الدرس : 21 - سورة النحل - تفسير الآيات 119 – 128 ، عن الموعظة الحسنة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 21 - سورة النحل - تفسير الآيات 119 – 128 ، عن الموعظة الحسنة


1987-06-19

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الحادي والعشرين والأخير إن شاء الله من سورة النحل .

﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا

العلاقة بين العبد وربه علاقة مسامحة مبنية على التوبة :

 ربنا سبحانه وتعالى يطمئننا إلى أن الذي يعمل السوء بجهالة، ويتوب من بعد عمل السوء، ويصلح، ومعنى يصلح؛ أنه إذا كان الذنب بينك وبين العباد ؛ فهذه العلاقة مبنية على المشاححة، أما العلاقة بين العبد وبين ربه فمبنية على المسامحة، فالذنب الذي بينك وبين الله يغفره الله سبحانه وتعالى، لكن الذي بينك وبين العباد لا يغفر إلا بالإصلاح، أي بالتصحيح، برد الحقوق إلى أصحابها، بالاعتذار، بطلب المسامحة، بمحو السيئة بالحسنة، بتقديم شيءٍ ينسي صاحب الحق حقه .

﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ﴾

معنى : عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ

 ومعنى: عملوا السوء بجهالة؛ أي: إن الإنسان قد يجهل النتائج الخطيرة التي تؤدي إليها المعصية، لو أن الناس عرفوا إلامَ تنتهي بهم السيئات ما فعلوها، والدليل أن الناس أحياناً يرون بأم أعينهم ما يحل بمن يخالف تعليمات إنسان، لذلك يطبقون هذه التعليمات تطبيقاً حازماً، بسبب أنهم رأوا نتيجة من خالف هذه التعليمات، فكيف لو عرفت أن هذه التعليمات التي أمر الله بها سوف تشقي صاحبها في الدنيا والآخرة؟ لذلك لا يعصي ربه إلا جاهل، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ ... ))

[متفق عليه]

 لو أنه كان مؤمناً ـ أي مقبلاً ـ لاستنار قلبه بنور الله، ورأى بهذا النور نتائج الزنى فكفَّ عنه .
 إذاً :

﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا ﴾

إتباع التوبة الصادقة بالإصلاح ورد المظالم :

 من بعد التوبة الصادقة، ومن بعد إصلاح الخلل، ورد الحقوق، والاستسماح .

﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

 لذلك هذا الذي يطمع بمغفرة الله من دون ثمن، أو من دون توبة، أو من دون ندم، أو من دون عزم أكيد على ترك الذنب، أو من دون إصلاحٍ، فهذا مغرورٌ، واقع بالأوهام .
 على كلٍ؛ هذا الذي يعلم أن هذه معصية، وأنك إذا فعلتها وقعت في غضب الله عز وجل، كلما ازداد علمك بأنها معصية، وبأنها مهلكة ازداد الحجاب بينك وبين الله، وقلَّتْ فرص التوبة ؛ لذلك فرص التوبة تزداد مع الجهل بالذنب، وتقل مع العلم به، فإذا كنت تعلم علم يقينياً أن هذه معصية تغضب الله عز وجل، وفعلتها وأنت تعلم ! أغلب الظن أن فرص التوبة تقلّ، وأن الحجب تكثر، وأن القطيعة محققة، هذا الحجب يحتاج لمراجعة.

 

التوبة لها شروط :

 في موضوع التوبة تفصيلات دقيقة جداً ؛ العلماء ولا سيما الإمام الغزالي رَضِي اللَّه عَنْه قال : للتوبة شروط، أولها العلم والندم، والعزيمة، معنى العلم؛ يجب أن تعلم أن هذا ذنب، وأن هذه معصية، وأن هذا العمل خلاف الشرع، يجب أن تعلم أن هذه معصية، وأن هذا يغضب الله، وأن هذا يؤدي إلى عقاب في الدنيا قبل الآخرة .
 هناك بعض الأشخاص يتوهم أن الآخرة بعيدة، وأن الله غفورٌ رحيم، لكن يجب أن يعلم هؤلاء أن لكل سيئة عقاباً في الدنيا قبل الآخرة والعقاب من نوع الذنب ؛ فالذي يأكل مالاً حراماً يعاقب بإتلاف ماله، والذي يخالف أوامر الله في صحته يعاقب بالمرض، والذي يخالف أوامر الله في زواجه يعاقب بالشقاق الزوجي، والذي يخالف أوامر الله في تربية أبنائه يعاقب بعقوق الأولاد، والذي يخالف أوامر الله في تجارته يعاقب بإتلافه، وإن لكل سيئة عقاباً، ولكل حسنة ثواباً، فيجب أن نعلم علم اليقين أن السيئات، والمعاصي، والمخالفات لها عقاب في الدنيا قبل الآخرة، وأن العقاب قد يكون أليماً، وأن الثمن قد يكون باهظاً، وأن الإنسان حينما يواجه العقاب، أو يواجه الخسارة، عندئذ يقول: ليتني لم أعص الله، لأنه أصبح خاسراً، والذي حصله في المعصية دفعه أضعافاً مضاعفة عند العقاب .

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

كيف يكون الرجل الواحد أمّةً ؟

 كيف نفسر هذه الآية؟ كيف يكون رجل واحد أمة ؟

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

 بمعنى أن عنده في قلبه عزيمة على طاعة الله، وفي قلبه معرفة، وفي قلبه شكر، وفي قلبه صبر، وفي قلبه رحمة، لو وزعت على أمة لوسعتها .

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

 كان قوي العزيمة، كان شديد الورع، كان محباً لله، كان قلبه ممتلئاً رحمة ؛ حيث إن الذي حصله من الحق جل وعلا، لو وزع على أمة لكفاهم .
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

 

 لو أن واحداً كان يملك أموال الدنيا، نقول: هذا يملك أموال الدنيا، لو وزع هذا المال على أبناء الأرض لكفاهم ؛ بهذا المعنى، هذا أحد معاني:

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

 لأنه دعا إلى الله وأراد هداية الخلق، وإسعادهم، أراد أن ينقذهم من الضلال إلى الهدى، من الشقاء إلى السعادة، من الضياع إلى الوجدان، من التشتت إلى التجمع ؛ لأنه أراد ذلك فصار في قلب كل إنسان، صار هذا النبي العظيم في قلوب أتباعه، أحبوه، واتبعوه، وشكروه، وأثنوا عليه، وجعلوه قدوة لهم ح هذا المعنى الآخر .

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

هذا يسيرٌ وفي متناول كل مؤمن صادق :

 وهذا شيء ميسر لكل مؤمن، حينما يخرج المؤمن من ذاته إلى هداية الآخرين، إلى نصحهم، إلى إكرامهم، إلى إسعادهم، إلى تقديم خدمة لهم، حينما يعطف عليهم، يرحمهم، حينما يقلق لمصيبة ألمت بهم، حينما يبذل وقته رخيصاً لأجلهم؛ عندئذ يحبونه، ويدخل قلوبهم، ويصبح في قلوب كل من أحبه ؛ هذا المعنى الآخر، فإذا أردت أن تسعد فاسعد الآخرين .

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

 بين أن تكون فرداً، وبين أن تكون أمة ؟ قد ترى جنازة لا يتبعها إلا رجلان أو ثلاثة ! وقد تسمع بجنازة تبعها مئة ألف شخص، طواعية، معنى ذلك أن هذا الميت ترك في نفس هؤلاء الذين تبعوه أثراً بليغاً، ومحبة صادقة، وإكباراً، وشكراً وامتناناً .

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

 أحياناً على مستوى الأسرة، يكون هناك كبير الأسرة، يحل مشكلاتها، يوفق بين المتخاصمين فيها، يقدم المعونة لفقرائها، هذا الشخص على مستوى أسرته يصبح في قلوب كل أفراد الأسرة، يقولون : عميد أسرتهم ؛ لأنه قدم خدمات لهم، لأنه رعى مصالحهم، وفق بين متخاصميهم، لأنه وفق بين زوجين متباعدين، وفق بين شريكين، وفق بين أخوين، قدم المساعدة، عطف عليهم، كان رؤوفاً بهم، إذاً هو عميد أسرتهم، وهذا شيء ميسر للمؤمن، أن يكون في قلوب الآخرين، أن يخرج من ذاته لخدمة الخلق ؛ لأنه إذا خدم الخلق أحبه الحق، والخَلقٌ كلّهم عيالُ الله، وأحبُّهم إلى الله أنفعُهم لعِياله، وما من طريقة تتقرب بها إلى الحق كخدمة الخلق، لذلك :

﴿ وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

( سورة العصر )

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾

( سورة الكهف : 110 )

 طريق التقرب إلى الحق خدمة الخلق .

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

أمة واحدة بالإيمان والأخلاق الحسنة والإحسان إلى الخلق :

 بصفاته الفضلى، بإيمانه، بكبر قلبه، برحمته، بتوبته، بطهره بورعه، باستقامته، بحبه للخير، كان فيه من الصفات ما يسع أمة، وكان أمة في قلب كل تابع من أتباعه، هل تستطيع أن تدخل إلى قلوب الناس قسراً؟ لا والله! ليس هناك قوة، لو ملكت قوى الأرض كلها على أن تدخل في قلوب الآخرين، لا تستطيع إلا بالإحسان! يا داود ذكر عبادي بإنعامي عليهم، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها ..

﴿ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾

(سورة الأنفال : 63 )

 لو أن أباً قسَا على أولاده وضايقهم، وحرمهم، وقال لهم: أحبوني، ورددوا ألفاظ المحبة، وأسمعوني كلمات المحبة، وقوموا لي إذا مررت بكم ؛ لو أنهم فعلوا ما أمرهم به هل يحبونه؟ لا، لن تستطيع أن تدخل إلى قلب إنسان إلا بالعمل الصالح، إلا بتواضعك، إلا بخدمتك، إلا بعلمك، إلا برحمتك، إلا بعطفك، إلا بحنانك، بهذا تدخل في قلوبهم، قد يفعلون ما تريد منهم قد يفعلون ما تأمرهم به قسراً وكرهاً، ولكنك تبقى بعيداً عنهم، ما الذي جعل أتباع النبي عليه الصلاة والسلام بعد ألف وأربعمئة عام يقدمون إلى قبره الشريف، يقفون مزدحمين، تنهمر دموعهم، كيف؟ ما رأوه، ما سمعوا كلامه، ما تلقوا منه خدمة معينة ؛ لكنهم سمعوا عن فضائله، وعن خلقه العظيم، وعن رحمته، وعن عطفه، وعن تواضعه، وعن تواصله، وعن كرمه، وعن حبه للناس، يا من كانت الرحمة مهجتك، والعدل شريعتك، والحب فطرتك، والسمو حرفتك، يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ، يا من قدست الوجود كله، ورعيت قضية الإنسان، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع، فعشت واحداً بين الجميع، يا أيها النبي e .
 يا أيها الأب، يا أيها الأخ، أشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وكشفت الظلمة، وجاهدت في الله حق الجهاد، وهديت العباد إلى سبيل الرشاد، لماذا تقرأ سيرته فتبكي ؟ لماذا إذا حدثناكم عن ساعات وفاته كلكم تبكون ! لماذا ؟ تبكون محبة له، لأنه جاء إلى الدنيا، وخرج منها ولم يجمع منها درهماً ولا مالاً، لكنه ترك الهدى، ترك السعادة، ترك الفضيلة، ترك الرحمة بين الناس :

(( إنما أنا رحمة مهداة ))

[ من الجامع الصغير عن ابن سعد ]

 لذلك تستطيع أن تدخل إلى قلوب الناس بأعمالك الطيبة، برحمتك، بتواضعك،

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

لا تكن فردا ، بل كن أمةً :

 يا أخي الكريم لا تكن فرداً، لا تكن واحداً كن أمة، اخرج من ذاتك، معظم الناس سعيهم ليلاً ونهاراً، سراً وعلانية، جهدهم، طاقتهم، بذلهم كله من أجل أنفسهم، وعلى أحسن الأحوال من أجل أسرتهم، وانتهى الأمر، لا يزيد اهتمامهم على أمر أسرتهم، أما جاره، قريبه، يقول لك : لهم رب، أنا لست كافل العباد، لو شاء الله لأطعمهم، إذاً أنت لست أمة، أنت واحدٌ، وتأتي يوم القيامة واحداً، لكنك لو عملت الصالحات، وخدمت العباد، لا حباً من أن تعلو عليهم، لا حباً بأن يلتفت الناس إليك، لا حباً بأن تصرف وجوه الناس إليك، لا، بل حباً بخالقهم، تخدمهم، تقرباً للذي خلقهم، هذا هو جوهر الدين، أن تحسن إلى الخلق محبة بالحق .

﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴾

(سورة الإنسان : 9 )

 هذا هو سر الدين، لذلك المؤمن تلقاه خَيِّراً، معطاًء، متواضعاً، يضحي، يبذل الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، يقول لك : حتى يرضى الله عني، كيف يرضى الله عني وأنا أؤذي خلقه ؟ لا بد من أن أتسامح معهم، لا بد من أن أعفو عنهم، لا بد من أن أقدر حاجاتهم، لابد من أن أقبل أعذارهم، لا بد من أن أقبل تنصلاتهم ؛ من أجل أن يحبني الله عز وجل

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

معاني هذه الآية :

المعنى الأول :

 أن فيه من الكمال ما لو وزع على أمة لكفاهم، هذا أول معنى .

المعنى الثاني :

 بإحسانه في قلب كل الناس ؛ إذاً هو في قلب أمة ؛ إذاً حجمه كحجم الأمة .

المعنى الثالث :

 أنه إمام يُقتدى به، يأتمّ به الناس، لذلك إذا كنت أباً فأنت إمام لأبنائك، فإذا عصيت الله يعصونه أمامك، إذا عصيت الله يقتدون بك .

﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا(30)وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا(31)يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾

( سورة الأحزاب : 30ـ32 )

إذا عصى القدوة تحمَّل وزر غيرِه ممن تبعه في المعصية :

 إذا عصى القدوة اقتدى الناس به، فتحمل إثم المعصية، وإثم كل من عصى الله اقتداء به، لذلك:

(( التوبة حسن، لكن في الشباب أحسن، والسخاء حسن، لكن في الأغنياء أحسن، والحياء حسن، لكن في النساء أحسن، والصبر حسن، لكن في الفقراء أحسن، والعدل حسن، لكن في الأمراء أحسن، والورع حسن، لكن في العلماء أحسن ))

[ من كنز العمال عن علي ]

 ثمة قصة تناسب هذا المقام، يروى أن ملكاً أكره الناس على أكل لحم الخنزير ـ قصة قد تكون رمزية ـ فجيء برجل عالم ليأكل لحم الخنزير قسراً وإلا قتل، فالحاجب يعرف مقامه، ذبح له شاة خِفية، وقدمها إليه، وقال له : هذه شاة يا سيدي، كلها ولا تخف، فلما دخل قرب الناس ليأكلها فأبى أن يأكلها، قيل له : لمَ لمْ تأكلها ؟ قال له : الناس لا يعرفون ذلك، يعرفون أنه لحم خنزير، فإذا أكلته أمامهم اقتدوا بي، فالذي يتصدر لتعليم الناس له حساب خاص، حركاته، سكناته، تصرفاته، أقواله أفعاله، أحواله، كله مسجل عليه، إن عمل سيئة اقتدى الناس به، فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لذلك ؛ أندم الناس يوم القيامة رجل دخل الناس بعلمه الجنة، ودخل هو بعلمه النار !!!
مما يروى ؛ أنه يوم القيامة يفاجأ أهل النار برجل في النار كان من أهل العلم في الدنيا، وكان ذا صيت كبير، كان نجمه متألقاً في سماء العلم، كان له شهرة كبيرة يقولون، متعجبين : أأنت فلان ؟ يقول : نعم ؟ أنت فلان ؟ يقول : نعم، يقولون : من الذي جاء بك إلى هنا ؟ ـ الحديث طويل، فعَنْ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ، فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى، فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ : يَا فُلَانُ مَا لَكَ ؟ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ ؟ فَيَقُولُ : بَلَى، قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ ))

[البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم]

 المعلم قدوة، إذا دخن أمام طلابه عدَّ الطلاب الدخان شيئاً عظيماً من صفات الرجولة، والاكتمال، فعليه إثم هذا العمل، وإثم من عمله من طلابه .
 المعلم قدوة، الأب قدوة، الأم في البيت قدوة ؛ لو أنها تساهلت في فتح الباب، وفي الحديث مع الغرباء أمام ابنتها، لقد زرعت فيها أن هذا العمل لا بأس به، شيء مقبول .
 الأم قدوة، والأب قدوة، والمعلم قدوة، وكل من يلي على أشخاص يحاسب حساب القدوة! لذلك ؛ كان سيدنا عمر رَضِي اللَّه عَنْه كان إذا أراد إنفاذ أمرٍ جمع أهله وخاصته وقال: " إني قد أمرت الناس بكذا، ونهيتم عن كذا، والناس كالطير، إن رأوكم وقعتم وقعوا، وايم الله، لا أوتين بواحد وقع فيما نهيت الناس عنه، إلا ضاعفت له العقوبة لمكانته مني " ؛ فصارت القرابة من عمر مصيبة !!
 أنت أبًا قدوة، أو أنك أخٌ أكبر، عندك أربعة أخوات، أنت قدوة لهم؛ إذا تأخرت إلى منتصف الليل يقلدونك، إذا علا صوتك على صوت أمك يقلدونك، إذا أخذت ما ليس لك يقلدونك، إذا تساهلت في البيع والشراء يقلدونك .
 إذاً :

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

 كان في قلبه من الكمال ما يسع أتباعه جميعاً، فحجم كماله كحجم كمال أمة، لذلك :

 

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

 في قلوب أتباعه .

 

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

 كان قدوة لهم، كان إماماً لهم .

﴿ وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾

( سورة البقرة : 124)

 ما هو الثمن ؟ أنه أتم أوامر الله عز وجل .

 

﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾

( سورة السجدة : 24 )

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾

( سورة الأحزاب : 39 )

﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

( سورة يس : 20 ـ 21 )

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ﴾

معنى : قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا

 أي : دائماً على طاعته، منقطعاً لعبادته، لا تشغله الدنيا عن ذكر الله، سيدنا سعد رَضِي اللَّه عَنْه قال: << في ثلاثةٍ أنا رجل، وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس ـ يعني أجوع كغيري من الناس، أشعر بالحر في أيام الحر كغيري من الناس، أغضب إذا استغضبت كغيري من الناس ـ لكن في ثلاثةٍ أنا فيهن رجل، ما سمعت حديثاً من رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا علمت أنه حق من الله تعالى، ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها، ولا دخلت في صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها >>، كان بطلاً في هذه الثلاثة .

﴿ قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ﴾

 مائلاً إلى الله، تغلب محبة الله عليه .
 خبيب بن عدي رَضِي اللَّه عَنْه كان من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقع في أسر قريش، وكان بإمكانه أن ينطق بكلمة الكفر ليفتدي نفسه منهم، لأنهم خيروه بين أن يصلبوه، وبين أن يكفر بمحمد لشدة حبه لله ورسوله، جاءه أبو سفيان عرض عليه الموت، أو أن يكفر بمحمد، ثم قال له : أتحب أن تكون معافىً في أهلك وولدك، وعندك عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة ؟ أتحب أن يكون محمد مكانك؟ قال: وَاللَّهِ لا أحب أن أكون في أهلي وولدي، وعندي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة !! هل تحب أنت أهل الحق هكذا ؟ هل تحب رسول الله ؟.

تعصي الله وأنت تظهر حبه ؟!  ذاك لعمـري في المقال بديع
لـو كان حبك صادقاً لأطعتـه  إن المحـب لمن يحب مطيع
***

 حنيفاً يعني مال قلبه إلى الله عز وجل، يحب الله، ولا يحب أحداً سواه .
 معنى قانتاً؛ أي: منقطعاً في عبادته إلى الله عز وجل ومعنى حنيفا؛ مائلاً قلبه إلى الله في كل أحواله .

 

لا ينبغي للقلب أن يميل إلاّ لله :

 هذا القلب، والله لا ينبغي أن يحب غير الله، أن تحب زوجتك؟ لا بد من أن تتركها، أو تتركك، أبداً، لا بد من ذلك إما أن يموت الإنسان قبلها، أو أن تموت قبله، أتحب أولادك؟ لا بد من أن تفارقهم، أتحب هذا الصديق ؟

(( عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت، فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))

[ الطبراني في الأوسط، والحاكم في المستدرك عن سهل بن سعد]

 أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ، يَعْنِي الْمَوْتَ ))

[الترمذي، النسائي، ابن ماجه، أحمد]

 لذلك لا ينبغي لهذا القلب أن يحب غير الله .
 رابعة العدوية تقول :

فليتك تحلو والحياة مريـــرة  وليتـك ترضى والأنـام غضاب
ولـيت الذي بيني وبينك عامـر  وبيني وبين العالمين خـــراب
***

 كلام سهل جداً، امتحنْ قلبك هل تحبه؟ هل تغض بصرك عن امرأة حسناء خوفاً منه ؟ لا أحد يراك، لا أحد يحاسبك، لا أحد في الأرض يحاسب على هذا، بالعكس، شيء طبيعي، من الذي يحاسب على أنك نظرت إلى النساء؟ هل تغض بصرك عن محاسن امرأة، لا تغضه إلا لله؟ هل تعطي فلاناً، لا تعطيه إلا لله؟ هل تمنعه، لا تمنعه إلا لله؟ هل تواليه لا تواليه إلا لله؟ هل تعاديه لا تعاديه إلا لله ؛ إذا كنت كذلك فالله يحبك، وأنت تحبه .

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

احذروا الشرك الخفيّ :

 والشرك كما تعلمون أخفى من دبيب النملة السمراء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على شيء من الجور، وأن تبغض على شيء من العدل، هذا من الشرك، طبعاً هناك شرك أكبر، وشرك أصغر، وشرك خفي .

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾

(سورة يوسف : 106 )

 إذا اعتقدت أن هذا الطبيب هو الذي شفى ابنك، معه بورد، وصف له دواء ثلاثة، في أيام كان صحيحاً، هذا شرك، هذا لو لم يأذن الله له، لو لم يلهمه الصواب، لو لم يلهمه تشخيص الداء لكنت في متاهة، ذهب شخص إلى أشهر الأطباء، شعر بشيء غير طبيعي، شخصوا له أنه مرض خبيث، كاد هذا المرض أن يسحقه ! والتشخيص غلط كله ؛ هذا ممكن، فلا تعزُ الأشياء إلى غير الله، هذا شرك، من علامات الشرك أن تغضب إذا حرمك الناس، وأن تفرح إذا أعطوك، مع أن ما عند الله لا يجلبه لك حرص حريص، ولا يرده عندك كراهة كاره .
 عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :

(( كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ : يَا غُلامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ))

[ أخرجه الترمذي عن ابن عباس ]

﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

( سورة فاطر : 2)

 إن الله تعالى قطع العباد عن الآجال، وعن الأرزاق، فكلمة الحق لا تقطع رزقاً، ولا تقرب أجلاً، تأكد أن رزقك بيد الله، وأن أجلك بيد الله، وأن هذا لا يملكه أحد إلا الله، من هنا تأتي شجاعتك، من هنا تأتي طمأنينتك، من هنا تأتي عزتك، من هنا تأتي كرامتك، لو اعتقدت أن الرزق بيد فلان لتذللت إليه، ولخضعت إليه، وانبطحت أمامه، وقبلت الأقدام، وتذللت، ونافقت، ولخنعت له، لو اعتقدت أن الرزق بيده أما إذا اعتقدت أن هذا الذي خلق الفرد خلق له الطعام والشراب .

 

﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ(22)فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ ﴾

(سورة الذاريات : 22 ـ 23 )

اطمئنّ على رزقك فإنه ضُمِن لك يوم كنت في بطن أمِّك :

 ما دام هذا الفم يتحرك فله عند الله رزق، لكن هذا الرزق قد يأتي صاحبَه بطريق غير مشروع .
 أنا أضرب مثلاً مشهوراً فأقول: هذه التفاحة التي خلقت في المكان الفلاني، في البستان الفلاني على الشجرة الفلانية، في الغصن الفلاني، ترتيبها رقم أربعة، حجمها وزنها، لونها، هذه لفلان، اسم فلان عليها، قد يأخذها شراء، وقد يأخذها ضيافة، وقد يأخذها هدية، وقد يأخذها تسولاً، وقد يأخذها سرقة، وقد يأخذها غصباً، طريقة وصولها إليك باختياره، أما هي له، طريقة وصولها إليه بحسب استقامته، وغفلته، وتقصيره، وانحرافه، وبعده وقربه، أما هي ـ أي التفاحة ـ له، فمسكين هذا الذي يسرق رزقه، لو أنه صبر عليه لأكله حلالاً، اصبر على الحرام يأتك الحلال، إن رزق الله لا يجره إليك حرص حريص، ولا يرده عنك كراهة كاره، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ ))

[ أخرجه ابن ماجه عن جابر بن عبد الله ]

 اطمئن، لك عند الله عز وجل 890 أكلة مثلاً بالعدد ؛ يمكن لشخص أن يقوم بإحصاء طريف، أنا كم بيضة أكلت في حياتي، وكم بيضة متوقع أن آكلها قبل الوفاة ؟ لو فرضنا 8000 بيضة، 80000، لا أعرف كم العدد، لك عند الله هذا العدد، لا ينقص ولا واحدة ! اطمئن، توجد أزمات، لا توجد أزمات، لك عنده هذا العدد ! كم تفاحة، كم بيضة، كم من رغيف سوف تأكل، كله مسجل .

(( أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ ))

 انتقِ مهنة راقية، شريفة، فيها خدمة للناس، فيها نفع للناس، قد يقول قائل : يا أخي لا أستطيع، لا يوجد غير هذا العمل! لا هذا غير صحيح، إذا كان العمل أساسه إيقاع الأذى بالناس دعه، ولا تأسف عليه، مهما كان الدخل كبيراً، إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك،

(( فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ ))

 ابحث عن عمل شريف فيه خدمة للآخرين، ولا ترض بعملٍ فيه معصية لله، ولا ترضَ بضاعة محرمة عند الله، ولا ترضَ عملاً فيه إيقاع الأذى بالناس ..

 

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(120)شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم

﴿ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ ﴾

كيف تشكر ربَّك ؟

 يا رب كيف أشكرك؟ قال : يا موسى، إنك إن ذكرتني شكرتني، وإذا ما نسيتني كفرتني، اذكرني ولا تنسني، إنك إن ذكرتني شكرتني، وإذا ما نسيتني كفرتني، يا ترى ؛ هل تذكر الله كل يوم؟ كل أسبوع؟ كل ساعة؟ كل فترة؟ صباحاً؟ مساء؟ إذا أكلت هل تقول: الحمد لله؟ هل دخلت إلى بيتك؟ هل تذكر فضله؟ إذا وقعت عينك على أبنائك وهم في صحة جيدة، هل تذكر فضله؟ لو كان أحدهم مشوهاً تحس بانقباض لا يوصف، إذا دخلت إلى البيت، وفي البيت ماء زلال، وطعام، وشراب، وفراش وثير، ودفء في الشتاء، وجو معتدل في الصيف، هل تذكر الله عز وجل ؟ هل تشكره ؟ كان عليه الصلاة والسلام تعظم عنده النعمة مهما دقّت .

﴿ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ ﴾

معنى : اجْتَبَاهُ

 اختاره، وهداه إلى صراط مستقيم، إذا كان الشخص على صراط مستقيم فهذه أكبر نعمة، سيدنا عمر إذا أصابته مصيبة كان يقول: << الحمد لله إذ لم تكن في ديني >>، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ ـ لو كشف الغطاء كان الذي على صراط مستقيم، هو أسعد الناس قاطبة، أعظمهم عند الله شأناً أكرمهم على الله، أسعدهم في الدنيا والآخرة الذي على الصراط المستقيم، تقول في الفاتحة كل يوم .

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6)صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾

( سورة الفاتحة : 6ـ7 )

﴿ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121)وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ ﴾

 في الدنيا حسنة .

﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾

( سورة المائدة : 18 )

 الإمام الشافعي رَضِي اللَّه عَنْه استنبط أن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحبابه .

 

﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾

حسنة الدنيا :

 سمعة طيبة، راحة بال طمأنينة، أمنًا، اطمئنانًا بذكر الله، إياكم أن تفهموا مني من أجل أن تكون هذه الآية مطبقة يجب أن تكون غنياً، صحيحاً، ذا زواج ناجح، لا، هذا ليس شرطاً، يجب أن تكون راضياً عن الله، فأنت أسعد الناس، قد تكون راضياً عنه وأنت مريض ! فأنت أسعد من الصحيح، وقد تكون راضياً عنه وأنت فقير، فأنت أسعد من الغني ! العبرة أن تكون راضياً عن الله، قال رجل من الصالحين: يا رب، هل أنت راضٍ عني؟! وكان يطوف حول الكعبة، ووراءه الإمام الشافعي رَضِي اللَّه عَنْه، قال له: يا هذا، هل أنت راضٍ عنه حتى يرضى عنك؟ فالتفت وقال: سبحان الله ‍! كيف أرضى عنه، وأنا أتمنى رضاه ؟ قال له : إذا رضيت عنه في مر القضاء، إذا كان سرورك بمر القضاء فأنت راضٍ عن الله، فلذلك :

﴿ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121)وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾

 المؤمن سعيد وكفى، سعيد وهو فقير ـ كلامي واضح ـ سعيد وهو غني، سعيد وهو مريض، سعيد وهو معافى، سعيد وعنده زوجة صالحة، سعيد وعنده زوجة سيئة، سعيد وعنده أولاد ذكور، سعيد وعنده أولاد إناث، سعيد وهو عقيم، سعيد وعنده أولاد مشاكسون، قلبه سعيد، عرف الله فأحبه، وانتهى الأمر، ليس شرطاً أن تتوافر كل الشروط حتى يكون سعيداً، وإذا كان الشخص اسمه " سعيد " فلا يكن شقياً، يشتد حزنه يوم القيامة، وإذا كان الواحد اسمه " كامل " فلا يكن ناقصاً، وإذا كان عبد الله فلا يكن عبداً لئيماً، اسمه " عبد الله " فيكون عبداً للئيم ؟ وإذا كان " عبد الرحمن " فلا يكن قاسياً، وإذا كان "عبد الغني" فلا يكن فقيراً، فقيراً للدنيا، شهوانياً، كيف أخشى الفقر، وأنا عبد الغني ؟!

الله يأمر نبيَّه محمد عليه الصلاة والسلام باتباع إبراهيم عليه السلام :

﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ﴾

 كان هذا النبي العظيم أبا الأنبياء .

 

﴿ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾

إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

يوم العطلة ليس للراحة بل للاجتهاد في العبادة :

 يوم السبت جُعِلَ يوم عطلة رسمية لليهود، وقد يتوهم البعض منه عطلة رسمية ؛ يعني ليغتسل، يغسل، يقمُّ، يريد أن ينظف، أن ينظم مكتبته، يستيقظ الساعة الحادية عشرة، اليوم جمعة، أيوجد عندنا دوام؟! يوم السبت يوم عطلة عند اليهود، يعني يجب أن يكون هذا اليوم خاصاً لله عز وجل، يجب أن تتفرغ في كل سبعة أيام يوماً لعبادة الله، وذكره ومعرفته، طبعاً نحن المسلمين يوم عيدنا الأسبوعي يوم الجمعة، فهذا اليوم يوم معرفة الله، وحضور خطبة الجمعة فرضٌ .
 قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلاثًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ ))

[أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن قتادة ]

 هذا يوم ليس لقضاء الحوائج، تنظيم البيت، والاستيقاظ الساعة الثانية عشرة، والمشاحنة أحياناً، وبعض الأكلات الخاصة، الجمعة صباحاً أكلة حمص، وعند الظهر لحم مشوي ـ سابقاً طبعاً ـ لا، ليس هذا هو القصد، القصد أن هذا اليوم من أجل أن تعرف الله عز وجل .
 أنا أتمنى على كل أخ أن يهيئ أموره الخميس، ويبقي هذا اليوم فراغاً لطاعة الله عز وجل، لسماع خطبة الجمعة، لحضور مجلس العلم .

 

﴿ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

احتيال اليهود في الصيد يوم السبت المحرم عليهم :

 بعض اليهود احتالوا على الله عز وجل، حفروا حفراً على شاطئ البحار، وأغروا السمك لدخولها، بعد أن دخلت سدوا، يوم الأحد صادوا السمك؛ هذه حيلة شرعية، أول من احتالوا حيلة شرعية هم اليهود، يوم عطلة! عطلة من أجل معرفة الله! من أجل العبادة، من أجل التأمل! من أجل الذكر! من أجل تلاوة الكتاب المقدس؛ من أجل التفكر في ملكوت السماوات والأرض، هذا كله يجب أن يكون يوم العطلة الرسمية! ماذا فعلوا؟ احتالوا على الله عز وجل، جعلوا حيتانهم تأتيهم شرعاً يوم سبتهم، الحيتان مطمئنة؛ هؤلاء يهود، والسبت معطلون، دخلت إلى هذه البرك، فلما دخلت سدوا عليها طريق الخروج يوم الأحد اصطادوها، فوبخهم الله عز وجل، وقرعهم، لأنهم بدل أن يكون هذا اليوم يوم عبادة، وتفكر، وذكر، وتلاوة، وعمل صالح، استخدموه لتحقيق مصالحهم الدنيوية، فإذا أجبر واحد صانعه على عمل يوم الجمعة يكون آثماً واللهِ، يقول : يا أخي عندنا موسم الآن! أي موسم هذا؟ كذلك في الآخرة موسم، هذا يوم موسم للآخرة، أجبر صانعه على البقاء في المحل، وإذا منعه أن يصلي الجمعة ؟ فإثمه أكبر !!

﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ(124)ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾

ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ

الحكمة في الدعوة :

 دخل أحدهم على أمير فقال : " إنني سأعظك بغلظة، كان الأمير أفقه منه، قال له : ولِمَ الغلظة يا أخي ؟ إن الله أرسل من هو خير منك، إلى من هو شر مني، أرسل موسى إلى فرعون، فقال له :

﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾

( سورة طه : 44 )

من معاني الحكمة :

 من معاني الحكمة الكلام المحكم، كلام صحيح، كلام غير صحيح خرافة، قصة غير صحيحة، تفسير فيه شطحة مثلاً، حديث ضعيف، حديث موضوع، قصة سمعناها ليس لها أصل، فيها خرق لآيات القرآن الكريم، هذا ليس حكمة، أنت تدعو إلى الله، فيجب أن تدعو إليه بالحكمة، من معاني بالحكمة الكلام المحكم، القطعي الثبوت، القطعي الدلالة، كلام محكم، آية محكمة، هذا تفسيرها، أجمع العلماء على هذا التفسير، هذا تفسير الجمهور، حديث صحيح من الكتب الصحيحة، هذا تفسيره، قصة وردت في القرآن، قصة محكمة، آية كونية أشار إليها القرآن، محكمة، لا تحدِّث بكلام خرافات، أحاديث ضعيفة، موضوعة، قصصاً غير صحيحة، لا تنقل شيئاً غير متأكد منه، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ))

[ أخرجه مسلم عن خبيب بن عبد الرحمن ]

 لأنه توجد قصة غير صحيحة، هذه فيها طعن بآية قرآنية، هذه القصة خرافة، هذه القصة تعطل همة الإنسان .

 

﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ ﴾

 أي : بالقول الحكيم، المسدد، الصحيح، القطعي، هذا معنى .
 ومعنى بالحكمة؛ يعني اختر الوقت المناسب، أضاع أحدهم غرضاً مهماً قال: انظر آية!! يقول لك: الآن اذهب عني أي آية، انتق الوقت المناسب، عندما يكون صافياً، مرتاحاً، شبعان، نائماً، قل له كلمة، لكنه مشغول، عنده فحص، عنده عمل، مهموم بقضية، انصحه الآن، يقول لك: لست فارغاً الآن يا أخي، اختر الوقت المناسب، اختر العبارة اللطيفة، أخي أنت بهذا العمل كافر، أتدري معنى كافر؟ من كفَّر إنساناً فقد كفر، من أنت حتى تكفره؟ يا أخي هذا العمل غلط، قل له: غلط، لا تقل له: كافر، قل له: هذا العمل خلاف القرآن الكريم، أنت رجل مسلم، ذكره بأنه مسلم، والمسلم يطيع الله عز وجل، أنت من أسرة راقية، هناك آخرة، هناك حساب، هناك إله يحاسب، ادع بالحكمة، اختر العبارة المناسبة، اختر الوقت المناسب، اختر المكان المناسب، رأيته قاعدًا في مكان عام وسيارات عامة وازدحام، انصحه ؛ المكان لا يناسب، هناك أماكن غير مناسبة للدعوة إلى الله عز وجل، اختر مكاناً مناسباً، وقتاً مناسباً، عبارة مناسبة، لا تكن قاسياً .

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾

( سورة آل عمران : 159 )

 لا تقل له: كذاب، قل له: أعتقد هذا الكلام غير صحيح، أنا لي قناعات أخرى، يا أخي كذاب! هذه ليست حكمة، لا تعطه كل أخطائه، يقول لك : لم أعد أريد هذا الدين، أنت غلطان في هذه وتلك، وهذه معصية، وهذه كبيرة، لا تعطه قائمة، أعطه واحدة فقط، اتركه الآن، حدثه عن الله عز وجل، ثم لا تحدثه بشيء فوق مستواه :

(( حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ؟ ))

[أخرجه البخاري عن علي ]

 أترى هذا الكأس؟ هذه ذرات تدور! يقول له: ما هذا الكلام؟ فهو غير دارس، هل أنت مجنون؟ هي فعلاً ذرات تدور، نترونات، وبرتونات، وكهارب، ومدارات، شيء لا يصدق!! قل هذا الكلام لمن معه بكالوريا، معه كفاءة، سمع ما هي الذرة، أما غير المتعلم فيُمنع إطلاقاً، حتى لا يكذبك، ويقول: إن كلامك غير معقول .

 

﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ ﴾

 اختر الكلام المناسب، المستوى المناسب، الوقت المناسب، العبارة المناسبة، المكان المناسب، الزمان المناسب، لا تكن قاسياً، لا تكِّفر الناس، لا تقل له: أنت غارق في المعاصي، أنت ليس فيك أمل، إلى جهنم، دفعة واحدة، لا، هذا ليس كلاماً حكيماً، أنت هدفك أن تحطمه ؟ أم هدفك أن تهديه إلى الله عز وجل؟ خذ بيده، تلطف به، ورد أنه: إذا قال العبد: يا رب وهو راكع، قال الله: لبيك يا عبدي، وإذا قال: يا رب وهو ساجد، قال لبيك يا عبدي، فإذا قال: يا رب وهو عاصٍ قال: لبيك، ثم لبيك، ثم لبيك .
 عن أنس بن مالك قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى :

(( يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً ))

[أخرجه الترمذي ]

 ما معنى غفور رحيم؟ لكن بشرط التوبة، بشرط الاستقامة بشرط الإقلاع عن الذنب، والندم عليه .

﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾

حقيقة الدعوة بالموعظة الحسنة :

 أحياناً تجد مخالفة بسيطة جداً، كطفل جالس في الصلاة، ما نصب قدمه اليمنى، ينهره أحدهم، الصلاة ليست هكذا! هذا جاء إلى الجامع حديثًا، أيحتاج إلى أن تنهره من أجل خطأ بسيط ؟ أهكذا الحكمة؟ تلطف به، أعطه هدية، أكرمه، أثن على صلاته، صلِّ أمامه، قل له : سوف أصلي أمامك يا بني، صلِّ أمامه، إذا صلى طفل إلى جانبك فلا تقل له : ارجع إلى الوراء، دعه يصلي أول صف، ماذا في الأمر؟ هذا طفل، الأطفال أحباب الله، اجعل الجامع شيئاً محبباً له، محبباً جداً، دعه معززاً مكرماً، أكرمه .
 قال لي شخص دخل المسجد ليصلي، وهو طفل صغير، ضاع حذاءه فبكى، سمعه رجل فأخذه للسوق، واشترى له حذاءً جديداً، لقيه بعد عشرين سنة، قال له: يا عم أنت سبب صلاتي طوال حياتي، من بعد ما قدمت لي الحذاء ما قطعت الصلاة، هكذا الإنسان، أما أن تقول: الحق عليك، لِمَ لمْ تضعها جنبك؟ لِمَ ولِمَ؟ ضاعت، وانتهى الأمر، فلذلك :

﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾

 أحياناً يتعلم الواحد شيئاً من الدين فيأتي إلى أهله؛ هذا عملك كفر يا أبي! هذا الجهاز حرام! وأنتم فسقة؛ ما هذا الكلام؟ أهكذا علموك؟ أن تهاجم أهلك؟ هذا أبوك له حق عليك، لا يأتي بالموعظة معك، بل يأتي بالإحسان! هذا لا يأتي بالعنف، أنت ابنه بالعنف كنت صغيراً أمامه بالعنف أتعلمه أنت؟ صلِّ أمامه بالعنف كن خاشعاً، تلطف معه، اخدمه، بره حتى يلين قلبه لك بالعنف فيقول: والله أنت أحسن مني يا بني، أما أن تقول له: أنت لست ملتزمًا، أنت مرتكب للمعاصي، لا يرجى منك خير فها خطأ شنيع !
 أعرف أشخاصاً لا حكمة عندهم، يسببون عليهم ثورة عليهم في البيت، أهكذا المؤمن ؟ يكون سيئ الأدب ؟ هذا لا يكون !!!

﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾

 هذه الموعظة؛ فلا تأتِ بخرافات، مثلاً: ذهب إلى الحج، كان يأكل أموال الناس، وضعوا عنده مبلغاً من المال، وقد حجَّ اثنتا عشرة حجة، جاء الشخص، وقال له: ليس لك عندي شيء ! عنده ابن لم يحج بعد، بريء جداً، قال له: و الله يا أبي أعطاك أمامي، قال له: لا بد أن تحج أنت!! أهذه قصة؟ أتحكى هذه؟ ما مغزاها؟ معنى ذلك: أن كل من حج فهو غير مستقيم!! يضحكون الناس بقصص غير صحيحة .
 الله قال :

﴿ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾

 تحكي قصة فيها ظلم؟ إذاً فأين الله؟ تحكي قصة رجل لأنه سيئ، ثم صار في وضع جيد جداً، وأن الله رفع شأنه؟ لأن ماله حرام؟ لأنه جيد صار وراء الناس؟ أهذا توجيه؟ والناس عندهم رغبة أن يعطوك قصصًا خلاف القرآن، لأنه ملتزم بقي بلا بيت ! وصار وراء الناس، ما هذا الكلام؟ هذا كلام الشيطان، الله عز وجل قال :

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾

( سورة فصلت : 30 ـ 31 )

 لا بد أن تنصح الناس، تأتي بقصة لها مغزى عظيم، سيدنا يوسف قال تعالى عنه :

﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتْ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾

( سورة يوسف : 23 )

 صار عزيز مصر، هذه قصة ؛ لأنه استقام، لأنه كان عفيفاً رفع الله شأنه .
 سيدنا عمر قال: كنتُ عميراً، فأصبحت عمراً، فأصبحت أمير المؤمنين، لأنه أطاع الله عز وجل، هذه قصة .
 سيدنا أبو الدرداء قيل له: يا فلان، بيتك قد احترق، قال: ما كان الله ليفعل، يا أخي احترق، قال : ما كان الله ليفعل، فلما ذهبوا وجدوا كلامه صحيحاً ـ دكان جاره احترقت ـ قال: الذي احترقت دكان جارك، فقال: أعلم ذلك .
 هذه قصة، المال الذي تؤدى زكاته يحفظه الله عز وجل، اذكر قصة أن الله يحفظ المال المزكّى، الله يوفق المستقيم، يرفع شأن المؤمن، أما لأنه مؤمن نزل إلى أسفل السافلين! كل قصة مغزاها خلاف كلام الله، فهذا الذي يلقيها شيطان، حتى ييئسك، يقول لك : الله عز وجل يطعم الحلاوة لمن لا أضراس له، يعني أن الله ليس حكيماً ؟ أليس كذلك ؟ هذا مؤدى الكلام، أن الله غير حكيم، الذي يلزم أن يكون معه مال ليس معه مال، الذي لا يلزم أن يكون معه يعطيه مالاً كثيراً؟ أهكذا ظنك بالله عز وجل؟ لا تحكِ قصة مغزاها خلاف كلام الله عز وجل .

﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾

المجادلة بالتي هي أحسن :

 من غير مشاحنات، أنت تكلم برأيك فقط، اعرض الحق عرضاً جيداً، وانتهى الأمر، لا تكره الناس، ولا تقعد تناقشهم، لأن النقاش غير مجدٍ، إذا أردت أن تقنع الناس بشيء فاسلك أي طريق إلا المناقشة، فيها مشاحنة، وجرح كرامة، وهذا لا يصح .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018