الدرس : 06 - سورة النحل - تفسير الآيات 24 – 29 ، عن العاقبة للمتقين - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 06 - سورة النحل - تفسير الآيات 24 – 29 ، عن العاقبة للمتقين


1987-02-20

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ(24)لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ

 أيها الإخوة المؤمنون، في الدرس السادس من سورة النحل وصلنا إلى قوله تعالى :

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24)لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾

هذا هو ظن الكفار بالدين :

 هؤلاء الكفار يظنون أن الدين خرافة، وأن الدين سلوك الأقدمين، وأنه تعبير عن ضعف الإنسان أمام قوة الطبيعة، وأنه طقوس لا معنى لها، وأنه غيبيات، وأنه حجر عثرة في سبيل تقدم الإنسان، والكفار هم الكفار، في كل زمان ومكان، لذلك قال الله سبحانه وتعالى :

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾

 هؤلاء حينما كفروا، أي أعرضوا عن الله سبحانه وتعالى، هم بشر، زودهم الله بالشهوات من أجل أن يرقوا بها إلى رب السماوات، فلما ابتعدوا عن الله سبحانه وتعالى كانت شهواتهم محركاً لهم إلى طريق تحقيقها، ولما كانوا في عمىً، وفي بُعدٍ عن الله سبحانه وتعالى فلا بد وهم يحققون شهواتهم من أن يأخذوا ما ليس لهم، ومن أن يعتدوا على غيرهم، فلذلك هؤلاء الذين :

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾

 هؤلاء :

﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ ﴾

الإثم وتحمل الوزر ملازمان للكفر :

 فصار الإثم وتحمل الوزر شيئا ملازما للكفر .

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1)فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾

( سورة الماعون : 1 ـ 2 )

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

( سورة القصص : 50 )

 هناك تلازم عجيب بين الذي ينكر الدين كنظام إلهيٍ أنزله الله سبحانه وتعالى ليسعد الناس جميعاً في الدنيا والآخرة ومن يسيء إلى الناس، ولن تجد إنساناً واحداً أعرض عن الله سبحانه وتعالى وله عمل طيب، بل له عمل سيئ ؛ يفرق بين الناس، يقيم العداوة فيما بينهم، يستعلي عليهم، يأخذ ما ليس له، يعتدي على أموالهم، يعتدي على أعراضهم، هذه صفات الكافر ؛ بل إنها من لوازم الكفر .

 

تقسيمات البشر لا أساس لها من الصحة :

 هذا الكلام كلام الله سبحانه وتعالى، أينما ذهبت، حيثما حللت، أينما اتجهت، الناس رجلان ؛ بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، كل تقسيمات البشر تقسيمات ما أنزل الله بها من سلطان، أبناء الريف، وأبناء المدينة، تقسيم باطل، أيّ مخلوق تعرف إلى الله سبحانه وتعالى تشرف قلبه بهذه المعرفة، الأغنياء والفقراء، تقسيم باطل، الأقوياء والضعفاء، تقسيم باطل، العِرق الآري والعِرق السامي، تقسيم باطل، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمْ الَّذِينَ مَاتُوا، إِنَّمَا هُمْ فَحْمُ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ الْجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الْخِرَاءَ بِأَنْفِهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ، إِنَّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، النَّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ ))

[ رواه الترمذي

(( الخَلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ))

[ رواه الطبراني في المعجم الكبير عن ابن مسعود، وأبو يعلى في مسنده عن أنس]

(( سلمان منا آل البيت ))

[ رواه الطبراني في المعجم الكبير عن عمر بن عوف المزني]

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾

( سورة المسد)

 من قريش! هذا كله يؤكد قوله تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾

( سورة الحجرات : 13 )

(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى ... )

[ رواه أحمد في مسنده ]

 هذا هو الإسلام .

(( الناس كأسنان المشط ))

[ رواه القضاعي في مسند الشهاب]

 أحد أصحاب رسول الله في ساعة غضب توجه إلى عبد مملوك له، فغلبته نفسه على تعييره فعَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ : لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ : إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا، فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ ... ))

[ متفق عليه]

 هذا هو سر الإسلام، هذا هو من عظمة الإسلام .
 سيدنا أبو بكر رضي الله عنه ذهب ليشتري بلالاً، وينقذه من تعذيب سيده أمية بن خلف، قال سيده لأبي بكر رضي الله عنه : والله لو دفعت فيه درهماً واحداً لبعته لك! لهوانه على سيده، فما كان من أبي بكر رضي الله عنه إلا أن قال لأمية بن خلف: والله لو طلبت به مئة ألف درهم لأعطيتكها، إنه بلال، فلما أخذه وضع يده في يد تحت إبطه تأكيداً للأخوة في الإسلام، فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : كَانَ عُمَرُ يَقُولُ :

(( أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا، وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا، يَعْنِي بِلَالًا ))

[ رواه البخاري]

 وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخرج إلى ظاهر المدينة لاستقبال بلال، خليفة المسلمين يخرج إلى ظاهر المدينة ليكون في استقبال سيدنا بلال!! بلال وصهيب يدخلان ويخرجان بلا استئذان على سيدنا عمر ؛ جاء أبو سفيان فوقف على بابه ساعات طويلة فلم يؤذن له، فلما دخل عليه عاتبه فقال: أبو سفيان سيد قريش يقف ببابك ساعات طويلة ؟! وصهيب وبلال يدخلان ويخرجان بلا استئذان ؟! قال : يا أبا سفيان أنت مثلهما؟! أين الثرى من الثريا ؟! أين أنت، وأين هم ؟! هذا هو الإسلام .
 إذا شعرت أنك فوق الناس فلست مسلماً! إذا شعرت أنك خير من فلان وعلان فلست مسلماً ! قال لي أحدهم، وأعجبني قوله : حج البيت الحرام فشعر بسعادة ما بعدها سعادة، قال لي : ليس في الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني، هذا هو الدين .
 فهؤلاء الكفار هم الكفار، في كل زمان وفي كل مكان، حينما كفروا انقطعوا، وحينما انقطعوا حرّكتهم شهواتهم، وحينما حرّكتهم شهواتهم أخذوا ما ليس لهم، طغوا، وبغوا، واعتدوا على الأموال والأعراض ؛ فلذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ﴾

 أي : للكفار :

﴿ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ(24)لِيَحْمِلُوا ﴾

 لكافر كيفما تحرك يرتكب الإثم، إذا تكلم استعلى، وإذا نقل الخبر أفسد العلاقة بين الاثنين، وإذا تحدث عن نفسه حقَّر الآخرين، هذه كلها أوزار .

﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً ﴾

هناك كتاب لكل إنسان لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها :

 أما كلمة ( كاملة )فتعني الشيء الكثير .

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة الحجر)

﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾

(سورة الكهف : 49 )

 كل أعمالك، كل حركاتك، كل سكناتك، كل تصرفاتك، كل مواقفك، كل طموحاتك، هذا كله مسجل في الكتاب .

 

﴿ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾

 

﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً ﴾

 الحساب هو الحساب، لو أن لك حساباً عند بائع يسجِّل كل شيء، حتى ثمن الشمعة، يقول لك : الشمعة بثلاثين قرشاً، وقد أخذ منك مئة ألف ! هكذا الحساب، الحساب فيه تسجيل لكل شيء،
 لذلك قيل : " يا أبا ذر، جدد السفينة فإن البحر عميق، وأكثر الزاد، فإن السفر بعيد، وخفف الحمل فإن العقبة كؤود، لا يجتازها إلا المخفون، وأخلص النية فإن الناقد بصير " .

﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

ما هو الوزر عموما ؟

 إذا جمعت بين اثنين على معصية فذا وزر، إذا اغتبت فالغيبة وزر .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴾

( سورة الحجرات : 12 )

 الغيبة وزر، النميمة وزر، الكذب وزر، التنابز بالألقاب وزر .

﴿ ولَا تَجَسَّسُوا ﴾

 تقصي الأخبار السيئة وزر، أوزار اللسان لا تعد ولا تحصى .
 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، ولا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ، وَلا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ ))

[أخرجه أحمد]

 عَنْ مُعَاذٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( ... ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي جَهَنَّمَ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ))

[أخرجه أحمد ]

 ما تقول ؟
 بقي أمرُ العين .
 عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى، وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَيُكَذِّبُهُ ))

[أخرجه البخاري ]

﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً ﴾

 تدخل على دكانه امرأة، فيتأمل محاسنها، ويصافحها، يدير معها حديثاً لطيفاً، هذا كله آثام

﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

 يبيع ويشتري، يخفي العيب .

﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

 يبيع البضاعة نسيئةً، فيزيد في الثمن .

﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

 يقيم وليمة فيها رجال ونساء .

﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

 يذهب إلى بلد أجنبي، فيرخي الحبل ويعطي لنفسه العنان،

﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

 يملأ عينيه من الحرام، فيملؤها الله من جمر جهنم .

 

﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

 يرسل ابنه إلى بلد أجنبي ليتعلم اللغة الأجنبية، فيعود ابنه زانياً .

﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

 يقول هذا الابن: يا رب، لا أدخل النار حتى تدخل أبي قبلي .

﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

 يزوج ابنته من رجل غني طمعاً بماله ومركبته وجاهه، فيطلق هذا الزوج للزوجة العنان فتفعل ما تشاء؛ تختلط مع الرجال، تترك الصلاة، وهو يظن أنه بهذا الزوج قد حصل عزاً ومالاً وفيراً .

﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

 ما أكثر المعاصي، في البيع والشراء آلاف المعاصي، في سيرك في الطريق المئات، إذا دخلت البيت، وأدرت جهاز اللهو على شيءٍ يغضب الله ورسوله وقعت في المعاصي .
 لكن الآية فيها ما يقصم الظهر :

﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾

هل تعلم أنك تأخذ وزر غيرك ؟

 إذا استمتعت أنت ببرنامج يغضب الله ورسوله، وشاهد هذا البرنامج ابنك وابنتك الشابان، وانحرفا انحرافاً لم تعلم به .

﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾

لكن كلمة :

﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾

قاصمة الظهر : بِغَيرِ عِلمٍ :

 تأخذ بالألباب، هذا الذي يضل بغير علم، يظن أن هذا حضارة، هذا شيءٌ عصري، لا ينبغي أن نحرم منه، يضل الناس، وهو يحسب أنه ينفعهم، يؤذيهم في أخلاقهم، وهو يظن أنه ينفعهم، يحبب إليهم الدنيا، وهو يظن أنه يخدمهم بغير علم، هذا الذي! يَضِل بغير علم، وهذا الذي يُضل بغير علم، ولا جهل في القانون، مبدأ عام في القضاء، لا جهل بالقانون، كذلك لا جهل عند الله، الإنسان إذا جهل يحاسب على جهله، لِمَ لم تتقصَّ الحقائق؟ لِمَ لم تتبع سبيل من أناب إلي؟ لمَ أتبعت سبيل أهل الدنيا؟ لمَ صدقتهم؟ لمَ عطلت فكرك؟ لِمَ لم تقرأ القرآن؟ لِمَ لم تحضر مجالس العلم؟ لماذا بقيت جاهلاً؟ لماذا أتبعت هواك؟ لماذا استمعت إلى وسواس الشيطان ؟

﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾

 عَنِ جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهَا، وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا ))

[أخرجه ابن ماجة ]

 مبدأ المسؤولية :

 

( سورة يس : 12)

 

﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾

 آثارهم ؛ هذا الذي فعلت، سننت في أسرتك، وأنت عميد هذه الأسرة لقاء أسبوعياً مختلطاً، شيء جميل ! سننت هذا اللقاء، واستمر هذا اللقاء بعد وفاتك، وتابعه الأهل، كان جدُّنا يفعل هذا، هذا الاختلاط إلى يوم القيامة، ما الذي نتج منه من اشتهاء، من زنى النظر، من طلاق زوجة، هذا الاختلاط الذي سننته في أسرتك سوف تتحمل تبعاته إلى يوم القيامة :

(( وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا ))

[أخرجه ابن ماجة ]

﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾

 هنا سؤال: لِمَ لم يقل الله سبحانه وتعالى: ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة وأوزار؟ قال : ومن أوزار، هذا الإنسان الآخر له معاصٍ هو وحده مسؤول عنها، وله معاصٍ كانت بسببك، فهذا الذي كنت أنت سبباً في حصوله تحاسب عليه، يُضَم إلى أوزارك، فكل وزر يقع في إنسان آخر فعله بسببك، بتشجيعك، بدلالتك، بتوجيهك، برضائك، بسكوتك، فهو يكتب على فاعل الوزر، ويكتب ثانية في صحيفتك .
 لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾

 

قد يكون الإنسان ضالاً، وهو لا يعلم، وقد يقع عليه الضلال وهو لا يعلم .
 من الناس من يدري ويدري أنه يدري فهذا عالم فاتبعوه، ومنهم من لا يدري ويدري أنه لا يدري، فهذا جاهل فعلموه، ومنهم من لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، فهذا شيطان فاحذروه، هذا الذي يَضِل بغير علم، ويُضِل بغير علم يظن هذا حضارة، يظن هذا رقياً، يظن هذا رقةً، يظن هذا ذكاءً، يظن هذا عقلاً متفتحاً، نفساً مرنةً، هذا كله ضلال في ضلال .

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾

( سورة الأحزاب : 36 )

 لا خيار لك، أنت عبد، العبد عبد، والرب رب، هذا هو الشرع، هذا هو القرآن، هذا هو الدستور، هذا هو الكتاب، فالذي حرمه حرام إلى يوم القيامة، والذي أحله حلال إلى يوم القيامة، الحرام ما حرمتَ، والحلال ما أحللتَ، والدين دينك، والشرع شرعك يا رب .

﴿ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾

أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ

 هذا الذي يحملونه سوف يسوءهم، لو أعطاك إنسان ظرفاً صغيراً سميكاً قال لك : خذه، ضعه في جيبك، هو هدية مني لك، أنت حملته وفرحت به، وقفت في مكان ما وفتشوك، فإذا في هذا الظرف حشيش، وساقوا من حمله إلى السجن، وحكموا عليه بثلاثين سنة مع الأشغال الشاقة، ألم يسؤه هذا الذي حمله ؟ هذا الذي حمله في جيبه ألم يكن سبباً في دماره ؟ هذا مثل، وفي بعض البلاد، إذا ضبط الإنسان يحمل مادة مخدرة يعدم فوراً،

﴿ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾

 إذا كان هذا عند البشر فكيف عند خالق البشر؟! هناك أعمال لو اقترفتها، وسجلت في صحيفتك سوف تسوءك، سوف يسوء الإنسان ما يحمل .

﴿ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾

 هذا مثل بسيط، لو حملت شيئاً ممنوعاً، وضبطت بأنك تحمله، وعليه وزر ثقيل، ألا تلعن الساعة التي التقيت بها هذا الإنسان ؟

 

قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِه

﴿ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

مكر الماكرين مكشوف :

 أيُّ مكر عند الله مكشوف، هذا الذي يمكر، ويمكر، ويظن بأنه بهذا المكر يفلح، ويفوق، ويتفوق؛ هذا الذي يمكر، الله سبحانه وتعالى أرخى له الحبل، فإذا جاء أجله :

﴿ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ ﴾

 صورة مؤلمة .

 

إذا اهتز الأساس تداعى البناء :

 فإذا اهتز الأساس تداعى البناء؛ هذا مكر الكفار، ولو أن إنساناً بنى بناء شامخاً بلا أساس، واعتنى بجدرانه، واعتنى بغرفه، واعتنى بطوابقه، ثم زينه، وبالغ في تزيينه، وأنفق عليه ما لا يحصى، ثم انهار الأساس، فتداعى البناء، كم هي الصورة مؤسفة، وكم هي مضحكة، وكم يعد هذا الإنسان غبياً، وساذجا !! هكذا الفاسق :

﴿ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

يؤتى الحذِر من مأمنه :

 ولحكمة بالغة لا يؤتى الكافر إلا من جهة أمنه، مطمئنٌ إلى صحته، يعتني بها أشد العناية ؛ فلا يأتيه الألم إلا من جهة صحته، مطمئنٌ من جهة ماله، فلا يأتيه العذاب إلا من جهة ماله، مطمئنٌ لمكانته، إذا هي تزلزل من تحت قدميه، يؤتى الحذر من مأمنه .
 عَنْ مُعَاذٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَنْ يَنْفَعَ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ، وَلَكِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، فَعَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ عِبَادَ اللَّهِ ))

[أخرجه أحمد ]

 يؤتى الحذر من مأمنه، قد يختص الطبيب باختصاص دقيق، ويذهب إلى بلاد الغرب ليأخذ أعلى الشهادات في هذا الاختصاص، ويعود، ويعتني بصحته إلى أقصى الحدود، فإذا كان غافلاً عن الله سبحانه وتعالى لا يصاب إلا بمرض من اختصاصه، عندئذ تنهار قواه ! يؤتى الحذر من مأمنه، وأيّ جهة أنت مطمئنٌ لها، مستغنٍ بها عن الله سبحانه وتعالى، تتكل عليها، تراها قوة لك، لا يأتيك الدمار إلا من هذه الجهة،

﴿ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ ﴾

 معنى: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ

 

أي أهلكهم .

﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ ﴾

فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ

 لو ذهبت لتكسر سقف البناء لطال بك الوقت، لكنهم إذا أرادوا هدم بناء زعزعوا دعائمه، فيخر السقف من فوق، هذه أسهل طريقة، كل هذا البناء الشامخ إذا زلزلت دعائمه خرّ السقف من فوق، صورة رائعة .

﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ ﴾

 الكافر قد يجعل تدميره في تدبيره ؛ ينقلب تدبيره إلى وسيلة لتدميره، يُدَمَّرُ بتدبيره، لذلك المؤمن يقول : اللهم أغننا باختيارك عن اختيارنا، وبتدبيرك عن تدبيرنا،

﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ(26)ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾

ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ

عذاب الخزي شيء لا يحتمَل :

 عذاب الخزي شيء لا يحتمل، هناك عذاب عظيم، وهناك عذاب أليم، وهناك عذاب مهين، قد يخزى الإنسان، قد يقف في موقفٍ يتمنى أن تشق الأرض وتبتلعه، قد يقف في موقف يتمنى لو كان هباء منثوراً، قد يقف في موقف يتمنى أن لم تلده أمه قط، هو العذاب المهين عذاب الخزي .

﴿ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ ﴾

 لذلك ..

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

( سورة آل عمران : 185 )

﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾

(سورة الزخرف : 83 )

﴿ فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾

( سورة الطور : 45 )

 إذا توقفت المركبة العامة فجأة، وصعد المفتش، وطالب الركاب ببطاقاتهم، وأحد الركاب لم يقطع بطاقة، انظر إلى وجهه، انظر إلى لون وجهه، انظر إلى ارتباكه، انظر إلى خجله، انظر إلى موقفه إن كان أنيقاً، إن كان ذا مكانة، ماذا يفعل ؟ هذا من أجل مخالفة لا تزيد على عشر ليرات سورية، فكيف لو وقف الإنسان أمام الخلائق كلها يوم القيامة، وعرضت عليه أعماله مصورة، ورأى فضل الله سبحانه وتعالى عليه ؟ وكيف واجه هذا الفضل بالجحود والنكران؟! وقد أكل مال هذا، وشتم هذا، وآذى هذا، وخَوَّفَ هذا ؛ يحاسبه الله سبحانه وتعالى، أهكذا فعلت بعبادي؟ أهذا جزاء الإحسان؟ ألهذا خلقتُك؟ ألهذا بعثت بك إلى الدنيا ؟

﴿ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ﴾

وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ

إياكم والشريك فإنه سيعاديكم يوم القيامة :

 هذه الآية دقيقة جداً، تعني اتخاذهم الشريك لله عز وجل، فلان يتخذ فلاناً من دون الله شريكاً، فإذا قال له أخوه: أنت مخطئ يا أخي، صبّ عليه جامَ غضبه ؛ تشاقق مِنْ أجل من؟ من أجل شريك ما أنزل الله به من سلطان؟! كل يدافع عن باطله، ويؤذي من حوله من أجل هذا الباطل، يؤذي من حوله، يعاديهم، يرتكب الآثام من أجل الدفاع عن الذي أشركه مع الله سبحانه وتعالى، أمثل هذا يفعله إنسان ؟!

﴿ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ﴾

 ويعني بهذه الآية كفار قريش، لأن النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام سبّوا هذه الآلهة، هذه الأصنام، هذه الأحجار الجامدة الميتة، لأنهم فعلوا كل هذا ؛ أقام الكفار عليهم الدنيا ولم يقعدوها، حاربوهم في بدر، وحاربوهم في أحد، وحاربوهم في الخندق، وقاتلوهم، وأخرجوهم، وهم أقرباؤهم، وأبناء جلدتهم، ومن أرحامهم، شاقوا الناس من أجل الشركاء، أيعقل هذا؟!
 كفار مكة لماذا عادوا النبي عليه الصلاة والسلام؟ لماذا أخرجوا أصحابه؟ لماذا قاطعوهم؟ لماذا مكروا بهم؟ لماذا أخرجوهم؟ لأنهم سبوا آلهتهم، وعابوا دينهم، أتمتلئ غيظاً من أجل شريك ما أنزل الله به من سلطان، أهكذا يكون ؟

﴿ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ﴾

 أين هبل ؟ أين اللات ؟ أين العُزى ؟ أين يعوق ؟ أين نَسر ؟ يا كفار مكة، شاققتم من أجل هؤلاء الأصنام ؟! من أجل هذه الأحجار ؟! من أجل هذه التي ما أنزل الله بها من سلطان ؟! قطعتم أرحامكم ؟ أخرجتم نبيكم ؟ آذيتم أصحابه ؟ أهكذا يكون ؟ وعلى هذا فقس :

 

قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ

﴿ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾

 العذابان معاً، عذاب الحريق، وعذاب الخزي، إذا سيق المجرم ليعدم، أو ليعذب، ماذا يذوق ؟ إذا صوره المصورون ترى وجهه تعلوه الغَبَرَة، ترهقه ذلّة، وفوق الذلة عذاب أليم، كذلك الإنسان يوم القيامة، يتحمل العذاب، ومع العذاب عذاب الخزي الأليم :

﴿ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ(27)الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوْا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونََ ﴾

( سورة البقرة : 57 )

 هؤلاء الذين :

﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ ﴾

لأنهم ظلموا أنفسهم :

 ما عرفوا اللهَ سبحانه وتعالى، ظلم أحدُهم نفسه فجعلها جاهلة، ظلم نفسه فلم يزكِّها، لم يُعَرِّفْها بمهمتها، لم يُعَرِّفْها بخالقها، لم يُعَرِّفْها بطريقها إلى الجنة، لم يحضر مجالس العلم، ما قرأ القرآن، ما سأل عن نفسه: أين كان؟ ولا أين سيكون؟ ما التفت إلى خالق الأكوان، شُغِل بالدرهم والدينار، انغمس في الشهوات، قاتل هذا، وسبّ هذا، وأكل مال هذا، حتى جاءه الموت :

﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ ﴾

 النبي عليه الصلاة والسلام سمع أحد أصحابه وقد بلغه نبأ وفاة أحد الأشخاص، سمع أحد أصحابه يقول: لقد استراح فلان، فغضب النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال : وما أدراك أنه استراح ؟! من أدراك ؟ إنما يستريح من غفر له .

 

الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر :

 هذا العالم الجليل الذي كان يركب فرساً في العهود الغابرة، وعليه ثياب جميلة جداً، وحوله بعض تلامذته يحفون به، ويكرمونه، نظر إليه يهوديٌ فقيرٌ، في حالة قميئةٍ بائسةٍ، وقد سمع هذا اليهودي بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ ))

[ أخرجه مسلم ]

 فحار في هذا الحديث، فلما لقي هذا العالم في موكب في الطريق قال : يا سيدي : يقول نبيكم :

(( الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ ))

 فأي سجن أنت فيه؟ أي سجن هذا؟ وأي جنة أنا فيه؟! هو مسحوق، أنت في سجن، وأنا في جنة؟! فقال هذا العالم الجليل: يا هذا إن حالتك البائسة التعيسة، إذا قيست بما ينتظر الكافر من عذاب أليم يوم القيامة فأنت في جنة، وإن حالتي التي ترضيك، إذا قيست بما وعد الله المؤمنين يوم القيامة فأنا في سجن، ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

[ الترمذي]

 يا بني، ما خَيْرٌ بعده النار بخير، وما شَرُّ بعده الجنة بشر، وكل نعيم دون الجنة محقور، وكل بلاء دون النار عافية، يا بني العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، ألا يا رُبَّ نفس طاعمة ناعمة في الدنيا، جائعة عارية يوم القيامة، ألا يا ربَّ نفس جائعة عارية في الدنيا، طاعمة ناعمة يوم القيامة، ألا يا ربَّ مكرم لنفسه وهو لها مهين، ألا يا ربَّ مهين لنفسه وهو لها مكرم، ألا يا ربَّ متخوض ومتنعم فيما أفاء الله على رسوله ما له عند الله من خلاق، ألا يا ربَّ شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً :

(( أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ، ثَلَاثًا، أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُقِيَ الْفِتَنَ ))

[ أحمد عن ابن عباس ]

﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ ﴾

 الغنى والفقر بعد العرض على الله .

﴿ فَأَلْقَوْا السَّلَمَ ﴾

فَأَلْقَوْا السَّلَمَ

عند الهزيمة النكراء تُرفَع الراية البيضاء :

 

 

كيف أن المجرم حينما يؤخذ سلاحه منه، ويلقى القبض عليه بأيدٍ شديدةٍ متينة، كيف أنه يستسلم ؟ تنهار قواه تخور، عزيمته، يصفر وجهه، يكاد يقع على الأرض .
 هؤلاء الكفار ظالمو أنفسهم، حينما تأخذهم الملائكة عند الموت ألقوا السَلَم، ألقوا سلاحهم، ورفعوا أيديهم، هم ينتظرون عقابهم الأليم، هم ينتظرون ما يفعل بهم،
 النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن انتهت موقعة بدر بالفوز والنصر توجه إلى قتلى المشركين، خاطبهم بأسمائهم واحداً واحداً، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ :

(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَامَ عَلَيْهِمْ، فَنَادَاهُمْ، فَقَالَ : يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا، فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَسْمَعُوا ؟ وَأَنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جَيَّفُوا ؟ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا، ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا، فَأُلْقُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ ))

[ مسلم]

 هذه ساعةٌ عصيبة، ساعةٌ لو نسمع صياح من جاءته لصعقنا جميعاً، يصيح الكافر، يوم تأتيه الملائكة لتقبض روحه يصيح صيحة لو سمعها أهل الأرض لصعقوا جميعاً

﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوْا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ ﴾

انظروا إلى الكلام الفارغ :

 كلام فارغ، والله أنا بريء، هذه كلمة كلِّ المجرمين، حينما يلقى القبض عليه، ما فعلت هذا، أنا بريء ! أنا مظلوم !

﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى ﴾

لا يُظلَم عند الله أحد :

 ربنا سبحانه وتعالى يكذبهم :

﴿ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

 أعمالكم كلها مسجلة عليكم، صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها،

﴿ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

﴿ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ﴾

المصير المحتَّم للكفار : جهنّم :

 هؤلاء الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، خلق الإنسان ضعيفاً، يتكبرون فيها بغير الحق، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ : إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ : إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ ))

[مسلم]

﴿ فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ﴾

 هذا هو المثوى الأخير، فلذلك :

ليس من يقطع طرق بطلاً  إنما من يتقي الله البطل
***

 إذا كنت بطلاً حقاً تأتي يوم القيامة ناصع الجبين، أبيض الوجه، صادق القول، طيب القلب، سليم القلب، هذه هي البطولة، أما أنك حصلت المال الفلاني، عمرت هذا البيت، أنشأت هذا المعمل، أقمت هذه المزرعة، أملك كذا وكذا، عندي من المال ما لا تأكله النيران، فعلت كذا وكذا، سافرت إلى كذا وكذا، أكلت كذا وكذا، هذا لا ينفعك عند الموت، إلا من أتى الله بقلب سليم .

 

بئس مثوى الكافرين جهنم :

﴿ فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ﴾

﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

(سورة القصص : 83 )

 لا علو ولا فساد، لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفت :

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

 العاقبة للمتقي، للمستقيم، للمؤمن، للذي يخاف الله سبحانه وتعالى، للذي يرجو الله واليوم الآخر، العاقبة له، الفوز له النجاح له، الفلاح له، الجنة له .

﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوْا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوِ الدَّجَّالَ، فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))

[أخرجه الترمذي ]

 لو أن الإنسان سها ولها عن الله سبحانه وتعالى، غفل عنه، وانكب على الدنيا، فلا بد من يوم يستيقظ فيه على خبر مؤلم، إن في صحته، أو في ماله، أو في أولاده، أو في زوجته، أو في حريته، لا بد من خبر مؤلم، أما إذا عرفت الله سبحانه وتعالى :

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

(سورة التوبة : 51 )

 من خير إلى آخر، ومن رقي إلى رقي، ومن سعادة إلى أعلى، ومن عقل إلى أوسع، لا بد من التطور نحو الأعلى، في عقلك ومعرفتك، وحالك النفسي، ومكانتك، وحبك، وإقبالك، وصلاتك، وعبادتك، كلما زدت في العمر يوماً زدت قرباً، وزدت مكانة، وزدت حصافة، وزدت عقلاً، يقابل هذا أن أهل الدنيا لا بد من أن تأتيهم الأخبار المفزعة، لا بد من أن يُصْعَقُوا قبل أن يموتوا، لا بد من أن يقصمهم الله سبحانه وتعالى، لا بد من أن يُفْزِعهم، هؤلاء :

﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ ﴾

 وفي الحديث :

(( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا ـ فَقْرًا مفاجئا ـ أَوْ غِنًى مُطْغِيًا ـ يخرج صاحبه من الاستقامة ـ أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ـ يفسد على الإنسان حياته ـ أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا ـ يصبح أضحوكةً بين أقربائه، يخرف ـ أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوِ الدَّجَّالَ، فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))

[أخرجه الترمذي ]

 إذا كنت تحب نفسك، إذا كنت مفرطاً في حب نفسك، فانتبه لهذه الحقائق، القرآن يحذرك مما سيكون .
 أما القسم الآخر من الآيات :

﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ(30)جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ(31)الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(32)هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾

 فسنتناولها في درس قادم، إن شاء الله .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018