الخطبة : 0741 - الهجرة2 - الهجرة المعاكسة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0741 - الهجرة2 - الهجرة المعاكسة.


2000-04-14

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله، وما توفيقي، ولا اعتصامي، ولا توكّلي إلا على الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارًا برُبوبيَّته، وإرغامًا لمن جحد به وكفر، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر، وما سمعت أذنٌ بِخَبر، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

النبي عليه الصلاة والسلام معصومٌ من أن يخطئ في أقواله وأفعاله وإقراره :

 أيها الأخوة المؤمنون، لازلنا في موضوع الهجرة، ولكن سوف نتناولُ هذا الموضوع إن شاء الله تعالى من زاوية أخرى.
 النبي عليه الصلاة والسلام معصومٌ كما تعلمون من أن يخطئ في أقواله وأفعاله وإقراره، والله عز وجل أمرنا أن نأخذ عنه، وأن ننتهي عمّا نهانا عنه، وسيّدنا سعد بن أبي وقاص يقول: " ثلاثة أنا فيهنّ رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس- من هذه الثلاثة - ما سمعتُ حديثًا من رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلا علمتُ أنّه حقّ من الله تعالى".
 وهناك شاهدٌ آخر، عن صالح بن كَيْسان عن ابن شهاب أنّ سالم بن عبد الله حدّثهُ أنّه سمع رجلاً من أهل الشام وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتّع بالعمرة إلى الحجّ، فقال عبد الله بن عمر: هي حلال، فقال الشامي، إنّ أباك - أي عمر - قد نهى عنها، فقال عبد الله بن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله صلى الله عليه وسلّم، أَأَمْر أبي نتّبِع أم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم ؟ فقال الرجل: بل أمْر رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فقال: لقد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
 نحن أمام رجلٍ واحد في العالم لا يخطئ هو رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وهو معصوم بمُفرده بينما أُمّته معصومة بمجموعها.

 

الإنسان مخلوقٌ للعبادة وأيّ مكانٍ حال بينه وبين العبادة ينبغي أن يتْركه :

 

 أيها الأخوة الكرام، النقطة الأولى في هذه الخطبة هي أنّ النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((لا هجرة بعد الفتح ))

[ البخاري عن ابن عباس]

 بعد أن فُتِحَت مكّة ليس هناك هجرةٌ بين مكّة والمدينة، ولكنّ الحقيقة أنّ الهجرة قائمة بين كلّ مدينتين تشبهان مكّة والمدينة، إلى يوم القيامة، أيّة مدينة، أو أيّة بلدةٍ، أو أيّ مكانٍ تمنعُ أن تقيم فيه شعائر الله تعالى، وتستطيع أن تصون بناتك عن المعصية، ولا تستطيع أن تربي بناتك كما تريد، أيّ مكانٍ في العالم ينبغي أن تهجرهُ إلى مكانٍ آخر تستطيع أن تقيم فيه شعائر الله تعالى، وتستطيع أن تصون بناتك عن المعصية، وأن تربي أولادك وفق منهج الله، إنّ الهجرة بين مكّة والمدينة قد أُغلق بابها بعد الفتح، ولكنّ الهجرة بين أيّة مدينتين تشبهان مكّة والمدينة إلى يوم القيامة قائمة، هذه الحقيقة الأولى، فأنت مخلوقٌ للعبادة، فأيّ مكانٍ حال بينك وبين العبادة ينبغي أن تتْركه، حال بينك وبين عبادة الله، حال بينك وبين أن تقيم شعائر الله، حال بينك وبين أن تربّي بناتك وأولادك على طاعة الله، هذا البلد ينبغي أن تغادره إلى بلدٍ آخر تستطيع أن تعبد الله فيه، وأن تقيم فيه شعائر الله تعالى، وأن تحجب بناتك عن كلّ انزلاق ومعصية، وأن تنشّئ أولادك نشأةً إسلاميّة.
 أيها الأخوة الكرام، والشاهد هي آيةٌ كريمة، وهي قوله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾

[ سورة النساء : 97]

 ألا تكفي هذه الآية ؟ وربّنا عز وجل يُطمئننا، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً ﴾

[ سورة النساء: 100 ]

 هذا الذي يهاجر في سبيل الله فرارًا بدينه، وصَوْنًا لأولاده، في البلد الآخر يجد مراغمًا كثيرًا وسعة، والله حدّثني أخٌ جاء في أيّام الاضطهاد الدّيني في تركيا، يوم كان الإنسان لا يستطيع أن يقول كلمة الله قال لي: أغناني الله في هذه البلدة الطيّبة في بلدنا، وأعطاني رزقًا وفيرًا وربَّيْتُ أولادي وأنا من أسعد الناس بهذا القرار المصيريّ.
 أيها الأخوة الكرام، الإنسان أحيانًا يقيم في بلدٍ لا يستطيع أن يقيم فيه شعائر الله تعالى كما ينبغي، ولا أن يعبد الله فيه، لكنّ مغريات الحياة شديدة، وضاغطة، فهذا الذي يقيم ليسَت إقامته قسريّة، ولكنّ الإغراءات الشديدة ضغَطَت عليه حتى حملتهُ أن يقيم في هذا البلد لِيَستمتع بطَيّباته وخيراته، وينسى واجبه تجاه الله عز وجل.

 

أحاديث تبين أن الشام أطيب بلد في العالم :

 

 أيها الأخوة الكرام، ينبغي أن تعلموا علم اليقين أنّكم في أطْيَب بلدٍ في العالم، هذه حقيقة سآتيكم عنها بالدليل، قال عليه الصلاة والسلام: " اللهمّ بارك لنا في شامنا، وفي يمننا".
 وعن معاوية بن قرّة عن أبيه قال: قال عليه الصلاة والسلام:

(( إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي منصورين على الناس لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة ))

[ابن عساكر عن معاوية بن قرّة ]

 أي أنّ آخر بلدٍ في الأرض يفسدُ هو الشام.
 أخبرنا بهزُ بنُ حكيمٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ قال:

(( قلت يا رسولَ اللهِ أينَ تَأمُرني؟ قال: ها هُنا. ونحا بِيدهِ نحو الشَّامِ ))

[الترمذي بهزُ بنُ حكيمٍ عن أبيهِ ]

 وفي حديث آخر ورد في الترمذي قال عليه الصلاة والسلام:

((عليكم بالشام ))

[ الترمذي عن أبي أمامة]

 وعن زيد بن ثابت قال:

(( كنا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع إذ قال "طوبى للشام. قيل له: ولم؟ قال: إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليهم))

[أحمد وابن حبان وصحّحه عن زيد بن ثابت]

 وفي حديث رابع، عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((إنكم ستجندون أجنادا، جنداً بالشام ومصر والعراق واليمن. قلنا: فخرْ لنا يا رسول الله. قال: عليكم بالشام فإن الله قد تكفل لي بالشام))

[الطبراني عن أبي الدرداء]

 أيها الأخوة الكرام، لازلنا في الأحاديث الصحيحة التي تبيّن الإقامة في هذا البلد الطيّب.
 فعن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم

(( إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فأتبعته بصري فإذا هو نور ساطع فعمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام ))

[الحاكم عن عبد الله بن مسعود]

 وفي حديث آخر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( لن تبرح هذه الأمة منصورة، تقذف كل مقذف، منصورون أينما توجهوا، لا يضرهم من خذلهم من الناس، هم أهل الشام ))

[ابن عساكر عن أبي هريرة]

 وفي حديث أخير، عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها دمشق من خير مدائن دمشق))

[الحاكم عن أبي الدرداء ]

الشام بيئة مؤمنة تخشى الله و تطلب العلم :

 ولكن قد يقول قائل: الأمر ليس كذلك، النبي عليه الصلاة والسلام حينما ذكر هذه الأحاديث ما أراد أنّ الحياة الماديّة مريحةٌ في الشام، وما أراد أنّ البيوت رخيصةٌ جدًّا، وأنّ الأعمال متوافرة جدًّا، والحاجات مؤمّنة، والخدمات عالية، والمرافق مطوّرة، فهو عليه الصلاة والسلام ما قصد الدنيا، لا توازِن بين هذه الأحاديث وبين واقع بلدٍ نامٍ يسعى للنّهوض والتقدّم، النبي عليه الصلاة والسلام ما أراد دنيا الشام، ولا البيوت، ولا الأعمال، والمرافق، والحاجات، والسِّلَع، والأسعار، ما ذكر هذا إطلاقًا لأنّ الله عز وجل يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119 ]

 كن في بيئة مؤمنة، وفي بيئة تخشى الله، وتطلب العلم، وتُقبِلُ على الله، وتستحيي من الله، إن سمعت هذه الأحاديث الشريفة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم حول فضل السكنى بالشام لا يذْهبنَّ بك الظنّ أنّ كلّ شيءٍ رخيصٌ ومتوافرٌ ومريحٌ في الشام، هي بلدةٌ من بلاد الأرض لها ميزات كثيرة وتعاني من مشكلات كثيرة، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن ينهض بها إلى ما يرضيه، فالعِبرة أنّ الإنسان يتأثّر بالبيئة، فإذا كان في بيئة منحرفة شاردة عن الله عز وجل تأثَّر بها، وشرد عن الله تعالى، ألم يقل الله عز وجل:

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾

[ سورة الكهف: 28 ]

 أيها الأخوة الكرام، من نعمة الله علينا التي لا نعرفها إلا إذا خرجنا من هذه البلدة، لو سافرْت مئة كيلو متر نحو الغرب لرأيت شيئًا آخر، بيئةً أخرى، ونموذج آخر، أينما ذهبْت ترى أنّ الإسلام في الشام في أعلى مستوى، بإمكانك أن تدخل إلى بيتك وأن تصلّي، وأن تربِّيَ أولادك، وأن تحجِّبَ بناتك، وأن تحضر مجالس العلم، والمجالس مكتظّة بالمصلّين، وأن تطلب العلم، وأن تفعل كلّ شيء يرضي الله دون أن يعترض عليك أحد.
 أيها الأخوة الكرام، النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، لا تعرفون قيمة هذه البلدة إلا إذا سافرتم إلى بلاد بعيدة، كلّ شيءٍ كما يريد الإنسان ولكنّ القلب منقبض انقباضًا لا حدود له؛ لأنّ المعاصي هناك ترتكب على قارعة الطريق، والعلاقات الأسريّة فسدَت.

 

بطولة الإنسان أن يستخدم مقاييس القرآن لا مقاييس أهل الدنيا على المؤمنين :

 أيها الأخوة الكرام، شيءٌ آخر يجبُ أن يكون واضحًا في أذهاننا، هناك قاعدةٌ ذهبيّة ينبغي أن نأخذها، لا توازِن بين بلدتين، ولا بين مؤسَّستين، ولا بين جارتين، ولا بين عملين، ولا بين رجلين، ولا بين فئتين، ولا بين شيئين، إلا أن تضمّ الآخرة إلى الدنيا، فلو وازنْت بين مطعمٍ يبيع الخمر وأرباحه كبيرة جدًّا، وبين  مطعمٍ آخر لا يبيع الخمر وأرباحه متواضعةٌ جدًّا، هذه الموازنة موازنةٌ شيطانيّة، يجب أن تضمّ آخرة الذي يبيع الخمر إلى دنياه، وأن تضمّ آخرة الذي لا يبيع الخمر إلى دنياه عندئذٍ يتوازن الأمر، لا توازن بين دخْل ملهى ودخل بقاليّة متواضعة، لابدّ أن تجد مفارقة بين أهل المعصية وأهل الإيمان.
أيها الأخوة الكرام، المؤمن لأنه مقيّد بالشّرع، وبما أمر الله، يبتعد عمّا نهى الله عنه، مناورتهُ ضيّقة جدًّا، خياراته محدودة، ولكنّ الكافر لأنّه متفلِّتٌ من كلّ قيْد، ومن كلّ منهج، مناورتهُ واسعةٌ جدًّا، يفعل كلّ شيء، ولا يعبأ بشيء، من أجل مصلحته، فإذا نجح الكافر في دُنياه، لا لأنه أذكى، ولكن لأنه متفلّت من أي منهج إلهي، وإذا رأيت المؤمن أقلّ منه في دُنياه لا لِضَعفٍ في ذكاء المؤمن، ولا في خبراته، ولكن لأنّ الشرع قيَّدهُ، والإيمان قيْد ولا يفتك مؤمن، لا توازن بين إنسان يعيشُ الناس له وبين إنسانٍ يعيشُ للناس، فرقٌ كبير ! قال تعالى:

﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾

[ سورة الواقعة : 1-3]

 الذي كان في أدنى السُّلّم الاجتماعي يوم القيامة قد يكون في أعلى سلّم القرب من الله عز وجل، ربّ أشعث أغبرَ ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبرّه، عوِّدْ نفسك ألا توازن بين رجلين، ولا بين عملين، ولا بين تجارتين، ولا بين مؤسّستين، ولا بين قندقين إلا إذا ضممْت الآخرة إلى الدنيا، هذه قاعدةٌ ذهبيّة، عندئذٍ تتوازن، يا بنيّ ما خيرٌ بعده النار بخير، وما شرّ بعده الجنّة بشرّ، وكلّ نعيمٍ دون الجنّة محقور، وكلّ بلاء دون النار عافية.
 سيّدنا عمر دخل على النبي صلى الله عليه وسلّم فرآه مستلقيًا على حصير، وقد أثَّر الحصير في خدّه الشريف، فبكى عمر، فقال: يا عمر لم تبكي؟ قال: رسول الله ينام على الحصير وهو سيّد الخلق، وحبيب الحق، وسيّد ولد آدم، ونبيّ هذه الأمّة، ورسولها، وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير؟ فقال: يا عمر! أما ترضى أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا؟ قال: يا عمر إنّما هي نبوّة وليْسَت ملكًا. البطولة أن تستخدم مقاييس القرآن، ومقاييس الإسلام، لا أن تستخدم مقاييس أهل الدنيا على المؤمنين، قيمة الإنسان في القرآن بعلمه وعمله فقط قال تعالى:

﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الزمر: 9]

 والقيمة الثانية قيمة العمل، قال تعالى:

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

[ سورة الأحقاف: 19]

 فالقرآن الكريم ما اعتمد قيمة إلا قيمة العلم والعمل، وأما قيَمُ أهل الدنيا؛ الغنى والقوّة والوسامة والذكاء فهذه قيَمٌ لمْ يعتمدها القرآن الكريم إطلاقًا.

 

المؤمن مقيّد بمنهج الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام، حقيقة لابدّ منها عن أبي هُريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:

(( المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ على ما يَنْفَعُكَ، واسْتَعِنْ باللَّهِ ولا تَعْجِزَنَّ))

[مسلم عن أبي هُريرة ]

 الغنى قوّة، والعلم قوّة، وأن تكون في مكان حسّاس قوّة، ولكن هذه القوى التي رغّب فيها النبي عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن تصل إليها إلا وفق منهج الله تعالى، وبقناةٍ نظيفة، وأسس سليمة، فإن كان السبيل إلى القوّة في المال، أو العلم، أو في المرتبة سبيلاً خلاف منهج الله عز وجل عندئذٍ يكون الضّعف وسام شرفٍ، والفقر وسام شرف، الإنسان قد يحتار، هناك أحاديث أثنى النبي على القوّة، فحديث:

(( المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ...))

[مسلم عن أبي هُريرة ]

 وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام:

(( اللهمّ احشرني مع المساكين ))

[الترمذي عن أنس]

 كيف نوفّق بينهما؟ إذا كان طريق القوّة أو الغنى أو الرّفعة وفْق منهج الله، ووفْق الحلال فقط، يجبُ أن تسعى إلى أن تكون قويًّا في مالك، وفي علمك، وفي مكانتك الاجتماعيّة، أما إذا كان الطريق إلى قوّة المال والعلم والمكانة محفوف بالمخاطر، والمعاصي، والآثام، والنّفاق، والكذب، والانحراف، فمرحبًا بالفقر وسام شرفٍ، ومرحبًا بالضّعف وِسام شرف، لأنّ المؤمن مقيّد بمنهج الله عز وجل، وبهذا التفسير يُجمع بين الحديثين.

عدم الموازنة بين شيئين إلا بضمّ الآخرة إلى الدنيا :

 أيها الأخوة الكرام، حقيقة لابدّ منها، أرجو أن أوضّحها لكم، وسأُوضّحها بِمَثَلٍ؛ لو أنّ مطعمًا يبيع الخمر، وله دخلٌ كبير جدًّا، حدّثني رجل، والله أُكْبرهُ كثيرًا دخلهُ فلكي؛ أكثر من عشرين شركة أجنبيّة متعاقدة مع هذا المطعم، كلّ ضيوفها وموظّفيها يأتون إلى هذا المطعم، والأسعار عشرة أضعاف، أسعار فلكيّة، ودخلٌ فلكي، حجّ بيت الله الحرام، وتاب إلى الله توبةً نصوحة، فألغى بيع الخمر من مطعمه، فإذا بالدَّخْل يهبط إلى العشر، وأقلّ من ذلك، وانصرفَت عنه كلّ هذه الشركات، قلتُ له: الله عز وجل قادرٌ على أن يجعل دخلك مرتفعًا بعد التوبة، بل وأضعافًا مضاعفة، ولكن إن فعل هذا قلَّدَك كلّ أهل الدنيا، وقلَّدَك الشاردون عن الله تعالى، والملحدون، ولكنّ الله عز وجل أراد أن يجعلك تدفع ثمن هذا القرار البطولي كي ترقى عنده، دائمًا وأبدًا حينما تختار الآخرة، وطاعة الله عز وجل يجعلك الله تدفع الثَّمَن، من أجل أن ترقى عند الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام، هذه الحقيقة الأولى، لا توازِن بين شيئين، ولا بين إقامتَين في بلدٍ غربيّ، وفي بلدٍ شرقيّ، ولا بين عملَين، ولا بين تجارتين، ولا بين مشروعين إلا بِضَمّ الآخرة إلى الدنيا.
 رجل عنده أعمال كلّها لا ترضي الله تعالى؛ دور قمار وملاهي وما إلى ذلك، كان على فراش الموت، وطلب أحد من يعمل في الدعوة، قال: عندي ثمانمئة مليون، وأنا في ضيقٍ شديد، وكأنّي أشعر أنني من أهل النار فماذا أفعل؟ هذا الذي استدْعاهُ كي يُطمئنهُ لم يفعلْ كما أراد، وقال له: والله لو أنفقتها كلّها الآن لن تنجو من عذاب الله، لا أُناقش هذا الأمر في صحّته أو عدم صحّته، ولكن الإنسان حينما يمضي حياته في معصية الله تأتيه ساعةٌ عند مشارف الموت ينسى فيها الحليب الذي رضعه من أُمّه، فالعِبرة أن توازن مع ضمّ الآخرة إلى الدنيا في كلّ أمر، وهذه حقيقة أساسيّة حين اتّخاذ قرار مصيريّ، نحن نتحدّث عن الهجرة، وكأنّ حديثي عن الهجرة المعاكسة، الهجرة المعاكسة إلى بلاد الكُفْر.

من أراد إنفاذ أمر فليتدبر عاقبته :

 أيها الأخوة الكرام، قاعدةٌ ذهبيّة ثانية، إذا أردْت إنفاذ أمرٍ فتدبَّر عاقبته، فقد تذهب إلى بلد غربيّ، تُدهش! بيتٌ فخْمٌ جدًّا، حديقته أربعة أمثال مساحة البيت، مسبحٌ، ومرافق، وأزهار، ووُرود، والحياة ميسّرة إلى درجة خياليّة، وكلّ شيء على ما يُرام، ولكن تدبّر أنّك حينما تتقدّم بك العمر فإذا ابنك ليس مسلمًا، وابنتك زوجها يهودي، وأسرتك مفكَّكة، وأولادك الذين هم من أصلابك لا يعرفون الله تعالى إطلاقًا، والله حدَّثتني امرأة في لوس أنجلوس وبكَتْ بكاءً شديدًا، قالتْ: ابنتي تحبّ الرّقص والتمثيل، وابني ملحِد، فماذا أفعل؟ طبعًا هذا ثمن الإقامة هناك، أنا ذكرتُ أحاديث فضل السكنى بالشام كي تحرصَ أن تكون في هذه البلدة، ذكرتُ أحاديث فضل السكنى بالشام كي تشعر بأنّك الرابح الأوّل، وأنت في هذه البلدة الطيّبة، والنبي عليه الصلاة والسلام لمْ يقصد أنّ البيوت رخيصة والأعمال ميسّرة، ولا مشكلة هناك، ولكنّ النبي عليه الصلاة والسلام عالجَ الموضوع من زاوية ثانية.

أكبر خطأ يرتكبه الإنسان الإقامة مع المشركين والتّطبع بطباعهم :

 أيها الأخوة الكرام، إذا أردت إنفاذ أمر فتدبَّر عاقبته، الحقيقة هناك شيء اسمه التطبّع، تسمعون في الأخبار عن التطبيع بين دولتين وبين نظامين، أنا آخُذ هذا الكلام في شأنٍ شخصي، أنت حينما تُقيم مع المشركين، أخرج ابن المنذر عن جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

((من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة ))

[ابن المنذر عن جرير بن عبد الله البجلي]

 وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:

((أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين، لا يتراءى نارهما))

[ أبو داود عن جرير بن عبد الله]

 أي لابدّ أن تكون في بيئة مسلمة، وفي مجتمع إسلامي، وفي بيئة تخشى الله، وتستحي، كيف يقوم إنسان وهو وزير صحّة في بريطانيا يقول في مؤتمر صحفي: أنا شاذّ جنسيًّا، معنى هذا أنّ الأمر طبيعي جدًّا!! الإنسان حينما يقيم في بلد يتطبَّع بِطِباعه، ويقبل أفكاره وقيَمَه، وعلاقاته ونظامه، ويقبل ما فيه من انحراف، يألفها شيئًا فشيئًا فأكبر خطأ إن أقمْتَ عندهم أن تصبح مثلهم، في كلّ شيء، وقد التقَيْتُ بجاليات إسلاميّة كثيرة في بلاد الغرب، عقلها من عقليتهم، تفكيرها كتفكيرهم، قيمُها كقِيَمِهِم، هم تطبّعوا بطِباعهم، بل إنّهم يفتخرون بهم، ولا يعبؤون بأُمّتهم، ولا بِوَطَنِهم، ولا بريحهم، ولا بأجدادهم، ولا بدينهم القويم، هذه حقائق أيها الأخوة.
 الحديث في شرح الجامع الصغير ؛ (برئت الذمّة) أي ذمّة أهل الإسلام (ممن) أي من مسلم (أقام مع المشركين) أي الكفار وخصّ المشركين لغلبتهم حينئذ (في ديارهم) فلم يهاجر منها مع تمكنه من الهجرة، وتمام الحديث كما في الفردوس وغيره قيل: لم يا رسول اللّه؟ قال: لا تتراءى نارهما. أنت لك بيتك الإسلامي، وعملك الإسلامي، ونزهتك الإسلامية، وأفراحك وأتراحك الإسلاميّة، ولك تربية أولادك الإسلاميّة، لابدّ من التمايُز أما إذا اختلطا، من المتضرّر؟ الماء النقيّ، فلو مزجْتَ قارورة ماء عذبةٍ نقيّة صافية بقارورة ماءٍ ملوّثة، من المتضرّر؟ الماء النقيّ، فالإنسان حينما يختلط بالشاردين، يعيش معهم، ويواكلهم، ويشاركهم، ويداريهم، ويستحي بدينهم من أجلهم، ويأتي بالفتاة والضعيفة إرضاءً لهم.
 يا أيها الأخوة الكرام، النقطة الدقيقة الثانية؛ من أراد إنفاذ أمر فليتدبَّر عاقبته، هذا قرار مصيري، أنت حينما تختار امرأةً أجنبيّة، قد يُعجبك شكلها، وقد ترى شكلها نادرًا عن نساء بلدتك، ولكن ماذا تفعل إذا هربَتْ مع أولادها ولم يكونوا مسلمين وتنكَّروا لأبيهم وهم من صُلبه؟
 في بلاد الغرب، وفي أمريكا بالذات والله يكلمونني وهم يبكون، ابنته تزوَّجها يهودي، وابنه لا يؤمن بالدِّين إطلاقًا، ماذا يفعل هذا الأب مع أولاده إذا كانوا كذلك؟ ليس معنى هذا أنّك إذا أقمْت بالشام ولم تعتنِ بهم كانوا أولياء! هذا أيضًا خطأ، فالعناية لابدّ منها ولو كنت بالشام، الفساد ظهر في البر والبحر، وصار معمَّمًا، قال تعالى:

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة الروم: 41]

أخطر قرار يتخذه الإنسان هو القرار الذي يتعلق بتحديد مصيره :

 أوَّل خطر يواجه المسلم هناك هو التطبيع، أي يتطبَّع بأفكارهم، وبمبادئهم، وقيَمِهم، وتاريخهم، وإنجازاتهم، ويُعجبُ بهم، وينسى أمّته ودينه وآخرته، لو أنّ إنسانًا نجا من هذا التطبّع وهي حالة نادرة، فالخطر على أولاده محقّق، فأعلى ثمَن يدفعه المسلم حينما يفقد أولاده، ولا يستطيع السَّيْطرة عليهم، لا إقناعهم، ولا حمْلهم على طاعة الله تعالى، بينما الإنسان في بلاد المسلمين يستطيع أكثر من أيّ مكان أن يحمل أولاده على طاعة الله.
 أيها الأخوة الكرام، قد يتّخذ الإنسان قرارات كثيرة جدًّا، ولكن أخطر قرار ما يُسمّى بالقرار المصيريّ، وهو الذي يحدّد مصيره، فقد تشتري سيارةً لا تعجبك، تبيعها، وكذا بيتًا، وحرفةً فتغيّرها، ولكنّ الزوجة والأولاد هؤلاء قدرك، فإن اتَّخَذْت قرارًا مصيريًا خاطئًا في شأن الزواج وفي شأن الإقامة في بلدٍ معيّن، فهناك آلام لا تنتهي سوف تعاني منها.

 

الهجرة المعاكسة :

 محور الخطبة أيّها الأخوة الهجرة المعاكسة؛ أن تهاجر إلى الشام فهذا عملٌ يرضي الله ورسوله، لأنّ الأحاديث الصحيحة تؤكّد ذلك، والقضيّة قضيّة دينيّة محضة، وليسَت قضيّة ماديّة، أو دنيوِيّة، أما أن تتْرك هذا البلد الطيِّب الذي أنت فيه تعيش بِشَكلٍ أو بآخر، إلى بلدٍ ترتكبُ فيه المعاصي على قارعة الطريق، فهذا والله قرار مصيريّ خاطئ، وقد لا تعرف ثمنه إلا بعد حين، وقد لا ترى الثَّمَن باهظًا إلا بعد حين، ما وجدتُ موضوعًا أقرب إلى الهجرة من الهجرة المعاكسة التي يعاني منها المسلمون اليوم، يذهب إلى هناك ينسى أمّته ووطنه ودينه، وكلّ شيءٍ شربهُ من بلده، يؤخذ بالحضارة والرّفاه والمنجزات، وبالأمور العلميّة والصّناعيّة الرائعة، وينسى أنّ مدينة من أكبر مُدُن أمريكا - خمس وسبعون بالمئة منها شاذّون جنسيًّا- وأنّ المعاصي ترتكب على قارعة الطريق، وأنّ العلاقة الجنسيّة شيءٌ كشَرْبة الماء، بل إنّ المقيم هناك لا يستطيع أن يمْنَعَ ابنته من أن يكون في فراشها صديق!! لا يستطيع، يؤخذ إلى المخفر ويكتب تعهّداً، لأنّه لم يكن حضاريًّا في موقفه هذا تجاه ابنته! هكذا يعيشون، فمن عاش مع قومٍ ألفهم، وتطبَّع بطِباعهم، أردتُ أن يكون هذا الموضوع تحذيريًّا لأنّ أناسًا كثيرين يتمنَّوْن أن يذهبوا إلى بلاد الغرب، ويقيموا هناك، وأنّ الجنّة هناك، والله الذي لا إلا هو لو تعمَّقْت لوجدْت أنّ الجحيم هناك، نارهم جنّة، وجنّتهم نار.
 أيها الأخوة المؤمنون، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الدعاء :

 اللهمّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيْت، وتولَّنا فيمن تولّيْت، وبارك اللّهم لنا فيما أعْطيت، وقنا واصْرف عنَّا شرّ ما قضَيْت، فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك، إنَّه لا يذلّ من واليْت، ولا يعزّ من عادَيْت، تباركْت ربّنا وتعاليْت، ولك الحمد على ما قضيْت، نستغفرك اللهمّ ونتوب إليك، اللهمّ هب لنا عملاً صالحًا يقرّبنا إليك، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنّا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنَّا، أصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجْعل الحياة زادًا لنا من كلّ خير، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرّ، مولانا ربّ العالمين، اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك، اللهمّ لا تؤمنَّا مكرك، ولا تهتِك عنَّا سترَك، ولا تنسنا ذكرك، يا رب العالمين، اللهمّ إنَّا نعوذ بك من عُضال الداء ومن شماتة العداء، ومن السَّلْب بعد العطاء، يا أكرم الأكرمين، نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الذلّ إلا لك، ومن الفقر إلا إليك، اللهمّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحقّ والدِّين، وانصر الإسلام وأعزّ المسلمين، وخُذ بيَدِ وُلاتهم إلى ما تحبّ وترضى، إنَّك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018