الدرس : 07 - سورة النحل - تفسير الآيات 30 – 34 ، عن فطرة الإنسان ـ الرؤية الصحيحة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 07 - سورة النحل - تفسير الآيات 30 – 34 ، عن فطرة الإنسان ـ الرؤية الصحيحة


1987-02-27

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس السابع من سورة النحل، وصلنا في الدرس الماضي إلى قول تعالى :

﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ(30)جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ﴾

من مشاهد أهل الإيمان في القرآن :

 في الدرس الماضي كان المشهدُ مشهدَ أهل الكفر، وما ينالهم يوم القيامة من عذاب مقيم، وفي هذا المشهد الثاني مشهد أهل الإيمان، هؤلاء الذين اتقوا، هؤلاء الذين حصلت لهم الرؤية، الرؤية القلبية لقوله تعالى :

﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾

( سورة الحج : 46 )

أهل الإيمان لهم رؤية صحيحة :

 ما من واحد منا إلا وله رؤية، هذه الرؤية تحدد موقفه، هذه الرؤية تجعله يستقيم، أو ينحرف، يرحم أو يقسو، ينضبط أو يتفلت، إنها الرؤية، إذا صحت صح العمل، وإن كانت الرؤية بلا غاية، أو منحرفة، أو خاطئة انحرف العمل، وإذا انحرف العمل هلك الإنسان .

هذا من فطرة الإنسان التي فطره الله عليها :


 

 

وما من إنسان أيها الإخوة إلا ويحب نفسه، هذه فطرة الإنسان .

 

﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

( سورة الروم : 30 )

 فطرنا على حب أنفسنا، على توخي السلامة لها، على توخي الرفعة لها، فطرنا على طلب السعادة، فطرنا على طلب الخير، على حب الخير .

 

﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

 بنو البشر من أقاصي البلاد إلى أقاصي البلاد، من جبلة واحدة، ومن طينة واحدة، يا داود، ذكر عبادي بإنعامي عليهم، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، الإنسان جُبِل على حب ذاته، وجُبِل على توخي السلامة لذاته، و جُبِل على توخي الخير لذاته، وجُبِل على حب المحسن، وعلى بغض المسيء، هذه جِبِلّة الإنسان، فبدافع من هذه الجبلّة لن تقع في الشر إلا إذا رأيته خيراً، إذا رأيت الشر شراً لن تقترفه، وإن رأيت الخير خيراً بادرت إليه، بدافع من فطرتك .
 في أمور الدنيا الناس يحرصون على دنياهم، يستشيرون، يسألون، يدققون، يمحصون، يوازنون، يقابلون من أجل سلامة المال، من أجل نموِّه، من أجل صحة الجسد، لو أنهم طَّبقوا أساليبهم التي يتبعونها في دنياهم على أخراهم لفازوا بالدنيا والآخرة، فهؤلاء المتقون هم الذين أقبلوا على الله عز وجل، وقذف الله في قلبهم النور، فرأوا الخير خيراً والشر شراً، استنارت قلوبهم، كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( وَالصَّلَاةُ نُورٌ ))

[رواه مسلم عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ]

 هذا الذي تَعرِض عليه مبلغاً حراماً، وهو في أمسّ الحاجة إليه، يقول لك : لا، ورب الكعبة، الله الغني، لا أفعل معصية، ماذا يرى ؟ وهذا الذي يبحث عن المال الحرام يأكله من أيّ طريق، وبأيّ أسلوب، ومهما كلف الثمن، ومهما ضحى بقيمه، أو بمبادئه، أو بقناعته، ماذا يرى ؟ هذا الذي يقدم على قتل إنسان ليأخذ ماله، لماذا أقدم على هذه الجريمة، ماذا رأى ؟
 سيدنا يوسف حينما عرضت امرأة العزيز نفسها عليه، وكانت ذات منصب وجمال، وكانت سيدة مطاعة في قصرها، وكان عبداً عندها، وكان شاباً، وكان غريباً، وغير متزوج، وفي بيتها، وتلقى منها أمراً، وليس من صالحها أن تنشر الخبر، وسيدها ضعيف الشخصية، عشر عوامل تضافرت جمعياً كي يستجيب لها، ومع ذلك قال : معاذ الله، ماذا رأى .

 

كل فعلٍ وتركٍ يُبنَى على رؤية :

 تأكدوا أيها الإخوة أن أحد منكم لا يفعل شيئاً، ولا يدع شيئاً، إلا بناء على رؤية رآها، هذه الرؤية إما أن تكون صحيحة، وهذا هو الهدى، وإما أن تكون باطلة، وهذا هو الضلال، الذي يُعرض عليه مال حرام فيأبى أن يأخذه، هذا رأى أن الأمر كله بيد الله، وأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وأنه إذا أخذ مالاًً حراماً يوشك الله أن يتلفه مع ماله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( ما ترك عبد شيئا لله لا يتركه إلا له إلا عوضه الله منه ما هو خير له منه في دينه ودنياه ))

[ رواه أبو نعيم عن ابن عمر مرفوعا ]

 وأن الله إذا أعطى أدهش، وهو المعطي، فلا يسأل، وهو الكريم، فلا يبخل، وهو الحليم، فلا يعجل، كل هذا الرؤى اجتمعت في نفس هذا الإنسان حينما عرض عليه مال حرام، فقال : لا، ورب الكعبة، كلمة لا وراءها رؤية، لماذا يبالغ الطبيب في غسل يديه قبل الطعام ؟ لأنه رأى بعينه من خلال الميكروسكوب الجراثيم، ورأى المرضى، هذا مريض بالعدوى، وهذا مريض بالجرثوم الفلاني، إن رؤية الطبيب لحقائق الأمور تجعله يبالغ في تنظيف يديه .

 

كيف يفعل الإنسان شيئا يدمِّره :

 أيها الإخوة الأكارم، نحن جميعاً وبنو البشر جميعاً، وكل ولد آدم منذ أن خُلقنا على سطح الأرض، وحتى يوم القيامة مفطورون على جِبلَّة واحدة، نحب الخير لأنفسنا، نحب السلامة، نحب الخلود، نحب النماء، هذه الفطرة، كيف يفعل الإنسان شيئاً يدمره؟ يفعل هذا الشيء الذي سيدمره لأنه لا يملك رؤية صحيحة، يرى الدنيا كل شيء، ويرى أن المال كل شيء، ويرى أن الحياة لذيذة، وأن الموت بعيد، وأنه لا شيء بعد الموت، هذه الرؤية تحمل صاحبها على اقتراف الآثام، وأكل الأموال، والطغيان، رأى الحياة الدنيا هي كل شيء، ولا شيء بعد الحياة الدنيا، لذلك هذه الرؤية الخاطئة حملته على اقتراف الآثام، هل تصدقون أن أكبر عدوٍ لكم هو الجهل، أكبر عدوٍ للإنسان أن يجهل حقيقة الأشياء، من منا إذا شاع أن هذا الشيء ملوث، ويسبب أمراضاً خبيثة، من منا يأكله؟ لا أحد، بدافع من فطرتنا، من منا يأكل طعاماً ملوثاً بالإشعاع الذري؟ لا يأكله مهما كان جائعاً، بدافع من الفطرة، من منا على مشارف مرض خطير يخالف نصيحة الطبيب؟ لا أحد ، هذه الرؤية الصحيحة .
 يا أيها الإخوة الأكارم، موقفك من الله عز وجل، موقفك من الربا، موقفك من العمل، موقفك من كسب المال، موقفك من زوجتك موقفك من أمك، موقفك من جارك، موقفك من صفقة مشبوهة، هذا تحدده رؤيتك، إما أن تكون هذه الرؤية صحيحة، وإما أن تكون هذه الرؤية منحرفة، نور الله عز وجل إذا ألقي في قلبك من خلال الصلاة جعل لك هذه الرؤية الصحيحة .

وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا

 فلذلك هذه هي التقوى، التقوى أن تنظر بنور الله، التقوى أن تملك رؤية صحيحة، التقوى ما تعنيه الآية الكريمة :

﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ ﴾

(سورة الأنعام : 75 )

ما  هي التقوى ؟

 التقوى أن يجعل الله لك نوراً تمشي به في الناس، التقوى أن يكون لك فرقان، تفرق به الحق من الباطل، والخير من الشر، وما يجوز، وما لا يجوز، لذلك لا ينبغي أن نقعد عن طلب مرتبة التقوى، فإذا بلغنا هذه المرتبة فنحن في أمان الله، وبدافع من فطرتنا لا نفعل إلا ما ينفعنا .

﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾

 فَكَّر في ملكوت السماوات والأرض، حصلت له قناعة أن لهذا الكون إلهاً عظيماً، ينبغي أن يُعبد، عبده، فإذا عبَده فهذا هو الإسلام ، المسلم من استسلم لله في كل أوامره ونواهيه، الانقياد الكلي لأوامر الله عز وجل، بعد أن انقاد كلياً للأوامر أقبل على الله، اتصل به، بهذا الإقبال، وبهذا الاتصال حصلت له هذه الصلة، فهذا هو الإيمان، إذا استمرت هذه الصلة ، وتعززت، وبلغت حداً معيناً انقلبت إلى تقوى، والتقوى رؤية نفسية بسبب من نور إلهيٍ ألقي في قلب المؤمن في أثناء الصلاة هذا الإقبال يجعلك من أهل التقوى، إذاً أنت تملك الرؤية الصحيحة .
 ما من مشكلة، ما من مصيبة على وجه الأرض إلا وراءها معصية، وما من معصية إلا وراءها عمل سيئ، وجهل، وانقطاع عن الله سبحانه وتعالى .

 

﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا ﴾

إنزال القرآن هو إنزال الخير :

 هذا القرآن لخصه الله تعالى بكلمة واحدة، عنوانه:

( قرآن كريم )

 كلمتان، أما في هذه الآية فلخصه كله في كلمة واحدة :

﴿ قَالُوا خَيْرًا ﴾

 إذا قرأته، إذا قرأت آياته الكونية، وخشع قلبك لعظمة الله، وعقدت العزم على التوبة فهذا خير، وإذا قرأت آياته التشريعية، ونفذتها في علاقاتك اليومية فهذا خير، وإذا قرأت آيات الزواج، واتبعت ما جاء فيها، في علاقتك مع زوجتك، فهذا خير، وإذا تفكرت في مشاهد القيامة وأهوالها، فاتعظت من هذه المشاهد، وعقدت العزم على الاستقامة، فهذا خير فكل ما في هذا الكتاب خير، قراءته خير، تلاوته خير، معرفة مضامينه خير، تدبره خير، تطبيقه خير، لكن أعلى أنواع الخيرات أن ينقلب هذا القرآن إلى سلوك، سُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن أخلاق النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالَ سَعْدُ بْنُ هِشَامٍ :

(( يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ : أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ ؟ قُلْتُ : بَلَى، قَالَتْ : فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ الْقُرْآنَ ))

[ رواه مسلم عن زرارة ]

تطبيق القرآن هو الخير كله والإعراض عنه هو الشر والضلال :

 إلى أن يصبح هذا الكتاب سارياً في علاقاتك اليومية، تتلو قوله تعالى :

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾

( سورة النور : 30 )

 تطبق هذه الآية، فإذا أنت من أسعد الناس في البيت، هذا كلام رب العالمين، كلام هو قانون، ومعنى القانون أن العلاقة ثابتة بين شيئين، هناك علاقة ثابتة بين غض البصر والسعادة الزوجية، وهناك علاقة ثابتة بين إطلاق البصر والشقاء الزوجي، تطبق هذه الآية فتكون أسعد الأزواج، تمضي حياتك كلها مع زوجتك في سعادة وهناء، ووفاق، ومودة، ومحبة، وطهر، ووفاء، وبر، وحب، فإذا أطلق الإنسان بصره صار بيته جحيماً لا يطاق ، وصارت حياته نكدًا، وصارت معيشته نكدا أيضاً، وكانت الآية الكريمة منطبقة عليه .

 

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

( سورة طه : 124 )

 رجل له هواية واحدة، في أيام الصيف بالذات يقطع بعض الطرقات المزدحمة بالنساء مرتين، أو ثلاث مرات ذهاباً وإيّابًا، يُمتِّع عينيه بالنظر إلى النساء، وهن يخطرن في الطرقات كاسيات عاريات، مائلات مميلات، وله أولاد شبان، وله بنات متزوجات، وكان له جار ينصحه كثيراً ؛ أن يا جار، لا يليق هذا بالمسلم، لا يليق هذا بمن زوج بناته ، واستقبل أصهاره، وعنده أولاد هو قدوة لهم، هذه العادة المستحكمة لا يدعها، إلى أن أصيب بمرض عضال اسمه ارتخاء الجفون، لا يستطيع أن يرى إنساناً إلا بعد أن يمسك جفنه، ويفتحهما بيده، فإذا تركه عاد من تلقاء نفسه مغمضاً، فلو أنه طبق هذه الآية :

 

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾

( سورة النور : 30 )

 المؤمنون طبقوا هذه الآية فعاشوا في سعادة، في خيرات .
 وفي كسب المال ربنا سبحانه وتعالى يقول :

 

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾

( سورة البقرة : 276 )

 لو الإنسان تلا هذه الآية، وتدبرها، وعرف أبعادها، وطبقها لحفظ الله له ماله، وعاش في بحبوحة، وفي أمن، ولكن الله سبحانه وتعالى يتلف للذين يكسبون مالاً حرامًا أموالهم، بأسباب تافهة، قد ينسى مصباحاً متألقاً في الليل فيحترق محله التجاري كله، بسبب تافهٍ جداً، قد ينسى دخينة على الطاولة، تسبب أتلاف ماله، قال عليه الصلاة والسلام :

(( ما تلف مال، في بر ولا بحر إلا بحبس الزكاة ))

[ أخرجه الطبراني في الأوسط عن عمر بن الخطاب، قال الهيثمي : فيه عمرو بن هارون وهو ضعيف ]

 لو طبق قوله تعالى :

 

﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾

( سورة البقرة : 43 )

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾

 لكان تطبيق هذه الآيات عائدًا عليه بالخير .
 سيدنا أبو الدرداء رضي الله عنه قيل له : إن دكانك قد احترقت، فذكر جوابًا فيه فتور، قال : ما كان الله ليفعل، قيل : يا أبا الدرداء، إن دكانك قد احترقت بذاتها وعينها، قال : ما كان الله أن يفعل، فلما ذهبوا إلى دكانه وجدوها لم تحترق، التبس عليهم الأمر، احترقت الدكان التي إلى جانبه، فلما عادوا إليه، وقالوا : لمْ تحترق دكانك، قال : أعلم ذلك .

 

لماذا المؤمن سعيد ؟

 ما من مؤمن صادق تسأله عن أحواله إلا ويسمعك كلمات يطمئنك عن أحواله، في غاية السرور، وغاية السعادة، وغاية الطمأنينة، وغاية الرضا عن الله عز وجل، لأنه انشغل بمعرفة الله :

(( ومن شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين ))

[ البزار في المسند والبيهقي في الشعب عن عمر]

 هذه رابعة العدوية حينما كانت تناجي ربها وتقول :

فليتك تحلو و الحياة مريــــرة  وليتك ترضى والأنام غضـاب
وليت الـــذي بين و بينك عامر  وبيني وبين العالـمين خـراب
إذا صح منك الوصل فالكل هيـن  وكل الذي فوق التراب تـراب
***

 بماذا كانت تشعر ؟
 هذا الصحابي الجليل، وأظن اسمه ربيعة، النبي عليه الصلاة والسلام بعد غزوة أحد سأل أصحابه، وكان حريصاً عليهم، رحيماً بهم، قال : ما فعل ربيعة ؟ لم يجب أحد، فندب أحدهم ليذهب إلى أرض المعركة لتفقده، أفي الأحياء هو أما في الأموات ؟ فلما وصل بحث عنه فإذا هو على وشك الموت، في النزع الأخير، يلفظ أنفاسه الأخيرة، فقال هذا الصحابي الذي ندبه رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا ربيعة، لقد أرسلني رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لتفقدك أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ فما كان من هذا الصحابي وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، ويودع الدنيا، وكان شاباً في مقتبل العمر ـ تصوروا ماذا يقول إنسانٌ على وشك الموت وهو في مقتبل العمر، سألت طبيباً قلت له : بربك، صف لي ميتاً جاءه الموت تحت سمعك وبصرك، قال : يصفر وجهه، ويندب حظه، ويبكي، ويصرخ بويله، وما شأن هذا الصحابي حينما قيل له : إن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرني أن أتفقدك، أفي الأحياء أنت أم في الأموات ؟ قال : قل له : إني في الأموات، وقل له : جزاك الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، ما نسي في هذه اللحظة، وربما كانت هذه اللحظة أسعد لحظات حياته، ما نسي فضل النبي عليه الصلاة والسلام، قال له : أقرئ رسول الله مني السلام، وقل له : جزاك الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، وقل لأصحابه : لا عذر لكم عند الله، إذا خلص إلى نبيكم، وفيكم عين تطرف، يعني إذا بقي فيكم واحد تطرف عينه، وقد خلص إلى نبيكم، لا عذر لكم عند الله .
 هذه حالة موت، هذه حالة من يفارق الدنيا، هذا هو الإسلام الذي يبث في قلب المرء سعادة لا توصف .

 

أيها المؤمن لا تحزن ولا تضعف :

 والله الذي لا إله إلا هو مهما ضاقت الدنيا على المؤمن، قد يجوع المؤمن، وقد يلبس ثياب خشنة، وقد يسكن بيت صغيراً، لا يرى النور، وقد يكون دخله أقل بكثير من مصروفه، وقد يعيش أزمات الناس، ولكنه لا يحس بها، لأن هدفه الكبير قد تحقق، خَلَقه في الأرض ليعرفه، وليطيعه، وليتقرب إليه، وها قد فعل، حقق الهدف من خَلق السماوات والأرض :

(( الدنيا جيفة طلابها كلابها ))

[ فيض القدير ]

 الدنيا دار من لا دار له، ولها يسعى من لا عقل له .
 عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

[ أخرجه الترمذي ]

 قال سيدنا علي رضي الله عنه: " يا دنيا غرّي غيري، طلقتك بالثلاث، شأنك قليل، وأمدك قصير، لقد طلقتك طلقة لا رجعة بعدها " .
 من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً، أوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمني فاخدميه، ومن خدمك فاستخدميه .
 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ ))

[ أخرجه الترمذي ]

 و :

(( من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين ))

[ أخرجه البخاري في التاريخ، والبزار في المسند، والبيهقي في الشعب من حديث عمر بن الخطاب ]

 و :

(( من طلب العلم تكفل الله له برزقه ))

[ أخرجه الخطيب في التاريخ عن زياد بن الحارث الصدائي ]

 هذا الحديث الشريف ترك في حياة سيدنا أبي حنيفة النعمان رَضِي اللَّه عَنْه انعطافاً خطيراً، يروي التاريخ أن هذا الإمام العظيم كان يحج بيت الله الحرام، وقد سمع هذا الحديث من أحد علماء البيت الحرام فسبَّب هذا الحديث عنده انعطافاً في حياته فطلب العلم .
 اطلبوا العلم، أمضِ وقتك الثمين، والله الذي لا إله إلا هو لتأتينك الدنيا وهي راغمة، ولييسِّرنَّ لك الله أمورك، وليباركن لك في وقتك، وليتأتينك رزقٌ كثير بجهد يسير، ذلك حقٌ على الله عز وجل، ادفع زكاة وقتك، اجلس ساعة على قدميك، استمع إلى كتاب الله، إلى تفسير كتاب الله، وسيعفيك الله من وقفات طويلة بلا طائل، في أماكن أخرى، اجلس على ركبتيك، وتعلم كتاب الله، وسيحفظك الله، من جلسات طويلة تحت الكلية الصناعية .
 قال لي رجل : أتمنى الموت، قلت لماذا؟ قال : حياتي شقاء لا يوصف، قلت ما السبب ؟ قال : عندي كل أسبوع جلستان مطولتان لتصفية الدم، إلى أن يأتي دوري أنتظر بضع ساعات، وأجلس تحت التصفية ثماني ساعات في كل مرة، وأدفع نفقات باهظة .
 فأنت اجلس على ركبتيك، واستمع إلى تفسير القرآن، والله عز وجل يحفظك، فمن تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت .
 لماذا الحزن؟ الأمر كله بيد الله، والله أسماؤه حسنى، الأمر كله بيد الله، وهو رحيم، وسميع، وبصير، وعليم، وحكيم وخبير، ورؤوف، هذه أسماؤه، والأمر كله بيده، من أين يأتيك الحزن ؟ لا يحزن قارئ القرآن .

 

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة النحل : 97 )

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾

( سورة فصلت : 30 ـ 31 )

 خالق الكون، خالق الأكوان يقول لك :

 

﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾

 أتخشى من إنسان، والواحد الديان وليك ؟! أتخشى من إنسان ورافع السماوات من غير عَمد وليك ؟!

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾

( سورة الحج : 38 )

 أليست هذه الآيات تشجعك أن تكون مع الله، أن تتوب إليه، إذا رجع العبد العاصي سطع نورٍ بين السماء والأرض، ونادى منادٍ من قِبَل الحق جل وعلا : أن أيتها الخلائق هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله، والله الذي لا إله إلا هو لا تحل مشكلة إلا إذا اصطلح مع الله، والصلح يتم في لمح البصر، تقول : يا رب، يقول لك : لبيك يا عبدي، إذا قال العبد : يا رب، وهو راكع قال الله : لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد : يا رب وهو ساجد، قال : لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد : يا رب وهو عاص قال الله عز وجل : لبيك، لبيك، لبيك يا عبدي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب .

إلى متى أنت باللذات مشـغول  وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
***
فيا خجلي منه إذا ما قال لــي  أيا عبدنا أما قرأت كتابنـــا
أما تستحي منا و يكفيك ما جرى  أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً  إلينا و تنظر ما به جاء وعدنـا
***

فرح الله بتوبة العبد :

 أيها الإخوة الأكارم، الذي لا يتوب إلى الله عز وجل في الدنيا أحمق، باب التوبة مفتوح، لله أفرح بتوبة عبده، من الضال الواجد والعقيم الوالد، والظمآن الوارد .
 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ : اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ ))

[ مسلم ]

 وفي رواية أخرى في الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلًا وَبِهِ مَهْلَكَةٌ، وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً، فَاسْتَيْقَظَ، وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ، حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ : أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي، فَرَجَعَ، فَنَامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ ))

[ متفق عليه ]

أيا غافلاً تبدي الإســاءة والـجهلا  متى تشكر المولى على كل ما أولى
عليك أياديه الكرام و أنت لا تـراها  كأن العين عـميـاء أو حـــولا
لأنت كمسكون حوى المسك جيـبه  ولكنه المحروم ما شـمه أصــلا
***

 كيف قال أبو يزيد البسطامي: " لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف " ؟ بماذا كان يشعر هؤلاء المؤمنون، هؤلاء الأتقياء، هؤلاء الأولياء، بماذا يشعرون ؟ وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ لو قسمت السعادة التي في قلوبهم على أهل الأرض لسعدوا، تقبِل عليه وتشقى ؟

﴿ لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى ﴾

( سورة الليل : 15 )

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

( سورة الليل : 5 ـ 7 )

 من ذاق حلاوة القرب آثر الله على كل شيء، من عرف الله زهد فيما سواه .

فلو شاهدتك عيناك من حسننا الذي  رأوه لما وليت عـــــنا لغيرنا
***

 هذا يلحق المال، فلان متجه نحو الشهوات المنحطة، هذا يمضي وقته في لعب النرد، هذا يمضي وقته في الحديث عن الدنيا، هذا يقيم حفلات مختلطة يمتع عينيه بالنساء، هذا يفعل المنكرات .

فلو شاهدتك عيناك من حسننا الذي  رأوه لما وليت عنا لغيرنـــــــا
ولو سمعت أذنك حسـن خطابنـا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنــــا
ولو ذقت من طـعم المحبـة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنــــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمــة  لمتّ غـريباً واشـتياقاً لقربنـــــا
و لو لاح من أنوارنا لك لائــح  تركت جميع الكائنات لأجلنــــــا
فــما حبنا سهل وكل من ادعى  سهولته قلنا له قد جهلتنــــــــا
فأيسر ما في الحب بالصب قتلـه  وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنـــا
***

 هذا القلب منظر الرب، لا تدنسه بالذنوب، املأه محبة لله، املأه صفاءً، املأه خشيةً، املأه مودةً للذي خلقك من قبل، ولم تكن شيئاً .
 كلمة ( خيرا )وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ نفسي لا تسخو أن أغادرها، القرآن بكامله ملخص في كلمة واحدة :

 

﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ﴾

 هذا القرآن إذا طُبق غنىً لا فقر بعده، ولا عنىً دونه .

 

داؤك المعصية ، ودواؤك الطاعة :

 داؤك منك، ودواؤك فيك، داؤك المعصية، ودواؤك الطاعة، لا تقل : ظروف ضيقة، حياة صعبة، قدر ساخر، قلب ليّ الدهر ظهر المجن، حظي تعيس، كل ذلك كلام فارغ، ليس له معنى هذا الكلام : حظي تعيس ما هو الحظ ؟ قلب ليّ الدهر ظهر المجن، من هو الدهر ؟ الدهر إله آخر ؟ لا إله إلا الله، ظروفي صعبة، ما الظروف الصعبة ؟ جعلها الله صعبة كي تعود إليه، هو الذي جعلها صعبة .
 فلذلك حينما يقول الإنسان : ظروف ضيقة، وصعوبات، وحياة خشنة، وأبواب مسدودة، وآمال معدومة، ونفسي في ضيق، والدهر غدار، والأيام تقلب لك ظهر المجن، والحظ تعيس، هذه كلها كلمات أهل الشرك، لا معنى لها، لا يوجد إلا آية وحدة .

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(7)وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

( سورة الليل : 5 ـ 10 )

 إن كنت مع الله عز وجل مستقيماً على أمره فأمورك من تيسير إلى تيسير، من توفيق إلى توفيق، من درجة إلى أعلى، تأكد أيها الأخ الكريم أن لكل منا خطًّا بيانيًّا، إما أن يكون صاعداً، وإما أن يكون هابطاً، إما أن يصعد صعوداً حاداً ليهبط هبوطاً مفاجئاً، وإما أن يصعد صعوداً مستمراً، تأكد أن خط بيان المؤمن في صعود مستمر إلى الأبد، وما الموت إلا نقطة على هذا الخط، هذا الأبد .

﴿ قَالُوا خَيْرًا ﴾

 تلاوته خير، وتجويده خير، وحفظه خير، وفهمه خير، وأهمّ ما في الخير تطبيق هذا القرآن، تطبيقه في حياتك اليومية .

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ﴾

المحسن له في الدنيا حسنة :

 للمحسن في الدنيا حسنة، لا بد من حياة طيبة، لابد من أن تنتظرك حياة طيبة، وادعة، هانئة رغم صعوبة الظروف، رغم الأزمات الحادة، رغم كل شيء تقوله، لا بد من حياة طيبة يضمنها الله لك بعد أن تجتاز الامتحان، لأنك قد تستقيم طمعاً لما في الاستقامة من خير، هذه استقامة مشوبة، يجب أن تستقيم حباً بالله، يجب أن تستقيم ابتغاء مرضاة الله، لا غير، أما إذا استقمت بما علمت من أن المستقيم يعيش في بحبوحة، فإنك تستقيم، ولن تعيش في بحبوحة، لا بد من امتحان، وبعد الامتحان يأتي العطاء،

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ﴾

﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

( سورة البقرة : 201 )

 يا أبت أعرفُ حسنة الآخرة، فما حسنة الدنيا؟ قال: يا بنيتي الزوجة الصالحة، قال بعض المفسرين : الزوجة الصالحة هي الحسنة في الدنيا :

﴿ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ﴾

وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ

إنه انتقال من لا شيء إلى كل شيء :

 ينتقل الوليد من الرحم إلى سعة الدنيا، هذا الانتقال يشبه انتقال المؤمن من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، الرحم كالبيضة تماماً، 7.5 سنتيمتر مكعب، تصبح 750 سنتيمترًا بعد الحمل، تسعة أشهر، وهذا الصغير، كل الحجم الذي يسعه 700 سنتمتر مكعب، وحينما ينتقل هذا الطفل إلى الدنيا، يكبر ويسافر، ويركب طائرات، وينتقل من قارة إلى قارة، اجعل نسبة بين الرحم وبين الدنيا، بين من ركب طائرة سافر إلى أمريكا، وإلى الصين ، وإلى القطبين، أو ركب مركبة فضائية فحلق في الفضاء الخارجي، كان في الرحم، كذلك المؤمن يخرج من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة .
 النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر ))

[ رواه الطبراني في الكبير عن المستورد ]

 إبرة اغمسها في مياه البحر وانظر بمَ ترجع من مياه البحر ؟

 

﴿ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ(30)جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ ﴾

جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ

 أنت الآن في الدنيا هل يكون لك ما تشاء؟ هل أي شيء تشاؤه تجده أمامك؟ ما أكثر الأشياء التي تشاؤها ولا تجدها، ولكن أهل الجنة أي شيء يشاؤونه إذا هو أمامهم، على الخاطر :

﴿ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31)الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

ساعة الموت أحلى لحظات المؤمن :

 ما من ساعة أجمل في حياة الإنسان من ساعة الموت إذا كان الميت مؤمناً، وطبياً، وطاهراً .

﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ ﴾

( سورة الحجر : 46 )

 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ :

(( لَمَّا وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كَرْبِ الْمَوْتِ مَا وَجَدَ قَالَتْ فَاطِمَةُ : وَا كَرْبَ أَبَتَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ، إِنَّهُ قَدْ حَضَرَ مِنْ أَبِيكِ مَا لَيْسَ بِتَارِكٍ مِنْهُ أَحَدًا، الْمُوَافَاةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[ أخرجه الترمذي وأحمد ]

﴿ قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ(26)بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ ﴾

( سورة يس : 26 ـ 27 )

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ :

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : ]فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [ ))

[ متفق عليه ]

 أنت ضيف الرحمن، ضيف الله، الإله العظيم الذي أطعته طوال عمرك هو الآن ينتظرك، من اشتاق إلى لقاء الله اشتاق الله إلى لقائه،

﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

 كل الفلاح، وكل التوفيق، وكل الفوز، وكل النجاح، وكل التفوق، حينما يأتي الإنسان ملك الموت وهو طيب القلب .

 

﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ ﴾

 هذه هي البطولة :

ليس من يقطع الطرق بطلاً إنما من يتقي الله البطل
***

 إذا أعددت لهذا اليوم عدته فأنت بطل .
 عن عبد الله بن المسور أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :

(( يا رسول الله، علمني من غرائب العلم، قال : ما فعلت في رأس العلم فتطلب الغرائب ؟ قال : وما رأس العلم ؟ قال : هل عرفت الرب ؟ قال : نعم، قال : فما صنعت في حقه ؟ قال : ما شاء الله، قال : عرفت الموت ؟ قال : نعم، قال : ما أعددت له ؟ قال : ما شاء الله، قال : انطلق فأحكم هاهنا، ثم تعال أعلمك من غرائب العلم ))

[ أخرجه أبو نعيم في الحلية ]

ماذا أعددت لهذه الساعة ؟

 هذا سؤال خطير، لو أن أحداً سألك : هل تعرف الله ؟ تقول له : نعم، وما الموقف الذي وقفته من أجل هذه المعرفة؟ ماذا تركت من أجله؟ ماذا فعلت من أجله؟ من عاديت من أجله؟ من واليت من أجله؟ ما الشيء الذي تركت من أجله؟ ما الشيء الذي فعلت من أجله؟ ما الصديق الذي صادقته من أجله؟ ما المجلس الذي حضرت من أجله؟ ماذا فعلت من أجله؟ ماذا صنعت في حقه؟ قال: ما شاء الله، قال : هل عرفت الموت؟ قال: نعم، قال : فماذا أعددت له؟ هذا سؤال ثانٍ، لو أن أحداً سألكم : هل أنتم موقنون أننا سوف نموت؟ تقول: نعم، وماذا فعلت من أجل هذه الساعة؟ ماذا أعددت لهذه الساعة؟ هل تفكر أن إنساناً ينوي السفر ولا يعد حقيبة! ولا يعد مبلغاً من المال! ولا يعد معلومات! أين سأذهب؟ أين سأنام؟ من يستقبلني؟ تأخذ أرقام هواتف، تتصل بالمطار، بأصدقائك، بأقربائك، من يذهب بلا خطة؟ بلا زاد؟ ماذا أعددت للموت؟ هل أعددت استقامة؟ هل أعددت مالاًً حلالاً؟ هل أعددت نفساً طيبة؟ هل أعددت عبادة خالصة؟ هل أعددت علماً نافعاً؟ هل تركت ولداً صالحاً؟ هل عملت عمل خيرٍ؟ هل تركت أثراً طيباً في الأرض؟ ماذا فعلت؟ لو أن أحداً أراد أن يؤبّن أحداً ميتاً، ماذا يقول؟ لو أن هذا الميت أمضى حياته في الدنيا وشهواتها، ماذا يقال في هذه الساعة؟ ماذا فعلت، لم يفعل شيئاً، فلذلك :

﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

 يأتيك ملك الموت في أحسن حال، يأتيك ملك الموت على صورة أحب الناس إليك، هي ساعة الفوز العظيم، أن يأتي ملك الموت، وأنا محب لله، وأنا مطيع له .

﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ

هذا ما ينتظره المعرضون عن الله : الموت أو الساعة :

 الآية الثانية للذين أعرضوا عن الله، للذين أحبوا الدنيا، للذين كرهوا لقاء الله، للذين انصبوا عليها، تهافتوا على مالها على نسائها، على بيوتها، على مزارعها، على مركباتها، على مناصبها، على حطامها، على مباهجها، هؤلاء الذي انغمسوا فيها إلى قمة رأسهم، ماذا ينتظرهم في الدنيا، استمعوا :

﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلَائِكَةُ ﴾

 أي ملائكة الموت،

﴿ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ ﴾

 أي قيام الساعة .
 هذه الآية وضحها النبي عليه الصلاة والسلام، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوِ الدَّجَّالَ، فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ، فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))

[ خرجه الترمذي ]

 ماذا ينتظر أحدنا من الدنيا؟ هل ينتظر المعرض ـ المؤمن ينتظر كل خير ـ المعرض هل ينتظر من الله إلا هذه الأشياء السبعة .

 

﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾

 أين أبو جهل ؟ أين أبو لهب ؟ إذا كان النار .

﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾

( سورة غافر : 46 )

 1500 سنة، ضرب 365، ضرب 2، والخير سيزداد .

 

﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾

 هذه هي المصيبة الكبرى، حينما يخسر الإنسان نفسه .

﴿ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

هذه سنة المعرضين منذ الأزل :

 عاد، وثمود، والمؤتفكات، وأصحاب الأيكة، وقوم صالح، هؤلاء عصوا، وفجروا، وبغوا، وطغوا، أين الرومان؟ أين الفراعنة؟ أين التدميريون؟ كل هؤلاء الذين فسقوا وعصوا، وجهلوا، وفعلوا المنكرات، انتهوا .

﴿ وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(33)فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون ﴾

الله لا يظلم أحدا ، ولكن كل نفس مرهونة بعملها :

 هذا الذي كانوا يستهزؤون به كفرهم حاق بهم، أي قيدهم، قال تعالى :

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ ﴾

( سورة المدثر : 38 ـ 39 )

 هؤلاء مقيّدون، كفرهم قيّدهم .
 فيا أيها الإخوة الأكارم، هذا كتاب الله بين أيديكم، وهذه السورة، سورة النحل تحت سمعكم وبصركم، وهذه المعاني واضحة لكم، ما بقي علينا إلا التوبة، والاستقامة، والعمل الصالح، ومعرفة الله عز وجل، وخدمة الخلق، لعل الله سبحانه وتعالى يرحمنا في الدنيا والآخرة .

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ ﴾

( سورة القصص : 61 )

 حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، كل يوم اعمل حساباً، ماذا فعلت من عمل صالح ؟ هذا اليوم كيف مضى ؟

(( لا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله قرباً، لا بورك لي في طلوع يوم لم أزدد من الله علماً ))

[ ذكر نحو هذا الحديث ابن عدي في الكامل عن عائشة ]

 عندك شيئان، العلم والقرب، العلم علم، والقرب عمل صالح، لا بد من العلم، ولا بد من العمل الصالح، والعمل الصالح يرفعك .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018