الدرس : 17 - سورة النحل - تفسير الآيات 77 – 89 ، عن عالم الغيب - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 17 - سورة النحل - تفسير الآيات 77 – 89 ، عن عالم الغيب


1987-05-15

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس السابع عشر من سورة النحل، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ

لا يعلم الغيب إلا الله :

 لو أن الآية : وغيب السماوات والأرض لله، هذا شيء، وأن يقول الله عز وجل :

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 شيء آخر .
 في قوله تعالى :

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 قصرٌ، أيْ : غيب السماوات والأرض لا يعلمه إلا الله، ما من إنسان على وجه الأرض يعلم ما سيكون، الله سبحانه علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون .

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 على مستوى بني البشر، هذا المولود سيكون صالحاً أو طالحاً؟ خيرِّاً أم شريراً؟ طويل العمر، أم قصير العمر؟ صحيح الجسم، أم مريض الجسم؟ كيف يموت؟ بأي أرض يموت؟ هذه الأرض ما مصيرها؟ هذا الجبل ما مصيره؟ هذا النهر هل سيجف؟ أم سيبقى .

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 قال تعالى :

﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ﴾

( سورة الجن : 26 )

 وقال سبحانه :

 

﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾

 

( سورة الأعراف : 188 )

 لا تصدق أحداً من بني البشر أنه يعلم الغيب، لا تصريحاً، ولا تلميحاً، ولا إشارة، ولا بأي طريقة كانت .

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

إذًا علاقتك مع مَن يعلم الغيب وحده :

 فأنت إذاً علاقتك مع مَنْ؟ مع من بيده غيب السماوات والأرض، مع من بيده مقاليد السماوات والأرض، مع من بيده الخير والشر، مع من بيده الرزق، مع من بيده الحياة والموت .

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 مما يشقي البشر أنهم متعلقون بزيد أو عبيد، وفلان وعلان، وهم يحسبون أن هؤلاء ينفعونهم أو يضرونهم، يرزقونهم أو يحرمونهم، يرفعونهم أو يخفضونهم، إنهم بشر ضعفاء، عبيد، لا يستطيعون شيئاً .

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 الذين كانوا في أوج نشاطهم، وجاءهم مرض عضال فأودى بهم، من كان يعلم ذلك؟ ما من إنسان يموت هل يعلم أنه سيموت بعد ساعة ؟
 طبيب كريم ذكر لي قبل يومين أن شابًا في الواحدة والثلاثين يحلق لحيته في البيت، ويمزح مع زوجته، فوقع في الحمام، فإذا هو ميت، من يعلم الغيب؟ من يعلم أن هذا الشاب سيموت بعد ساعة؟ أليس في ذهن الشاب آمال طويلة؟ قد يرجو أن يغير بيته، أن يغير عمله، أن يترك وظيفته، أن يعمل عملاً حراً، أن يدير تجارة عريضة، أن يذهب إلى البلاد الفلانية، أن يمضي الصيف في المكان الفلانية، أليس هذا في ذهنه؟

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 لذلك اتقِ من بيده غيب السماوات والأرض، أطع من بيده غيب السماوات والأرض، ارجُ من بيده غيب السماوات والأرض، خف ممن بيده غيب السماوات والأرض، يا موسى خف ثلاثاً ؛ خفني، وخف نفسك، وخف من لا يخافني .

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 وكلام رسول الله في القرآن :

﴿ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾

( سورة الأحقاف : 9 )

 الذي يسافر هل يرجع؟ ذهب إنسان إلى بلد فتوفي في المطار، عندما هبطت الطائرة ودخل إلى قاعة المسافرين، وجلس على كرسي وقع فمات، إذا سافرنا هل نعود؟ وإذا خرجنا من بيوتنا هل نرجع؟ وإذا نمنا هل نستيقظ؟ وإذا استيقظنا هل ننام على هذا السرير؟ وإذا عمّرنا هذا البيت هل نسكنه؟ وإذا أخذنا هذه الشهادة هل نستخدمها؟ وإذا خطبنا هل ندخل؟ وإذا دخلنا هل ننجب؟ وإذا أنجبنا هل نرى أبناءَنا كباراً؟ وإذا رأيناهم كباراً هل نزوجهم؟ وإذا زوجناهم هل نرى أولادهم؟

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 لا نعلم شيئاً، الله يعلم، فلا بد لنا من علاقة طيبة مع الله .

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة هود : 55 ـ 56 )

 إذا كانت علاقتك بالله طيبة فلا تخش في الناس لومة لائم، من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به .
 بشكل أو بآخر ؛ لو أنك تملك قطعة من الذهب ثمينة، لو قال الناس عنها جميعاً : إنها حديد، هل تصبح حديدا، أم تبقى ذهباً؟ الذهب ذهب، والحديد حديد، وإذا كان معك قطعة من المعدن الرخيص، وأوهمت الناس أنها ذهب، وصدقوك، هل تصبح هذه ذهباً؟ لا، علاقتك مع نفسك، وعلاقتك مع الله .

(( وَاعْلَمْ أَنَّ الأمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ))

[أخرجه الترمذي عن ابن عباس ]

 عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ :

(( أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا أَنَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللَّهُ، وَأَحَبَّنِي النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّوكَ ))

[أخرجه ابن ماجه]

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 لا ندري بعد هذه الساعة ما سيكون، ما من حادث غريب إلا كان غريباً على أصحابه، ففوجئوا به .
 من خلال مجموعة قصص سمعتها من طبيب دهشت ؛ أن الإنسان بينه وبين الموت شعرة، قال لي : كهرباء القلب ذا اضطربت يتوقف القلب، في ثانية واحدة يصبح من أهل القبور، وقد يكون تخطيطه جيداً، ولا يشكو شيئاً، وهو في أوج صحته، وأوج قوته أجهزته، كلها تعمل بانتظام، وهو في ريعان الشباب، تضطرب الكهرباء في القلب، فيقف القلب، فيموت الدماغ، فتشخص عيناه، وانتهى الأمر، اقلب صفحة، انتهى، أصبح خبراً بعد أن كان رجلاَ، كان رجلاً فصار خبرًا على الجدران .

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ ﴾

 أمر ساعتك أيها الإنسان :

﴿ كَلَمْحِ الْبَصَرِ ﴾

أمرُ الساعة بين الكاف والنون :

 كن فيكون، زُل فيزول، ومن حِكم الله عز وجل أن هذا الإنسان الشديد، العتيد القوي، الجبار، المتكبر، حياته متوقفة على أسبابٍ تافهة جداً، فلو أن نقطة من الدم تجمدت في شرايين الدماغ لمات، يقولون : سكته دماغيه، لو أن شريانًا في الدماغ فرعياً انفجر يموت الإنسان فوراً، لو أن الشريان المغذي للقلب سُدَّ يضطرب القلب، ويموت الإنسان .

﴿ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ ﴾

 درس لنا كلنا، درس بليغ، بيننا وبين الموت شعرة، ثانيةٌ، وإذا شئتم فاسألوا، إذا شئتم زوروا المستشفيات، زوروا غرف العناية المشددة، زوروا الأطباء، اسألوهم عن الموت، ثانية واحدة، مريض في العناية المشددة، دخل عليه صديقه، جلس معه عشر دقائق، تركه وخرج من الغرفة، وهو يفتح باب الغرفة دخل زائر آخر، قال له : كيف فلان؟ قال له : والله بحالة جيدة، وصل بعد أمتار فقال له : إنه ميت، تعال انظر إليه، قبل ثانية كان حياً .

﴿ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ ﴾

 أنا لا أريد أن أخوفكم، أنا خائف معكم ـ والله ـ لا أريد أن أعطيكم صورة قاتمة، لكن هذا هو الواقع، من أجل أن تستقيموا على أمر الله، من أجل أن تقلعوا عن المعاصي، عن المخالفات، عن الشبهات، عن كل شيء يبعدك عن الله عز وجل، كن مستعداً للقاء الله، فأنت بطل .

ليس من يقطع طرقاً بطلاً  إنمـا من يتقي الله البطل
***

 أمد الله في حياتنا جميعاً، ورزقنا أعمالاً طيبة نلقى الله بها .
 و في الحديث :

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ : مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ ))

[من سنن الترمذي عن عبد الله بن بسر ]

 ولكنها الحقيقة، بين الإنسان وبين الموت ثانية واحدة، لا أريد أن أذكر أمثلة الأمثلة ؛ فهي كثيرة جداً .

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ ﴾

 إما أنها ساعتنا نحن بالذات، أو أنها ساعة يوم القيامة، على كل هي كلمح البصر،

﴿ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ﴾

﴿ فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ(83)وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ(84)وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ(85)فَلَوْلَا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ(86)تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾

( سورة الواقعة : 83 ـ 87 )

 هل تستطيعون أن ترجعوها ؟

﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

هذا كلّه دليلٌ على قدرة الله :

 توجد آلات طباعة حديثة جداً، وضخمة جداً، قد يزيد طولها على طول هذا المسجد، عملها كله على جهاز إلكتروني، هناك منبع ضوئي، وهناك مستقبل ضوئي، فإذا جاءت ورقة فحجبت الضوء تتوقف الآلة كلها على ضخامتها، أنت قد تستغرب، كل هذه الضخامة، وكل هذا الحجم، وكل هذه العظمة تتوقف كلها فجأةً بانقطاع ضوء خفيف؟ هكذا الإنسان، مهما كان قوياً، مهما كان كبيراً، مهما كان عظيماً، مهما كان مشهوراً، مهما كان له سمعة، العلماء الكبار، الأنبياء الكبار، الأنبياء جميعاً .

﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾

( سورة الزمر : 30 )

﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾

( سورة آل عمران : 144)

 إذاً الموت قاسم مشترك بين جميع الخلق .

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(77)وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا

المولود يخرج من بطن أمه جاهلاً :

 أحدث نظرية في علم نفس الطفولة تؤكد هذه الآية، الإنسان لا يعلم شيئاً، الإنسان مزود بمنعكس واحد، هو منعكس المَصِّ، لولا هذا المنعكس لمات جوعاً، الآن أعطِ ولدًا إصبعا من أصابعك يحكم شفتيه حولها، ويشفط الهواء من حولها ! ألقِمْه ثدي أمه يرضع ! غير هذا المنعكس، الإنسان لا يعلم شيئاً، علماء الذرة الكبار، علماء الفيزياء، علماء الكيمياء، علماء الطبيعيات، علماء التشريح، علماء الطب، علماء الفلك، علماء الرياضيات، علماء الجيولوجيا، علماء التاريخ، علماء الجغرافية، علماء اللغة، علماء الفلسفة، قادة العالم الكبار، علية القوم، هؤلاء كانوا لا يعلمون شيئاً، لحكمة بالغة .
 تروي بعض القصص أن شاباً عالماً درس في بغداد، وتحلق حوله الناس، وأعجبوا به، واستفادوا من علمه، فأثار هذا غيرة بعض العلماء ؛ فحسدوه، أراد بعضهم أن يحضر مجلسه ليسفهه أمام تلاميذه، فبعد أن انتهى الدرس وقف هذا العالم المشهور، وقال : يا فتى من أين هذا العلم؟ ما سمعنا به، من أجل أن يصغره، ويحجمه، ويظهر للناس أن هذا الكلام بدعة، من أين هذا العلم؟ ما سمعنا به؟ فما كان من هذا الشاب إلا أن قال لهذا العالم المشهور : وهل حصلت العلم كله؟ سؤال، فإذا قال : نعم، وقع في غلط شنيع .

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾

( سورة الإسراء : 85 )

 وربنا عز وجل يقول :

﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾

( سورة يوسف : 76 )

 فاضطر هذا العالم إلى أن يقول: لا، سأله : هل حصلت العلم كله؟ قال له : لا، قال له : إذاً هذا الذي تكلمت به للناس من الشطر الذي لا تعرفه، إن كنت قد حصلتَ شطر العلم، فهذا العلم من الشطر الذي لا تعلمه .
 فربنا عز وجل قال :

﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ﴾

 الإنسان وخبراته، وعلمه، لو أن خللاً حصل في الدماغ لأخذه أهله إلى مستشفى الأمراض العقلية، ولتوسطوا حتى يدخل بآلاف الوسائط، من أنت؟ كلمة التوحيد، أن تقول : لا إله إلا الله، أنا من أنا .

إذا كنت في كل حال معي فعن حمل زادي أنا في غنى
فأنتم هو الحق لا غيركـم  فيـا ليت شعري أنا من أنا
***
كن مع الله تر الله مـعك  واترك الكل وحـاذر طمعك
وإذا أعطاك من يمنـعه؟  ثم من يعطي إذا ما مـنعك؟
***

 كنت لا شيء فأصبحت به خير شيء، انظر إلى سني طفولتك، هل كنت تعرف شيئاً؟ الآن صرت إنساناً تقول : أنا، قل : الله تفضّل علي، بعد أن تطور الأمر بك، وتعلمت، وتثقفت، ونلت الشهادات العلية، وجلست في مجالس العلم، تقول : أنا؟!

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

( سورة النور : 21 )

﴿ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾

( سورة النساء : 113 )

 المحجوب عن الله عز وجل يرى نفسه، يرى علمه، والذي يرى فضل الله عليه لا يرى نفسه شيئاً .

﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ﴾

بعدها يجعل الله للإنسان سمعا وبصر وقلبا أدوات للتعلم :

 الفؤاد هنا فيه أوجه التفاسير، المقصود به الدماغ، أي : العقل، يعني جعل لك سمعاً، تسمع الأصوات، لكنك بالدماغ تدرك معنى الأصوات، جعل لك عيناً ترى بها الصور ؛ لكنك بالدماغ تدرك معنى هذه الصورة، الطفل الصغير قد يرى حية، يراها كما تراها أنت، لا يخاف منها، ولا يهرب منها ؛ لأنه لم يدرك ما خطورتها، ولكنك إذا رأيت أفعى تقتلها، أو تولي منها هارباً ؛ لأن الدماغ أدرك خطرها ؛ فالله سبحانه وتعالى قال :

﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

عليك بشكر النِّعم :

 الإنسان من أجل أن يعرف نعمة الله عليه ليتصور أنه لا عينين له، أو لا عين له؛ الألوان لا معنى لها، الأثاث بالبيت لا معنى له، جمال الأثاث لا قيمة له، جمال الطبيعة لا قيمة له، جمال الأزهار لا قيمة له، جمال الأطفال لا قيمة له، إذاً العين، السمع، والبصر والفؤاد، هذه من نعم الله الكبرى .

﴿ أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾

أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ

ماذا تعلم عن عالَم الطير :

 هل درست عن الطير شيئاً؟ قال بعض العلماء : إنَّ أرقى طائرة صنعها الإنسان لا ترقى إلى مستوى الطير ! فالطائرة مثلاً يجب أن تؤدي جهداً كبيراً جداً بأقل وزنٍ ممكن، هذا مبدأ الطائرة ؛ لذلك وقود الطائرة يزيد على مئة وخمسين طناً تستهلكها في خمس عشر ساعة ! وزن وقودها كوزنها بالضبط ! وزن الطائرة الكبيرة مئة وخمسون طناً، ووزن وقودها كذلك، إذاً فهي مهيأة أن تقوم بجهد كبير جداً، في الوقت نفسه أخف وزن ممكن هو وزن الطائرة، تنتقى من معادن متينة، وخفيفة، هذا هو الطائر، عظامه كلها مفرغة من أجل خفة الوزن، ولأنه يبذل جهداً عالياً فإن رئتي الطائر تصل إلى كل مكان في جسمه، والهواء الذي يستنشقه الطائر يصل إلى كل مكانٍ في جسمه من أجل تبريد العضلات، لأن الطائر يزيد على ست وثمانين ساعة طيراناً مستمراً ! قلب الطائر قلب عجيب، يضخ للجناحين دماً يعادل دم جسم الطائر كله، وبنية الطائر، عضلات الطائر، أجنحة الطائر، رئة الطائر، رأس الطائر، أجهزته شيء يأخذ بالألباب .
 وأتمنى في درس قادم إن شاء الله أن أوسع لكم في بنية جسم الطائر .

﴿ أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾

الله هو الذي زوّد الطير بصفات كثيرة :

 من زود الطائر بهذه الصفات؟ هذا الريش، من جعله بهذا الوزن الخفيف، يقول لك : وزنه كالريشة، كأنه لا وزن لها ! من جعل هذا الأنبوب في وسط الريشة مقاوماً، وخفيفاً؟ ومن جعل الأشعار حول هذا الأنبوب ملتصقة من أجل أن تشكل مقاومة للهواء؟ من جعل للطائر قوادم طويلة وريشاً أقلّ؟ ثم أقلّ، من جعل الزغب حول جسم الطائر؟ القوادم والخوافي، الخوافي قوةٌ للقوادم، من أعطاه هذه الإمكانية على معرفة الطريق؟ قد يطير الطائر سبعة عشر ألف كيلو متر ! يقطع الطائر رحلة الشتاء والصيف مسافة تزيد على سبعة عشر ألف كيلو متر ! من يهديه في ظلمات البر والبحر، لو أن زاوية الطيران اختلفت درجة واحدة مثلاً، عشّه في دمشق يأتي إلى بغداد، أو إلى القاهرة، الطيور التي تعشش في بيوت دمشق هذه الطيور تهاجر إلى إفريقيا، وتعود في فصل الشتاء من أعطاها هذه القدرة على معرفة الطريق؟ الله سبحانه وتعالى .

﴿ أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾

هل تعلم كيف يهتدي الطائر في طيرانه ؟

 العلماء وضعوا نظريات كلها باءت بالإخفاق، ظنوا أن الطائر يهتدي بأشعة الشمس، فإذا به يهتدي ليلاً إلى هدفه، ظنوا أن الطائر يهتدي بتضاريس الأرض، فلما طار فوق البحر اهتدى إلى هدفه، ظنوا أن الطائر يهتدي بشيء مغناطيسي، كلما طرحوا نظرية جاءت التجارب تؤكد عكسها، ولا يزال اهتداء الطائر إلى عشه قاطعاً مسافات شاسعة لا يزال هذا لغزاً يحير العلماء !! بعضهم طرح نظرية ربما كانت أقرب ما تكون إلى الصواب، أن الطائر يهتدي بالساحة المغناطيسية الأرضية، لا الشمس، ولا التضاريس، ولا الضوء، ولا شيء من هذا القبيل .

﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا ﴾

وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا

البيت سكنٌ وراحة :

 البيت تسكن فيه، ترتاح أعصابك، ترتاح من عناء العمل ومشقة كسب المال .

﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا ﴾

البيت نعمة :

 من أجل أن تعرف قيمة السكن سافرْ إلى بلد؛ فإذا كانت جميع الفنادق مشغولة، وأنت تدور في الطرقات حتى ساعة متأخرة من الليل، تريد أن تأوي إلى مكان، ولا تهتدي إليه، تعرف عندئذ قيمة المأوى، لذلك عَنْ أَنَسٍ

(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا، وَسَقَانَا، وَكَفَانَا، وَآوَانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ ))

[مسلم]

 معك مفتاح بيت، دخلت إلى البيت، خلعت الثياب، أخذت حماماً سريعاً، استلقيت على فراشك، نسيت تعب النهار، هذا البيت من نعم الله الكبرى، لك بيت خاص، من أجل أن تعرف قيمة المأوى الخاص لو أنك اضطررت أن تسكن مع أناس أسبوعاً، تضيق بهم ذرعاً، تشعر أن حريتك مقيدة، تريد أن تنام في الوقت الذي تشاء فلا تقدر، الناس ساهرون ، لا تعرف قيمة المأوى المستقل إلا إذا كان لك مأوى مستقل، هذه نعمة كبرى، إذا دخل الإنسان بيته فليقل : الحمد لله رب العالمين .

﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ﴾

بيوت جلود الأنعام خفيفة في الحلّ والترحال :

 هذه البيوت؛ بيوت الشعر، أو بيوت الجلد، التي يستخدمها البدو في الصحراء، يسكنونها، وقد تكون هذه البيوت إذا أقيمت على أصولها بيوتاً منيعة .

﴿ يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ﴾

 أيْ : يوم سفركم .

﴿ تَسْتَخِفُّونَهَا ﴾

 أي تجدونها خفيفة .

﴿ يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ﴾

 أيْ : يوم سفركم .

﴿ يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ﴾

 من أصواف الأنعام .

﴿ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا ﴾

الصوف والوبر والشعر للأثاث واللباس :

 الجمل له وبر، والماعز لها شعر، والغنم لها صوف .

﴿ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ﴾

 قال لي شخص : توجد ألبسة داخلية شتوية ثمن القطعتين حوالي ألف ومئتي ليرة! قلت له : لماذا هذا السعر المرتفع؟ قال : لأنها من وبر الجمل، لها نعومة تفوق نعومة الحرير، تبث دفئاً يفوق حد التصور ! قطعتان من الألبسة الداخلية للشتاء .

﴿ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ﴾

 أثاثاً؛ الطنافس، البسط، الفرش، الفراش من الصوف، واللحاف، والغطاء، هذا كله من الأصواف والأشعار ومن الأوبار :

﴿ أَثَاثًا وَمَتَاعًا ﴾

 متاعًا تتخذونها بضاعة تتاجرون بها، المتاع هو البضاعة التي تنمو بالبيع والشراء .

﴿ وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ﴾

معنى : وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ

 العلماء قالوا : هذا الحين نوعان، إما إلى حين أن تهترئ وتبلى، وإما إلى أن يموت صاحبها، متى تنقطع علاقتك بهذا الشيء؟ إما أن يهترئ هذا الشيء، وإما أن يموت صاحبه .

﴿ وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ﴾

 إذا توفي شخص يفتحون خزانته، فإذا فيها ثياب لم يلبسها، يوزعونها حتى لا يتذكروه، لا يتركون شيئاً ! كل شيء متعلق بالميت يوزعونه، يخافون أن يتذكروه، حتى لا يتذكروا أنفسهم ومصيرهم، فالإنسان قد يشتري، ولا يلبس .

﴿ وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ﴾

 هذه الحين تقطع نياط القلب .

﴿ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾

( سورة البقرة )

﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْجِبَالِ أَكْنَانًا ﴾

وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْجِبَالِ أَكْنَانًا

الجبال مصدّات وظلال :

 تجد هذا البلد دافئاً فيه مصدٌّ كبير للرياح، سلسة الجبال الغربية مصدّات للرياح، المدن التي خلف سلسلة جبال لبنان الغربية والشرقية، أما طقس حمص فطقس آخر، رياح عاتية، وهناك فتحة على البحر، القنيطرة لها طقس خاص، لأنها مفتوحة على البحر، أما مدن الداخل التي تقع إلى جانب الجبال فتُعَدُّ هذه الجبال أكناناً، اصعد إلى جبل قاسيون في أيام رياح عاتية، انتقل من طرف إلى طرف فإنك ترى الطقس يختلف اختلافاً كبيراً، إن كانت الرياح غربية، وانتقلت إلى سفحه الشرقي فكأنه ليس هناك رياح إطلاقاً، وإن كانت الرياح شرقية، وانتقلت إلى سفحه الغربي فكأن الرياح معدومة .
 إذاً :

﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا ﴾

 الأشجار من نعم الله الكبرى، هناك أشجار خلقت خصيصى كي تؤمِّن لكم الظلال، الآن طرقاتنا أكثرها مشجّرة، هذه أشجار زينة لا تثمر، لا يستفاد لا من ثمرها، ولا من ورقها، ولا من أزهارها، ولا من جذوعها، ولا من أخشابها، يستفاد من ظلالها، إذاً هذه خلقت خصيصى كي تمنحك الظل، لذلك من حكمة الله عز وجل أن أكثر أشجار الزينة ذات أوراق دائمة الخضرة، حجمها صغير تتراقص مع الرياح، شكلها دائري، منتظم، كأنها مظلة .

 

﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْجِبَالِ أَكْنَانًا ﴾

 أحياناً يسير الإنسان في طريق كله شمس، في أيام الصيف الحارة يصل إلى ظل شجرة فيجلس تحتها قليلاً، النسمات تحرك أوراقها، يقول لك : جلست تحتها جلسة لا أنساها، هذه من فضل الله عز وجل، جعل في الصحراء واحات، في كل مكان توجد أشجار، هذه تؤَمِّن لك الظل، ومع الظل النسيم العليل، ومع النسيم العليل المتعة، والراحة، والسكن،

 

﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ ﴾

الثياب تقي من الحرّ :

 هذه الثياب البيضاء، القطنية، هذه تعكس . والثياب الصوفية في الشتاء البارد تحس أنه لا شيء يعدل ثوباً صوفياً، يقول لك : دفءٌ عظمي، طبعاً، من خلق هذا الصوف يبث الدفء؟ ومن خلق القطن؟ يمتص الرطوبة؟ إنه الله سبحانه وتعالى .

﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ ﴾

الثياب تقي من البرد أيضا :

 العلماء قالوا : ذكر الحر، واستغنى به عن البرد، فالبرد ملحوظ بالآية، يعني هناك سرابيل تقيكم الحر، وهناك سرابيل تقيكم البرد، أو لأن الذين يخاطَبون يعيشون في الصحراء الحارة، هم يحتاجون إلى ثياب يدفعون عنهم الحر أكثر مما هم محتاجون إلى ثياب يدفعون عنهم البرد

﴿ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ ﴾

 هذه الدروع، تأتي ضربة سيف فتمنع الدرع من أن تقطع الجسم .

 

﴿ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ(81)فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾

فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ

ليس على النبي إلا البلاغ :

 أنت مبلِّغٌ .

﴿ وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

( سورة الكهف : 29)

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾

( سورة الإنسان : 3 )

﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

( سورة فصلت : 17)

﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمْ الْكَافِرُونَ ﴾

يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمْ الْكَافِرُونَ

 هذه النعم من ينكرها؟ ماذا بقي عليك؟ أن تشكرها، أن تشكر الذي أنعم بها عليك، أن تشكر الذي من بها عليك، لذلك عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ، وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ اللَّهِ، وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي بِحُبِّي ))

[ الترمذي ]

﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴾

وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ

النبي يشهد يوم القيامة أنه بلغ الرسالة فلا حجّة لأحد :

 هذا الذي بلغكم رسالات الله فيشهد عليكم، ألم تبلغهم؟ نعم يا رب قد بلَّغتُهم .

﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾

( سورة المائدة : 116 )

﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴾

 ماذا تقول؟ الحجة قد أقيمت عليك، الزم الصمت فهو أولى لك .

 

﴿ وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ﴾

وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُون

الظالم يوم القيامة لا يخفّف عنه العذاب ولا يؤخَّر :

 مثلاً: هذا الذي ارتكب جريمة قتل، وحكم عليه بالإعدام، وصدِّق الحكم، وسيق إلى حبل المشنقة، هو يصعد درج المشنقة إن شاء أن يبكي فليبكِ، وإن شاء أن يضحك فليضحك، وإن شاء أن يتوسل فليتوسل، وإن شاء أن يرجو فليرجُ، وإن شاء أن يسكت فليسكت، وإن شاء أن يستعطف فليستعطف، لابد من تنفيذ الحكم فيه، هذا انتهى أمره ، هذا كله بعد فوات الأوان، فكِّرْ قبل أن تقدم على الجريمة .

 

﴿ وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ﴾

 انتهى الأمر، قرار قطعي، غير قابل للطعن، وغير قابل للاستئناف، ولا للتمييز، ولا للنقض، مصدق جاهز، وبقي التنفيذ .

 

﴿ وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاء شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمْ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾

وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاء شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ

لا ينفع البراءة من الشركاء يوم القيامة :

 يتوهم الكافر أنه إذا أشار إلى الشركاء الذين عبدهم من دون الله فإن هذا سيخفف عنه العذاب، يا رب، هؤلاء الذين عبدناهم من دونك، عذِّبهم، يقول : لا، أنت لماذا عبدتهم؟ أنت لماذا اتخذتهم شركاء؟

 

﴿ وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاء شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمْ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾

 يا رب، هؤلاء كاذبون .

 

﴿ وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾

وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ

إنه يوم الاستسلام :

 أحياناً المجرم يستسلم، يا ترى يعدمونه خلال أيام؟ بعد أسبوعين؟ بعد سنتين؟ يا ترى أيحكمون عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة؟ أشغال شاقة ثلاثين سنة، أمره مستسلم، ليس له قوة على أن يتكلَّم أي كلمة، يصورونه يضع رأسه في الأرض، مستسلم، هذا حال صعب .

﴿ وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاء شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمْ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ(86)وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾

 أين هذه الأفكار التي كانوا يبثونها؟ أين هذه المعتقدات الفاسدة التي كانوا يعتقدون بها؟ أين هذه المبادئ المزيفة التي كانوا يؤمنون بها؟ أين هذه الفلسفات؟ أين هذه السخريات التي كانوا يسخرون من الدين؟

﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾

 ثم قال سبحانه :

 

﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ ﴾

الكافر يعذَّب ويزاد له في العذاب :

 الذين كفروا يعذَّبون، أما إذا صَدُّوا عن سبيل الله فيعذَّبون عذاباً آخر، يعذَّبون لأنهم كفروا، ويعذَّبون لأنهم صدوا غيرهم عن الدين .

﴿ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ ﴾

 بما كانوا يفسدون عقائد الناس، يضللونهم، يوقعونهم في متاهة .

 

﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾

وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ

لكلِّ أمة شهيد عليها يوم القيامة :

 يخاطب الله سبحانه وتعالى النبي عليه الصلاة والسلام قائلاً له :

﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ ﴾

 النبي الذي بعث في قومٍ، والعالِم الذي دعاهم .

 

﴿ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾

القرآن تبيان لكل شيء فاتبعوه :

 لماذا قال الله : تبياناً؟ لمَ لمْ يقل بياناً؟ لأن التبيان من المصادر التي تشير إلى المبالغة، الإنسان يبين الخطر بكلمة، بكلمتين، بعشر كلمات، بصحيفة، بصحيفتن، ربنا عز وجل بين الحق بستمئة صحيفة، والكون يبين لك أنه لا إلا إله الله .
 مثلاً: لو شاهدت إشارة تشير إلى أن هناك تحويلة في الليل، وأنت مسرع، يضعون إشارة ؛ انتبه بعد ألف متر يوجد تحويلة على اليمين، تكفي إشارة وحدة، أحياناً يضعون إشارتين، أحياناً يضعون أربعًا ؛ ألف متر، سبعمئة وخمسون، خمسمئة، مئتان وخمسون، بعد ذلك سهم على اليمين، أنت مسرع بالليل ؛ هذه تبيان، أول إشارة، والثانية، والثالثة، والرابعة، لئلا تقع في الخطر .
 معنى تبيان ؛ أن هناك آلاف الأدلة، ملايين الأدلة، لئلا تقع في الخطر ..

﴿ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾

القرآن هدى ورحمة وبشرى للمسلمين :

 الهدى النور الذي ترى به الخير خيراً، والشر شراً، والرحمة التجلي، فكأن الإنسان يمشي في طريق، الشاخصات هي التبيان، وضوء السيارة الوقاد هذا هو الهدى، والشعور بالطمأنينة والأمن هذه هي الرحمة، الطريق مكشوف، والإضاءة جيدة، والشاخصات واضحة، وأنت مرتاح نفسياً .

﴿ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018