الدرس : 15 - سورة النحل - تفسير الآيات 66 – 70 ، عن فوائد المخلوقات - أو فضل الله علينا أن خلق لنا المخلوقات - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 15 - سورة النحل - تفسير الآيات 66 – 70 ، عن فوائد المخلوقات - أو فضل الله علينا أن خلق لنا المخلوقات


1987-04-24

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الخامس عشر من سورة النحل .

﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ ﴾

وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ

 في الدرس الماضي أشرت إلى أن الله سبحانه وتعالى وضع بين أيدينا آية دالة على عظمته، أننا نعتمد في غذائنا في الدرجة الأولى على الألبان ومشتقاتها، والألبان كما نرى بأعيننا نأخذها من الأبقار والأغنام، والإبل، في الدرجة الأولى من الأبقار والأغنام، وأن هذه الألبان كما قال الله تعالى تخرج :

﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ ﴾

(سورة النحل : 66)

عجبًا لو وقفت عند تركيب الحليب :

 فلو وقفنا عند تركيب الحليب لأخذتنا الدهشة، إذ أن واحداً وتسعين في المئة من وزنه ماء، وهذا الماء هو الوسط الذي تجول فيه المواد الغذائية، والمعادن، والفيتامينات، وأشباه المعادن، وما إلى ذلك .
 شيء آخر، في الحليب مواد دسمة على شكل كريات صغيرة جداً عالقة في هذا الوسط، وإن وزنها النوعي يجعلها تطفو على سطحه .
 وفي الحليب أيضاً مواد سكرية، فإذا أردت أن تحلي كأساً من الحليب تحتاج إلى سكر قليل لا إلى كمية كبيرة، وهذا دليل على وجود السكر الذي يعد من أرقى أنواع السكريات .
 وشيء آخر، في الحليب مواد بروتينية، وهذه المواد مرممة للخلية، أربعة أو خمسة أنواع من المواد البروتينية موجودة في الحليب .
 وشيء ثالث، هناك معادن، وفي مقدمتها الكالسيوم والفوسفور، ولا يخفى عليكم أن الكالسيوم ، وهو الكلس، وهو مهم جداً في بناء العظام والأسنان، لذلك ينصح للرضيع والحوامل أن يشربن الحليب، لعلاقته بترميم العظام .
 شيء آخر، هناك فيتامينات مهمة جداً في الحليب، فتامين ـ آ ـ ب ـ س ـ د، وهناك غازات منحلة في الحليب، غاز الكربون، والأوكسجين، والآزوت، ويعد الحليب غذاءً كاملاً .
 أما الشيء الذي يحير الألباب فكيف يتحول الدم إلى حليب، أولاً : ضرع البقرة الذي ترونه بأم أعينكم، لو شرحناه لوجدنا في داخله غشاءً سميكاً يقسمه قسمين بالتساوي، وكل قسم من هذين القسمين فيه غشاء عرضاني يقسمه قسمين، فضرع البقرة مقسم إلى أربعة أقسام بالتساوي، وكل قسم مُنْتَهٍ بحلمة مؤلفة من عضلات دائرية ملساء، تغلق الفتحة إغلاقاً محكمة، وبآلية عجيبة، تفتح هذه الحلمة الطريق ليخرج اللبن إلى الوعاء الذي نحلب فيه، ولكن السؤال الكبير كيف يصبح الدم حليباً ؟

﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ﴾

انظروا فإنه يخرج : مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ

 هذا الوعاء، أو هذا الحوض الذي في ضرع البقرة في أعلاه غدد ثديية، هذه الغدد مقسمة إلى فصوص، وهذه الفصوص مقسمة إلى فصيفصات، وهذه الفصيفصات مقسمة إلى كريات، كل كرة اسمها سنخ، هذا السنخ عبارة عن كرة محاطة بخلايا غشائية، هذه الخلايا محاطة بشعريات دموية، مهمة هذه الخلايا حتى هذه الساعة مجهولة تماماً، خلية تأخذ من الشعريات الدموية ما تشاء، وتفرز إلى حوض الكرة الحليب الذي يتجمع في أقنية تصب في ضرع البقرة، سنأخذه مساءً عن طريق حلبها، كيف يتم انتقال الدم إلى الحليب عند عقدة معقدة هي هذه الخلية الغشائية المتوضعة على غشاء السنخ، ومجموعة الأسناخ تؤلف الفويصص، ومجموعة الفوصيفصات، تؤلف الفصوص، ثم الغدة الثديية ؟ يا سبحان الله ! خلية غير عاقلة تستطيع أن تأخذ من الدم الفوسفور، والكالسيوم، والفيتامينات، والسكريات ، والبروتينات، والمواد الدسمة، وتخلطها مع بعضها خلطاً محكماً، مع البكتريات والخمائر، وتصبها في حوض السنخ، وأحواض الأسناخ تتجمع في قناة تصب في حوض رباعي، يعد ربع ضرع البقرة، هذه آية من آيات الله سبحانه وتعالى .

كم هي كمية الدم التي يصنع منها الحليب ؟

 أما السؤال الذي يطرح نفسه: كم هي كمية الدم التي يصنع منها الحليب ؟ لو حلبت البقرة مثلاً لتراً من الحليب، فكم لتراً في الشعريات من الدم حتى أنتج منه الضرع لتراً من الحليب؟ قال العلماء: من ثلاثمئة حجم إلى أربعمئة حجم من الدم تستطيع أن تصنع منها حجماً واحداً من الحليب، فإلى أن يمر ثلاثمئة لتر من الدم في الشعريات المحيطة بالأسناخ حتى يصنع لترًا واحدًا من الحليب، هذه آية كبرى من آيات الله .

﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ ﴾

متى يكف الضرع عن إخراج الحليب ؟

 شيء آخر يدل على عظمة الخالق سبحانه وتعالى، حينما تولد البقرة، من ستة أيام إلى عشرة أيام يكف الضرع عن صنع الحليب، ويفرز الضرع مادة صفراء لزجة ذات قوام مر اسمها اللبأ، هذه المادة فيها كمية من المصول، واللقاحات، والمناعات، التي تملكها الأم ، وفيها مواد دسمة، ومكثفة، وفيها مواد بروتينية، من أجل أن تكون غذاء مكثفاً، ووقائياً للعجل في أول عهده بالرضاعة، فَيَدُ مَن التي أشرفت على صنع اللبأ، وأوقفت صنع الحليب؟ يقول العلماء : إن اللبأ يختلف في طبيعته وتركيبه الكيماوي اختلافاً كبيراً عن الحليب الطبيعي، اللبأ له رائحة قوية، وطعم يميل إلى المرارة، ولون أصفر محمر خفيف، ولزوجة عالية، ويحتوي على نسبة عالية من بروتينات المناعة، وبروتينات المصل، والأملاح المعدنية، بينما يكون الحليب الطبيعي سائلاً غير شفاف، أبيض اللون، أو ضاربًا إلى الصفرة، لا رائحة له، فاللبأ يناسب نمو الحيوان الرضيع، ويكسبه مناعة، وبعد الولادة بحوالي ستة أيام إلى عشرة تعود البقرة لإنتاج الحليب الطبيعي، فربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ ﴾

 الذي أريد أن أقف عنده أن حجماً واحداً من الحليب يحتاج إلى ثلاثمئة حجم من الدم، كل أربعمئة حجم، أو ثلاثمئة حجم من الدم يصنع منها حجم واحد من الحليب، فما هذا المصنع الذي أمام أعيننا؟ وما عظمة الخالق جل جلاله شأنه في تقديم هذا اللبن السائغ للشاربين؟ إنه آيه من آيات الله سبحانه وتعالى، يقول بعض العلماء: تعد الغدة الثديية المتطورة للبقرة المعمل الحيوي الذي يقوم بتكوين وإفراز الحليب، بكل ما في هذه الكلمة من معنى، ولذلك فالبقرة الآن يزيد ثمنها على سبعين أو ثمانين ألف ليرة، لأنها تدر كل يوم من ثلاثين إلى أربعين كيلو غراماً من الحليب، إنه معمل قائم بذاته، تأكل الحشيش، وتقدم الحليب، والحليب وما أدراكم عن بنيته وتركيبه، أملاح، ومعادن، وأشباه معادن، وبروتينات، وفيتامينات، وغازات منحلة، وسكر، ودسم وماء، هذا كله من تخطيط الله سبحانه وتعالى، ومن خَلقه العجيب .

﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ ﴾

كيف يُصنَع اللبن في ثدي البقرة :

 فالشيء الذي لفت نظري في نشرة تمّ إعدادها في موضوع اللبن، وكيف يصنع في ثدي البقرة، يقول بعض العلماء : إن تحول الدم من مكوناته الأساسية، ثم طرحه في تجويف السنخ، ومنه إلى قنوات الحليب، ثم إلى حوض الغدة، ومنه إلى حوض الحلمة، ثم إلى الخارج عن طريق فتحة الحلمة، بطريقة ما غير معروفة تماماً، فكيف أن هذه الخلية، هنا شعريات دموية، وهنا أقنية للحليب، فكيف تأخذ من الحليب ما تشاء ؟ وكيف يتم تصنيع اللبن في هذه الخلية ؟ حتى الآن هذا غير معروف تماماً .
 أيها الإخوة الأكارم، ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾

( سورة عبس : 24 )

﴿ فَلْيَنظُرْ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾

( سورة الطارق : 5 )

 انظر إلى خلقك، وانظر إلى طعامك، تعرف نعمة الإيجاد، وتعرف نعمة الإمداد، نحن مخلوقون، ولكن مَن أمدّنا بهذه النعم التي لا تعد ولا تحصى؟ إنه الله سبحانه وتعالى، ألا ينبغي أن نطيعه؟ ألا ينبغي أن نسجد له؟ ألا ينبغي أن نحبه؟ ألا ينبغي أن نخلص له ؟

﴿ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾

وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا

التمر آية عظيمة :

 أيضاً موضوع النخيل موضوع قائم بذاته، فهناك حقائق مذهلة عن النخيل، إن النخلة قد تعمر ستة آلاف عام، وإن ثمرة النخيل، وهي التمر فيها ما يزيد على ثمانٍ وأربعين مادة غذائية ومعدنية ، تكاد التمرة أن تكون صيدلية، فمن مواد سكرية، وفيتامينات، ومعادن وأشباه معادن، وأملاح، وما إلى ذلك، وإن التمر بطبيعة تركيزه الشديدة فإنه لا يقبل التلوث، فيه مواد مسكنة، ومهدئة وقابضة، وموسعة للشرايين، وفيه مواد تعين على حركة الأمعاء، ومواد تمنع النزيف، لذلك لما ربنا عز وجل قال :

﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا(25)فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا ﴾

( سورة مريم )

 انتبه العلماء إلى أن الغذاء المثالي الذي ينتقل من فم المرأة التي توشك أن تضع إلى دمها في عشرين دقيقة، من الفم إلى الدم، مرت التمرة بالبلعوم، والفم، وبالمريء، والمعدة، والأمعاء الدقيقة، وامتصها الدم في أقل من عشرين دقيقة، وهذا التمر يعين على حركة الأمعاء، ويلينها، ويمنع النزيف، ويعين على تقلصات الرحم، ولذلك فربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25)فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ﴾

(سورة مريم : 25 ـ26)

﴿ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾

معنى : سَكَرًا

 بينت لكم في الدرس الماضي كيف أن كلمة سَكر تحتمل معنيين، إما معنى الشراب المُسكر، أو ما فسره بعض العلماء من أنه الخل، أو أيّ شراب حلو الطعم والمذاق، إذا ألقينا بضع تمرات، أو عصير العنب في الماء وشربناه، فهذا ما تعنيه الآية، أما أن يكون مُسكراً فالآية منسوخة بقوله تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

( سورة المائدة : 90)

 وإما أن هذه الآية فيها أول إشارة إلى أن الخمر ليس رزقاً حسناً .

﴿ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ﴾

 فحينما وصف الرزق بأنه حسن إذاً هذا السَكر هو رزق ليس بحسن، فإذا حملنا معنى كلمة ( سكراً )على أنه الشراب المسكر فالله سبحانه وتعالى جعل من هذه الآية إشارة أولية لطيفة إلى تحريم الخمر، وفي آيات لاحقة، إلى قوله تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾

( سورة النساء : 43)

 وفي التحريم النهائي :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

( سورة المائدة : 90)

 أما أن نعد السكر هو الخل، أو كل شراب حلو المذاق، فهذا تفسير آخر مقبول، ويرجح أن كلمة( سكرًا )هو الشراب الحلو المذاق الذي لا يسكر أن الله سبحانه وتعالى لا يمتن على عباده فيما حرم عليهم،

﴿ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ﴾

 وإذا أردنا من معنى كلمة ( سكرًا )الشراب المسكر، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى يخاطب المشركين، أهل مكة، وكانوا يشربون الخمر ليلفت نظرهم إلى ثمرات النخيل والأعناب،

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾

 ثم قال تعالى :

﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾

وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ

وحيُ الإلهام :

 فالوحي هنا ليس بمعنى الوحي المعروف للأنبياء، إنما هو وحي الإلهام،

﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي ﴾

هذا ما تفيده الياء في قوله : اتَّخِذِي

 هذه ياء المؤنثة المخاطبة، إذاً: النحلات العاملات هن المعنيات في هذه الآية، من يعرف ذلك ؟ من في عصر النبي عليه الصلاة والسلام يعرف أن من النحل ذكوراً، ومن النحل إناثاً، ومن النحل ملكةً، وأن الملكة لها مهمة خاصة، والذكور مهمتها تلقيح الملكة، وأن النحلات الإناث هن المعنيات بهذا الخطاب ؟

﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾

 إما أن يتخذ النحل تجاويف الأشجار خلايا له، أو كهوف الجبال خلايا له، أو يتخذ له بيوتاً خاصة يصنعها الإنسان :

 

﴿ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾

 وهذه هي خلايا النحل .

﴿ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ

لا يبحث النحل عن الرحيق إلا بعد استقراره في بيته :

 والعلماء يقولون : إن النحل لا يبدأ بالبحث عن رحيق الأزهار إلا بعد أن يستقر في بيته، ولذلك جاءت ( ثم )هنا بالترتيب على التراخي، بعد أن يستقر النحل في خليته، أو في تجاويف الأشجار، أو في كهوف الجبال، عندئذٍ ينطلق من هذه الأماكن، ليبحث عن رحيق الأزهار، إذاً :

﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ(68)ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ﴾

ماذا نعرف عن النحل عموما ؟ :

 موضوعات عن النحل لطيفة، وقد أحصاها العلماء، ولكن لا سبيل إلى استقصائها في هذا الدرس، والنحلة كما يقول بعض العلماء : هي الحشرة الوحيدة التي تستطيع تخزين رحيق الأزهار من أجل الغذاء، فتنطلق النحلات العاملات من الخلايا، وتجوب الحقول والبساتين، من أجل أن تمتص رحيق الأزهار .

لا تقع النحلة على زهرة ممتصة الرحيق :

 وأول ملاحظة أن هذه النحلة لا تقع على زهرة قد امتُص رحيقها، لأن النحلة التي امتصت رحيقها تترك أثراً أو علامة تشعر النحلة التالية أن هذه الزهرة قد امتص رحيقها، من أجل توفير الوقت والجهد .

كم تطير النحلة حتى تعطي العسل ؟

 شيء آخر قاله العلماء: لكي تحصل النحلة على قطرة واحدة من الرحيق فإنها تضطر أن تزور من 500، إلى 1100 زهرة من أجل قطرة واحدة من الرحيق، وإذا أردنا أن نحصل على مئة غرام من الرحيق، فتحتاج النحلة إلى أن تزور مليون زهرة، أما من أجل أن نحصل على كيلو غرام واحد من العسل فتحتاج النحلة أن تطير مسافة تزيد على 400 ألف كيلو متر، فمحيط الأرض كلها 40 ألف كيلو متر، يجب أن تطير نحلة واحدة حول الأرض عشر مرات تبحث عن الأزهار من أجل أن تصنع لنا كيلو غرامًا واحداً من العسل، والنحلة وهي تطير منطلقة إلى البساتين والحقول سرعتها تزيد على خمسة وستين كيلو متراً في الساعة، أما إذا عادت إلى الخلية محملة برحيق الأزهار عندئذٍ سرعتها لا تزيد على ثلاثين كيلو متراً، من يصدق أنها في طريق العودة تصنع العسل، وتفرز الخمائر من أحشائها، على مستودعات الرحيق، وتبدأ في صناعة العسل، وهي في أثناء الطيران في رحلة العودة ؟
والآن هناك بواخر تأخذ المواد الأولية من أستراليا، وتصنّعها في الطريق، وتتوجه البواخر إلى موانئ التصدير، ويعد هذا ذكاء بارعاً في هذه الدول المصنعة، أنها من أجل أن توفر الوقت والجهد ترسل معامل فوق البواخر، فتأخذ المواد الأولية من قارة، وتصنّعها في أثناء الطريق، و تبيعها في موانئ التصدير، أو موانئ الاستيراد .

يبدأ النحل إنتاج العسل في رحلة العودة :

 هذه النحلة تبدأ بصنع العسل في رحلة العودة، من أجل توفير الوقت والجهد، وإذا كان هناك موسم طيب، فإن النحلة تدفع برحيقها عند باب الخلية إلى نحلة أخرى، وتعود أدراجها إلى الحقل، كي تستفيد من الوقت، وفي الخلية نظام رائع جداً .
 أولاً : فيها ملكة مهمتها أن تبيض، وبيضها في اليوم بالمئات، بل بالألوف، وهذه الملكة تذهب إلى مكان الذكور فتلد الذكور، وتذهب إلى مكان العاملات الإناث فتلد الإناث، وتذهب إلى مكان الملكات فتلد الملكات، فمن أعلمها أن في بطنها ملكة؟ أو أنثى؟ أو ذكر؟ هذا من الأشياء التي تدعو إلى التأمل العجيب .
 امرأة تحمل دكتوراه في الطب، لو أنها تزوجت، وحملت من زوجها، فهل تعرف نوع جنينها بنفسها ؟ لا، أما هذه النحلة الملكة فتعرف نوع المولود .

الملكة صاحبة حكمة فتنبَّه أيها الإنسان !!!

 شيء آخر، للملكة حكمة، وهي أداة دفاعية، لا تستخدمها إلا في حالة واحدة، إذا قامت ملكة أخرى تنافسها على ملكها، ولا تلدغ الملكة الإنسان أبداً، ولا تلدغ أي جهة أخرى، لا تستخدم حمتها إلا في لدغ ملكة أخرى، ولها وصيفات، وقسم من النحلات العاملات موكل بخدمة الملكة، إذ تذهب هذه النحلات إلى أماكن الأزهار، فتأخذ غبار الطلع، وغبار الطلع غذاء دسم جداً، مفعم بالمواد البروتينية، تصب عليه رحيق الأزهار، وتعجنه، وتقدمه طعاماً ملكياً، نفيساً للملكة، هذه النحلات الوصيفات، وهناك نحلات حارسات لا تسمح لأية نحلة بدخول الخلية .

مجتمع النحل انضباط ونظام :

 ولكل خلية كلمة سر، فلو أن في الحقول عشرة آلاف خلية نحل فلا يمكن أن تدخل نحلة إلى غير خليتها أبداً، عن طريق النحلات الحارسات اللاتي لا يسمحن لأية نحلة بدخول الخلية إلا إذا كانت النحلة تعرف كلمة السر .
 هناك نحلات مهمتهن تجديد الهواء في الخلية، فإذا كان الجو صيفاً وقفت النحلات على باب الخلية، ورفرفت بأجنحتها، فنشأ تيار يدخل إلى الخلية، فيعدل من جوها، وإذا كان الجو بارداً وفقت هذه النحلات الموكلات بجو الخلية فأغلقت النوافذ من أجل الحفاظ على الحرارة .
 هناك نحلات منظفات، أيّة نحلة عادت إلى الخلية قذرة تقتل، فجزاء القذارة عنده النحل القتل، وأيّة حشرة دخلت إلى الخلية تسحبها النحلات المنظفات إلى خارج الخلية، فإذا كانت الحشرة كبيرة، لا تستطيع النحلات سحبها إلى الخارج، تحيطها بطبقة شمعية، وتغلفها، وتمنع فسادها، وانتشار رائحتها الكريهة، إنه عالم قائم بذاته .
 إذا عادت النحلة العاملة من حقل الأزهار، وكان حقل الأزهار يبعد عن الخلية خمسين متراً ترقص رقصةً تعلم رفيقاتها بأن البعد لا يزيد على خمسين متراً، ومسافة مئتي متر لها رقصة خاصة، وكذا أربعمئة متر، وستمئة متر، فإذا كانت المسافة تزيد على خمسة كيلو مترات فهناك رقصة خاصة، إنها أداة إعلامية رائعة جداً .
 والنحلة الطليعية تذهب إلى الحقول، وتكتشف بُعدها عن الخلية، وعندما تعود ترقص رقصةً تحدد لبقية النحلات العاملات بُعْدَ حقول الأزهار عن الخلية .

﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ﴾

النحلة السيدة المهندسة البنّاءة :

 شيء آخر، هناك نحلات مختصات، مهندسات بصناعة البيت الشمعي، مَن علم النحلة أن أنسب شكل هندسي هو الشكل السداسي؟ فلو كان الشكل دائرياً لتركت الدوائر فيما بينها فراغات بينية، ولو كان الشكل مستطيلاً، أو مربعاً لما كان بقوة الشكل السداسي، والشكل المربع والمستطيل يترك في أطراف الخلية مسافات كبيرة، أما الشكل الذي لا يدع فراغات بينية، ولا فراغات على أطراف الخلية فهو الشكل السداسي .
 والشيء الأعجب من ذلك أن النحلات المهندسات حينما يبنين البيت السداسي تبدأ كل فرقة من النحلات المهندسات ببناء القرص الشمعي من طرف، أشكال مسدسة بالغة الدقة، وتجتمع النحلات المهندسات فتلتقي على بيت سداسي نظامي، فإذا كان هذا بإمكان الإنسان فأنا مستعد للمناقشة، أيستطيع معلم كبير في البلاط أن يبدأ بلاط هذا المسجد من ذاك المكان، ومعلم آخر يبدأ من هذا المكان، ويلتقي المعلمان على بلاطة نظامية، ذات أبعاد متساوية ؟ هذا مستحيل، يبدآن من هنا فيقصان البلاط، و يبدآن من هناك فيقصان البلاط، أما أن يبدآ من هنا، وبلاط من هنا، ويجتمعان على بلاط نظامي فهذا شيء مستحيل، وهكذا تفعل النحلات العاملات، نحلات مهندسات، نحلات ومنظفات، ونحلات حارسات، ونحلات لكلمة السر، ونحلات للتهوية، ونحلات لتكثيف الرحيق، وهناك نحلات تأخذ الرحيق، وتطير به في الجو فتكثفه، لأن العسل يبقى محافظاً على قيمته، وعلى قوامه سنوات طويلة بفضل لزوجته، فلو كانت الرطوبة أكثر من ذلك لفسد العسل .

﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ(68)ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ﴾

 الآن النحلة مخيرة أن تأكل من كل الثمرات، من كل أنواع الأزهار، وتمتص رحيقها .

﴿ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ﴾

 هنا الآية .

 

فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا

النحل تسير بتقدير وهدى إلهي دقيق :

 الآن طائرة تحتاج إلى أجهزة اتصال، وإلى بوصلة، وإحداثيات، وأماكن بث، ومحطات بث في الطريق، هذه المحطات تعلمها في مكانها أجهزة بالغة التعقيد، موجودة في الطائرة، اتصالات لاسلكية مستمرة مع المطارات من أجل أن يحدد الطيار موقع الطائرة، عنده خرائط، وأجهزة ارتفاع، وأجهزة مساحة ، وبوصلة، ولاسلكي، واتصالات، ومحطات بث، وهو يحمل شهادات عليا، أما هذه النحلة إذا غابت الشمس، أو قبل أن تغيب، إذا ابتعدت عن خليتها عدة كيلو مترات، وكانت التضاريس منوعة، كيف تهتدي إلى خليتها؟ هذا يتم عن طريق هداية الله سبحانه وتعالى :

﴿ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ﴾

 فالله سبحانه وتعالى ذلل للنحلة طريق العودة، اذهبي إلى حقول الأزهار، وعودي إلى خليتك في أمان الله .

 

﴿ اسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ﴾

يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُه

العسل أنواع وألوان مختلفة :

 فهناك عسل أسود، وعسل بني، وعسل أصفر، وعسل قريب من اللون الأبيض، وعسل ذو لون زهري ... وألوان ملونة، لكن العلماء اكتشفوا أن كل لون من ألوان العسل سببه اختلاف تربة الأرض، واختلاف رحيق الأزهار، و ربما كان كل لون يفيد في نوع ما من الشفاء أكثر من غيره .

﴿ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ﴾

العسل شفاء وعلاج فعّال :

 هناك كتب كثيرة ألفت عن العسل شفاء، حتى إن بعض العلماء قال : العسل صيدلية كاملة، فالعسل قبل كل شيء وسط غير صالح لنمو الجراثيم، والبكتريات، والفطريات، فهو يقتل الجراثيم والفطريات، والبكتريات، لذلك جميع أمراض جهاز الهضم الإنتانية التي سببها الجراثيم، والتلوث، مثل الزحار، الدزنتري، وكل الأمراض المعوية الإنتانية علاجها بالعسل، وعندي صور لأمعاء فيها جراثيم بأعداد كبيرة جداً، وبعد يومين من تناول العسل اختفى معظمها، ومات، فالعسل بيئة قاتلة لكل الجراثيم، والبكتريات، والفطريات .
 شيء آخر، العسل علاج لفقر الدم، فقر الدم متعلق بنسبة الخضاب في الدم، والإنسان الذي يشكو فقر الدم إذا تناول العسل ارتفعت نسبة الخضاب من سبع وخمسين بالمئة إلى ثمانين بالمئة، والعسل علاج للجروح .
 حدثني طبيب جراح من كبار أطباء الجراحة قال لي : إذا جاءتني حالات عسرة من جروح متطورة، أفتح الجرح وأنظفه، وأضع فيه كمية من العسل، وهكذا تعلم في بريطانيا، أن الجروح المستعصية علاجها بالعسل، وربنا عز وجل قال :

﴿ فيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ﴾

 العسل يعد شفاء لأمراض جهاز التنفس، القسم العلوي، وكل أنواع الحمى الراشحة وضيق التنفس، والربو ، هذا كله يعالج بالعسل، والعسل أيضاً علاج ناجع لأمراض الرئة، وجهاز التنفس القسم العلوي، الرغامى، والحَنجرة، وقسم سفلي، الرئتان، العسل يعد علاجاً فعالاً لأمراض جهاز التنفس، ذات القسم العلوي، وذات القسم السفلي، ويعد العسل غذاءً ضرورياً لمرضى القلب، لأن عضلة القلب غذاؤها الفعال هو العسل، والمادة السكرية ذات الأداء العالي في الإنسان هي العسل، لذلك مرضى القلب محتاجون إلى أن يتناولوا العسل كل يوم، ويعد العسل علاجاً لأمراض المعدة والأمعاء، فيستطيع من يشكو الحموضة العالية في أمعائه، وفي جهازه الهضمي أن يأكل العسل، فتعدل الحموضة، وتمتص المواد المخرشة في جهاز الهضم، ويعد العسل أيضاً علاجاً لأمراض الكبد، يقي تشمع الكبد، ويعد منشطاً من الطراز الأول لوظائف الكبد، ويعد العسل علاجاً لأمراض الجهاز العصبي، فيه مواد مسكنة، ومن يشكو اختلاجات في أعضائه، واضطرابات، وتوتر عالٍ فالعسل فيه مواد مهدئة، ومسكنة، ويعد علاجاً لأمراض الجهاز العصبي، وهذا الكلام كله مأخوذ من علماء أجانب، لا يعرفون الله إطلاقاً، ولم يقرؤوا هذا القرآن أبداً، بل عن طريق التحليل، والدرس، والتجريب، والبحث .

 

العسل مرهم للجلد :

 شيء آخر، يستعمل العسل كعلاج للأمراض الجلدية، على شكل مراهم، فبعض الدمامل، وبعض البثور، والتخرشات، وبعض الأمراض الجلدية يستخدم لها العسل كضمادات، ويعد العسل علاجاً فعالاً لأمراض العين، ولاسيما التهاب القرنية، وعلاجاً فعالاً لمرض السكر، مع أنه حلو المذاق، وفيه كمية سكر عالية جداً، إلا أنه لا يزيد مرض السكر خطورة، وعلاجاً فعالاً لاضطرابات طرح البول، أي اضطرابات الكليتين، وعلاجاً فعالاً للأرق، وأمراض الجهاز العصبي .

هل تعلم أن النحّالين ليس فيه حالة سرطانية :

 أما الشيء الغريب أنه لم يثبت وجود حالة سرطان واحدة في النحالين، الذين يعملون في المناحل، وتفسير هذه الظاهرة عجيب، كأن العسل أيضاً له علاقة بمرض السرطان الخبيث، والعسل فوق كل ذلك علاج للأمراض النسائية، ففي أول الحمل تمر فترة صعبة جداً على الحامل، تقيؤ وغثيان، وانحطاط قوى، وتشاؤم، وكآبة، فيعد العسل في هذه المرحلة غذاءً فعالاً، وعلاجاً للأمراض الطبيعية التي تنشأ عقب الحمل مباشرةً، وهذا الكلام تفسير لطيف، وسريع لقوله تعالى :

﴿ يخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ﴾

 ويبدو أن النبي عليه الصلاة والسلام من كلمة ( شراب )كان يحب شرب العسل على لعقه، فكان يضع لعقة عسل في كأس ماء، ويذيبه، ثم يشربه،

﴿ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

لا يزال العلم لم يكشف الحقيقة الكاملة للعسل :

 وهناك علماء ربطوا بين اختلاف ألوان العسل والشفاء، فبينوا أن العلم لا يزال قاصراً عن معرفة طبيعة كل لون في فعالية الشفاء، وكل لون من العسل له خاصة دقيقة في الشفاء، وهذا لا يزال رهن البحث، وكلمة :

﴿ فِيهِ شِفَاءٌ ﴾

 لو أن الله سبحانه وتعالى قال : فيه الشفاء للناس، معنى ذلك أي مرض علاجه العسل، هذا كلام غير علمي، فربنا عز وجل جعلها نكرة، فقال :

﴿ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ﴾

 والشفاء نكرة لا تعني الشمول هنا، بل تعني أن هناك أمراضاً كثيرة جداً يعد العسل علاجًا لها .

﴿ إِِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

هذا كلّه آية لمَن تفكّر :

 موضوع النحل، ومملكة النحل، ونظام النحل، وخلايا النحل، وبيوت النحل، وأنواع النحلات العاملات، وطريقة جني الرحيق، وطريقة صنع العسل، وطريقة نظام الخلية، هذه كلها آيات دالة على عظمة الله سبحانه وتعالى، ألا ينبغي أن نفكر فيها ؟
 واللهِ الذي لا إله إلا هو ما تكلمت من موضوع العسل إلا النزر اليسير، فأنا أعلم، وعندي مراجع أوسع بكثير من هذا الذي قلته، فطبيعة المقام لا تحتمل أكثر من هذه التفصيلات، ولكن هناك كتب موسعة جداً إذا قرأتها تخر لله ساجداً، ما هذا؟ إنها من آيات الله الكبرى :

﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ(68)ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ﴾

 ( ثم ) وحدها تعني أن النحل لا ينطلق إلى جني الرحيق قبل أن يستقر في خلية .

﴿ أَنْ اتَّخِذِي ﴾

 وبعد ذلك :

﴿ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ﴾

 ولأنها تأكل من كل الثمرات يأتي العسل مختلف ألوانه .

﴿ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ﴾

 هذه آية كبرى، كيف تهتدي النحلة إلى خليتها؟ هذا ما يزال هذا سراً، ولا يعرف علماء الحيوان كيف تهتدي هذه النحلة إلى خليتها، وقد ابتعدت عنها عشرات الأميال، وهناك حقائق تقول : قد تبتعد النحلة عن خليتها خمسة وعشرين كيلو متراً، أو أكثر، فكيف تهتدي إليها إنسان عاقل ؟ وقد يضيع الجغرافي في الطريق .

﴿ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

 تفكروا في هذه الآية، اقرؤوا عن النحل، سبحوا الله سبحانه وتعالى، مجدوه، عظموه، خروا له ساجدين، أطيعوه، إذا فكرتم في النحل فقد حققتم الهدف من خلق النحل، ولو لم تذوقوا العسل، وإذا أكلتم العسل كل يوم، ولم تفكروا في النحل لم تحققوا الهدف من خلق النحل، في الدرجة الأولى يجب أن نعرف الله من خلال النحل، لأن النحل آية كبرى من آيات الله .

﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾

وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ

نعوذ بالله من أرذل العمر :

 نعوذ بالله من أن ندرك أرذل العمر، شيء لا يحتمل، حينما يخرف الإنسان، وتضعف قواه، يصبح في الحياة الاجتماعية هامشياً، ويسخر الناس منه، وتسوء علاقته مع أهله، ومع أولاده، ومع زوجته، وينبذه أهله، يخرف، ويتكلم كلاماً لا يحتمل .
 قال لي أحدهم: والله والدتي أضعها على سرير، وأربط يديها نحو عنقها، قلت له: لماذا؟ قال: لئلا تأكل من فضلاتها، هذا أرذل العمر، أن يأكل الإنسان من نجسه .

﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ﴾

عليكم بالقرآن والعلم لتتمتعوا بخريف العمر :

 لذلك من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت، لأنه ضمانة من الخرف، فأكبر ضمانة من الخرف أن تتعلم القرآن، من أراد ألاّ يُرَدَّ إلى أرذل العمر فليتعلم القرآن، وليحفظ الله في جوارحه .
 أحد العلماء عمر سبعة وتسعين عاماً، وكان متمتعاً بقوته، وسمعه، وبصره، وذاكرته وأسنانه، وقوامه، فكلما سئل عن هذه الصحة يقول : حفظناها في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً، عاش قوياً، ومن أجل ألاّ نُردَّ إلى أرذل العمر يجب أن نطيع الله طاعة تامة، ومن أجل ألا نَخرف يجب أن نتعلم القرآن، وأن نحفظه، فمن تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت .

﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018