بمباهجها، وبزينتها، برحلاتها الطويلة، بفنادقها الفخمة، ذرهم يتمتعوا بهذه الحياة، ذرهم يسبحوا مختلطين، يتمتع بعضهم ببعض .

﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمْ الْأَمَلُ ﴾

الكافر ذو أمل طويل في الدنيا :

 ولو شققت على خاطر كل منهم لوجدت نفسه مفعمة بالآمال، هذا ينام على مخطط لبيت جميل على مقصف جميل، يحلم به طوال سنوات طويلة، كيف سيجعل أرضه؟ كيف سيجعل التبريد فيه؟ كيف سيجعل التدفئة في الشتاء لو أنه ذهب إلى هذا البيت شتاءً ينبغي أن يكون دافئاً، كيف يفعل هذا؟ كيف ستكون الحديقة أمام البيت ؟

﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمْ الْأَمَلُ ﴾

 النبي عليه الصلاة والسلام له في موضوع الأمل أحاديث شريفة، قال عليه الصلاة والسلام :

(( أربعة من الشقاء، جمود العين، وقساوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا ))

(الديلمي في الفردوس عن أنس، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد : أخرجه البزار)

 إذا جلست في فراشك ما الذي يخطر في بالك؟ هذا يحلم ببيت، وذاك يحلم بمتجر في شارع جيد، والآخر يحلم بعمل يدر عليه أرباحاً طائلة يعينه على التمتع بالدنيا، وكل هذه آمال، الأمل مرض خطير، أن يعيش الإنسان لوقت قد لا يدركه .

ما مضى فات والمؤمل غيب  ولك الساعة التي أنت فيها
***

 جلست مرة مع شخص خلال ساعة قال لي بالحرف الواحد: سئمت هذه الوظيفة، وسأطلب إعارة إلى البلد الفلاني، إلى الجزائر، وسأمضي فيه خمس سنوات، أما في الصيف فلن آتي إلى هنا، سأمضي كل صيف في بلد أوربي كما يحلو لي، سأمضي صيفاً كاملاً في فرنسا أتمتع بها بمناظرها بمقاصفها، وأطلع على الحياة الاجتماعية هناك، وفي الصيف الذي بعده سأمضيه في إيطاليا، وهكذا، وحينما أعود إلى بلدي أقدم استقالتي من وظيفتي، وأتقاعد، وأكون قد جهزت مبلغاً معقولاً أفتح به محلاً تجارياً أبيع فيه التحف والهدايا، لأن هذه لا تكسد، وأجلس في هذا المحل، ويكون أولادي قد كبروا فيعملون معي في هذا المحل، وعندئذ أمضي حياة سعيدة أنا وزوجتي ... والله هذا الذي يقول هذا الكلام مثقف ثقافة عالية، وله اختصاص، تركته، وذهبت إلى البيت، وبعد قليل نزلت إلى البلد لشأن من شؤوني، وفي طريق عودتي والله الذي لا إله إلا هو وجدت نعيه على الجدران .
 هذه نتيجة الأمل، وذلك آمال عشرين سنة إلى الأمام، وعشيةً نام في القبر .

﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمْ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾

صاحب الآمال الدنيوية سيعلم يوم القيامة جسامة خطئه :

 سوف يعلمون أنهم كانوا مخطئين، وسوف يعلمون أنهم كانوا مغبونين، وسوف يعلمون أنهم لن يفلحوا، لأنهم لم يكونوا أذكياء، والله الذي لا إله إلا هو لو اطلعت على حياة أغنى أغنياء العالم كيف يأكل، وكيف ينام ؟ كيف ينتقل من جزيرة إلى جزيرة ؟ كيف يمضي الليالي الحمراء ؟ لو اطلعت على حياة أحد هؤلاء الأغنياء في العالم لرأيت أن أفقر مؤمن في الأرض أسعد منه وأذكى منه، لماذا ؟ لأن هذا الغني المترف يسير في طريق مسدود ينتهي بالموت، وما أدراك ما بعد الموت من عذاب مقيم، وأما هذا المؤمن الفقير فيمشي في طريق مفتوح إلى الأبد، خطه البياني صاعد، فالبطولة أن تكون مؤمناً،

 

ليس من يقطع طرقاً بطلاً  إنما من يتق الله البطـــل
***

 هذا هو البطل، أن تعرف الله قبل فوات الأوان، وفي الوقت المناسب، لأن الإنسان إذا توفته الملائكة غافلاً عرف كل شيء، ولكن عرف كل شيء بعد فوات الأوان .

 

﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾

( سورة ق : 22 )

﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ(25)وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ﴾

(سورة الفجر)

 قال عليه الصلاة والسلام :

(( صلح أمرُ أول هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلك آخرها بالبخل والأمل ))

[ البيهقي في شعب الإيمان، والسيوطي في الجامع الصغير عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ]

 من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت، إذا قال: غداً سأشتري معطفاً إن شاء الله، وقال: إن شاء الله فهو مؤمن طبعاً، أما إذا قال: غداً أشتري معطفاً، وهو موقن أنه سيعيش إلى الغد فقد أساء صحبة الموت .
 سيدنا الحسن رضي الله عنه يقول : << ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل >> .
 فكلمة (ذرهم)فيها معنى التهديد، وفيها معنى الترك، أي : دعهم لا تشغل نفسك بهم، هؤلاء ليسوا في مستواك، لن يقتدوا بك دعهم .
 أبو الدرداء رضي الله عنه أقام في الشام، وذات مرة خطب بأهل الشام فقال: << يا أهل دمشق، ألا تسمعون من أخ لكم ناصح؟ إنه من كان قبلكم جمعوا كثيراً، وبنوا مشيداً، وأملوا بعيداً، فأصبح جمعهم بوراً، وبنيانهم قبوراً، وأملهم غروراً >> .
 النبي عليه الصلاة والسلام قدم عليه وفد الأزد، فعن علقمة بن يزيد بن سويد الأزدي قال حدثني أبي عن جدي قال: وفدت سابع سبعة من قومي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دخلنا عليه، وكلمناه أعجبه ما رآه من سمتنا وزيّنا ( السمت الهدوء والوقار، والزي النظافة والأناقة )فقال: من أنتم؟ قلنا: مؤمنون ورب الكعبة، فتبسم النبي عليه الصلاة والسلام وقال : إن لكل قول حقيقة، فما حقيقة قولكم؟ ( مؤمنون ما البرهان؟ ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يرضى أن يأخذ الأمور هكذا )، فقلنا: خمس عشرة خصلة، خمس منها أمرتنا رسلك، أن نؤمن بها، وخمس منها أمرتنا أن نعمل بها، وخمس تخلقنا بها في الجاهلية، فنحن عليها إلا أن تكره منها شيئاً، فقال عليه الصلاة والسلام: ما الخمس التي أمرتكم بها رسلي؟ قلنا: أمرتنا رسلك أن نؤمن بالله وملائكته ورسله وكتبه، والبعث بعد الموت، فقال عليه الصلاة والسلام: وما الخمس التي أمرتكم أن تعملوا بها؟ قلنا: أمرتنا أن نقول: لا إله إلا الله، وأن نقيم الصلاة، وأن تؤتي الزكاة، وأن نصوم رمضان، وأن نحج البيت إن استطعنا إلى ذلك سبيلاً، فقال عليه الصلاة والسلام: وما الخمس التي تخلقتم بها في الجاهلية؟ فقلنا: الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء والرضا بمر القضاء، والصدق في مواطن اللقاء، وترك الشماتة بالأعداء، فقال عليه الصلاة والسلام: حكماء عقلاء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء، ثم قال عليه الصلاة والسلام: وأنا أزيدكم خمساً فتتم لكم عشرون خصلة، إن كنتم كما تقولون فلا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تنافسوا في شيء أنتم عنه غداً زائلون،

(( يمضي سبع عشرة سنة في المحاكم من أجل دكان، وبعد ذلك يموت قبل أن يصدر القرار الأخير )، واتقوا الله الذي أنتم إليه ترجعون، وعليه تعرضون، وارغبوا فبما عليه تقدمون، وبه ستخلدون، فانصرفوا، وقد حفظوا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعملوا بها ))

[ ورد في الأثر ]

ملخّص الآية :

 ملخص هذه الآية : إياكم وطول الأمل، فإنه يفسد العمل، دع خواطرك لمّا تجلس مع نفسك في حديث داخلي، هذا الحديث الداخلي اجعله في طاعة الله، كيف أكون في مرتبة أعلى من هذه المرتبة ؟ كيف أحفظ كتاب الله، وكيف أعمل به ؟ كيف أتقرب إلى الله عز وجل ؟ كيف أهدي الناس ؟ اجعل خواطرك من هذا النوع، أما إذا جعلتها كما فعل الأعرابي الذي اضطجع تحت شجرة، وإلى جانبه قدر عسل، وقال : غداً أبيع هذا القدر، وأشتري به غنماً، وهذا الغنم يتوالد، ثم أصبح غنياً، فأشتري بيتاً، وأتزوج، وإن أغضبتني زوجتي ضربتها بعصاي هذه، فرفع العصا فكسر قدر العسل .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018