الدرس : 11 - سورة النحل - تفسير الآيات 41 – 47 ، عن الموعظة الحسنة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 11 - سورة النحل - تفسير الآيات 41 – 47 ، عن الموعظة الحسنة


1987-03-27

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الحادي عشر من سورة النحل، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾

وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَر

الإخلاص في العمل شرط لقبوله :

ربنا سبحانه وتعالى يصف الذين هاجروا في الله، كلمة ( في الله ) تدل على الإخلاص في الهجرة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في حديث عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْه عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))

[أخرجه البخاري وأبو داود وابن ماجة ]

(( إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ))

يعني أن قيمة العمل متعلقة بنيته، فقد يكون للرجل عمل كبير، ونيته من هذا العمل كسب سمعة، أو ارتقاء منزلة، أو شيء من هذا القبيل، هذا العمل الإنساني الكبير إذا كان بهذه النية فلا قيمة له أبداً عند الله، قال تعالى :

 

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾

( سورة الفرقان : 23 )

عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين بعثه إلى اليمن :

(( أَخْلِصْ دِينَكَ يَكْفِكَ القَلِيلُ مِنَ العَمَلِ ))

[ أبو نعيم في الحلية ]

لا يستحق أحد على وجه الأرض أن تخلص له إلا الله عز وجل، ليس في الأرض كلها جهة تستحق أن تبيع نفسك لها، أو أن تُجَيّر قدراتك لها، أما الله سبحانه وتعالى فهو أهل التقوى، وأهل المغفرة، فلذلك من أخلص بعمله سعد في الدنيا والآخرة، ومن أراد بعمله الطيب دنيا يصيبها، أو مكانة يحتلها، أو منزلة يرقى إليها، أو سمعة يصيبها، فقد خسر خسران مبيناً، فالعمل الطيب بنية طيبة كالماس، والعمل الطيب بنيِّة غير طيبة كالبلور، فَقَدَ قيمته، كقطعة ماسٍ ثمنها مئات الألوف، فإذا كانت من البلور فثمنها عشرات الليرات .
لذلك يقول الله عز وجل :

 

﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ ﴾

الهجرة بمعناها الواسع :

الهجرة بمعناها الواسع كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( ... وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ))

[متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

إذا تركت المنكر فأنت مهاجر، إذا قلت: إني أخاف الله رب العالمين فأنت مهاجر، وبمعناها الضيق التاريخي الهجرة هي الانتقال من مكة إلى المدينة، بمعناها الضيق المستمر هجر بلدٍ أُجبرت فيه على معصية الله إلى بلد آخر تستطيع أن تقيم فيه شعائر الله، إذا كان باب الهجرة قد أغلق من مكة إلى المدينة، فباب الهجرة مفتوح بين كل بلدين يشبهان مكة والمدينة، فالهجرة بمعناها اللغوي ترك مكان إلى مكان، بمعناها الديني الواسع هجر ما نهى الله عنه، بمعناها التاريخي الانتقال من مكة إلى المدينة، بمعناها المستمر الضيق أن تهجر بلداً أجبرت فيه على معصية الله لتقطن في بلد تستطيع أن تقيم فيه شعائر الله .

 

﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ﴾

الحكمة من تقدير الأذى على المؤمنين :

الحقيقة أن الله سبحانه وتعالى يستطيع أن يحمي عباده المؤمنين من دون أن يُظلموا، لكن صبرهم ومحبتهم وإصرارهم، هذه الصفات الراقية لا تظهر، لذلك يسمح لأعدائهم أن ينالوا منهم أحياناً، من أجل أن يثبتوا، أن يصبروا، أن يتوكلوا، أن يتابعوا طريقهم إلى الله عز وجل، كان من الممكن ألا يكون لأنبيائه عدو، ولا لأوليائه عدو، ولكن هذه المضايقات، وهذا التضييق، إنما من أجل أن يكتشف معدن الإنسان، لذلك يوم الخندق .

﴿ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾

( سورة الأحزاب : 23 )

فالمؤمن ثابت على إيمانه، وعلى حسن ظنه بالله، وعلى استقامته وعلى عمل الطيب في كل الأحوال .
عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( عَجِبْتُ لأمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، لَيْسَ ذَلِكَ لأحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، وَكَانَ خَيْرًا، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، وَكَانَ خَيْرًا ))

[أخرجه مسلم وأحمد في مسنده ]

الآية الكريمة :

 

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(156)أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ ﴾

( سورة البقرة : 155 ـ 157 )

الإنسان عندما يتحمل الشدة في سبيل الله، لأنه قال: لا إله إلا الله، أو لأنه دعا إلى الله، أو لأنه آثر رضاء الله عز وجل، فهذه شدة لا تعدّ مصيبة، إنما تعدّ وسيلة لمضاعفة أجره .
لذلك كان من الممكن أن يعيش المؤمن في بحبوحة ويسر، ولكن أنى لهذه الصفات الراقية أن تظهر، أنى لهذا الصبر أن يظهر، أنى لهذا التوكل أن يظهر، أنى لهذه المحبة أن تظهر، أنى لهذا الرضا بقضاء الله أن يظهر، يقول الإمام علي رضي الله عنه : " الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين ".

 

المصائب محكّ الرجال :

إذاً: من الخير العميم أن يبتلى الإنسان فيصبر .
عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ :

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً ؟ قَالَ : الأنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأمْثَلُ فَالأمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ ))

[أخرجه الترمذي ]

سيارة لها محرك جبار بثمانين حصانًا، مثلاً، وهذا المحرك لا تظهر قوته إلا إذا كان الصعود حاداً، هل تبدو قوة هذا المحرك في منحدر، أو في سهل، لا، أيّ محرك آخر يمشي في السهل، وينطلق في أقصى سرعته في المنحدر، ولكن الصعود الحاد به تمتحن قوة المحركات .
فلذلك المصائب محكّ الرجال، الإنسان يوطن نفسه، قد يبتلى بشدة في ماله، قد يبتلى في مصيبته في ماله، في أولاده، في نفسه، بخوف بقلق، بحزن، هذا من باب مضاعفة الأجر، لأن هذا الإيمان العالي، وهذه النفس المُحِبّة لا تبدو إلا في الظروف الصعبة .
كيف تمتحن صديقاً عزيزاً عليك؟ إذا كنت تكرمه دائماً، فكلما عاملك وأكرمته يحبك، ولكن الصديق الوفي :

إن الصديق الحق من كان معك ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزمان صدعك شتت فيك شمله ليجمعك
***

أردت من هذا الكلام أن أوضح هذه الفكرة :

 

﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ﴾

كيف سمح الله لأعدائهم أن يظلمونهم؟ سمح لأعدائهم أن يظلمونهم ليظهر حقيقتهم، إنهم يحبون الله في الرخاء والشدة، في الغنى والفقر، في إقبال الدنيا وإدبارها، أحياناً لسبب من طاعة الله عز وجل تفقد عملك، أجبرت على معصية فقلت : لا، تفقد عملك، وتظل تبحث عن عمل أشهراً طويلة، أليس بالإمكان أن تجد عملا بعد يوم واحد، ممكن، لكن الله سبحانه وتعالى يؤخر الفرج ليظهر معدنك الثمين، إنك صادق، إنك راضٍ، إنك احتسبت هذا لوجه الله عز وجل، وقد تأتي مصبية، وطِّنوا أنفسكم على تحمل الشدائد، النبي عليه الصلاة والسلام يذكر أنه ما أصاب عبد مصيبة إلا بإحدى خلتين، بذنب لم يكن الله ليغفر له إلا بتلك المصيبة، أو بدرجة لم يكن الله ليبلغه إياها إلا بتلك المصيبة .
يا أخي الكريم، إذا أصابتك مصيبة وأنت مستقيم على أمر الله فلها تفسير واحد، إنها مصيبة ترقية، لا بد من أن ترقى من درجة إلى درجة، عن طريق هذه المصيبة، صبرك عليها، يرفعك عند الله، استسلامك لأمر الله يرفعك عند الله، تفويضك لله يرفعك عند الله ، توكلك على الله يرفعك عند الله، رضاك بقضاء الله يرفعك عند الله فمصيبة العصاة مصيبة ردعٍ، ومصيبة المؤمنين مصيبة رفعٍ، وشتان بين الردع والرفع، الله سبحانه وتعالى يسوق الشدائد للعصاة ليردعهم عن معصيتهم، ولكنه إذا ساق الشدائد للمؤمنين فيجزيهم أجرهم بأحسن ما صبروا .

 

﴿ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

( سورة الزمر : 10 )

﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾

أجر المهاجر في الله :

إذا تركت بلدك، بالمعنى الضيق، إذا تركت بلدك حيث مكانتك، حيث مالك، حيث بيتك الذي شيدته، واعتنيت به، وأسسته، حيث أهلك، حيث متجرك، حيث أملاكك غير المنقولة، إذا تركت هذا البلد، وقد أجبرت فيه على معصية، وانتقلت إلى بلد آخر منطلقاً من الصفر، الله سبحانه وتعالى يعدك أن يمنحك حياةً طيبة،

﴿ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾

نعوذ بالله من الهجرة فيلا سبيل الشيطان :

ولكن الهجرة المعاكسة نعوذ بالله منها، تكون في بلد يذكر فيه اسم الله، تقام فيه مجالس العلم، لك مجلس علم تتزود به .

﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ ﴾

( سورة البقرة : 197 )

لكن لإغراءٍ مادي طفيف تنتقل إلى بلد آخر، فيه المعصية على قارعة الطريق، لا ترى من يذكر اسم الله عز وجل، المادة كل شيء، الشهوات مستعرة، الفتن يقظة، الانحرافات ميسرة، هذا البلد من أقام فيه فقد برئت منه ذمة الله، من ترك بلد تقام فيه شعائر الله، ويذكر فيه اسم الله كثيراً، تقام فيه مجالس العلم، له دخل معقول، يسكن مع أهله، إذا أنتقل إلى بلد يُكفر فيه جهاراً، تُرتكب فيه المعاصي جهاراً، انتقل إليه انتقل إليه ابتغاء نفعٍ من الدنيا، ابتغاء حطام الدنيا، فهذه هجرة في سبيل الشيطان :

(( أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلِمَ ؟ قَالَ : لَا تَرَايَا نَارَاهُمَا ))

وفي رواية سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَا تُسَاكِنُوا الْمُشْرِكِينَ، وَلَا تُجَامِعُوهُمْ، فَمَنْ سَاكَنَهُمْ أَوْ جَامَعَهُمْ فَهُوَ مِثْلُهُمْ ))

[الترمذي وأبو داود والنسائي عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]

﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾

لا بد أن يعيشوا حياة طيبة في هذا البلد الذي هاجروا إليه، لا بد من أن يوفَّقوا في أعمالهم، لا بد من أن يوفَّقوا في معارفهم،

 

﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾

لا تعدل الدنيا عند الله جناح بعوضة :

لكن الدنيا كلها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، الدنيا كلها أصغر من أن تكون ثواباً لمسلم، لو أنك عملت أعمالاً كالجبال، وأراد الله أن يثيبك عليها في الدنيا ماذا يعطيك ؟ لقيمات تقمن صلبك، بيتًا يؤويك، ثوبًا يسترك، هذه كل الدنيا، عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ :

(( أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأُ: ]أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ [ قَالَ: يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي، مَالِي، قَالَ: وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ؟ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ؟ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟ ))

[مسلم]

الدنيا كلها أصغر من أن تكون ثواباً للمؤمن، لكن ربنا عز وجل يقول :

﴿ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾

النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث يحدثنا عن الجنة، وفي هذا الحديث القدسي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ :

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ : ]فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [ ))

[أخرجه البخاري ]

ثلاث دوائر: الدائرة الأولى دائرة المرئيات، أنت لك دائرة مرئيات، قد تعرف بلدك دمشق، وبعض المدن الأخرى، دائرة المرئيات محدودة، سافرت إلى حلب، سافرت إلى بيروت، سافرت إلى عمان، سافرت إلى بلد أجنبي، هذه المرئيات محدودة، لكن الحديث القدسي يقول :

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ ))

الدائرة الأوسع :

(( ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ))

دائرة المسموعات أوسع بكثير من دائرة المرئيات، تسمع أنت ببلد اسمه كندا، وببلد اسمه أمريكا، أستراليا، واليابان، وبالمريخ تسمع بعطارد، تسمع بالمجرة الفلانية، هذه كلها مسموعات، ودائرة المسموعات أوسع من دائرة المرئيات بألوف ملايين المرات ، ودائرة المسموعات إذا قيست بدائرة الخواطر ليست بشيء، فأي شيء مهما يبدو لك غريباً قد يخطر على بالك، فانتبهوا لهذا الحديث :

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ))

فلذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِر ))

[مسلم]

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))

[أخرجه الترمذي في سننه ]

الدنيا سجن ضيق جداً، لو أنه أكل أكلاً زائداً عن حاجته لاضطر إلى تخفيف وزنه، وأصيب بأمراض وبيلة، لو أنه استمتع بشيء استماعاً مبالغاً فيه لدفع الثمن بالغاً، هذه الدنيا مصممة لتكون مزرعة الآخرة، هذه الدنيا مصممة لتكون إعداداً لحياة أبدية .
فلذلك :

﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾

لا نستطيع أن نأتي بوصف للآخرة كوصف مَن قال : " ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر " .
المخيط إبرة، اغمسها في البحر المتوسط، واسحبها، بماذا رجعت؟ ما الماء الذي حمله المخيط؟ أقلّ من قطرة، أقلّ من نصف قطرة، أقلّ من عشر قطرة، قس، انسبْ هذا الذي حمله المخيط إلى مياه البحر كله، هذه الدنيا، وتلك الآخرة، فربنا عز وجل أحياناً يشفق علينا فيقول :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

( سورة التوبة : 38 )

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾

( سورة النساء : 77 )

هكذا ينبئك الجليل أن متاع الدنيا قليل، ألا تصدقه ؟ سنوات ويأتي ملك الموت، من أجل أن تبدأ الحياة كما تشتهي في الأربعين، والأربعون سن النذير، بعد الأربعين يوجد متاعب صحية، يوجد شعور بالضعف، يوجد انحناء بالظهر، شيب بالشعر، ضعف في البصر، ضعف بالذاكرة، طبعاً هذا لمن وصل إلى ما يبتغي، فكيف بمن لم يصل ؟

 

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

( سورة النساء : 77 )

﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾

الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ

لزوم صفتي الصبر والتوكل في المؤمن :

قال المفسرون: " إن هاتين الصفتين؛ الصبر والتوكل هما ألزم صفتين بالمؤمن " .

﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾

الصبر للمؤمن معالجة ربانية :

لماذا هم يصبرون؟ لأن الله عز وجل يتولى معالجتهم، ونقلهم من مرتبة إلى مرتبة، لا تظن أن حياة المؤمن رخيصة على الله عز وجل، حياة المؤمن غالية على الله، لذلك: وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أريد أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقماً في جسده، أو إقتارًا في رزقه، أو مصيبة في ماله أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدت أمه .
وازن بين طفل في الحضانة وعالم جليل، عالم كبير، هذا العالم كم من ليل سهر؟ كم من عمل قام به؟ كم مرة جاهد نفسه وهواه؟ كم من مجلس علم جلس فيه على ركبته ساعات طويلة حتى أصبح بهذا العلم؟ أهكذا تكون الدنيا؟ لابد من أن ينقلنا الله عز وجل من مرتبة إلى مرتبة، من حالة إلى حالة، لا بد من معالجة، هذا الذي يبدأ طريق الإيمان يحتاج إلى معالجات طويلة، عنده شيء من الكبر، هذا يحتاج إلى معالجة، عنده شيء من التفريط، والإسراف، عنده اعتزاز قارب الشرك، اعتزاز بنفسه، هذا كله يحتاج إلى معالجة، لذلك المؤمن يقلبه الله عز وجل، فالذين صبروا على معالجة الله لهم نجحوا، وما مِن مصبية بلا هدف، هذه مستحيلة .

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾

( سورة الشورى : 30 )

فالمصبية للمؤمن معالجة، تنقية، وترقية، ودفع، وكشف، ورفع للمؤمن، أما لغير المؤمن فالمصيبة قصم وردع، فهذه المصيبة تقتضي الصبر، إذا أهمل الإنسان أسنانه، فنخر بعضها، فذهب إلى الطبيب، وأراد أن يعالج هذا السن، ألا يحتاج الطبيب إلى مخدر، أو إلى حفر هذا السن، قد تصل آلته إلى العصب، فيصيح المريض من شدة الألم، لكن العملية كلها في مصلحته، لماذا يصبر المريض؟ لأنه موقن أن ما يجري في أسنانه لمصلحته، وأن هذا الذي يفعل ما يفعل في أسنانه إنما هو طبيب عالم، خبير، إنه يؤلمه، ومع هذا يعطيه الأجر، ويشكره على عمله، كما تصبر عند طبيب الأسنان فيجب أن تصبر على الواحد الديان، لأنه يعالجك بعلم وخبرة ورحمه .

 

﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾

المخاوف كثيرة فلذلك لزم الصبر :

لأن المخاوف في المستقبل أكثر من أن تحصى، وأكبر من أن يحتملها إنسان، ففي مجتمع الكفر هناك مخاوف لا تعد ولا تحصى، كل جهة مصدر قلق ، كل حركة، كل سكنة، كل كلمة يقرؤها الإنسان يتسرب الخوف إلى قلبه، لكنك إذا عرفت الله عز وجل، وآمنت بالله بث الله الطمأنينة في قلبك، وشعرت بسكينة لا يعرفها إلا من ذاقها، تكفي أن تقرأ قوله تعالى :

﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾

( سورة الطور : 48 )

لتشعر أن الدنيا كلها لا تعدل هذه الحالة .
يكفي أن تقرأ قوله تعالى :

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

( سورة العنكبوت : 69 )

يكفي أن تقرأ قوله تعالى :

﴿ هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

( سورة طه : 123 )

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

( سورة البقرة : 38 )

يكفي أن تقرأ قوله تعالى :

 

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

( سورة الجاثية : 21 )

نعمة الصبر لا يعرفها إلا من ذاقها :

نعمة الصبر والتوكل الحقيقي لا يعرفها إلا من ذاقها .
الحقيقة دائماً أقول لكم: قل مئة مليون، قل : مئة ألف مليون، بين أن تقولها بلسانك، وبين أن تملكها بيدك، ما أبعد الحالتين، كل واحد منا بإمكانه أن يقول : مئة ألف مليون، ولكن امتلاك هذا المبلغ شيء، وأن تلفظ هذا الرقم شيء آخر، فأن تقول : توكلت عليك يا رب، وأنت غير متوكل، وأنت تخاف من زيد أو عبيد، ترجو فلاناً أو علاناً، هذا كلام تقوله، ولكنك إذا كنت متوكلاً يقع الشيء الذي لا يصدق .

﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾

( سورة الشعراء : 61 )

بالمنطق فرعون من ورائهم، بجيشه، ورجاله، وعتاده، والبحر من أمامهم، وهم قلّة مستضعفة تهيم على وجهها .

 

﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61)قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾

( سورة الشعراء )

سيدنا إبراهيم ألقي في النار، قال تعالى :

﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

(سورة الأنبياء : 69 )

سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام دخل إلى غار ثور، عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْهم قَالَ :

(( قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا فِي الْغَارِ : لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا، فَقَالَ : مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ))

[ أخرجه البخاري ]

ثم وقعت عين أحد المطاردين على عين أبي بكر، العين على العين، هو صدِّيق، لكنه دون مرتبة النبوة، فقال : يا رسول الله، لقد رأونا، قال له : يا أبا بكر، ألم تقرأ قوله تعالى :

﴿ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾

(سورة الأعراف : 198 )

كن مع الله تر الله معك واترك الكل وحاذر طمعك
ثم ضع نفسك بالذل له قبل أن النفس قهراً تضعك
وإذا أعطاك من يمنعه ثم من يعطي إذا ما منعك ؟
***

كنت لا شيء فأصبحت به خير شيءٍ، فلا يعرف لذة التوكل إلا من ذاق طعم التوكل .

وإذا العناية لاحظتك جفونها نم فالمخاوف كلهن أمان
***

الحياة العصرية مليئة بالمقلقات، في كل المجتمعات تقريباً، كراكب مركبته، هناك أخطار كثيرة، أن ينام السائق فيدخل فيه سائق آخر، أخطار لا تعد ولا تحصى، إذا ركب مركبته، إذا دخل إلى دكانه أخطار، إذا استعمل جهازاً كهربائياً .
فمصادر القلق لا تعد ولا تحصى، فإذا كان الأجداد بحاجة إلى التوكل قيراطًا، فنحن بحاجة إلى التوكل آلاف المرات .

 

﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾

ثم قال عزوجل :

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

سبب نزول الآية :

جاء في أسباب نزول هذه الآية أن بعض المشركين قالوا: إن الله أجل وأعلى أن يبعث رسولاً بشراً، خالق السماوات والأرض يبعث رسولاًً من البشر! فقال تعالى :

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا ﴾

الرسول بشر :

أيْ أنت رسول من البشر، والذين أرسلوا من قَبْلك رسل من بني البشر، لأنه لولا أن يكون الرسول من بني البشر لم تقم الحجة على العباد، أول كلمة تقولها : هذا ملَك، وأنا بشر، أول كلمة يقولها من تدعوه إلى الله، إذا دعا الملَك البشر إلى الله قالوا: أنت ملك، لا تشتهي، نحن بشر نشتهي، لذلك يجب أن يكون الرسول من بني البشر، لأنه يشتهي ما يشتهون، ويرضيه ما يرضي الناس، ويغضبه ما يغضبهم، ويحب ما يحبون، ويكره ما يكرهون، بشر، يجوع، يعطش، يتعب، يضنى .

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ﴾

لا تكون المرأة نبيا ولا رسولا :

واستنبط العلماء من هذه الآية أنه لا يمكن أن تكون المرأة نبيَّةً .

﴿ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾

( سورة آل عمران : 43 )

بلغت المرأة مرتبة الصديقيّة، قال تعالى :

﴿ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ﴾

( سورة المائدة : 75)

هذا عن سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، فالمرأة بلغت أعلى مستوى لها، بلغت مرتبة الصديقة، أما النبوة فهي في الرجال فقط، طبعاً لا لأن الرجال من نوع آخر، ولكن طبيعة المرأة لا تناسبها لتكون نبية، أحياناً يتلقى الإنسان درساً من مدرِّسة، قد ينصرف ذهنه لا إلى كلامها، إلى شيء آخر، هذه مفسدة .
لذلك :

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

وجوب سؤال أهل الذكر عند عدم العلم :

هذه الآية أمر إلهي، والأمر الإلهي يقتضي الوجوب، بمعنى أن كل إنسان مكلف أن يسأل أهل الذكر إن كان لا يعلم، لأن أهل الذكر هم أهل العلم .

العصمة للأنبياء :

بالمناسبة أجمع العلماء على أن العصمة للأنبياء فقط، وأما أهل الذكر فليسوا معصومين، ومن الممكن لإنسان أن يكون من أهل الذكر، وقد يغلط، فالعصمة للأنبياء، ومع ذلك فأنت أمرت أن تسأل أهل الذكر، هناك غلط في الجزئيات أحياناً، قد يحصل سهو، يحصل نسيان، يحصل خطأ، أما الأنبياء فهم معصومون عصمة كاملة، لكن أهل الذكر ليسوا معصومين، ولا يمنع عدم عصمتهم من أن نسألهم، ونقتدي بهم، وأن نتعلم منهم، أما أن يدعي إنسان بعد النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يخطئ فهذا ادعاء مرفوض، لأن أهل الذكر ليسوا معصومين، والله سبحانه وتعالى أمرنا أن نسألهم :

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ﴾

الذين يذكرون ما تجهلون، هذه العلاقة هل هي علاقة ربوية، أم هي علاقة مشروعة ؟ اسألوا أهل الذكر، هذه الطريقة في البيع صحيحة أم فاسدة ؟ اسأل أهل الذكر، هذا عقد الزواج صحيح أم باطل؟ صحيح أم فاسد؟ اسأل أهل الذكر، هذه الزكاة لمن أدفعها؟ اسأل أهل الذكر، هذه الآية ما معناها؟ اسأل أهل الذكر، هذه الزوجة كيف أعاملها؟ اسأل أهل الذكر، هذه الديون كيف أحصلها؟ أأحسم السندات؟ اسأل أهل الذكر :

 

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

السؤال استعارة لعقل المسؤول :

إن كنت لا تعلم فغيرك يعلم، لذلك أنا أعجب ممن لا يسأل ، وإذا سألت إنساناً فقد استعرت كل عقله، وذكائه، وخبرته في الحياة، وعلمه، وفضله، بهذا السؤال بلا مقابل، اسأل يا أخي، كم من إنسان وقع في ورطة كبيرة، سلك طريقاً شائكاً، وقع في انحراف مهلك، ضاع منه ماله كله، لأنه لم يسأل، اسأل كيف أقرضه هذا المبلغ؟ كيف أكتب هذا العقد؟ كيف أحدد هذه الشركة؟ كيف أحل هذه الشركة؟ كيف أعامل شريكي؟ اسأل يا أخي، في العلاقات المالية، في عملك، في حرفتك، في بيتك، مع أولادك، مع زوجتك، مع جيرانك، مع من هم أعلى منك، مع من هم أدنى منك، أحياناً الإنسان يترك شيئاً هو حلال يتوهم أنه حرام، فيتركه، يبقى بلا دخل، يصبر شهرًا، ثم ينتكس، اسأل أهل الذكر قبل ترك هذا العمل، اسأل أهل الذكر، هل يجوز أن أتركه بلا عمل آخر، هل أتركه فوراً أم على التراخي؟ اسأل أهل الذكر، سؤال أهل الذكر يعني أنك استعرت منهم علمهم، وخبرتهم ، والنور الذي أودعه الله فيهم، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( ما خاب من استشار، ولا ندم من استخار ))

[ذكره العجلوني في كشف الخفاء]

الاستشارة لأهل الخبرة من المؤمنين، والاستخارة لله عز وجل، ففي كل أمر يباح استخر الله أولاً، واستشر من تثق بدينه ثانياً .

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

هذه خاصة بالعلماء، حدثك عالم سنوات طويلة بكلام استفد منه، مرة مثلاً ألقى على سمعك حديثاً راجَعْته، فإذا هو ضعيف، هو من أهل الذكر، لأنه ليس معصوماً، هو بشر، من أهل الذكر، لو كان نبيًّا حاسبه حساباً شديداً، هو ليس معصوماً، فلا تعط الإنسان حجماً فوق حجمه، إنسان يبذل وسعه ليقدم لك ما يستطيع، أما أن تحاسبه على كل حركة وسكنة فأنت لا تعلم هذه الآية .
إذاً :

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

يمكن لمدرِّس رياضيات شهير أن يضع محل إشارة الزائد إشارة الناقص سهواً، أتضرب عن حضور دروسه؟ لا، أنبهه إلى هذه الغلطة، وقد تكون سهواً، وأتابع الحضور عنده لأستفيد منه .
فالإنسان لا يرفع الناس إلى حجم فوق حجمهم، هذا هو الشرك، كل إنسان له حجم،

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ﴾

نصف العلم ( لا أدري ) والغلط وارد :

قال بعضهم : نصف العلم لا أدري، إذا قلت : لا أدري فأنت نصف عالم، عرض عليك سؤال قل : لا أدري، سأراجعه، هل من المفروض أن تعلم كل شيء، من ادعى أنه يعلم كل شيء فلا يعلم شيئاً، فهناك أناس متبحرون في المواريث، وهناك أناس متبحرون في الفقه، وهناك أناس متبحرون في التوحيد، هناك أناس متبحرون في التفسير، هناك أناس متبحرون في علم الحديث، هناك أناس متبحرون في العلم بالله، وهذا أعلى مستوى، طبعاً العالم ملِمٌّ بكل فروع العلم إلماماً إلى حد ما، أما أن يحاسب على كل كلمة فهو ليس معصوماً، فإذا الإنسان وضع الناس في حجمهم الحقيقي سهل التعامل معهم، أما إذا رفعهم إلى حجمٍ يفوق حجمهم عندئذ يقع في أزمات حادة في أثناء التعامل معهم، قال e :

(( اللهم إني بشر أنسى كما ينسى البشر ))

[ورد في الأثر]

يمكن أن تصلي الظهر ثلاث ركعات سهواً، لماذا شرع سجود السهو ؟ لأن البشر قد يسهون :

(( اللهم إني بشر أنسى كما ينسى البشر ))

أحياناً يحتكم عندك اثنان، أحدهما ألحن بالحجة من الآخر، فتقضي لصاحب الحجة، وقد يكون ظالماً، أنت بشر، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ :

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ، وَيَقُولُ : اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا أَمْلِكُ ))

قَالَ أَبُو دَاوُد : يَعْنِي الْقَلْبَ .

[أبو داود، الترمذي، النسائي، ابن ماجه]

وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ ))

[متفق عليه]

هذا شأن البشر، ينسى، يغلط، يتسرع أحياناً، لكن لا يمنع هذا من أن تأخذ من علمه وأن تستفيد منه، لأن الإنسان خُلق ضعيفاً، طبيعة الإنسان ضعيف، أحياناً ينسيه الله حتى يحجمه، قد ينسيه الله عز وجل حديثاً هو في أمسّ الحاجة إليه، لأنه دخل ليلقي على الناس درساً، ولم يفتقر إلى الله افتقاراً كافياً، لم يقل قبل أن يدخل: اللهم إن أعوذ بك من حولي وقوتي، وألتجئ إلى حولك وقوتك، يا ذا القوة المتين، على قدر افتقارك يكون المدد، فكلما افتقرت إلى الله أكثر كلما كان التجلي والمدد أكثر .

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(43)بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ

الأنبياء جاؤوا بالبينات والمعجزات :

جاؤوا أقوامهم بالبينات، البينات هنا المعجزات الظاهرات، يعني أن تنقلب العصا إلى أفعى، هذا شيء يفوق طاقة البشر، هذا الكتاب من البينات، طبعاً فرَّق العلماء بين البينات وبين الزبر، الزبر الكتب السماوية، بينما البينات المعجزات الظاهرة، فالنبي غالباً أو الرسول مزوَّد بمعجزة يؤكد بها أنه مرسل من عند الله، ومزود بكتاب يوضح للناس طريق الخير من الشر،

﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

الذكر هو القرآن ، وفيه بيانُ كلِّ شيء :

هذا الذكر هو القرآن، فيه ذكر كل شيء، فيه ذكر الأقوام السابقة، فيه ذكر ما سيكون في قيام الساعة، فيه ذكر الحلال والحرام، فيه ذكر الحق والباطل، فيه ذكر الخير والشر، فيه مشاهد من يوم القيامة، فيه كل ما نحتاج، هو كتاب هداية ورشد، كل شيء يحتاج الإنسان في الدنيا ليهتدي إلى الله عز وجل يجده في هذا الكتاب، لذلك :

﴿ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

العلاقة بين الزوجين مذكورة في القرآن الكريم، العلاقة بين الإخوة مذكورة في القرآن الكريم، العلاقة بين القوي والضعيف مذكورة في القرآن الكريم، العلاقة بين الشريكين مذكورة في القرآن الكريم، أصول البيع مذكورة، الزواج والطلاق، وكل شيء نحتاجه مذكور في القرآن الكريم، لذلك :

﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

إذاً التدبر في هذا الكتاب أمر إلهي، فالله سبحانه وتعالى ينتظر منا أن نقرأه بتمعّن، وتدبر، وتفهم، وتعقل، لا أن نقرأه قراءة جوفاء لا معنى لها، والدليل هذه الآية :

﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

فيما نزل إليهم، تفكر في هذه الآيات .

 

أحاديث النبي الصحيحة تبيان لما في القرآن :

شيء آخر، استنبط العلماء من هذه الآية أن النبي عليه الصلاة والسلام في كل ما قاله من أحاديث شريفة تنطوي تحت هذه الآية، النبي عليه الصلاة والسلام يبن للناس ما نزل إليهم. الله عز وجل قال :

﴿ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾

( سورة البقرة : 221 )

فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ : لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

فمن تزوج المرأة لجمالها أذله الله، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءة، ومن تزوجها لمالها أفقره الله، فعليك بذات الدين تربت يداك، هذا الحديث يبين هذه الآية .
فكل أحاديث رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشكل أو بآخر هي تبيان واسع جداً، وتفصيلٌ كبير لِما في القرآن الكريم :

﴿ أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمْ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ(45)أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ(46)أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾

أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمْ الْأَرْضَ

احذرْ نقمةَ الله يا مَن يمكر السيئات :

هذه الآية تقصم الظهر، ربنا سبحانه وتعالى يقول :

 

﴿ أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ ﴾

والعياذ بالله هذا الذي يمكر السيئات، هذا الذي يبني مجده على أنقاض الناس، هذا الذي يؤذي الناس، هذا الذي يتلذذ بمصائب الناس، هذا الذي يبث الخوف في قلوب الناس، بلا شيء، هذا الذي يمكر السيئات، كيف يأمن مكر الله عز وجل؟

﴿ أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمْ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

للعذاب مصادر خفية على الإنسان :

للعذاب مصادر خفية على الإنسان، قد يذهب إلى نزهة، فيفاجأ بحادث قضى عليه، أو جعله مشلولاً، أو جعله مصاباً إصابة بالغة، أو جعله ذا عاهة دائمة، فهذا الذي يمكر بالناس السوء لو يعلم أن الله سبحانه وتعالى سيحاسبه حساباً عسيراً ماذا كان يفعل ؟ من يعتدي على حيوان أحياناً يدفع الثمن غالياً .
سمعت عن رجل دهس كلب تسلية لعباً، بعد أسبوع قطعت يداه بحادث، بعد أسبوع واحد

﴿ أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمْ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

هذه المدن الضخمة التي كانت تمكر السيئات، كيف أصابها الزلزال فأصبحت قاعاً صفصفا، أصبحت أثراً بعد عين،

﴿ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

هناك أخبار تأتي كالصاعقة، فجأة يقال له: إن كل ما تملكه قد احترق، هناك أخبار قد لا يحتملها الإنسان، أطباء القلب عندهم حالات من هذا القبيل، أكثر الأزمات القلبية أسبابها نكبات لا يستطيع الإنسان تحملها، يصاب بنوبة قلبية، يؤخذ إلى المستشفى .
لذلك ربنا عز وجل قال: هذا الذي يمكر السيئات ألا يخاف أن يخسف الله به الأرض ؟

﴿ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ(45)أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ ﴾

أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ

المعنى الأول : مجيء العذاب والناس في مشاغلهم منهمكون :

هم في حياتهم اليومية، في محلاتهم التجارية يبيعون ويشترون، في سهراتهم، في ندواتهم، في نزهاتهم، في احتفالاتهم، في مرحهم، في فرحهم، في أوقات راحتهم، في أوقات جدهم، في أوقات عملهم،

﴿ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ ﴾

هذا المعنى الأول .

 

المعنى الثاني : مجيء العذاب والناس يتقلبون في النعم :

وهم يتقلبون في النعم، قد يأخذهم الله عز وجل أخذ عزيز مقتدر .

﴿ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ ﴾

أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ

العلماء في هذه الآية لهم تفسيرات .

المعنى الأول : الخوف من المحذور :

إن الإنسان أحياناً يصاب بالخوف، يخاف من جهة ما، يخاف، هذا الخوف يتصاعد، ويتصاعد إلى أن يقع المحذور، هذا شيء يقع، يقول لك: أخاف أن يسألوني، وأخيراً سألوه، ووقع المحذور .

﴿ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ ﴾

المصيبة إما أن تقع عن غير توقع، كما قال تعالى :

﴿ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

أو تقع بعد التوقع :

﴿ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ ﴾

المعنى الثاني : النقص في الموادّ :

التخوف النقص، نقص في المواد، نقص في الخيرات، نقص في المحاصيل، نقص في المواد الأولية، شبح مجاعة، ثم يؤخذون، فالتخوف إما أن يأخذهم بمصيبة يتوقعونها، أو أن يأخذهم أخذاً بطيئاً، إلى أن يتلاشى الإنسان .
على كل هذا الذي يمكر السيئات لا بد من أن يخسف الله به الأرض، أو أن يأتيه العذاب من حيث لا يشعر، أو أن يأخذه وهو في قمة نشاطه، أو عمله، أو أن يأخذه على تخوف،

﴿ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾

علاقة خاتمة الآية بصدرها :

ما علاقة آخر هذه الآية بصدرها ؟ العلاقة أن الله عز وجل قادر دائماً وأبداً أن يأخذ هذا الإنسان بشرّ عمله، لماذا يؤخره؟ رأفة به ورحمة، يعطيه فرصة كي يتوب، قد يفعل الإنسان عملاً يستحق الهلاك، و الله سبحانه وتعالى لا يهلكه، لماذا لا يهلكه؟ رأفة به ورحمة، لعله يعود، لعله يرجع، لعله يصحو، لعله يذكر، لعله يندم، لعله يفكر .

﴿ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾

بمعنى أن الله عز وجل لم يأخذهم على تخوف، أو لم يأخذهم بعد وهم لا يشعرون، أو لم يخسف الله بهم الأرض بعد، لأنه رؤوف بهم ورحيم، لكن إذا استمروا، وأصروا فلا بد من أن تقع هذه الآيات واحدة واحدةً، أن يخسف الله بهم الأرض، الزلازل، الصواعق، البراكين،

﴿ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

الأمراض، أو يأخذهم في تقلبهم، مفاجأة، وهو في عمله وقع مغشياً عليه، أصيب بشلل دائم،

﴿ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ ﴾

يعني قبل أن تأتي المصيبة، ينخلع قلبه لها مئات المرات قبل أن تأتي، أو هذا الموت البطيء، نقص المواد يغضي إلى التلف،

﴿ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018