الدرس : 09 - سورة النحل - تفسير الآيات 35 – 36 ، عن القضاء والقدر - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 09 - سورة النحل - تفسير الآيات 35 – 36 ، عن القضاء والقدر


1987-03-13

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس التاسع من سورة النحل، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ

الفائدة من تنكير ( أمة )و( رسولا ):

 بعثنا بمعنى؛ أرسلنا في كل أمة، والأمة هنا نكرة، والتنكير تنكير الشمول، أي ما من أمة على الإطلاق إلا وبعثنا فيها رسولا .

﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا ﴾

 رسولاً أيضاً نكرة، إما أن تكون هذه الكلمة بالمعنى العام، فكل من دعا إلى الله تنطبق عليه هذه الكلمة، أو بالمعنى الاصطلاحي الفقهي الدقيق لكلمة رسول .

 

﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا ﴾

إرسال الرسل من رحمة الله بعباده :

 فالله سبحانه وتعالى برحمته الواسعة لم يترك خَلقه من دون رسل، لا بد في كل أمة من رسول يدعو إلى الله عز وجل، وبعضهم فَهِمَ قوله تعالى :

﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾

( سورة البقرة : 30 )

 أي : لابد من أن يكون على وجه الأرض رجلٌ يدل الناس على الله سبحانه وتعالى .

ملخَّص دعوة الأنبياء : عبادة الله وحده :

 على كلٍ: دعوة الأنبياء جميعاً، ودعوة الرسل جميعاً ملخصة في هذه الكلمة: أن اعبدوا الله .

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

( سورة الذاريات : 56)

 العبادة هي الهدف الأكبر لإرسال الرسل .

 

﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾

ما هو الطاغوت ؟

 بعض المفسرين قال: الطاغوت هو الشيطان .
 وبعضهم قال : كل من طغى عن طريق الحق ؛ أي خرج عنه، كل من طغى وبغى، وتجاوز الحد الذي رسمه الله عز وجل فهو طاغوت، وَاللَّه سبحانه وتعالى يأمرنا أن نجتنبه، والاجتناب أبلغ من الترك، أمرنا ربنا سبحانه وتعالى أن نجتنب الخمر، واجتناب الخمر أبلغ من تركها، لأنك إذا جلست في مكان فيه خمر فأنت آثم، إذا صاحبت رجلاً يشرب الخمر فأنت آثم، إذا تعاملت بها كبضاعة فأنت آثم، لعن الله شاربها، وبائعاها، وحاملها، والمحمولة إليه، فالاجتناب يعني شيئاً أكبر من الترك، فالطاغوت يجب أن تضع بينك وبينه هامش أمان، وكل من خرج عن طريق الحق، وخرج عن الصراط المستقيم، كل من طغى، كل من بغى فهذا طاغوت يجب أن تجتنبه .

﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ﴾

(سورة هود : 113)

 أن تركن إليه، أن تقيم بينك وبينه علاقات حميمة، أن تمضي معه ساعات طويلة، أن تستشيره، هذا ليس اجتناباً .

 

﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾

الإيمان مرتبة علمية جمالية أخلاقية :

 قلت لكم في درس سابق: من أدق معاني العبادة لله عز وجل أن العبادة طاعة طوعية، تسبقها معرفة يقينية، تنتهي بسعادة أبدية، شقٌ معرفي، وشقٌ سلوكي، وشقٌ نفسي، فأنت إذا عرفته عبدته، وإذا عبدته سعدت بقربه، فكلمة ( مؤمن ) تعني أنه ذو مرتبة علمية، لأنه ما اتخذ الله ولياً جاهلاً، ولو اتخذه لعلمه، كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، والمؤمن ذو مرتبة أخلاقية، يستقيم على أمر الله، يفعل الخيرات، وكلمة ( مؤمن ) تعني مرتبة جمالية، فهو أسعد الناس، وأعلمهم، وأكثرهم انضباطاً، أما أن تظن أن المؤمن إنسان تعلق بالأوهام، واتكل، وتواكل، وقعد، ورضي بالقليل، وكان متشائماً، هذا ليس من الإيمان في شيء، لأن علو الهمة من الإيمان، وما من إنسانٍ على وجه الأرض لم يعرف الله سبحانه وتعالى إلا وله خريف عمر، يذوي عوده، تنحط قواه، يميل إلى الراحة، ينسحب من المجتمع، إلا المؤمن، فكلما ازداد عمره سنة ازداد نشاطاً، وازداد إقبالاً، وازداد طاعةً، وازداد معرفة، وازداد مكانةً، لذلك قالوا : المؤمن لا يشيخ، يشيخ جسمه، ولا تشيخ نفسه، لأن هدفه كبير، وهدفه أكبر من حاجاته، أما أهل الدنيا إذا حصل على مبلغٍ وفير، وبيتٍ كبير وفراشٍ وثير اطمأن، وقعد، لكن المؤمن لا يشغله شيء عن طاعة الله عز وجل .

﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾

( سورة النور : 37)

 قال سعد: " ثلاثة أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس، ما صليت صلاةً فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها، ما سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أن أنصرف منها، ما سمعت حديثاً من رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا علمت أنه حق من الله سبحانه وتعالى " .
 فالإنسان له عمر زمني، وهذا من أتفه الأعمار، وله عمر عقلي، وله عمر انفعالي، وله عمر تحصيلي، وله عمر إيماني، وعمره الإيماني من أثمن الأعمار .

 

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

( سورة الحجر : 72)

 أقسم الله سبحانه وتعالى بعمر نبيه الثمين، فهذا العمر كيف تمضيه ؟ هل تقول إلى من يدعوك إلى لهوٍ، أو تضييع وقت، أو إلى عملٍ سخيف لا طائل منه، هل تقول له : لم أُخلَق لهذا ؟ " إن ساعة تمضي في غير ما خُلقتُ له لجدير أن تطول عليها الحسرة يوم القيامة "، هذا قول الإمام الغزالي .
 فلذلك: العبادة معرفة، وطاعة، وسعادة، جانب عقلاني، وجانب أخلاقي، سلوكي، تعاملي، وجانب نفساني، فالمؤمن عالمٌ، وأخلاقيٌ، وسعيدٌ، إن لم تكن كذلك فابحث عن وسائل يرقى بها إيمانك .

 

﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِين ﴾

فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ

 مِن الناس التي أرسلت إليهم الرسل، من هؤلاء الناس مَن هدى الله، ومِن هؤلاء الناس مَن حقت عليهم الضلالة، لكن السؤال الدقيق: لمَ لمْ يقل الله عز وجل: فمنهم من هدى الله، ومنهم من أضل الله، أو لمَ لم يقل: منهم من حق لهم الهدى، ومنهم من حقت عليهم الضلالة ؟

انظروا إلى دقة القرآن وبراعته :

 لماذا في موضوع الهدى قال الله عز وجل :

﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ ﴾

 وفي موضوع الضلالة قال الله عز وجل :

 

﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ﴾

 الحقيقة ليتضح الفرق بين التعبيرين لا بد من طرح المثل .
 لو أن معلماً مخلصاً بذل جهداً كبيراً في إعداد الدروس، وفي توضيح الحقائق، وفي ضبط التلاميذ، وفي متابعة وظائفهم، كان يمضي ساعات طويلة يعدّ الدروس، ويأخذ الدفاتر ليصححها في البيت، ويجلس مع كل طالب ليوضح له أغلاطه، فإذا مضى عام والمدرس يفعل هذه الجهود الجبارة من أجل أن يرقى بتلاميذه إلى المستوى المطلوب فالفضل عائد لمن ؟ لهذا المدرس، لكن الطالب الذي لم يداوم أيكون المدرس قد حرمه ؟ لا والله، قوانين التربية والتعليم طبيعة والتعلم تقتضي أن يبقى هذا الطالب جاهلاً، لأنه لم يداوم، فالضلال حق عليه، بمعنى أن بُعْده عن قاعة الدرس، واستنكافه عن الدوام جعله في جهالة، فحقت عليه الجهالة، وحقت عليه الضلالة، يجب أن يرسب، لا لأن المعلم حرمه من النجاح، لا، الذي داوم استفاد فائدة ما بعدها فائدة من المعلم، والذي أبى أن يداوم، أبى أن يلتحق بهذه المدرسة، حقت عليه الضلالة، وهذا شيء طبيعي .
 إن اهتديت إلى الله عز وجل فالفضل عائد إليه، وإن ضل الإنسان فقد استحق الضلالة، لأن الأنظمة انطبقت عليه، أيعقل لطالب لم يدخل قاعة الدرس أبداً أن ينجح، مستحيل، طبيعة التعليم وقوانين التربية والتعليم لا تسمح لهذا الطالب أن ينجح، فالمدرس فعل جهده، فعل ما عليه، لو أنه داوم في هذا الصف لاستفاد كما استفاد الآخرون،

 

﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ﴾

 موضوع الهدى والضلال موضوع شائك، هناك أناس يتسرعون، فيعتقدون اعتقاداتٍ باطلة وفاسدة في موضوع الهدى والضلال، فبعض الناس يعزو الضلالة إلى الله سبحانه وتعالى، يقول : هو أضلَّ الناس، في موضوع الهدى والضلال ما يزيد على أربعمئة آية في كتاب الله، أربعمئة آية في كتاب الله تتحدث عن الهدى والضلال، مِن استقصائها، والوقوف عند بعضها، وتصنيفها يتضح الموضوع جداً .

 

تعريف الهدى كما جاء في القرآن :

 أولاً : تعريف الهدى، ما تعريفه ؟ ربنا سبحانه وتعالى في بضع آيات أعطى معنى الهدى، فقال :

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾

( سورة الحديد : 26)

 ما الذي يقابل الهدى؟ الفسق، فالمهتدي لا يكون فاسقاً، فمن لوازم الهدى الانضباط السلوكي، والاستقامة على شرع الله، فالذي يقول لك : أنا مهتد، وهو يعصي الله عز وجل، هذا كاذب بنص هذه الآية :

 

﴿ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾

 تعريف آخر للهدى : قال تعالى :

﴿ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ ﴾

( سورة البقرة : 157)

 أيها الأخ المهتدي، يا من تزعم أنك مهتد، هل تشعر بصلوات الله تنزل على قلبك ؟ هل تشعر بتجلّيات الله تملأ نفسك ؟ هل تقول : أنا أسعد الناس ؟ أنا أسعد الناس إلا أن يكون أحد أسعد مني، بمعنى أتقى مني، هل تحس أن قلبك مفعم بالسعادة، راضٍ عن الله، راضٍ عن حكمه، راضٍ بقضائه، مستسلم له، من صفات الهدى :

 

﴿ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ ﴾

( سورة البقرة : 157)

 من لوازم الهدى :

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

( سورة الأنعام : 82)

 هل تحس بالأمن؟ توقُّع المصيبة مصيبة أكبر منها، أنت من خوف الفقر في فقر، أنت من خوف المرض في مرض، هل تحس أن الله يدافع عنك؟ هل تحس أنك في حفظ الله؟ في عنايته؟ هل تحس أن الله عز وجل لن يتخلى عنك؟ وأنه يعاملك معاملةً خاصة، هل أنت مصدق قوله تعالى :

 

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة النحل : 97)

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

( سورة الأنعام : 82)

﴿ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُهْتَدِينَ ﴾

( سورة الأنعام : 56)

 من علامات المهتدي أنه لا يتبع الهوى، لأن اتباع الهوى هوان .

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى ﴾

( سورة النازعات : 40)

﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾

( سورة يونس : 45)

 وهذا الذي يقول لك: تنتهي الحياة بالموت، ولا شيء بعد الموت، هو في ضلالٍ كبير، فصار الهدى أن تؤمن أن بعد الحياة حياة أبدية، وأنها هي الحياة، لو أنك تعلم الحقيقة .

 

﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾

( سورة الفجر : 24)

من لوازم الهدى :

 من لوازم الهدى : ألاّ تنقاد للهوى .
 ومن لوازم الهدى : أن تحس بالأمـن .
 ومن لوازم الهدى : أن تكون منضبطاً، مستقيماً على أمر الله .
 ومن لوازم الهدى : أن تحس بصلوات الله، ورحمته نازلة على قلبك .
 هذه الآيات توضح جانباً من معاني الهداية .

من آثار الهداية :

 شيء آخر، آثار الهداية، قال تعالى :

﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾

( سورة يونس : 108)

 إنك إن اهتديت لا تفعل شيئاً مع الآخرين، كل ما تفعله عائد إليك .

 

﴿ مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ﴾

( سورة يونس : 108 )

 من آثار الهداية :

 

﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

( سورة البقرة : 38)

 من لوازم الهدى : أنك لا تندم على ما فات، ولا تخشى مما هو آت، أمنٌ، وطمأنينة .
 من آثار الهدى : قال تعالى :

﴿ فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى ﴾

( سورة طه : 47)

السعادة والأمن والرخاء مطلب المهتدي :

 حياتك في سلام، في دعة، في رضى .

﴿ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ﴾

( سورة يس : 58)

 السلام من أسماء الله، السلام عليك أيها المهتدي، والسلام على من اتبع الهدى، هذا من آثار الهدى .

﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

( سورة طه : 123 )

 لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه .

﴿ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى ﴾

( سورة العلق : 11)

 المهتدي له شخصية متميزة، صادق في كلامه، وفيٌّ لوعوده، يحفظ عهده، يفي بوعده، لا يكذب، لا ينافق، يرحم، يحلم ولا يفجر، يعطي ولا يمنع، هذه صفات أساسية .

﴿ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى(11)أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى(12)أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴾

( سورة العلق : 11 ـ 13)

 كيف هي مواعيده؟ وكيف هي عهوده؟ وكيف هي علاقاته؟ وكيف هو قلبه؟ مفعم بالقسوة، هناك فرق صارخ بين الهدى وبين الضلال، بين المهتدي وبين الضال .

﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة الملك : 22 )

 الآيات الأولى كأنها عرَّفت طبيعة الهدى، والآيات الثانية كأنها بينت نتائج الهدى، من منا لا يتمنى أن يكون آمناً، مطمئناً، موفقاً، سعيداً، في سلامٍ، ورخاءٍ، وإقبالٍ، وأنوارٍ، هذا هو الهدى، لذلك دائماً أنا أفرق بين الثقافة والهدى، لو أنك تطالع الكتب، وتقرؤها، وتحفظها، ولست مستقيماً على أمر الله، ولست مقبلاً عليه، إن دماغك يمتلئ بالمعلومات القيمة، ولكنك لا تسعد بهذه المعلومات، الثقافة شيء، والهدى شيء آخر، الثقافة مجموعة معلومات دقيقة، كثيرة، محشوة في دماغك، هذه هي الثقافة، الثقافة تجعلك متحلقاً، الثقافة تجعلك تنزع إعجاب الآخرين، ولكن الهدى يجعلك سعيدًا، ويجعلك مسعِدًا، تسعد أولاً، وتسعد ثانياً، فشتان بين الثقافة والهدى، شتان بين الجمع وبين النبع .
 شيءٌ آخر :

﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة الملك : 22 )

 ربنا عز وجل قال :

﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ ﴾

( سورة النحل : 36)

مَن هذا الذي يهديه الله ، والذي لا يهديه الله ؟

 مَن هذا الذي يهديه الله؟ هذه كلمة موجزة، هل هناك آيات تفصيلية توضح من الذي يهديه الله سبحانه وتعالى ؟
 هناك آيات كثيرة توضح من الذي يستحق الهدى، القرآن فيه إجمالٌ وتفصيل، إذا قرأت قوله تعالى .

﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾

( سورة فاطر : 8 )

 فهذه آية مجملة، تفصيلاتها في خمسين آية .

 

﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾

 من هذا الذي يهديه؟ ومن هذا الذي يضله؟ الله عز وجل يقول :

﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

( سورة البقرة : 258 )

﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ﴾

 من هذا الذي حقت عليه الضلالة؟ هو الظالم، لقوله تعالى :

 

﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

 الظالم لا يهديه الله سبحانه وتعالى، فقط الظالم !

 

﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

( سورة البقرة : 264 )

 كلمة الظالم واسعة جداً، من معانيها الواسعة ظلم النفس، من معانيها الضيقة ظلم الآخرين .

﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

( سورة المائدة : 108 )

 لا يهدي الكافرين، ولا يهدي الظالمين، ولا يهدي الفاسقين، فمن كان متلبساً بالفسق، أو متلبساً بالكفر، أو متلبساً بالظلم فلن يهديه الله سبحانه وتعالى، وهذا تحق عليه الضلالة .

﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾

( سورة يوسف : 52 )

 أيّة خيانة فصاحب الخيانة محجوب بخيانته، لن يهتدي إلى الله عز وجل، خيانته حجاب بينه وبين الله،

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾

( سورة الزمر : 3 )

 الكذب أيضاً حجاب بينك وبين الهدى، فالظلم، والكفر، والفسق، والخيانة، والكذب، هذه الصفات إذا تلبّس بها الإنسان حَرمته الهدى، وكانت حجاباً بينه وبين الله سبحانه وتعالى .

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴾

( سورة غافر : 28 )

 الإسراف في أخذ الحق، الإسراف في النفقات، الإسراف في التعدي، الإسراف في الظلم، أي أنواع الإسراف حجاب بينك وبين الله سبحانه وتعالى، الله عز وجل لا يهدي الظالم، ولا الكافر، ولا الفاسق، ولا الخائن، ولا الكاذب، ولا المسرف .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمْ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

( سورة النحل : 104 )

 وهذا الذي يدير ظهره لآيات الله في الكون، لا يفكر إلا في مصالحه، إلا في قوت يومه، إلا في رزقه، أما أن يفكر في كأس الماء، كيف جعله الله عذباً فراتاً بعد أن كان ملحاً أجاجاً، أما أن يفكر في طعامه، أما أن يفكر في خَلقه، في بدء خَلقه، أما أن يفكر في الشمس والقمر، في الليل والنهار، في السماوات والأرض، في الجبال والسهول، في البحار والأنهار، في الأسماك والأطيار، في هذا الذي يرتدي، في هذا الذي يجلس عليه، أن يفكر في خَلقه، من خلال خَلق ابنه، أن يفكر في هذه الطباع التي طبع الله بها مخلوقاته .

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمْ اللَّهُ ﴾

 الإيمان بآيات الله طريقٌ للهدى .

 

﴿ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمْ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا ﴾

( سورة الإسراء : 94 )

أشياء تمنع من الهدى :

 مِن موانع الهدى أن تقول : فلان مثلي، أعرفه حينما كان صغيراً، كيف صار يهدي الناس ؟ الكِبْر أحياناً، والحسد، والاستعلاء يمنعك أن تهتدي، هذا من موانع الهدى، ألم يقل الله عز وجل :

﴿ مِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ﴾

 تحق الضلالة على الظالم، وعلى الكافر، وعلى الفاسق، وعلى الخائن، وعلى الكذاب، وعلى المسرف، وعلى الذي لا يؤمن بآيات الله، وعلى الذي يستعلي، ويستكبر، وعلى الذي يخاف خوفاً لا مبرر له .

 

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

( سورة القصص : 57)

 غير المؤمن يقول: لأنه يطيع الله سبحانه وتعالى يتوهم أن أخطاراً جسيمة سوف تصل إليه، الخطر يأتيك من طاعة الله! هذا كفر بالله، كيف تعبده وتسيء الظن به ؟ أيدعك لأعدائك، أيسلمك لخصومك ؟ أيتخلى عنك وأنت تطيعه ؟

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة القصص : 57)

 هذه المقولة منعتهم من الهدى، وكل من يقول: لو أنني فعلت كذا وكذا أخاف على مستقبلي، أخاف على مستقبل حياتي، أخاف على أولادي، أخاف على دخلي، أخاف على رزقي، إذا أطعت الله عز وجل ينقطع رزقك؟! كلمة الحق لا تقطع رزقاً، ولا تقرب أجلاً، أتخاف على رزقك من طاعتك لله عز وجل؟! طاعة الله تسبب تلف رزقك .

 

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

 شيءٌ آخر، مشاقة الرسول e سبب للضلال، فالله سبحانه وتعالى يحق على العبد الضلال إذا كان فاسقاً، ظالماً، كافراً، كذاباً مسرفاً، خائناً، مستعلياً، لا يعمل فكره في آيات الكون، يخشى من غير مبرر، يستجيب للشيطان حينما يخوفه .

 

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران : 175)

 هذه بعض الأسباب التي وردت في كتاب الله، والتي إذا وجدت إحداها في الإنسان استحق الضلال .

 

﴿ مِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ﴾

متى يستحق الإنسان الهدى من الله ؟

 الآن سؤال : متى يستحق الإنسان الهدى من الله عز وجل ؟

﴿ مِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ ﴾

 هذه آية محكمة، موجزة، مجملة، أين تفصيلاتها ؟ قال تعالى :

 

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

( سورة العنكبوت : 69 )

 هل بذلت مالك؟ هل بذلت وقتك؟ هل ضبطت مشاعرك؟ هل إذا حركت مشاعرك شهوة فقلت: إني أخاف الله رب العالمين؟ هل بكت عينك من خشية الله ؟هل قلت: أين الله؟ لا أفعل هذا، معاذ الله، إنه ربي أحسن مثواي، هل تجاهد في سبيل الله؟ هل تجاهد نفسك وهواك؟ كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، جهاد النفس والهوى ))

[ذكره المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير ]

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾

 أيها الإخوة الأكارم، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ لو أنكم تحركتم إلى الله شبراً، أو ذراعاً، أو باعاً، فإن الله سبحانه وتعالى يزيدكم من فضله، ويعطيكم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى :

(( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ))

[متفق عليه]

 ما إن تتحرك نحو الله سبحانه وتعالى، ما إن تعقد العزم على التوبة حتى يتلقاك الله بالبشر، إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض : أن هنئوا فلاناً، فقد اصطلح مع الله .

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾

 قبل قليل ذكرت لكم موانع الهدى، ما الذي يمنع الإنسان من أن يهتدي؟ متى تحق عليه الضلالة؟ الكفر، والفسق، والظلم، والخيانة، والكذب، والإسراف، والاستعلاء، وتعطيل الفكر، ووسوسة الشيطان، ومشاقّة الرسول، هذه كلها موانع الهدى، موجبات الهدى مجاهدة النفس والهوى، هل تغض بصرك عن محارم الله؟ هل تمتنع عن سماع أغنية تغضب الله عز وجل؟

(( من استمع إلى قينة صب في أذنيه الآنك يوم القيامة ))

[ ابن عساكر عن أنس ]

 فهل تمنع نفسك من غيبة ممتعة يضحك لها الناس ؟ هذه غيبة لأخ مؤمن، هل تمنع نفسك من نميمة؟ من شتيمة؟ من فحش؟ من إيقاع للشقاق بين الناس ؟

 

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

من موجبات الهدى :

 من موجبات الهدى :

﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة المائدة : 16 )

 دائماً وأبداً أنت تعرف من دون معلم أن هذا العمل يرضي الله، وذاك العمل يغضب الله، لو قال لك أحدهم: اصرف لي هذه الليرات الخمس، والدرج مليء بالقطع الصغيرة، تعلم علم اليقين أنك إذا قلت له : ليس عندي، تعلم أن هذا العمل لا يرضي الله، وأنك إذا فرَّجت همه فإن هذا يرضي الله، تعلم علم اليقين أن أمك إذا طلبت منك حاجة، وقد عدت إلى البيت مُنهَك القُوى، تعلم علم اليقين أنك إذا قلت لها: لا أستطيع، أو هذه الحاجة غير موجودة، أو المحلات أغلقت، أو هذا الدواء مفقود، فأنت بهذا أرحت جسمك، لكن الله لا يرضى عنك، وتعلم علم اليقين أنك إذا خرجت من البيت ثانية، واتجهت إلى الصيدلية المناوبة، وأتيت لها بالدواء تنام وَاللَّهُ راضٍ عنك، في كل حركة وسكنة، المشتري يقول لك : انصحني، فإذا نصحته بشيءٍ كاسدٍ عندك تعلم أن هذا يغضب الله، وأنك إذا نصحت بأحسن ما عندك فهذا يرضي الله، تعلم هذا بالفطرة، ولو لم تحضر مجلس علم، بالفطرة تعلم أنت ما الذي يرضي الله عز وجل، وما الذي يسخطه، في علاقتك بزوجتك، علاقتك بأولادك، علاقتك بجيرانك، علاقتك بإخوانك، بأصدقائك، بزبائنك، بمن تعرف، أنت في كل لحظة تمتحن، فإما أن تتبع ما يرضي الله، وإما أن تتبع ما يسخط الله، إذا دعيت إلى سهرة مختلطة فاعتذرت، فإن هذا يرضي الله، فإذا استجبت فإن هذا يسخط الله عز وجل، إذا دعيت إلى كسب حرام فأغراك المبلغ الكبير، فهذا يسخط الله سبحانه وتعالى .
 فربنا عز وجل ذكر من موجبات الهدى :

 

﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ﴾

( سورة المائدة : 16 )

 هل تتبع رضوان الله؟ هل أنت حريص على رضاء الله عز وجل؟ هل تقول: يا رب، أنت مقصودي، ورضاك مطلوبي، هل ترى أن رضاء الله عنك هو أثمن ما في الحياة؟ هل ترى أن أعلى مرتبة في الكون أن تقول: رضي الله عن فلان، هل أنت ممن ترضي الله، فإذا كنت كذلك فالله يهديك .
 الموجب الثالث :

﴿ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا ﴾

( سورة الجن : 13)

 هل تصغي إلى الهدى؟ هل تستجيب إلى الهدى .

﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ﴾

( سورة آل عمران : 193)

 هل عندك تعطُّش إلى الحق؟ بحيث لو سمعت الهدى استجبت له، أم أن هذا الكلام لا يحرك فيك شعوراً، ولا وجدانًا، ولا محبة، ولا شوقاً، وأنت غارق بالملذات .

﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ ﴾

( سورة الجن : 13)

 الموجب الرابع : يهدي به من أناب، من عاد إلى الله عز وجل، هل عُدتَ له بالتوبة ؟ هل عدت إليه بالطاعة ؟ إذا عدت إليه بالتوبة، وعدت إليه بالطاعة فأنت ممن يستحق الهدى .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴾

( سورة يونس : 9 )

 لماذا هداهم ربهم بإيمانهم؟ لأنهم عملوا الصالحات، لم يكتفوا بالقول، بل أتبعوا القول بالعمل، حينما أتبعوا القول بالعمل استحقوا أن يهديهم ربهم بإيمانهم .

 

﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة آل عمران : 101 )

 إذا ألمّت بك الملمّة، إذا بدا لك شبح مصيبة، بمن تعتصم؟ بزيد أو عبيد، أو بمالك الوفير، أم بجاهك العريض، أم تقول له : يا رب، بالمناجاة، ليس لي إلا أنت، ما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته، فتكيده أهل السماوات والأرض، إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه .

 

﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾

( سورة النور : 54 )

 ثمن الهدى أيضاً طاعة الله، في المنشط و المكره، فيما عرفت حكمته، وفيما لم تعرف، هذا من موجبات الهدى .

 

من موجبات الضلالة :

 ومن موجبات الهدى :

﴿ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾

( سورة البقرة : 150 )

 من موجبات الضلالة : الذين يقولون :

 

﴿ إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة القصص : 57 )

 أما طبقت قوله تعالى :

﴿ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ﴾

 فهذه الخشية لله على حساب خشية الناس من موجبات الهدى .
 الشيء الذي يجب أن يعرفه الإنسان أنه إذا كان مهتدياً حقاً فلا يعنيه أمر الناس، أكانوا مهتدين أو ضالين ؟ لو أن الناس كلهم ضلوا فإحساسه بقيمة الهدى تجعله يحافظ عليه حفاظه على روحه، قال تعالى :

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

( سورة المائدة : 105 )

 لو أنك في مجتمع كلهم فسقة، كلهم فجرة، كلهم يسخرون من الدين، كلهم لا يصلُّون، وقد هُديت إلى الله عز وجل، فأنت أسعد الناس بهذا الهدى، فإذا نكس الإنسان على رأسه، وقال: أنا مع الناس فليسمع : عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ : إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا ))

[الترمذي]

 أيْ: من كان مع الخط العريض .
 قال تعالى :

 

﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾

( سورة يونس : 36 )

 اتباع أكثرية الناس هذا اتباع للضلال، كن مع الأقلية المؤمنة، ولا تكن مع الأكثرية الفاسقة، كن مع الأقلية المؤمنة، ولا تكن مع الأكثرية العابثة، كن مع الأقلية المؤمنة، ولا تكن مع الأكثرية الضالة .

 

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾

( سورة الأنعام : 116)

﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾

( سورة يونس : 36 )

طبيعة الهدى :

 شيء آخر، ما طبيعة الهدى؟ هناك آيات كثيرة تبين طبيعة الهدى :
 فمن طبيعة الهدى أن الهدى اختيار، لو شاء الله لهدى الناس أجمعين، لكن هذا الهدى القسري لا قيمة له، كما لو أن الجامعة وزعت أوراق الأسئلة مع أوراق الإجابة، ينجح جميع الطلاب، لكن هذا النجاح لا قيمة له، ولا شأن له، وليس مجدياً في بناء الأمة، لذلك قال تعالى :

 

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾

( سورة الإنسان : 3 )

 فالهدى اختيار، وليس إجبارًا .

﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

( سورة فصلت : 17 )

﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة النور : 46 )

﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة الأنعام : 88 )

 الهدى اختيار، وليس إجباراً .

 

السير في طريق الهدى فيه زيادة هدى :

 شيء آخر، من سار في طريق الهدى زاده الله هدى، هذه نقطة مهمة جداً، قال تعالى :

﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا ﴾

( سورة مريم : 76 )

 إذا دخلت الجامعة، وقبلت أن تكون طالباً جامعياً، عندئذ هناك المكتبات، وهناك المساعدات من قبل الأساتذة، وهناك المحاضرات، وهناك الندوات، هناك أشياء كثيرة تزيدك معرفة، إذا قبلت أن تدخل الجامعة .

 

﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ﴾

( سورة مريم : 76 )

﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾

( سورة الكهف : 13 )

﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ ﴾

( سورة محمد : 17 )

الهدى بيدك أنت إن شئته :

 من لواحق موضوع الهدى أن الهدى ليس بيد أحد، بل بيدك أنت، ومن أعظمُ من النبي عليه الصلاة والسلام ؟ قال تعالى :

﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾

( سورة القصص : 56 )

 وقال تعالى :

﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾

( سورة البقرة : 272 )

 إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو قمة البشر، وهو أعلى مخلوق في بني البشر، يقول الله له :

﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾

﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾

 إذاً: الهدى بيدك أنت، وليس بيد أحد سواك، إذا أردت الهدى فالله سبحانه وتعالى يهديك، إذا شئت الهدى يشاءه الله لك، فإن أبيت الهدى حقت عليك الضلالة، إن شئته شاءه لك، وإن أبيته حقت عليك الضلالة .

مَن هو المهتدي :

 شيء آخر : من هو المهتدي ؟

وكل يدعي وصلاً بليلى  وليلى لا تقرّ لهم بذاكا
***

 كل فرقة تدعي أنها على حق، كل دين سماوي يظن أصحابه أنهم على حق .

﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾

( سورة المائدة : 18 )

 من هو المهتدي؟ قال تعالى :

﴿ ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اهْتَدَى ﴾

( سورة النجم : 30)

 الله وحده يعلم، فأنت غير مؤهل تعرف، أنت لك الظاهر، والله يعرف السرائر، احكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، لكن الله وحده يعلم من هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بمن اهتدى .

 

﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا ﴾

( سورة الإسراء : 84 )

 فحسبك أن يكون الله راضياً عنك، ومن عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس في، لا تحكم على أحد بالضلال، قل : الله أعلم، هذا تدخل في شؤون الله سبحانه وتعالى، لا أحد يعرف من هو المهتدي إلا الله، أنت لك الظاهر، و الله يتولى السرائر، هذا أدبٌ نبوي،

﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى ﴾

(سورة النجم )

 لا تزكِّ على الله أحداً، لا تزكِّ نفسك ولا تزك أحداً، قل الله أعلم .
 أحد العلماء طُلب إليه أن يشهد شهادة طيبة لإنسان، فقال : فلان أعرف منه الصلاح والتقوى، والله أعلم، فهذا الرجل انزعج من كلمة ( والله أعلم )، طبعاً والله أعلم، سيدنا الصديق حينما استخلف سيدنا عمر قال : << فهذا علمي به، فإن بدل وغير فلا علم لي بالغيب>>، والله أعلم، فلا تزكِِّ على الله أحدًا، ولا تزكِِّ نفسك، قل : الله أعلم، لأن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بمن اهتدى، أما نحن فلنا الظاهر، والإنسان مادام مستقيماً على أمر الله إذاً هذا أخي في الله، ما دام مطبقاً لشرع الله لم يخرق الاستقامة، لم يأكل مالاً حراماً، لم يترك الصلاة فهذا أخي في الله، أما أن أحاسبه عن أشياء لا أعلمها فهذا ليس من اختصاص المسلمين .

 

الهدى سيعمّ الأرض شاء مَن شاء وأبى من أبى :

 شيء آخر في موضوع الهدى : إن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾

( سورة التوبة : 33 )

 هذه الآية بشارة إلى أن الهدى سوف يعمّ الأرض، أما إذا أردت أن تهدي الناس فهناك شروط صعبة جداً .

﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾

( سورة السجدة : 24 )

الهدى يحتاج إلى ابتلاء وصبر :

 لا بد لك من أن تصبر على حكم الله، وعلى أمر الله، وعن معصية الله، وعلى من تهدي، اصبر على طاعته، واصبر عن معصيته، واصبر على من تهديه، واصبر على حكم لا تفقه مراده، واصبر على الطاعة في السراء والضراء، حتى تستحق أن تنال مقام الهداية :

﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ﴾

( سورة السجدة : 24 )

﴿ وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾

 بعد أن أتَمَّهُنَّ .

﴿ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾

( سورة البقرة : 124)

 فالهدى يحتاج إلى ابتلاء، وإلى نجاح في الابتلاء .

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ ﴾

( سورة فصلت : 33 )

 لا بد من أن يكون عملك صالحاً حتى تستحق كلماتك أن تصل إلى القلوب، فإن كان العمل سيئاً فالهداية لا تتجاوز الآذان، ولا بد من أن تترفع عن الدنيا، وعن كل شيءٍ فيها، قال تعالى :

﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

( سورة يس : 20 ـ 21 )

 ولا بد من أن تكون عالماً، وأن تجلس الساعات الطوال كي تعرف الله عز وجل .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018