الخطبة : 0984 - أسباب إيذاء الله و رسوله - التماسك الداخلي. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0984 - أسباب إيذاء الله و رسوله - التماسك الداخلي.


2005-11-11

 الخطبة الأولى
 الحمد لله نحمده، ونستعين به، و نسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق و البشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، في القرآن الكريم آية تَلفت النظر، هي قوله تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً ﴾

[ سورة الأحزاب: 58]

من يؤذي الله و رسوله ؟

 قد يسأل سائل: أيستطيع مخلوق ضعيف حادث فقير جاهل أن ينال من الله عز وجل، أو أن يؤذي خالق السماوات والأرض ؟ أيستطيع عبد ضعيف حادث في قبضة الله، الذي أمْره: كن فيكون، زل فيزول، هذا العبد الضعيف مهما كان بعيداً عن الله أيستطيع أن يؤذي الله، وأن يؤذي رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟
 أيها الإخوة الكرام، لأن الله جل جلاله ذات كاملة خَلق عباده ليسعدهم، خلقهم ليرحمهم، خلقهم لجنة عرضها السماوات والأرض، خلقهم إلى جنة فيها كل شيء، لهم ما يشاءون فيها، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر

 

الذي يحول بين العبد وهذه الجنة

 فالذي يحول بين العبد وهذه الجنة يؤذي خالق الكون، لأن الله سبحانه وتعالى ذو الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، لأنه رحيم بخلقه

 

 

الذي يُحبب بالدنيا ويُغري بالمعاصي

 فالذي يُبعد خلقه عن رحمته يؤذي الله ورسوله، والذي يحببهم في الدنيا يؤذي الله ورسوله، والذي يغريهم بالمعاصي والآثام يؤذي الله ورسوله، ماذا قال المفسرون عن هذه الآية ؟ أيمكن لعبد حادث طارئ ضعيف في قبضة الله أن يؤذي الله ورسوله ؟ هكذا تثبت الآية ؟ مستحيل عقلاً، وألف ألف مستحيل أن يستطيع عبد أن يؤذي الله بالمعنى الذي نعرفه نحن، ولكن رحمة الله التي اقتضت أن يوجد هذا الإنسان، وأن يهبه نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، وقد خلقه لجنة عرضها السماوات والأرض، فأي مخلوق يُبعِد الناس عن الله، يغريهم بالدنيا، يزين لهم المعاصي والآثام، يطرح عليهم الشبهات، يغريهم بالشهوات، يخيفهم من طاعة رب الأرض والسماوات، فليعلمْ هذا العبد علم اليقين أنه يؤذي خالق السماوات والأرض.

 

 

الذين يلحدون في أسماء الله

 أيها الإخوة الكرام، الذين يلحدون في أسماء الله يؤذون الله ورسوله

 

 

أصحاب العقائد الفاسدة

 الذي يبين أن الإنسان كُتِب عليه الكفر قبل أن يخلق، ويأتي إلى الدنيا، ويحقق مشيئة الله بزعمهم، ثم يستحق النار إلى أبد الآبدين، كيف تستطيع أن تتوازن مع نفسك بهذه الفكرة ؟ فهذا الذي يطرح القضاء والقدر طرحاً بعيداً عن حقيقته، هذا الذي يلغي إرادة الإنسان يجعل الإنسان ريشة في مهب الريح.

 

 

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له  إيّاك إِيّاك أن تبتلّ بالماء
***

 

الذين لا يحببون الله إلى خلقه

 هذا يؤذي الله ورسوله، لأنه لا يحبب الله إلى خلقه، بل ينفرهم من الذات الإلهية، فالذين يلحدون في أسماء الله، أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى يؤذون الله ورسوله، والذين يصفون خالق السماوات والأرض بصفات هو منزَّه عنها يؤذون الله ورسوله

 

الذين يقولون على الله ما لا يعلمون

 يقول بعض العلماء: " لأَن يرتكب العوامُّ الكبائرَ أهونُ من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون "، لأن الله عز وجل صنف المعاصي والآثام تصنيفاً تصاعدياً، فذَكر الإثم والعدوان والفحشاء والمنكر والشرك والكفر، وجعل على رأس هذه القائمة المتصاعدة:

 

 

﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الأعراف: الآية 33]

 هذا الذي يُحدّث الناس بما لا يعلم، هذا الذي يفتري على الله الكذب، هذا الذي يقدم للناس القضاء والقدر على أن الإنسان مقهور في عمله، إن اعترضتَ على معصية قائمة يقال لك: طاسات معدودة في أماكن محدودة، لا تعترض، هذه مشيئة الله، و إن حدثت إنساناً على التوبة يقول لك: حتى يأذن الله.
 هذا الذي يلغي مشيئته إلغاء كلياً، و يعزو كل أخطائه إلى الله عز وجل هذا يؤذي الله ورسوله، لأنه يبعد الناس عن طريق الحق، يا رب، أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال: أحَبُّ عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب، إنك تعلم أني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي، ذكرهم بنعمائي كي يحبوني، ذكرهم بآلائي كي يعظموني، ذكرهم ببلائي كي يخافوني.
 فالذين يلحدون في أسماء الله الحسنى وصفاته العلا يؤذون الله ورسوله، بل هؤلاء الذين يصفون الله عز وجل بصفات نزّه ذاته العلية عن أن يتصف بها هو ممن يؤذي الله ورسوله.

 

العاصون يؤذون الله بمعصيتهم

 أيها الإخوة الكرام، قال بعض العلماء: " يؤذون الله ورسوله بمعصيتهم إياه، واقترافهم ما حرم عليهم ".
 هو حينما يعصي الله عز وجل فقد حرم نفسه رحمة الله، حرم نفسه الأمن الذي أكرمه الله به، حرم نفسه كل ثمار الإيمان التي وعد الله بها المؤمنين.
 أيها الإخوة الكرام، كل ثمار الإيمان ليست متاحة لنا إلا بطاعة الله، فإذا عصينا الله وكان انتماؤنا إلى الدين انتماءً شكلياً فهؤلاء يحرمون من كل ثمار الإيمان.

 

 

الذين طعنوا بكمال رسول الله

 أيها الإخوة الكرام، من معاني يؤذون الله ورسوله: هؤلاء الذين طعنوا في كمال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحدثوا عن زوجاته حديثاً لا أصل له، تحدثوا عن أشياء كثيرة نقلوها عن الغربيين، فجعلوا النبي الكريم ليس نبياً في قمة البشر، بل هو بشر يرتكب الأخطاء، هذه نُقِلت عن الأجانب، فهؤلاء الذين يروجون افتراءات الأجانب هم يؤذون الله ورسوله، لأن الإيمان برسول الله، والإيمان بعصمته في الأقوال والأفعال والإقرارات جزء من الإيمان بالله، فالذين يخالفون أوامر الله يؤذون الله ورسوله، والذين يرتكبون زواجره يؤذون الله ورسوله، والذين يصرون على معاصيهم وآثامهم يؤذون الله ورسوله.

 

 

الذين يسبون القدَر

 أيها الإخوة الكرام، ورد في بعض الأحاديث القدسية ما نصه: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:

 

 

(( يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الْأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ))

 

[متفق عليه]

 هذا الذي يسب القدَر، ما القدر ؟ هذا الذي يسب الدهر ما الدهر ؟ إنه قضاء الله وقدره.
 أيها الإخوة الكرام، هذا الذي يكذب ما في القرآن الكريم إما تكذيباً صريحاً، أو تكذيباً ضمنياً، وأنا أرى أن التكذيب الضمني أخطر من التكذيب المعلن، لأن الذي يكذب تكذيباً معلناً تحاوره، وتأتي له بالدليل، لكن هذا الذي يكذب وعد الله ووعيده لا بأقواله، بل بأفعاله لا ترى في أفعاله ما يؤكد أنه مؤمن بالدار الآخرة، هذا يكذب الله ورسوله، ويؤذي الله ورسوله،

 

(( يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الْأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ))

 

الذي يصف الصحابة الكرام بغير ما يليق بهم

 هذا الذي يصف الصحابة الكرام بغير ما يليق بهم إنما يؤذي الله ورسوله، وفي الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ يُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ ))

 

[الترمذي وأحمد]

(( إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا ))

[الطبراني عن ابن مسعود]

 أيها الإخوة الكرام، من علامة إيمان المؤمنين حسن الظن بأصحاب رسول الله، وما حادث الإفك في حقيقته إلا فرز للمؤمنين، فالمؤمنون الصادقون ظنوا بأنفسهم خيراً، والمؤمنون الضعاف روّجوا حديث الإفك حتى قال تعالى:

 

﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة النور: الآية 11]

 أسباب إيذاء الله ورسوله:
 أيها الإخوة الكرام، ومن أسباب إيذاء الله ورسوله هو الكفر والشرك، وأن تنسب الصاحبة والولد والشريك إلى الله عز وجل، أو أن تصف الذات الإلهية بغير ما يليق بها، قالت اليهود:

 

﴿ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾

[سورة المائدة: من الآية 64]

 قالت اليهود:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ﴾

[سورة آل عمران: من الآية 181]

 قالوا: الملائكة هم بنات الله، وقالوا عن رسول الله: ساحر، وكاهن، وشاعر، ومجنون.

 

الذي يقولون أو يسلكون ما يشكك بأحقية الدين

 أيها الإخوة الكرام، أية شبهة تطرحها في حديثك لست واثقاً من دقتها، ولا من صحتها، تطرح الشبهات فتخلق في الناس شعوراً بالشك في أحقية هذا الدين، أو تسلك سلوكاً لا يعبر عن إيمانك

 

 

الذي يتوسعون في الفتاوى

 تتوسّع في الفتاوى إلى درجة أن يصبح الدين غازاً لا شكل له، ولا حجم له، والتوسع بالفتاوى من دون دليل حتى يصبح الإسلام كسلوك البشر المتفلتين، هذا الإنسان يؤذي الله ورسوله، الذين قالوا عن رسول الله: ساحر، وكاهن، وشاعر، ومجنون هؤلاء يؤذون الله ورسوله

 

 

الذي يطعنون في أزواج النبي و أفعاله

 والذين يطعنون في أزواج النبي يؤذون الله ورسوله، والذين اعترضوا على تأمير أسامة يؤذون الله ورسوله.
 دقق أيها الأخ الكريم، أنت مع وحي السماء، أنت مع وحي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أنت مع رسول معصوم في أقواله وأفعاله وإقراره، فهؤلاء الصحابة الكرام الذين شرفهم الله بصحبة نبيه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( إِنّ اللهَ اخْتَارَنِي وَاخْتَارَ لِي أَصْحَابِي ))

 

[الجامع الصغير عن أنس]

 حينما قال:

 

(( اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ يُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ ))

 

[الترمذي وأحمد]

 قد تكون مسلماً ومحسوباً على المسلمين، وتؤذي الله ورسوله وأنت لا تشعر ! دقق فيما تعتقد، دقق في روايات تالفة سمعتها من أشخاص جهلاء، دقق فيما تقرأه، دقق في حديث قد يكون موضوعاً، دقق في تأويل آية لا أصل في هذا التأويل في كتب التفاسير المعتمدة، قبل أن تقول كلاماً لست واثقاً منه، قبل أن تُبعِد الناس عن طريق الحق، قبل أن تزهدهم بطاعة الله، قبل أن تصرفهم عن العمل للآخرة، إذا زينت لهم الدنيا، وطرحت عليهم الشبهات، وأثّرت فيهم الشهوات، وقد يكون معظم ما يفعله الناس اليوم في طرح شبهات على الإسلام، وفي تحبيبهم بالشهوات، فإما الشبهات وإما الشهوات، الشبهات في العقول، والشهوات في النفوس، فإذا رفعت معيار الإنسان في شهوات ليست متاحة، وليست مسموحاً بها، بل هي محرمة، أو طرحت عليه شبهات لا يقوى على ردها ماذا فعلت ؟ إنك تؤذي الله ورسوله.
 أيها الإخوة الكرام، وأما تتمة الآية:

 

﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا ﴾

[ سورة الأحزاب: الآية 58]

أعداء الدين كُثر

 ألا ترون أيها الإخوة أن العالم كله اليوم يحاول أن ينال من المسلمين، يحارب الإسلام بكل قاراته، ألا ترون أن حرباً عالمية ثالثة معلنة على الإسلام، وأن كل عمل فظيع يتهم به المسلمون بدليل أو غير دليل ؟! قال تعالى:

 

﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً ﴾

[ سورة الأحزاب ]

ما يجب فعله

أن لا نكون طرف في المؤامرة

 أيها الإخوة الكرام، إن لم يكن أحدنا طرفاً في مؤامرة قذرة هدفها إفقار المسلمين أو إضلالهم أو إفسادهم أو إذلالهم أو إبادتهم فهو في مأمن من عذاب الله عز وجل، إياك أن تكون أداة لخلق مشكلة للمسلمين، إياك أن تكون أداة لتفتيت جمع المسلمين.
 أيها الإخوة الكرام، هذه آية العقل، لا يقبل أن يستطيع مخلوق، أو أن تستطيع الخلائق مجتمعة أن تؤذي الله عز وجل، ولكن الله عز وجل يبين لنا أن رحمته اقتضت أنه خلقهم لجنة عرضها السماوات والأرض، وأي مخلوق يبعد الناس عن هذا الهدف، ويقربهم من هدف مناقض وهو الدنيا إنما هو يؤذي الله ورسوله.

 

أن نقرب الناس إلى الله

 أيها الإخوة الكرام، نقطتان وبينهما نقطة، فأية حركة نحو إحدى النقطتين هو ابتعاد عن الأخرى، من أحب دنياه أضر بآخرته، فالنبي عليه الصلاة والسلام كل سنته القولية والعملية والإقرارية من أجل تقريب الناس إلى الله، والطرف الآخر وعلى رأسهم الشيطان كل عمله إبعاد الناس عن الله عز وجل، فأنت مع من ؟ أنت للتقريب أم للإبعاد ؟ للتحبيب أم للتنفير ؟ للدعوة إلى الله أم الدعوة إلى الدنيا ؟
 أيها الإخوة الكرام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

 

(( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ ))

 

[الترمذي]

أن نقوم بالدعوة

 الدعاء والسلام على النبي عليه الصلاة والسلام في أثناء زيارة قبره الذي أثر عن أصحاب رسول الله: " السلام عليك يا سيدي يا رسول الله أشهد أنك بلغت الرسالة "، أنت لست نبياً ولا رسولاً ولا صديقاً، ولكنك مؤمن إن شاء الله، ألا يقتضي إيمانك أن تبلغ رسالة ؟ أن تنقل عن النبي عليه الصلاة والسلام حديثاً، أن تنقل تفسير آية لمن حولك، لصديقك، لجارك، لشريكك، لقريبك، لابنتك، لصهرك، لابنك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً...))

 

[البخاري]

 النبي عليه الصلاة والسلام بلغ الرسالة، فأنت لك نصيب من هذا الكلام، هل بلغت عن النبي حديثاً ؟ هل بلغت عن الله آية ؟ هل شرحت قضية علمية ؟ قضية فقهية ؟ هل قويت إيمان المؤمنين ؟ هل فعلت شيئاً ؟ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ ))

 

[مسلم]

 ومن أنواع الجهاد الجهاد الدعوي، قال تعالى:

 

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

[ سورة الفرقان: الآية 52]

 أيعقل ألا تفكر في طول حياتك أن تأخذ بيد إنسان إلى الله ؟ أن تبين له حقيقة ؟ أن تعطيه شريطاً ؟ أن تدعوه إلى محاضرة ؟ أن تحاوره في قضية دينية ؟ أن تبين علة تحريم معصية كبيرة ؟ أن تحببه بالآخرة، بالجنة، بطاعة رسول الله، بحضور مجالس العلم ؟ تقول للنبي الكريم:  أشهد أنك بلغت الرسالة، أنت ماذا فعلت ؟ هل بلغت الناس شيئاً ؟ هل بلغت أهلك وأولادك ؟ هل بلغت من حولك، وأديت الأمانة ؟ مفهوم الأمانة عند رسول الله أمانة التبليغ

 

أن نؤدي الأمانة

 لكن مفهوم الأمانة عند المؤمنين: أولادك أمانة، هل أديت لهم حقهم ؟ إن كنت معلماً فطلابك أمانة، إن كنت طبيباً فمرضاك أمانة في عنقك، إن كنت محامياً فموكلوك أمانة، إن كنت تاجراً فزبائنك أمانة، وما من حرفة، وما من عمل اجتماعي دعوي كسبي إلا والطرف الآخر أمانة في عنقك، أشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، اسأل نفسك: هل أديت حق زوجتك ؟ هل أديت حق أولادك ؟ هل أديت حق حرفتك التي تعيش منها ؟ هل نصحت المسلمين، هل كان رزقك حلالاً بُني على الصدق والأمانة ؟ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

 

(( التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ ))

 

[الترمذي]

 أشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، النبي عليه الصلاة والسلام مِن وصفِ اللهِ له بأنه لا ينطق عن الهوى، هل تكلم الناس كلاماً غير صحيح، لكنه يجلب لك بعض المكاسب ؟ هل تمدح بضاعة سيئة من أجل أن تبيعها ؟ هل تشهد شهادة باطلة بشكل أو بآخر من أجل أن تجني ربحاً ؟ هل تنطق عن الهوى، أم تنطق بالحق ؟ أشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمة، هل فرجت عن معسر ؟ هل أديت ديناً عن صاحبه ؟ هل خفضت له من هذا الدين ؟ هل عالجت مريضاً ؟ هل واسيت جريحاً ؟ هل تفقدت أرملة ؟ هل رعيت يتيماً ؟ هل حللت مشكلة ؟ هل حملت نفسك إلى إنسان هو صديقك حللت به مشكلة إنسان له عنده قضية ؟ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ... ))

 

[مسلم]

 أيها الإخوة الكرام، الموقف الذي يقفه المؤمن أمام مقام النبي عليه الصلاة والسلام: " أشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمة، وجاهدت في الله حق الجهاد "، فهل جاهدت جهاداً دعوياً، عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ))

 

[البخاري]

 هل جاهدت جهاداً بنائياً ؟ هل أعددتَ للطرف الآخر ما نستطيع من قوة ؟ هل جاهدت جهاداً نفسياً، جهاد النفس والهوى ؟
 أيها الإخوة الكرام، كأن الإسلام أصبح إطارًا وشكلا لا مضمون له، ومن أجل أن نعيد مجد هذه الأمة، من أجل أن نكون كأصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم الذين كانوا رعاة الغنم فأصبحوا قادة الأمم لا بد أن نستيقظ.

 

مشكلتنا

 أيها الإخوة الكرام، مشكلتنا كبيرة جداً، المشكلة اليوم نكون أو لا نكون، أعداؤنا يتربصون بنا من كل حدب وصوب، أعداؤنا يتمنون إفناءنا، كأن العالم كله كما قال عليه الصلاة والسلام في حديثه عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

 

(( يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ))

 

[أبو داود]

مرضنا

 ما المرض الذي نحن فيه ؟ قال النبي الكريم:

 

(( وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ))

 

علاجنا

 أيها الإخوة الكرام، حديث ذو شجون، لا تكتفِ بحضور خطبة في مسجد، لا تكتفِ بأداء الصلوات، لا تكتفِ بصيام رمضان، لا تكتفِ بحج البيت، لا تكتفِ بأداء الزكاة، هذه عبادات خمس، بقي أمامك عشرات ألوف الأعمال، ومنهج الإسلام منهج كبير متكامل، هناك حقوق الزوجة، وحقوق الأولاد، وحقوق الجيران، وحقوق الحرف، وحقوق المسلمين، هل حملت همَّ المسلمين ؟ هل خففت من همومهم ؟ ماذا فعلت ؟
 أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، العاقل من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والجاهل من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

 

* * *

 الخطبة الثانية
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سينا محمد عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 أيها الإخوة الكرام، الحديث اليوم عن التماسك الداخلي و الوحدة الوطنية، وقد ذكرت في خطبة عيد الفطر الماضي في الجامع الأموي حديثاً رائعاً حول هذا الموضوع، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ ))

[البخاري عن مصعب بن سعد]

تعريف بالتماسك الداخلي

 التماسك الداخلي لا يكون بالإعلان عنه، بل يجب أن نصنعه بأيدينا، التماسك شيء كبير، هو الذي يحول بين العدو وبين اختراقنا، الذي يحول بين العدو أو بين الأعداء، وما أكثرهم وبين اختراقنا، هذا التماسك الداخلي شيء كبير يصنع صناعة، ولا يكتفى بذكره في المجالس والأماكن العامة

 

كيف نصنع التماسك الداخلي

 النبي عليه الصلاة والسلام حدثنا فقال:

 

(( هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ ))

الإهتمام بشؤون الفقراء

 هذا الضعيف إن أطعمته إن كان جائعاً، إن كسوته إن كان عارياً، إن عالجته إن كان مريضاً، إن آويته إن كان مشرداً، إن نصرته إن كان مظلوماً، هذا الضعيف حينما تلبّي حاجته يتماسك المجتمع، يتماسك ويصبح المجتمع سداً منيعاً أمام أعداء الأمة، هذا السد المنيع مستحيل وألف ألف مستحيل أن يُخرق، لذلك هذا الحديث الدقيق:

(( هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ ))

إزالة المنكرات

 كما تروي بعض الروايات أن سيدنا صلاح الدين الأيوبي رحمه الله حينما واجه سبعة وعشرين جيشاً جاءت إلى بلاد المسلمين كي تغزوهم، وكان له شيخ فيما تروي بعض الروايات، قال له: يا بني، أَزِلِ المنكرات، فقال له: ليس هناك وقت، تروي هذه الرواية، ولست متحققاً من دقتها، لكن لها مغزى كبير، قال له: قم لا نَصَرَك الله، يجب أن تزيل المنكرات أولاً، ويجب أن تنصر الضعيف أولاً حتى تستحق أن يكافئك الله بأن ينصرك على عدو أقوى منك

 

(( هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ ))

 لهذا الحديث أيها الإخوة الكرام معنيان دقيقان: معنى توحيدي، ومعنىً آخر بالتعبير المعاصر تكتيكي، أيْ آلية أن هذا الضعيف إذا نصرته، إذا كفيته، إذا أطعمته، إذا وفرت له كرامته وحريته، إذا عالجتَه إن كان مريضاً، إذا أطعمته إن كان جائعاً، إذا علمته إن كان جاهلاً، إذا آويته إن كان مشرداً، هذا الضعيف يجعل الأمة متماسكة، لا يمكن لعدو خارجي أن يخرقها،

 

 

(( هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ ))

 كأن الله يكافئ المؤمنين بمكافأة من جنس عملهم، ينصرهم على من هو أقوى منهم، لأنهم نصروا من هو أضعف منهم، إذا نصرت من هو أضعف منك، وأنت قادر على أن تسحقه، أو أن تهمله، أو ألاّ تصغي إليه، إذا اهتممت به، وأصغيت إليه، ودعمته، ونصرته، وأطعمته، وكسوته، وعلمته، وآويته، وزوجته، إذا اهتممت بالضعفاء فالله سبحانه وتعالى يعينك على أن تنتصر على من هو أقوى منك، وعلى من تظن أن لا قِبَلَ لك بمواجهته،

 

 

(( هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ ))

 هذا هو المعنى التوحيدي، ونحن الآن في أمسّ الحاجة إليه.
 أيها الإخوة الكرام، التناقضات التي نشهدها في العالم لا تحتمل:
 أسقطت طائرة ركابها غربيون، فكانت دية ركابها تقترب من ثلاثمئة مليار دولار، وخمس ممرضات حَقَنّ أربعمئة طفل مسلم في ليبيا بفيروس الإيدز تضع أوربة كل وزنها من أجل أن تطلق سراح الممرضات من دون تعويض إلى أهل الأولاد، أرأيت إلى هذا التناقض ؟ فتاة في بلد غربي بعيد ترتدي ثياب الشاذات، والشذوذ شيء، والزنا شيء آخر، الزنا مخالفة لحكم شرعي، أما الشذوذ بين الذكور والإناث فمخالفة للفطرة، فتاة في بلد غربي بعيد ترتدي ثياب الشاذات يمنعها المدير ـ يبدو أن فيه بقية مروءة ـ من دخول المدرسة، فيقيم والدها دعوى على إدارة الثانوية فيحكم له القاضي بمبلغ فلكي، لأن إدارة المدرسة اعتدت على حرية هذه الطالبة التي ترتدي ثياب الشاذات السحاقيات، وفتاة في بلد غربي قريب تضع قطعة قماش على رأسها تنفيذاً لدينها الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، والذي يدين به ربع سكان الأرض تقوم الدنيا ولا تقعد، فالحجاب في الغرب ممنوع، وكم من سؤال جاءني عبر الهاتف، من ذلك طبيبة مسلمة ببلد غربي لا تستطيع أن تدخل غرفة العمليات وعلى رأسها شيء، أن ترتدي فتاة ثياب الشاذات إذا منعت من دخول المدرسة فهذا عدوان على حريتها، أما أن تضع فتاة مسلمة محتشمة قطعة قماش على رأسها تنفيذاً لأمر دينها فهذا تقوم له الدنيا ولا تقعد.
 أيها الإخوة الكرام،

 

 

قتل امرئ في بلدة جريمة لا تغتف ر وقتل شعب مسلم مسألة فيها نظر
***

 أيها الإخوة الكرام، هؤلاء يوم القيامة يقول الله عز وجل لهم:

 

 

﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

[ سورة يس: الآية 65]

رفع الظلم

 أيها الإخوة الكرام، من أجل التماسك الداخلي يجب أن نلغي الظلم، هناك زوجات مظلومات، وأبناء مظلومون، وهناك أعمال تجارية فيها ظلم، يجب أن نزيل الظلم، وأن نزيل المنكرات حتى نستحق أن يحمينا الله من المؤامرات التي لا تنتهي على هذا البلد الطيب، وأنا أطمئنكم إن شاء الله أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

(( رأيتُ عمودَ الإسلامِ قد سلّ من تحتِ وِسادتي فأتبعتَه بَصري، فإذا هو بالشام، فعليكم بالشامِ في آخر الزمان ))

 

[الطبراني في الكبير والحاكم وقال: صحيح على شرطهما]

 أسأل الله عز وجل أن يحمي هذه البلاد من مكر الغربيين، ومن عدوانهم.
 أيها الإخوة الكرام،

 

(( هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ ))

 أزيلوا الظلم، كم من أب ظالم لأولاده ؟ كم من زوج ظالم لزوجته ؟ كم من صاحب عمل ظالم لموظفيه ؟ كم من صاحب معمل ظالم لعماله ؟ يجب أن نزيل الظلم، ويجب أن نلغي المنكرات حتى نستحق نصر خالق الأرض والسماوات.
 أيها الإخوة الكرام، هذا المعنى الأول: المعنى التوحيدي، إذا نصرت ضعيفاً، وأنت قادر على سحقه، وأنت قادر على تجاهله.

 

 

سحق الفقراء يولد العنف

 قال بعض المفكرين الإفريقيين كلمة في كتاب كان مقررًا: العنف لا يلد إلا العنف.
 أروع شيء في الحديث عما يسمى الإرهابَ أن النبي عليه الصلاة والسلام عالجه من أسبابه، لا من نتائجه، رجل أنصاري دخل إنسانٌ إلى بستانه، وأكل من دون إذنه، هذه الواقعة على شكلها الظاهر سرقة، فقيّده، وساقه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال: هذا سارق، فقال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( هلا علّمته إن كان جاهلاً، وهلا أطعمته إن كان جائعاً ))

 

[ورد في الأثر]

 قبل أن تَسِمَه بالسرقة هل بحثت مشكلته ؟ والعالم الآن أيها الإخوة الكرام يصمّ أذنيه عن سماع المظلومين، لذلك تتفجر الأعمال بسلسلة لا أسميها حسابية، بل بسلسلة انفجارية، الأعمال تتضاعف آلاف الأضعاف مع تقدم الأيام، فلذلك لا بد من مراجعة دقيقة لحياتنا، صاحب المعمل، صاحب المحل التجاري، الزوج، الأب، راجعوا أنفسكم، أزيلوا المنكرات من بيوتكم، أزيلوا كل منكر، وأنصفوا كل مظلوم حتى نستحق رحمة الله، حتى يكون الله لنا حصناً.

 

الإستقامة

 مرة طائرتان إسرائيليتان ( هيلوكبتر )، فيهما مئة وخمسة وعشرون ضابط كومندوس مغوار، كل واحد كلّف تدريبه خمسة ملايين دولار، ذهبتا إلى بلد إسلامي كي تأخذ من المساجد رهائن في ليلة القدر، فوقعت العليا على السفلى، وتحطمتا فوق مستعمرة إسرائيلية، وقد مني الكيان الصهيوني بخسارة بشرية لم يمنَ بها من وقت إنشاء الدولة، مئة وخمسة وعشرون ضابط مغوار ماتوا في حادث واحد، فتحوا الصندوق الأسود ففيه آخر كلمة قالها طيار الطائرة العليا، قال: أنا أسقط، ولا أدري لما أسقط.
 الله عز وجل حينما نكون أهلاً للنصر يتدخل تدخلاً مباشراً فيلغي قوتهم، ويلغي فضائياتهم، ويلغي أقمارهم، ويلغي صواريخهم، والدليل قوله تعالى:

 

 

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 120]

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

[ سورة إبراهيم: الآية 46]

 الكرة في ملعبنا، يجب أن نستقيم على أمر الله، يجب أن نزيل المنكرات كما فعل صلاح الدين الأيوبي الذي واجه سبعة وعشرين جيشاً جاؤوا لاحتلال بلاد المسلمين، وانتصر عليهم، صدقوا، ولا أكتمكم الحقيقة أن حرباً بين حقين لا تكون، لأن الحق لا يتعدد، الدليل: قال تعالى:

 

﴿ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: الآية 60]

 يجب أن يكون عدوكم عدواً لله، أما أن يكون عدوكم ليس عدواً لله فهذه مستحيلة، وأن الحرب بين حق وباطل لا تطول، لأن الله مع الحق، والدليل: قال تعالى:

 

﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾

[ سورة البقرة: الآية 249]

 وأما المعركة بين باطلين فلا تنتهي، قال تعالى:

 

﴿ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾

[ سورة المائدة: الآية 14]

 إذا كان هناك باطلان فالحديث عن السلاح المتطور، والحديث عن القنابل الذرية والإنشطارية، وقنابل الطاقات، وقنابل الاتصالات، وقنابل العنقودية، والذكية، والحارقة، والخارقة، وعن البوارج، وحاملات الطائرات، والصواريخ العابرة، إذا كان ثمة باطلان فالحديث عن السلاح فقط، أما إذا كان ثمة حق وباطل فالله مع الحق، والمعركة بين الحق والباطل لا تطول دائماً، وعلامة توفيق الإنسان أنه لا يحابي نفسه، بل يكون جريئاً في وصف الحقيقة المرة، نحن السبب، نحن تركنا منهج الله، تركنا دين الله، استوردنا نظريات ومذاهب من الشرق والغرب، ثم صنعنا بعضها صنعاً داخلياً.

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة الرعد: الآية 11]

 هذا هو القرآن الكريم، هذا منهج الله، أن تزول السماوات والأرض أهون على الله من ألاّ يحقق وعوده للمؤمنين، هؤلاء يوم القيامة يقال لهم:

 

﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

[ سورة يس: الآية 65]

التناقضات الموجودة

 أيها الإخوة الكرام، تناقضات ما بعدها تناقضات، انتخابات في بلد فيه قوات عربية صديقة لا تصح، أما انتخابات في بلد فيه قوات أجنبية محتلة فتصح، ما هذا التناقض ؟! الإنسان يفقد عقله، أنا لا أدافع عن أحد، ولكن أبين أن هذا الطرف الآخر متناقض، ويكيل بمئة مكيال، مصلحته يعبدها من دون الله، ولا يعبأ بأحد، في هذه البلاد البعيدة عندهم قاعدة هي شر قاعدة: " أنت قوي، إذاً أنت على حق "، القوة هي الحق، أما عند وحي الله فالحق أن تكون مع وحي الله عز وجل، ولكن الحق الذي يستنبط من وحي الله يحتاج إلى قوة.

 

الحل

 يا أيها الإخوة الكرام، نبدأ ببيوتنا، أقم أمر الله في بيتك، أقمه في عملك، أتقن عبادتك، أزل كل منكر، فلعل الله عز وجل يحفظنا من كيد الكائدين، ومكر الماكرين، وعدون الأقوياء الذين لا يرحمون أحداً، ألا ترون ما يجري في بلاد أخرى ؟ هذا الفوضى سموها الفوضى البناءة، هذه الفوضى التي تجري في بلاد أخرى ـ والعياذ بالله ـ لستَ آمناً أن ترسل ابنتك إلى المدرسة فتخطف، والدية خمسة ملايين، لا تأمن أن تغلق محلك التجاري فيفتح في غيبتك، ونهب، ويباع الهيروين على الطرقات، والأقراص الإباحية تباع على الأرصفة، لا ماء، ولا كهرباء، ولا نور، كله معطل، سموها الفوضى البناءة.
 يا أيها الإخوة الكرام، ادعوا الله من أعماقكم، من أعماق أعماقكم أن يحفظ هذه البلاد من كيد الكائدين، وعدوان المعتدين، ومكر الماكرين.

 

 

الدعاء

 اللهم انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا، اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، وصلى اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018