الدرس : 10 - سورة النحل - تفسير الآيات 37 – 40 ، عن القضاء والقدر - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 10 - سورة النحل - تفسير الآيات 37 – 40 ، عن القضاء والقدر


1987-03-20

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس العاشر من سورة النحل، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

﴿ إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾

 وكنا قد فسرنا في الدرس الماضي قوله تعالى :

 

﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

مصادر الحقيقة والمعرفة :

 نقف عند هذه الآية التي مررنا عليها سريعاً في الدرس الماضي :

﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

 الحقيقة يمكن أن تستنبطها من مصادر ثلاثة .

المصدر الأول : الكون :

 قال تعالى :

﴿ قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

( سورة يونس : 101 )

﴿ فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24)أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا(25)ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا(26)فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا(27)وَعِنَبًا وَقَضْبًا(28)وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا(29)وَحَدَائِقَ غُلْبًا(30)وَفَاكِهَةً وَأَبًّا(31)مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾

( سورة عبس : 24 ـ 32 )

﴿ فَلْيَنظُرْ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ(5)خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ(6)يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ(7)إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ﴾

( سورة الطارق : 5 ـ 8 )

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ(17)وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ(18)وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ(19)وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾

( سورة الغاشية : 17 ـ 20 )

 الله سبحانه وتعالى يدعونا في آيات كثيرة إلى النظر في الكون، فالكون قرآن صامت، فإذا أردت أن تعرف الحقيقة فابحث عنها من خلال آيات الله التي بثها في السماوات والأرض .

وفي كل شيء له آية  تـدل على أنه واحد
***

 هذا طريق، وهذا مصدر، أحد مصادر الحقيقة الكون، لأن الكون كما قلت في درس سابق: تجسيد لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، أو مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، فإذا تأملت في آيات الكون انتقلت منها إلى أسماء الله وإلى صفاته، فعرفته، فإذا عرفته عبدته، وإذا عبدته سعدت بقربه، هذا هو المصدر الأول .
 سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام نظر في الكون :

 

﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ(88)فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾

( سورة الصافات : 88 ـ 89 )

﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ(76)فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ(77)فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴾

( سورة الأنعام : 76 ـ 78 )

 ثم انتقل من آيات الكون إلى فاطر الكون، فقال :

 

﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ﴾

( سورة الأنعام : 79 )

 فمن شاء أن يعرف الله سبحانه وتعالى فــ :

في كل شيء له آية  تـدل على أنه واحد
***

وظيفة المخلوقات وعلاقتها بالإنسان :

 كل شيء خلقه الله سبحانه وتعالى إنما له وظيفتان، الوظيفة الأولى والرئيسة: أن يعرفك بذاته سبحانه وتعالى، والوظيفة الثانية : ما يقدم لك من خدمات، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ

(( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ : هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، آمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَكَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا، وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا ))

[أبو داود]

 خير نعرف به عدد السنين والحساب، ورشد يرشدنا إلى ربنا .
 فكأس الماء آية على رحمته، الهواء الذي نستنشقه، الحواس الخمس، الأعضاء، الأجهزة، أنواع النباتات، أنواع الأطيار، أنواع الأسماك، الجبال، الوديان، السهول الصحارى، البحار، الأنهار، كل شيء يدل عليه، بما هو كبير، وبما هو صغير .

 

المصدر الثاني : الكتاب العزيز :

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾

( سورة الأنعام : 1 )

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا ﴾

( سورة الكهف : 1 )

 إذا قرأت القرآن الكريم تعرفت إلى الله رب العالمين، فمن قرأ آياته، وفهمها، وتدبرها، وعرف أبعادها، وطبقها، كان كتاب الله مصدرًا ثانياً للمعرفة .

 

المصدر الثالث : الحوادث في الكون : فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا

 الكون مصدر، والقرآن مصدر، والحوادث التي تجري مصدر ثالث، فربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

 هؤلاء الذين كذبوا الرسل، وكذبوا بهذا الكتاب، هؤلاء الذين رأوا أن ما أنزله الله على النبي عليه الصلاة والسلام لا يصلح لهذا الزمان، هؤلاء الذين أداروا ظهورهم للدين، هؤلاء الذين آمنوا بنظريات أخرى غير هذا الدستور الذي سنه الله لنا، هؤلاء حينما تفلتوا من الشرع الإلهي، وحينما تحللوا من القيم التي جاءت في كتاب الله، اتبعوا شهواتهم، وساروا وراء مصالحهم فطغوا وبغوا، ماذا كانت النتيجة؟ أن الإنسان في الدنيا يهلك، وإذا انقلب إلى الله عز وجل إلى اليوم الآخر تنتظره النار، وبئس المصير :

 

﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾

 تستطيع أن تستشف من خلال الأحداث التي تجري في الأرض، أي من خلال أفعال الله سبحانه وتعالى في عباده، تستطيع أن تستشف الحقيقة .
 مثلاً :

 

 

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

( سورة الجاثية : 21 )

 تستطيع أن توازن بين حياة المؤمن وحياة غير المؤمن، لا بد من أن يكون هناك فرق شاسع، ومفارقة حادة، بين حياة فيها طمأنينة واستقرار، فيها سعي نحو معرفة الله عز وجل، حياة مقدسة، حياة عفيفة، حياة نظيفة، حياة سامية، حياة علوية، وبين حياة إنسان شهواني يبحث عن مصالحه بأيّ ثمن، ومن أيّ طريق، يدوس من أجل مصالحه كلَّ القيم، ما مصير هذا؟ وما مصير ذاك؟ لا شك أنه هناك فرقًا شاسعاً .

 

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

( سورة الجاثية : 21 )

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة النحل : 97 )

 دقق في حياة المؤمن، ألا تراها طيبة؟ ألا تراه سعيداً في بيته وعمله وعلاقاته، وطموحاته؟ إنه في الأفق الأعلى، والناس في الوحول، انظر إلى حياة أهل الدنيا، خصومات، مشاحنات، شهوات، تجاوزات، تعديات، بغي، ظلم، تحلل، مشاكسة، سوء ائتمان، قسوة، هذا حال أهل الكفر، وهذا حال أهل الإيمان، لو نظرت إلى الذي يأكل مالاً حراماً ما مصيره، لا بد من أن يدمر ماله، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ))

[البخاري]

 قال الله تعالى :

 

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾

( سورة البقرة : 276 )

 دقق في كسب المال وحده، هذا الذي كسب مالاً حلالاً، دقق في حياته، كيف أن الله سبحانه وتعالى يبارك له في صحته، وفي أهله، وفي أولاده، وفي تجارته، وفي كسبه، وفي أعماله كلها، وانظر هذا الذي كسب مالاً حراماً، كيف أن هذا المال سيذهب، وسيذهب معه صاحبه، كيف أن حياة الذي يكسب المال الحرام مصحوبة بالمصائب والأخطار، بالإفلاس أحياناً، بالأمراض، ربنا عز وجل قال لنا :

 

﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا ﴾

 وفي آيات أخرى :

 

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

( سورة الأنعام : 11 )

فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا ـ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا

 هذه الفاء حرف عطف، يفيد الترتيب على التعقيب، بينما ثم حرف عطف يفيد الترتيب على التراخي، والآيتان في كتاب الله، كل آية تعني شيئاً، فلو أن إنساناً طغى وبغى، و أكل مالاً حراماً، وبنى مجده على أنقاض الآخرين، وبنى حياته على موتهم، وبنى أَمْنه على خوفهم، بنى غناه على فقرهم، بنى سعادته على شقائهم، هذا الذي يسلك هذا الطريق انظر كيف تكون عاقبته، ربنا عز وجل قال :

﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

( سورة القصص : 83 )

 العاقبة للمتقين، العبرة في خريف العمر، العبرة في هذا العمر كيف ينتهي؟ ينتهي إلى دمار، ينتهي بفضيحة كبيرة، ينتهي بمصيبة أسرية، كيف ينتهي هذا العمر؟ هذا المال الذي كسبه الإنسان بالحرام كيف أودى بصاحبه؟

 

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا ﴾

 إذا قال الله عز وجل :

 

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا ﴾

 معنى ذلك أن هناك حالات كثيرة يأتي العقاب مباشرة بعد الانحراف، ما أن ينحرف حتى يأتي العقاب الإلهي، وإذا قال الله عز وجل :

 

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا ﴾

 معنى ذلك :

 

﴿ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾

( سورة آل عمران : 196 ـ 197 )

 قد يمد الله للكافر، قد يعطيه الصحة، والذكاء، والمال والجمال، ولكنه يسلبه الطمأنينة، والسعادة، والصفاء، والإقبال .
 إذاً: الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة يأمرنا أن ننظر، النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( أمرني ربي بتسع، خشية الله في السر والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني، وأعفو عمن ظلمني، وأعطي من حرمني، وأن يكون صمتي فكراً ونطقي ذكراً ونظري عبرة ))

[رواه القضاعي في مسند الشهاب ]

 لا تدع هذه القصص التي تسمعها تمر هكذا ، فكّر فيها، واعرضها على كتاب الله، ابحث لماذا يُكبّ هذا الإنسان؟ ما المخالفة التي كان يرتكبها؟ لماذا حفظ الله مال فلان؟ وأتلف مال فلان؟

 

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

( سورة الأنعام : 11 )

كلّ ما يحدث في الأرض مصداق لما في الكتاب العزيز :

 إذاً: يمكن أن تستنبط الحقيقة من مصدر ثالث، ألا وهو الحوادث، الحوادث وحدها تنبئك بالحقيقة، لذلك ربنا عز وجل أحياناً يشهد لنا أن هذا الكلام كلامه، شيءٌ عجيب، الله سبحانه وتعالى متى شهد لنا؟ لأن كل ما يحدث في الأرض مصداق لما في هذا الكتاب، هذا الكتاب قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، فأي شيء يحدث في الأرض يصدق ما جاء في هذا الكتاب .

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾

( سورة هود : 117 )

﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾

( سورة مريم : 64 )

 آية أخرى :

 

﴿ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا ﴾

( سورة الكهف : 59 )

 فلو تتبعت قرية أهلكها الله عز وجل لوجدتها ظالمة .

 

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾

( سورة النحل : 112 )

التفسير الصحيح للحوادث :

 الحقيقة ما يجري في الكون يجري، وما يَقع يقع، ما يقع يعرفه الناس جميعاً، ولكن البطولة في القدرة على التفسير، كل إنسان إذا حصل زلازل في مكان معين تتناقله الأنباء، وتنشره الصحف، وتصوره المجلات، يطلع عليه الناس جميعاً، فالناس لا فضل لواحد على آخر في تلقي الخبر، الخبر سهل تلقيه، لكن المؤمن يملك التفسير الصحيح لهذا الخبر، شتان بين أن تتلقى نبأ، وبين أن تملك القدرة على تفسيره، فالمؤمن يملك القدرة على تفسير ما يجري وَفق آيات الكتاب، وَفق هذه القواعد الثابتة التي وردت في القرآن الكريم :

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾

( سورة النحل : 112 )

 هناك تفسير إلهي، تفسير قرآني، تفسير ديني، لهذه النكبة التي ألمّت بهذه القرية .

 

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴾

(سورة الأنعام : 65 )

 إذاً: هناك التفسير، فإذا عرفت الله عز وجل، إذا عرفت ما في كتابه من حقائق، إذا تدبرت آياته، إذا كشفت القواعد الثابتة التي وردت في كتاب الله، عندئذ تملك صحة التفسير، قال لما ربنا عز وجل :

 

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

( سورة طه : 124 )

 هناك علاقة ثابتة بين الحياة الضنك والإعراض عن ذكر الله، فحيثما سمعت قصة، أو مشكلة، أو مأساة، أو قضية، وعرفت أن هذا الذي دُمِّرتْ حياته معرِضٌ عن ذكر الله، تملك عندئذ التفسير الصحيح ما الذي يقلقلك؟ ألا تملك تفسيراً لما يجري؟ لكنك إذا ملكت التفسير الصحيح ارتاح قلبك، واطمأنت نفسك، فالمؤمن فضلاً أنه عرف الله من خلال الكون، وهذا الباب الأول، ومن خلال الكتاب، وهذا الباب الثاني، ومن خلال ما يجري من حوادث، وهذا الباب الثالث، تتبع .
 قال لي أحدهم: ما من شخص عاصرته، وقد كسب مالاً حراماً إلا دمر الله ماله قبل أن يموت، طبعاً هذا استنباط استنبطه من القصص التي وصلت إلى سمعه، فربنا عز وجل يقول :

 

﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

 ثم يقول الله سبحانه وتعالى:

 

﴿ إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾

إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ

النبي حريص على هداية قومه :

 النبي عليه الصلاة والسلام حريص حرصاً بالغاً على هداية قومه، والدليل أن الله سبحانه وتعالى يصفه بهذه الصفة :

﴿ إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ ﴾

الهدى متعلِّق باختيار العبد :

 الجواب: أن هداهم ليس متعلقاً بحرصك، أو عدم حرصك، هداهم متعلق باختيارهم .

﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾

( سورة القصص : 56 )

 ليس هدى الإنسان متعلقًا بمشيئة النبي e، لو أن هدى كل إنسان متعلق بمشيئة النبي عليه الصلاة والسلام لشاء النبي e لعمه أبي لهب أن يهتدي، ولكنّ عمه أبا لهب هو الذي أراد أن يبقى ضالاً، لذلك قال الله عز وجل :

 

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ(1)مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾

( سورة المسد : 1 ـ 2 )

 فالهداية في أصلها عمل طوعي، اختياري، ليست الهداية متعلقة بحرص النبي e، أو عدم حرصه، فالله سبحانه وتعالى يثني على نبيه e في هذه الكلمة، وفي الوقت نفسه يبين له الحقيقة، أن الهدى عمل اختياري .

 

﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

( سورة فصلت : 17 )

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾

( سورة الإنسان : 3 )

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

( سورة البقرة : 148 )

الهدى الاختياري والهدى الجزائي :

 الهدى عمل اختياري، عمل من اختيار الإنسان، لذلك فإن علماء التوحيد قالوا: هناك هدى ابتدائي، وهناك هدى جزائي، فالإنسان إذا اختار الهدى قدر الله له الهدى، فاختياره للهدى الأول هو الهدى الاختياري، والهدى الذي قدر الله له دله على أهل الحق، فتح بصيرته، ألهمه رشده، شرح الله صدره للإسلام، جمعه مع أهل الهدى، هذه كلها من الله عز وجل، وهي بناء على اختيار الإنسان، فهناك هدى ابتدائي، أي إن الإنسان اختار الهدى، وهناك هدى جزائي، أي إن الله سبحانه وتعالى بعد أن علم منه هذه الإرادة، وهذا الاختيار يسَّرَ له سبل الهدى، ودلّه على أهل الحق، وشرح صدره للدين، فهناك ضلال ابتدائي، وضلال جزائي، فإذا اختار الإنسان طريق الضلال، أو إذا أبى أن يسلك طريق الهدى ضل باختياره .
 إنّ الضلال في تعريفه الدقيق: خروج عن طريق الهدى، أو عدم السير في طريق الهدى، إذا أبى أن يسير في طريق الهدى، هذا هو الضلال، عندئذ يستحق الضلال، كما قال الله عز وجل في الآية التي قبلها :

﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ﴾

(سورة النحل : الآية 36)

موانع الهدى وموجباته :

 وذكرت لكم في الدرس الماضي أنَّ ما يقارب مئات الآيات المتعلقة بالهدى، كيف أن الهدى له موجبات، وأن الهدى له موانع، والله سبحانه وتعالى :

﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

(سورة المائدة )

﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْظَالِمِينَ ﴾

(سورة البقرة : الآية 258)

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴾

(سورة غافر : الآية 28)

﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾

(سورة البقرة : الآية 264)

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾

(سورة يوسف : الآية 52)

 ثمانية عشر شيئاً إذا تلبَّس بها الإنسان مُنع من الهدى .
 وهناك موجبات للهدى :

 

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾

(سورة العنكبوت : الآية 69)

 فربنا عز وجل يقول : يا محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ :

 

﴿ إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ ﴾

من اختار الضلال أوكِل إليه :

 هذا الذي اختار طريق الضلال، أو هذا الذي أضل نفسه عن طريق الحق، صرفها إلى الدنيا، صرفها إلى الشهوات، صرفها إلى جمع الدرهم والدينار، صرفها إلى العلو في الأرض، هذا الذي أضل نفسه عن طريق الحق، أو هذا الذي استحق الضلال الجزائي بعد أن اختار الضلال الابتدائي، هذا لا يهديه الله بحكم نواميس الكون التي خلقها الله عز وجل، الجامعة لها نظام، نظام داخلي، تقول : هذا الطالب رفض طلبه استنادًا إلى المادة الثالثة من نظام الجامعة، هذا الطالب رسب في سنته استنادًا إلى المادة الخامسة من نظام الجامعة، فربنا عز وجل خلق الكون، وخلق مع الكون سنناً، فهذه السنن هي التي تنظم علاقة العباد بربهم، فربنا عز وجل يقول :

﴿ إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾

فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ  :

 عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ :

(( يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إِلا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ ))

 كلام واضح كالشمس،

(( فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ ))

 أبواب الهدى مفتحة، فما عليك إلا أن تدخل فيها، سبيل الله عز وجل سالك، وما عليك إلا أن تسير فيه، والآيات نصبها ربنا عز وجل فما عليك إلا أن تفكر فيها، الأوامر معروفة، ما عليك إلا أن تنفذها، المنهيات معروفة، ما عليك إلا أن تنتهي عنها، فليس لك إلا أن تستجيب .

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾

( سورة الأنفال : 24)

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

( سورة التوبة : 38 )

 هل أنت مصدق ربك أيها الأخ الكريم؟ يقول لك الله سبحانه وتعالى: كل ما في الدنيا متاعه قليل إذا قيس بما عند الله رب العالمين .

 

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ(60)أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ ﴾

( سورة القصص : 60 ـ 61 )

 الذي خلق لك ما في السماوات والأرض الذي أعدّ لك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ألست مصدق ربك بهذا؟

 

﴿ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾

الضالّ يدفع ثمن ضلاله غاليا :

 ينصرونهم من دون الله إذا جاء جزاء الضلال، الضلال له جزاء، قد يظن أحدكم أن فلاناً اهتدى ـ وفلاناً ضل .
 سيارة مندفعة بأقصى سرعتها، وتسير في طريق كلها انعطافات، ومن حول الطريق وديان سحيقة، هل تعرف ما هو الضلال في حق هذا السائق؟ أن يغمض عينيه، أتظن أنه إذا أغمض عينيه يبقى مغمضاً عينيه؟ أو أنه لا بد أن يهوي في وادٍ سحيق ما له من قرار!؟‍ هذه الحقيقة مهمة جداً، ليس الموضوع أن فلاناً اهتدى، وفلاناً ضل، إنك مزود بشهوات تدفعك نحو إروائها، إذا كنت على هدى أحسنت السير، وإذا كان الإنسان ضالاًً وفيه عمى فلا بد من أن يقع في الإساءة، لابد من أن يقع في الظلم، لابد من أن يقع في الهلاك، لابد من أن يكون تدميره في تدبيره، ليس الموضوع أنه ضلال وكفى، ما بعد الضلال، لذلك هذا الذي يضل نفسه عن الله عز وجل، ويختار طريق الدنيا، وطريق الشهوات، ويتنكر طريق الهدى، اختار الضلال، ليس الأمر كذلك، لابد من أن يدفع ثمن ضلاله غالياً، لذلك جاء قوله تعالى :

﴿ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾

 حينما يغمض السائق عينيه، وهو في طريق خطرة، وسيارته مندفعة، هل هو أغمض عينيه فقط؟ أم أهلك نفسه؟ أهلك نفسه، مما ينتج عن إغماض عينيه تدهور السيارة، وعندئذ إذا تكسرت أضلاعه، أو يفقد حواسه، أو تنقطع سلسلة ظهره، عندئذ لا يستطيع أحد أن ينجيه من هذا الثمن الباهظ، من هنا جاء قوله تعالى :

 

﴿ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾

﴿ إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾

 إذا عرفت الحق نجوت، فإن لم تعرف الحق هلكت، لماذا؟ لأنك لست كهذه الطاولة سكونيًّا، إنك إنسان متحرك، فيك شهوات، فيك ميول، فيك دوافع، فيك حوافز، فيك حاجات، فيك فتن متألقة، فتن من حولك، وشهوات في داخلك، وحاجات، وميول وحوافز، وطموحات، هذه الحركة المستمرة من دون هدى لابد من أن تطغى، لابد من أن تبغي، لابد من أن تأكل ما ليس لك، إذاً لابد من العقاب، من هنا جاء قوله تعالى :

 

﴿ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾

﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ

انظرْ كيف أقسموا بالله ثم وصفوه بالعجز !!!

 الحقيقة هم أقسموا بالله، أقسموا بعظمة الله عز وجل، ثم وصفوه بالعجز عن أن يبعث من يموت، مع أن خلق الإنسان مرة ثانية أهون على الله عز وجل مِن بدأ الخلق .

﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾

(سورة الروم : 27)

 فكان بدءُ الخلق مظهراً لأسمائه الحسنى، وسوف يعيد الخلق، ليحقق اسم الحق، لتجزى كل نفس بما كسبت، ليأخذ كل ذي حقٍ حقه .

 

﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى ﴾

البعث حق لا ريب فيه :

 بلى لإيجاب النفي، أي سيبعث من يموت :

﴿ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

 وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ لو أيقن الإنسان أنه سيقف يومًا ما بين يدي الحق جل وعلا ليحاسبه على كل كلمة، وعلى كل حركة، وعلى كل سكنة، لاستقام على أمر الله، الحقيقة الكبرى حقيقة الموت التي يغفل عنها الناس .

 

﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ ﴾

( سورة الزخرف : 83 )

 هذه الساعة لابد آتية، الإنسان بضعة أيام، كلما انقضى منه يوم انقضى بضع منه، البطولة أن تكون مهيئاً لساعة الحساب، البطولة كل البطولة أن تعدّ لهذه الساعة عدتها .
 عن عبد الله بن المسور أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :

(( يا رسول الله، علمني من غرائب العلم، قال: ما فعلت في رأس العلم فتطلب الغرائب؟ قال: وما رأس العلم؟ قال: هل عرفت الرب؟ قال: نعم، قال: فما صنعت في حقه؟ قال: ما شاء الله، قال: عرفت الموت؟ قال: نعم، قال: ما أعددت له؟ قال: ما شاء الله، قال: انطلق فأحكِم هاهنا، ثم تعال أعلمك من غرائب العلم ))

[ ورد في الأثر ]

ماذا أعددت لما بعد الموت حين تلقى ربَّك ؟

 هذا سؤال مهم جداً، ما الذي صنعت في حق الله؟ ماذا أعطيت من أجله؟ ماذا منعت من أجله؟ من واليتَ مِن أجله؟ من عاديت من أجله؟ ماذا فعلت؟ ماذا بذلت؟ ماذا ضحيت؟ ماذا عملت من أجل الله عز وجل، فقال : ما شاء الله، قال : هل عرفت الموت؟ قال نعم، قال : فماذا أعددت له؟ ماذا أعددت لهذه الحفرة حيث يقول الله عز وجل للإنسان وهو في قبره أول ليلة : عبدي رجعوا، وتركوك وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، لماذا كان الصالحون من أجدادنا يشترون قبورهم في حياتهم، هذا هو المثوى الأخير، هذا هو البيت الأخير، هنا المصير، لا بد من نزول القبر، كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت، سبحان من تفرد بالبقاء، اقرأ التاريخ الناس جميعاً قد ماتوا .

كل ابن أنثى و إن طالت سلامت ه يومًا على آلة حدباء محمــول
فإذا حملت إلى القبور جنــازة  فاعـلم بأنك بعدها محمـــول
***

 ما من بيت إلا وملَك الموت يقف فيه في اليوم خمس مرات، فإذا رأى أن العبد قد انقضى أجله، وانقطع رزقه ألقى عليه غم الموت، فغشيته سكراته، فمن أهل البيت الضاربة وجهها، والصارخة بويلها، والممزقة ثيابها، يقول ملك الموت: ممَّ الفزع، وفيمَ الجزع؟ ما أذهبت لواحد منكم رزقاً، ولا قربت له أجلاً، وإن لي فيكم لعودة، ثم عودة، حتى لا أبقي منكم أحداً، فو الذي نفسه محمد بيده لو يرون مكانه، ويسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم، ولبكوا على أنفسهم، إلى أن تخرج الجنازة فترفرف عليها نفس الميت، تقول : يا أهلي ويا ولدي، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حل وحرم، فأنفقته في حله، وفي غير حله، فالهناء لكم والتبعة علي، إن أكيسكم أكثركم للموت ذكراً، وأحزمكم أشدكم استعداداً له، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والتزود لسكنى القبور، والتأهب إلى يوم النشور .
 يحشر الأغنياء أربع فرق يوم القيامة، فريق جمع المال من حرام، وأنفقه في حرام، يقال : خذوه إلى النار، حسابه سريع، وفريق جمع المال من حرام، وأنفقه في حلال، فيقال : خذوه إلى النار، وفريق جمع المال من حلال، وأنفقه في حرام، فيقال : خذوه إلى النار، وفريق جمع المال من حلال، وأنفقه في حلال، فيقال: قفوه فاسألوه، هل قصر في فرض صلاة؟ هل تاه على من حوله؟ هل قال أهله : قصَّر في حقنا، يا رب، أغنيته بين أظهرنا فقصر في حقنا، فقال عليه الصلاة والسلام : وما زال يسأل ويسأل .
 أيها الإخوة الأكارم .

ليس من يقطع طرقاً بطلاً  إنما من يتقي الله البطل
***

 البطولة أن يأتي ملَك الموت، وأنت مستعد لهذا اللقاء، وفي الحديث عن النبي e :

(( أتاني جبريل فقال : يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس ))

[أخرجه الحاكم في المستدرك، والطبراني في الأوسط عن سهل بن سعد]

﴿ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ(37)وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ﴾

 يعني الجنة، نرجو الله أن نكون من أهلها .

حوار بين المؤمنين والمكذِّبين بالبعث :

 في الجنة يجري حوار طريف ممتع فيه سرور بين المؤمنين، يقول أحد المؤمنين : إنه كان لي قرين، كان لي قرين، أيْ صديق جار، أعلى، أدنى، قريب، بالدنيا .

﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ(51)يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ(52)أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ ﴾

( سورة الصافات : 51 ـ 53 )

 هل أنت مصدق هذا الكلام؟ أم تقول : هذا خرافة، هذا غيبيات، هذا طرح غيبي، أنت متعلم مثقف، أتؤمن بهذا الكلام؟

 

﴿ يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ(52)أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ ﴾

( سورة الصافات : 52 ـ 53 )

 ثم يخطر ببال هذا المؤمن أن يطلع على صديقه .

 

﴿ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ(55)قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِي(56)وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(57)أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ(58)إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾

(سورة الصافات : 54 ـ 59 )

 كان يدّعي هذا الذي في جهنم أنه لا شيء بعد الموت، ليس هناك إلا الموت، ولا شيء بعد الموت .

 

﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(60)لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ ﴾

( سورة الصافات : 60 ـ 61 )

 هذا هو الفوز، يقول سيدنا علي رَضِي اللَّه عَنْه: << الغنى والفقر بعد العرض على الله >>، لا يسمى الغني في الدنيا غنياً، هذا المال مؤتمن عليه، هذا المال ابتلاء، أما الغنى الحقيقي والفقر الحقيقي فهو غنى العمل الصالح، وفقر العمل الصالح، والغنى والفقر بعد العرض على الله .

 

﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

قاصمة الظهر : وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

 لو أنك نظرت إلى أحوال الناس، لا يمكن أن يفعلوا ما يفعلون وهم مؤمنون بأن بعد الحياة حياة، أبداً، هذا الذي يأخذ ما ليس له، هذا الذي يتلذذ بإيذاء الناس، هذا الذي يظلمهم، هذا الذي يظلم أهله، هذا الذي يأخذ مال أخيه، هذا الذي يعتدي على أعراض الناس، لا يمكن أن يفعل ما يفعل وهو يعلم أن بعد الحياة حياة، لكنه يتوقع أن الحياة هي كل شيء، والمال فيها كل شيء، فإذا جاء الموت انتهى كل شيء، والحقيقة أنه بدأ كل شيء .

﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾

( سورة الفجر : 24 )

﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ ﴾

 كل الناس يدعي أنه على حق، كل فرقة .

 

﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾

 

( سورة المؤمنون )

 كل جماعة، كل حلقة، كل جهة، كل أمة، كل حضارة، كل مجتمع، يظن أنه محور العالم، البوذيون يحسبون أنهم على حق، والهندوس يحسبون أنهم على حق، والسيخ يحسبون أنهم على حق، والمسلمون يحسبون أنهم على حق، وغير المسلمين يحسبون أنهم على حق، ولا بد من أن يأتي يوم يبين الله لخلقه كلهم مَن هم على حق ، ليتحقق اسم الحق .

 

﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ ﴾

لِيُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ

تعبٌ من أجل شعارات تذهب أدراج الرياح :

 حضارات قامت، ثم بادت، مبنية على الكذب، مبادئ كبرى ظهرت، ثم اضمحلت، أساسها الكذب، مفاجأة صاعقة أن يفاجئ الإنسان أن هذه الفكرة التي أعتنقها في حياته، وآمن بها، وسعى من أجلها، ودفع من أجلها الغالي والرخيص، والنفس والنفيس إنما هي فكرة خاطئة كاذبة، غير صحيحة، لا أساس لها من الصحة، وَاللَّهِ لهي صاعقة، ومفاجأة كبرى أن يعتقد الإنسان شيئاً غير صحيح .
 إذاً حينما يعتنق الإنسان فكرة، أو مبدأ، ويسعى طوال حياته لنشر هذا المبدأ، والعمل من أجله، حينما يكتشف يوم القيامة أن هذا المبدأ خاطئ كاذب، بُني على الكذب، فهذه غلطة كبيرة جداً، عندئذ يصعق الإنسان، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : << إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ >> .

 

[أخرجه مسلم]

 وعن ابن عمر أن النبي e قال له :

 

(( يا ابن عمر، دينَك دينك، إنه لحمك ودمك، خذ عن الذي استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا ))

[ ذكره الخطيب البغدادي في الكفاية في علم الرواية]

 فما ظن الإنسان حينما يأتي يوم القيامة ليرى أن كل الذي آمن به بالدنيا باطل في باطل، لذلك :

 

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾

( سورة الأنعام : 112)

 زخرف القول، نظريات منمقة، مرتبة، مبوبة، مطبوعة، مبنية على باطل تكشف يوم القيامة، علة يوم القيامة، علة الدار الآخرة :

 

﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ(39)إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

 العودة سهلة، لو أن إنسانًا مات في طائرة، وأصبح جثة أشلاء، أي ذرات من الرماد، وطارت في الجو، كن فيكون، تعود هذه الذرات إلى بعضها، ليعاد خلقها يوم القيامة، لو أن الإنسان مات في البحر، أو مات في حريق، الله سبحانه وتعالى كن فيكون، يعيده تارة أخرى، وفي المركبة الفضائية ( شلنجر )بعد أن أقلعت بسبع دقائق أصبحت كتلة من اللهب، وكان على متنها سبعة رواد، أين هم؟ المركبة كلها لم يعد لها أثر، عثروا على بعض أجزاء من هيكلها في البحر .

﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ

التصديق باليوم الآخر من أركان الإيمان :

 انتهى الأمر، لذلك الإيمان باليوم الآخر، وهو من أركان الإيمان، لأنك إذا لم تؤمن باليوم الآخر تكون قد ضللت ضلالا بعيداً، هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح، لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبب، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي .
 إذا عرفت حقيقة الحياة الدنيا عرفت طريق السعادة، فإذا لم تعرف حقيقة الحياة الدنيا فالأمر خطير، لا بد من الضلال، ومع الضلال الهلاك .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018