الخطبة : 0985 - الولاء - التفاؤل الحذر. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0985 - الولاء - التفاؤل الحذر.


2005-11-18

الخطبة الاولى
الحمد لله نحمده، ونستعين به، و نسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق و البشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الولاء والبراء:

أيها الإخوة الكرام، حينما تصح عقيدة المسلم، وحينما تتحقق استقامته، وحينما يحسن عمله تنشأ عنده حالة سماها العلماء الولاء، ونقيضها البراء، والمسلمون اليوم وهمْ في محنة شديدة في أشد الحاجة إلى هذا الموضوع.

أدلة الولاء والبراء من الكتاب والسنة:

ما الأدلة في القرآن الكريم على الولاء ؟ قال تعالى:

 

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾

[ سورة الحجرات: الآية 10]

إنما المؤمنون إخوة
هذه الآية جاءت بصيغة الحصر، دققوا، ليس المؤمنون إلا إخوة، فإن لم يكونوا إخوة فليسوا مؤمنين، إنما المؤمنون إخوة، فإن لم يكونوا إخوة فليسوا مؤمنين.
أيها الإخوة الكرام، آية ثانية:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾

[ سورة الأنفال: الآية 72]

أيها الإخوة الكرام، قال تعالى:

 

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: الآية 75]

الولاء والبراء هما الانتماء إلى هذه الأمة، الانتماء إلى مجموع المؤمنين، نحن في أمسّ الحاجة إلى هذا الموضوع، قال تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

[ سورة الحشر: الآية 10]

أي أن المؤمنين على امتداد عصورهم، وعلى اختلاف أصقاعهم وحدة واحدة.
أيها الإخوة الكرام، هذا هو الولاء، وهذه أدلة الولاء.
دليل آخر من كتاب الله عز وجل:

 

﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

[ سورة التوبة: الآية 71]

هذه آيات من كتاب الله مِن عند خالق السماوات والأرض تبين أن النتيجة الطبيعية لصحة العقيدة، ولتحقيق الاستقامة، ولصحة العمل أن تنتمي إلى أمتك الإسلامية، أن تنتمي إلى مجموع المؤمنين، أن يؤلمك ما يؤلمهم، وأن يسعدك ما يسعدهم.
أما في السنة فعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ))

[ متفق عليه ]

وفي حديث ثانٍ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ))

[ متفق عليه ]

هذه كلها أحاديث في أعلى مستوى متفق عليها، المسلمون كرجل واحد إذا اشتكى عينه اشتكى كله، وإذا اشتكى رأسه اشتكى كله.
آيات وأحاديث تبين شدة انتماء المؤمن لمجموع المؤمنين، وما لم تكن هذه الأخوّة فهذا ينقض إيمان المؤمن.

مظاهر الولاء:

أيها الإخوة الكرام، هذا التعريف تعريف الولاء من خلال كلام الله، فما هي مظاهر الولاء ؟
لو أنك سألت نفسك: يا ترى لي ولاء للمؤمنين ؟ نقول لك: هناك ظواهر

العلامة الأولى:المحبة

أن تحب المؤمنين، يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الشيخان عَنْ أَنَسٍ:

(( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ))

[ متفق عليه ]

يجب أن تحب لأخيك من خير الدنيا والآخرة ما تحبه لنفسك، فإن وجدت نفسك تحب المؤمنين، وتتمنى لهم الخير في دنياهم وفي أخراهم فأبشر لأن هذه علامة إيمانك، وإن كنت تتمنَّى لهم أن يسقطوا، وأن يُفضَحوا، وأن يتمكن عدوهم منهم فورب الكعبة لست مؤمناً، قال عليه الصلاة والسلام:

(( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ))

أيها الإخوة الكرام،

((... رَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ ))

[ متفق عليه ]

هذا دليل آخر على الحب بين المؤمنين، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ ؛ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ ))

[ متفق عليه ]

من مظاهر الولاء للمؤمنين أن تحبهم
يا رب، أيّ عبادك أحبُّ إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال: أَحَب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي.
أول مظهر من مظاهر الولاء للمؤمنين أن تحبهم، وأن تتمنى لهم خيري الدنيا والآخرة، أن يؤلمك ما يؤلمهم، أن يحزنك ما يحزنهم، أن يسخطك ما يسخطهم، أن يسعدك ما يسعدهم، هذا مؤشر، وليمتحن كل منا نفسه، أما المنافقون فقال تعالى عنهم:

 

﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 120]

انظر إلى من حولك من المؤمنين، هل تتمنى لهم الخير ؟ هل تتمنى لهم السلامة، أم تتمنى لهم الدمار ؟ أم تتمنى أن يأتي عدو لهم يذل كبرياءهم، ويقتل شبابهم، وينهب ثرواتهم ؟
أيها الإخوة الكرام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَ لَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ ))

[ مسلم، الترمذي أبو داود، ابن ماجه]

ما الفرق الجوهري بين أصحاب رسول الله وبين المسلمين في هذه الأيام ؟ مساجد ومعاهد، وجامعات ومؤلفات، ومؤتمرات، لكن الحب الذي كان بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نفقده،

(( لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَ لَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ ))

إفشاء السلام بين المؤمنين أدنى معروف، كنت في جلسة، فأنبئت أن بناءً من أضخم الأبنية لا يعرف الجار جاره، ولا يسلم عليه إطلاقاً، ولا يتزاوران،

((... أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ ))

وهذا السلام يكلف كلمة طيبة واحدة تتضمن دعاء وطلباً من الله بالسلامة والعافية من كل شر، والرحمة لمن تسلم عليه.
العلامة الأولى المحبة، وهذه أدلتها.

العلامة الثانية:المجاملة

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( خَمْسٌ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ، رَدُّ التَّحِيَّةِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَشُهُودُ الْجِنَازَةِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ إِذَا حَمِدَ اللَّهَ ))

[ متفق عليه ]

تلبية الدعوة من الدين

 

(( مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ))

 

[أبو داود]

هناك أناس يستمدون مكانتهم من عدم تلبية الدعوة، يقول لك: المكان بعيد، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ ))

[ البخاري]

الكراع هو رِجِل غنمة.

(( مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ))

[أبو داود]

وأقول لكم كلمة بصراحة: إن تلبية دعوة الأغنياء والأقوياء من الدين، وتلبية دعوة المؤمنين الضعفاء من عمل الآخرة.
سؤال خطير؟هل لك ولاء للمؤمنين ؟ هل يؤلمك ما يؤلمهم ؟ هل يسعدك ما يسعدهم ؟ هل أنت قلق عليهم جداً ؟ هل أنت قلق على المسلمين خارج بلدك ؟ هذا الذي تراه كل يوم ألا يؤلمك ؟ ألا يتعبك ؟

العلامة الثالثة: النصرة

أي أن يقف المسلم في صف إخوانه المسلمين فيكون معهم يداً واحدة على أعدائهم.
أيها الإخوة الكرام، قال تعالى:

 

﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً﴾

[ سورة النساء: الآية 75]

أيها الإخوة الكرام، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ))

[ متفق عليه ]

وقد فسر النبي عليه السلام أن نصرة الأخ الظالم أن ترده عن ظلمه، وأن نصرة أخيك المظلوم أن ترد الظلم عنه، فينبغي أن ترد الظالم عن ظلمه، وأن ترد ظلم الظالم عن أخيك المظلوم.
أيها الإخوة الكرام، علامات ثلاث: أن تحب المؤمنين، وأن تجاملهم، وأن تنصرهم، إذاً أنت منهم، إذاً أنت تنتمي إلى المؤمنين، إذاً هذا وسام شرف لك، هذا يرفعك عند الله.

نواقض الولاء

ما الذي ينقض الولاء ؟ فإذا فعلت شيئاً من هذه الأشياء فلست ولياً لهم، بل لست منهم، بل لست مؤمناً.

الشيء الأول: إخراج المسلم من الإسلام عن معرفة وبصيرة

تكفير المسلم لأخيه المسلم ينقض الولاء
كل مَن حكم على رجل مسلم بأنه كافر، وهو يعلم في قرارة نفسه أنه مسلم فقد كفر، لمجرد أن تكفِّر مسلماً فقد كفر الذي كفره، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا ))

 

[ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

إن كان هذا الذي وصفته كافراً حقاً كان الوصف منطبقاً عليه، وإلا فالذي نطق بهذه الكلمة هو الكافر، هذا الذي يثبط عزائم المسلمين، ويوهن قواهم، ويتشاءم، ويتوعدهم بالهلاك والدمار، هذا ليس منهم، لكن أقول لكم بصراحة، وبالتعبير المعاصر جداً جداً وبشفافية: أنا لا أستطيع أن أقول للطالب الذي لا يدرس أبداً: سوف تنجح، هذا تضليل، هذا كذب، ولكن أقول له: ادرس، فسوف تنجح، هذا ملخص الملخص، إياك أن تثني على الناس وهم غارقون في المعاصي، وهم غارقون في المال الحرام، وهم غارقون في الاختلاط، وهم غارقون في الملهيات، ينبغي أن تحذرهم، هناك تفاؤل أبله ساذج، لا يحدث شيء، نتحدى، تتحدى باستقامتك، تتحدى بإقامة الإسلام في بلدك، تتحدى بإزالة المنكرات،تتحدى باعتصامك بالله، لا أن تعتصم بزيد أو عبيد، ثم أقول: أنا سأنتصر، ينبغي أن تدفع ثمن النصر.
أيها الإخوة الكرام، عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ، وَمَنْ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ، وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوُّ اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَاكَ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ ))

[أحمد]

هذه كلها أحاديث موثقة في أعلى درجة، إما مما رواه الشيخان، أي متفق عليه، أو رواه البخاري، أو رواه مسلم.
أيها الإخوة الكرام، الذي يُخرِج مسلمًا عن إسلامه بهذا التكفير العشوائي، فكل إنسان فعل شيئاً لا يروق لك تجعله كافراً، هذا ليس من الدين، هذا ينقض الولاء لهذا الدين، وإذا نقض الولاء نقض الإيمان.

الشيء الثاني: استحلال دم المسلم أو ماله أو عرضه

من استحل دم مسلم أو عرضه أو ماله، قال عليه الصلاة والسلام:

(( فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ ))

[ متفق عليه ]

لمجرد أن تستحل دماً، أو أن تعين على سفك دم، أو أن تستحل عرضاً، أو أن تعين على هتك عرض، أو أن تستبيح مالاً، أو أن تعين على استباحة مال فأنت ورب الكعبة لست مؤمناً، بل لقد خرجت من الولاء، وبالتالي خرجت من الإيمان، لقول النبي العدنان:

(( فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ))

عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا الِاسْتِطَالَةَ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ ))

[ أحمد، أبي داود ]

حينما تتهمه بما هو منه بريء.
أيها الإخوة الكرام، مما ينقض الولاء أول شيء ينقضه أن تعين عليه، وأن تخرجه من الإسلام.

الشيء الثالث: موالاة الكفار وإعانتهم على المسلمين

ولو وضعت هذا المقياس لهالتك النتائج، حينما تعين كافراً على مسلم، حينما تقدم له معلومات من أجل أن يدمَّر المسلمون فهذه الخيانة العظمى، يقول الله عز وجل:

 

﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 28]

يعني أنه ليس في قلبه ولا ذرة إيمان، هذا الذي يعين كافراً قوياً على مسلمٍ ضعيف، يعينه بالمعلومات، يعينه بأماكن العورات، يعينه بأماكن الضعف.
أيها الإخوة الكرام، آيات أخرى:

 

﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾

[ سورة المائدة: الآية 51]

فإنه منهم، قولاً واحداً.
الآن هناك أشياء لا تنقض ولاءك، ولا تخرجك من إيمانك، لكنها تقدح في إيمانك، وتقدح في ولائك، من هذه الأشياء:

الشيء الرابع: الظلم

الظلم منافي للإيمان
لا يجوز لمسلم أن يظلم مسلماً، لقول الله عز وجل في الحديث القدسي الصحيح:

 

(( يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا))

 

[مسلم عن أبي ذر]

وقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ ))

[مسلم]

مئات ألوف الدعاوى في قصر العدل بين مسلمين، بين رواد مساجد، معظمها دعاوى كيدية ليأخذ المسلم ما ليس له، نحن في وضع صعب أيها الإخوة الكرام، نحن لم نقدم لله أسباب نصرنا.
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ))

[ مسلم، ابن ماجه، أحمد، الدارمي، مالك، النسائي ]

حدثني أخ قال: والله جيء أمامي بشاهد ليشهد في قضية، مجموع ثمن البناء سبعة وخمسون مليونًا، فهذه الدعوى تحتاج إلى شاهد زور، فإذا شهد شاهد، وأقسم على كتاب الله على معلومة معينة حكمت هذه الدعوى لمغتصب هذا البناء، فجيء بالشاهد، قال لي: والله وضع الشاهد أمامي يده على كتاب الله، وأقسم بما تلاه عليه القاضي، وذكر ما تلاه عليه، ورفع يده، وبقيت مرفوعة، انزعج القاضي، وقال له: أنزل يدك، فإذا هو ميت، بعد قليل تهاوى على الأرض.
أيها الإخوة الكرام،

(( مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا ـ كسبعة وخمسين مليونًا ـ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ ))

[ مسلم، ابن ماجه، أحمد، الدارمي، مالك، النسائي ]

إذاً: الظلم يقدح في ولائك، ويقدح في إيمانك.

الشيء الخامس: السب واللعن والشتم والغيبة والنميمة

من سب مسلماً فقد فسق، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ ))

[متفق عليه]

ومن لعن مسلماً فكأنما قتله،

(( وَمَنْ شَهِدَ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ قَالَ: مُؤْمِنٍ بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ لَعَنَهُ فَهُوَ كَقَتْلِهِ... ))

[أحمد]

قال تعالى:

 

﴿ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾

[ سورة الحجرات: الآية 11]

ومن سبّ محصَنة مؤمنة انتقص ولاءه، قال تعالى:

 

الغيبة تمزق المسلمين

 

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾

 

[ سورة النور: الآية 4]

وأما الغيبة فقال تعالى:

 

﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة الحجرات: الآية 12]

لماذا المسلمون مشتتون ممزقون ؟ شرخ في الأسرة، شرخ في العائلة، شرخ في الحي، شرخ في مكان معين، شرخ في مؤسسة، شرخ في مدرسة، في جامعة، في مستشفى ؟ هذا كله من الغيبة والنميمة.
أيها الإخوة الكرام، الله عز وجل حرم الغيبة، وجعل النميمة سبباً لدخول النار،

(( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ ))

[متفق عليه]

القتّات هو النمام الذي ينقل الحديث ليوقع بين الناس، والله كأن النميمة أوراد يقرأها الناس كل يوم.

الشيء السادس: البيع على بيع الأخ والخطبة على خطبته والنجش والغش

البيع على بيع والخطبة على خطبة والنجش والغش، هذه كلها تنقض الولاء، وتضعف الإيمان، فعَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ ))

[ متفق عليه ]

يقول البائع لأحدهم وقد اشترى من غيره: بكم اشتريتها ؟ تعال خذها من عندي فهي أرخص، عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا يَخْطُبْ بَعْضُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ بَعْضٍ ))

[ متفق عليه ]

ولا تناجشوا، أن تجري مزايدة خُلّبية شكلية من أجل أن ترفع السعر، والمزايدة مشروعة في الأصل، أما أن تكون خلّبية، بأن تأتي بأناس تستأجرهم ليرفعوا السعر، هذا أيضاً لا يجوز أبداً،

(( مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا ))

[مسلم والترمذي، واللفظ له ]

الشيء السابع: الهجر

أن تهجر أخاك: عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ ؛ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ ))

[ متفق عليه ]

القطيعة تضعف الولاء، وتضعف الإيمان.
أيها الإخوة الكرام، وأولى الفئات التي تبتعد عن الولاء المنافقون، فهم أعدى الناس لأصل الموالاة، والخارجون عن ذلك لكفرهم في الباطن، وامتلاء قلوبهم بالحقد والغل على المسلمين، ورغبتهم الدائمة في اندحارهم، وكسر شوكتهم، هؤلاء هم الذين يستهزئون بالمسلمين، ويلمزونهم، ويسخرون منهم، ويفجرون في خصومتهم معهم، ويخلفون وعدهم، وينقضون عهدهم مع المسلمين، ويخونونهم، ويغشوهم، ويكذبون عليهم، ويصابون بالنكد والحسرة وضيق الصدر إذا أصاب المسلمين خير من الله وبركة، ويفرحون، ويهللون إذا أصابهم شر ومكروه، والقرآن مليء بوصف أحوال المنافقين، وبيان فضائحهم، اقرءوا سورة التوبة، والمنافقون، والحشر، والأحزاب، وأوائل البقرة، تعلمون بدقة بالغة حال المنافقين، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ ))

[ أحمد ]

﴿ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾

[ سورة المنافقون: 4]

﴿ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾

[ سورة التوبة: 47]

المنافق عليم اللسان خطير جداً، لأنه يبدو أنه منك، يتكلم بما تتكلم، ويحقد، ويغل في قلبه كل غل.
أيها الإخوة الكرام، قالوا: لا بد للمؤمن من كافر يقاتله، ومن منافق يبغضه، ومن مؤمن يحسده، ومن نفس تغويه، ومن شيطان يرديه.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا ؛ إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ ))

[ متفق عليه ]

أيها الإخوة الكرام، في خطبة قادمة إن شاء الله نتحدث عن البراء، هذه الخطبة تحدثت فيها عن الولاء، والولاء نتيجة طبيعية لصحة العقيدة والاستقامة، وهناك أشياء تنقض الولاء، وأشياء تضعف الولاء، وهذه بين أيديكم، ولا يستطيع إنسان في العالم الإسلامي أن يقول في الدين برأيه، كل فكرة معها الآية الكريمة، والحديث الصحيح.

 

أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، و سيتخطى غيرنا إلينا، العاقل من دان نفسه، و عمل لما بعد الموت، و الجاهل من أتبع نفسه هواها، و تمنى على الله الأماني.

والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سينا محمد عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

التفائل الحذر

التفاؤل المطلوب يترافق مع الأخذ بالأسباب
أيها الإخوة الكرام، مرة ثانية: التفاؤل مطلوب، لكن التفاؤل الحذر، والتفاؤل الذي معه فعل للأسباب، أما ترك الأسباب فيفضي بصاحبه إلى تفاؤل أبله، تفاؤل غبي لا معنى له، من هذه الآيات التي تؤكد هذه الحقيقة قوله تعالى:

 

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾

[ سورة المائدة: 12]

شيء جميل، خالق السماوات والأرض يقول:

﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾

لكن هذه المعية مشروطة، قال تعالى:

﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾

[ سورة المائدة: 12]

معية الله مشروطة، هناك معية عامة،

﴿ وَهُوَ مَعكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ ‌﴾

بعلمه، مع الكافر، مع المنافق، مع الملحد بعلمه، أما هذه المعية الخاصة إذا قال الله: إنه مع المؤمنين، مع الصادقين، مع المتقين، أي معهم بالنصر والتأييد، والحفظ والتوفيق، لكن هذه المعية مشروطة:

 

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾

[ سورة المائدة: 12]

آية ثانية:

 

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور: 55]

الاستخلاف مشروط، والتمكين مشروط، و التطمين مشروط بالعبادة، والعبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، وكلامي هذا يدل على مصطلح حديث: الكرة في ملعبنا،

﴿ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ ﴾

الأمر بيدنا لا بيد أعدائنا، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ يا رب، ماذا فَقَد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟ إذاً:

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

فإنْ عبدنا الله عز وجل فقد قدمنا ثمن أن يستخلفنا، فقد انقلب الصحابة من رعاة للغنم إلى قادة للأمم، وَعَدنا أن يستخلفنا، وأن يمكّن لنا ديننا، وأن يطمئننا.
آية ثالثة، والله الذي لا إله إلا هو خلاص الأمة الإسلامية بست كلمات:

 

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

[ سورة آل عمران: 120]

كيدهم الذي تنهدّ له الجبال، قال تعالى:

 

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

[ سورة إبراهيم ]

ومع ذلك فالله عز وجل يحفظنا من كيدهم إذا صبرنا واتقينا، أما إذا صبرنا، وعصينا فليس أمامنا إلا القهر، ثم القبر.
آية خامسة:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة الرعد: 11]

هذه الآية من سنن الله عز وجل، قال تعالى:

 

﴿ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ﴾

[ سورة فاطر ]

والله مهما دعونا إن لم نغير فإنّ الله لا يغير، تعامل مع الله وفق سننه، لا وفق الغوغائية والعواطف والانفعالات، الله عز وجل وضع منهجاً للتعامل معه، إن تنصروا الله ينصركم:

 

﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 160]

﴿ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾

[ سورة الفتح ]

وصف الداء والدواء، فقال تعالى:

 

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ ﴾

[ سورة مريم: 59]

وقد أجمع العلماء على أن إضاعة الصلاة لا يعني تركها، بل يعني تفريغها من مضمونها، حينما لا تنهانا الصلاة عن الفحشاء والمنكر فقد ضيعناها، ولا قيمة لها إطلاقاً، فقد يحلف أحدهم بالله العظيم، وبكتابه الكريم، وبالكعبة المشرفة أن هذه الأرض اشتراها بكذا، ويحتاج ليبيعها إلى هذا الربح البسيط، ثم يكتشف بخلاف ذلك، والفرن واسع وكبير بين ما حلف والواقع.
أيها الإخوة الكرام، قال تعالى:

 

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ﴾

[ سورة مريم: 59]

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾

[ سورة الشعراء ]

والقلب السليم هو القلب الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله، ولا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله، ولا يحتكم إلا لشرع الله، ولا يعبد إلا الله.
إذاً ورقة العمل أن نحكم اتصالنا بالله بعد استقامتنا على أمره، وتقربنا إليه، وألاّ نتبع الشهوات التي لا ترضي الله.
الآن لئلا نضجر، لئلا نلوم العصر على وضعه الصعب قال تعالى:

 

﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

[ سورة آل عمران ]

هان أمر الله علينا فهنا على الله، لم نطبق قرآننا فدنسوه، لم نقم أمر الله في حياتنا فتحدونا، وغزونا بثقافة ليست من جنسنا.

بشرى

أيها الإخوة الكرام، في نهاية المطاف هناك بشرى من أجل التوازن، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة القصص: 4]

قالت عاد: من أشد منا قوة ؟ وما أهلك الله قوماً إلا وذكرهم بأنه أهلك من هو أشد منهم قوة، إلا عاداً حينما أهلكها قال تعالى:

 

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾

[ سورة فصلت: 15]

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً﴾

[ سورة القصص: 4]

في بلاده لا يتحدث عن انتماء الإنسان إطلاقاً، مواطنة، خلال خمسين سنة لا تستمع في أخباره أن هذا المجرم كاثوليكي أو بروتستانتي أبداً، هو مواطن، أما إذا احتل أرضاً فيحاول أن يقسم أهلها إلى مئة شيعة وحزب.

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً﴾

[ سورة القصص: 4]

يقول أحد وزراء خارجيتهم: أنا لا يعجبني أن يكون العالم مئتي دولة، أتمنى أن يكون خمسة آلاف دولة، والذي يحصل أنه تستفز الطوائف والشيع إلى أن تكون الحرب الأهلية، فإذا كانت الحرب الأهلية انتهت بخمس دول، دول صغيرة لا قيمة لها، فلذلك أيها الإخوة الكرام، نحن في أمسّ الحاجة إلى وعي عميق، لأنّ وعينا العميق يسد على العدو طريق خططه.

 

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾

[ سورة القصص: 4]

البشارة:

 

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾

 

[ سورة القصص ]

هذه البشارة، لكن الخطر:

﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾

[ سورة الأنعام: 65]

وهذا ما يجري في بعض البلاد الإسلامية،

﴿ أَوْ يُلْبِسَكُمْ شِيَعاً ﴾

وهذه أصعب الأشياء، قال تعالى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 65]

أتمنى عليكم أن تتفاءلوا، وأن تتماسكوا، وأن يقوي بعضكم معنويات بعض، ولكن لا أتمنى لكم التفاؤل الساذج، ولا التفاؤل الأبله، أن تقول: نحن أمة محمد صلى الله عليه و سلم، عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي الْحَوْضَ حَتَّى عَرَفْتُهُمْ اخْتُلِجُوا دُونِي، فَأَقُولُ: أَصْحَابِي، فَيَقُولُ: لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ))

[متفق عليه]

أتمنى ألا نكون مما هان أمر الله عليهم فهنّا على الله، هذه الحقيقة، نحن بحاجة إلى تماسك، وإلى أن يحب بعضنا بعضناً، وإلى أن ينصر بعضنا بعضاً، ولكن التفاؤل يجب أن يبنى على حقائق، لا على أوهام، التعامل مع الله عز وجل لا يكون بالغوغائية، ولا بالعواطف الجياشة، يكون بأخذ الأسباب، خذ الأسباب وكأنها كل شيء، وتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.

 

الدعاء

اللهم انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا، اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، وصلى اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018