الخطبة : 0740 - الهجرة1 - رسالة شكر إلى مدخن مسلم. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0740 - الهجرة1 - رسالة شكر إلى مدخن مسلم.


2000-04-07

الخطبة الأولى:
  الحمد لله ثمّ الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله، وما توفيقي، ولا اعتصامي، ولا توكّلي إلا على الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارًا برُبوبيَّته، وإرغامًا لمن جحد به وكفر، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر، وما سمعت أذنٌ بِخَبر، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الهجرة :

 أيها الأخوة الكرام، منذ بضعة أيّام أطلّتْ علينا ذكرى هجرة سيّد الأنام محمّد عليه الصلاة والسلام، ووقائع الهجرة، وأحداث الهجرة يعرفها المسلمون قاطبةً، ولكنّ العبرة أن نسأل هذا السّؤال، ما علاقتنا نحن بهذا الحدث العظيم الذي كان تأريخًا للتقويم الهجري؟ قال تعالى:

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة الروم: 41]

 فِتَنٌ كَقِطَع الليل المظلم كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام.
 أيها الأخوة الكرام، الكلمة الفاصلة عبادةٌ في الهرْج أي الفتن، وفي زمن الكاسيات العاريات، وفي زمن الضلالات التي تأتي من خلال القنوات، وفي زمن أكل المال الحرام، وفي زمن قتْل كعُقاص الغنم لا يدري القاتل لم يقتل؟ ولا المقتول فيم قتَلَ؟! في زمن عقوق الوالدين، وفي زمن الانحلال، عبادةٌ في الهرج كهِجْرةٍ إليّ.
 يمكن أن يكون معنى الهجرة المهاجرة من مكانٍ إلى مكان، ولا هجرة بعد الفتح، ولكن يمكن أن تهاجر حينما تهجر ما نهى الله عنه، إذا هجرْت ما نهى الله عنه صرْت غريبًا في المجتمع، وهذا محور الخطبة، ما علاقة الغربة بالهجرة ؟

 

علاقة الغربة بالهجرة :

 إنّك حينما تهاجر إلى الله ورسوله، وحينما تعبد الله في زمن الفِتَن، أنت حينما تطيع الله ورسوله، وحولك يعصون الله ورسوله، أنت حينما تريد الله والدار الآخرة، ومن حولك يريدون الدنيا، أنت حينما تسعى لِتَحقيق مبدأ عظيم، وحولك من يسعى لِتَحقيق مصْلحةٍ كبيرة، حينما تكون الهُوَّة كبيرة بينك وبين من حولك فأنت مهاجرٌ إلى الله ورسوله، عبادةٌ في الهرج كهجرة إليّ، حينما تعبد الله في زمن الفتن، وزمن الانحلال، وزمن الكاسيات العاريات، أنت حينما تعبد الله في هذا الوقت فأنت مهاجرٌ إلى الله ورسوله.
 أيها الأخوة الكرام، أصْلُ الغربة هذه الآية، قال تعالى:

﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾

[ سورة هود : 116]

 قلّة قليلة تنهى عن الفساد في الأرض، وقلّة قليلة متمسّكة بكتاب الله وسنّة رسوله، ولا يضرّها من خالفها، وظاهرون على الحقّ، ومستمسكون بأصل هذا الدِّين العظيم، قال تعالى:

﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾

[ سورة هود : 116]

 أيها الأخوة الكرام، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إِنَّ الإِسْلامَ بَدَأَ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ))

[ابن ماجة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك ]

 الإسلام كمظاهر في أوْجِهِ، مساجد ضخمة، واحتفالات عظيمة، ومؤتمرات عظيمة، وكتُبٌ قيّمة، فكلّ شيءٍ من حيث المظاهر في أوْجِهِ ولكن من حيث أنّ الإسلام منهجٌ يطبّق في البيوت، ويطبّق في الأعمال، وفي كسْب الأموال، وفي إنفاقها، وفي الأفراح والأحزان، كمنهجٍ تفصيليّ يغطّي كلّ حركة وسكنةٍ في حياة المسلم، هذا هو الذي نفتقدهُ اليوم، بقي من الإسلام العبادات الشعائريّة، يصلّي المسلم، ولكن هؤلاء الذين يرتادون المساجد يوم الجمعة، كم عددهم في صلاة الفجر؟ من صلّى الفجر في جماعة فهو في ذمّة الله تعالى، كم عددهم في صلاة العشاء؟ من صلّى العشاء في جماعة فهو في ذمّة الله حتى يُصبح، هؤلاء الذين يرتادون المساجد في الصلوات الخمس كم عددهم ؟

 

تعريف بالغرباء كما ورد في الأحاديث الشريفة :

 أيها الأخوة الكرام، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء، قيل يا رسول الله: ومن الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس ))

[ابن ماجة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك ]

 إذا أكل الناس المال الحرام يوجّهونهم، وإذا سرَى بين الناس ما يغضب الله عز وجل من اختلاط وفُجور وقلّة حياء إذا وقع الناس في هذه الآثام يصلحونهم.
 أيها الأخوة الكرام، وفي حديث آخر عن النبي عليه الصلاة والسلام:

(( طوبى للغرباء فقالوا: يا رسول الله: ومن الغرباء؟ قال: الذين يزيدون إذا نقص الناس ))

[ابن ماجة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك ]

 قال شراح هذا الحديث إذا كان الحديث بهذا اللّفظ محفوظًا فأغلب الظنّ أنّ معناه الذين يزيدون خيرًا وإيمانًا وتُقًى وصلاحًا إذا نقص من دين الناس ما نقص، إذا نقص دين الناس وورعهم والتزامهم وإخلاصهم، زاد هؤلاء إيمانًا واستقامةً وورعًا.
 وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء قيل: ومن الغرباء؟ قال: النزاع من القبائل ))

[أحمد عن عبد الله بن مسعود]

 النُّزاع واحده نزيع، والنزيع الذي يسكن إلى جوار القبيلة وليس منهم، ليس من القبيلة، وغريبٌ عنهم، لا يعرفونه، وينكرونه، قد يكون الإنسان غريبًا في أُسرته، وغريبًا عند زملائه، وغريبًا عند زملائه، وفي مجتمعه، إذا تعفّف عن المال الحرام اتُّهِمَ بالجُنون، وإذا تعفَّف عن رحلةٍ لا ترضي الله اتُّهِمَ بالغباء، وإذا تعفَّف عن مجلسٍ فيه غيبةٌ ونميمة اتُّهِمَ بالتَّزَمُّت، هذه هي الغربة، إن أردت أن تكون مقيمًا لأمر الله تعالى متَّبِعًا لسُنّة رسوله صرْت غريبًا لأقرب الناس إليك. وفي حديث عن عبد بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ونحن عنده:

(( طوبى للغرباء فقيل: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: أناس صالحون في أناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم ))

[أحمد عن عبد الله بن عمرو]

 القسم الأوّل من الحديث متشابه، أما القسم الأخير فهو مختلف، الغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس، والغرباء الذين يزيدون إذا نقص الناس، والغرباء النّزاع من القبائل، والغرباء أناس صالحون في أناس سوء كثير من يعصيهم أكثر من يطيعهم.
 وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء، فقالوا: يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: الفرّارون بدينهم يبعثهم الله عز وجل يوم القيامة مع عيسى بن مريم ))

[السيوطي عن عبد الله بن عمرو]

 يفِرّ بدينه إلى جبلٍ شاهق، يتَّبَّع به شعف الجبال ومواقع القطْر، يفرّ بدينه من فتنةٍ، ومن حفلةٍ، ومن لقاء، ومن اختلاط، وفساد، ومنكرٍ، وضلالةٍ، يؤوي إلى بيته، وإلى مسجده، يصون نفسهُ، والهجرة أيّها الأخوة في حقيقتها هجرةٌ إلى الله تعالى، وأن تتّجه إليه.
 أيها الأخوة الكرام، أنا أُبشّر كلّ مؤمن الْتَزَم أمْر الله، واتّبع سنّة رسوله صلى الله عليه وسلّم بأنّه مهاجر، وله أجر المهاجر، بتعريف النبي عليه الصلاة والسلام للهجرة، المهاجر ما هجر ما نهى الله عنه.
 وفي حديث آخر، قال عليه الصلاة والسلام:

(( رحمة الله على خلفائي، قيل: ومن خلفاؤك يا رسول الله؟ قال الذين يحيون سنتي ويعلمونها الناس ))

[ ذم الكلام وأهله لعبد الله الأنصاري عن الحسن بن علي ]

الغربة الحقيقيّة أن تشعر أنّ الناس لا يفهمون من الإسلام إلا عباداته الشعائريّة :

 أيها الأخوة الكرام، مرَّةً ثانية لئلاّ نتوهَّم أنّ الغربة أن تكون مسلمًا بين كفّار، لا، الغربة أن تحِسّ بالغربة وأنت بين المسلمين، وأنت في مجتمعٍ مسلم ويؤدّي الصلوات، وأنت في مجتمعٍ يرفع شعارات الإسلام، الغربة الحقيقيّة أن تشعر أنّ الذين حولك لا يفهمون من الإسلام إلا عباداته الشعائريّة، أم المعاملات، والأمانة، والصّدق، وبِرّ الوالدين، ألم يقل سيّدنا جعفر حينما سئل عن الإسلام من قِبَل النجاشي؛ قال: " أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله عز وجل لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دون الله من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء".
 أيها الأخوة الكرام، في محلّك التجاري، وفي بيعك وشرائك، كم تاجر يحلفُ يمينًا كاذبة ليُنفق سلعته؟ في مستوى بيْع البضاعة؛ كم إنسانٌ يرتاد المساجد وهو يغشّ المسلمين لِيُحقّق أرباحًا طائلة ولو على حساب صحّتهم؟ كم إنسان معه بعض القوّة يبْتزّ أموال الناس ليُحقّق ثرْوَةً طائلة؟ أهذا هو الإسلام؟ الإسلام أمانةٌ وصدقٌ وتواضع وإنفاق وإخلاص، من خلال هذه المعاني يشعر المتمسّك بدِينه بغُربة ما بعدها غربة.
 وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان، عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

((وإن الله يحب الأبرار الأخفياء الأتقياء الذين إن غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يدعوا ولم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الدجى، يخرجون من كل غبراء مظلمة ))

[الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن معاذ بن جبل]

 هؤلاء هم الغرباء الذين مدحهم النبي عليه الصلاة والسلام، المغبوطون، ولقلّتهم في الناس سُمُّوا غرباء، فإنّ أكثر الناس على غير هذه الصّفة.

 

أنواع الغربة :

 أيها الأخوة الكرام، حقيقة دقيقة جدًّا، قال العلماء: أهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنّة الذين يُمَيِّزونها من الأهواء والبِدَع هم غرباء، والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين هم أشدّ هؤلاء غربةً.
 فالغربة الأولى المسلم في عامّة الناس، والغربة الثانية المؤمن بين المسلمين، والغربة الثالثة العالم بين المؤمنين، والغربة الرابعة أهل السنّة بين العلماء، والغربة الخامسة الداعون إلى الله بصِدق وجُرأةٍ وإخلاص ولو خالفهم من خالفهم؛ هم أيضًا غرباء، غربةٌ أولى وثانية وثالثة ورابعة وخامسة، يؤكّد هذا المعنى قوله تعالى:

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 116]

 هؤلاء هم الغرباء عن الله ورسوله ودينه، فهؤلاء الكثرة الكاثرة غرباء عن الله ورسوله ودينه، غربتهم هي الغربة الموحشة، وإن كانوا معروفين ومشار إليهم، فإذا كنت مع أكثريّة المنحرفين فأنت غريبٌ عن الله ورسوله ودينه وآخرته، وإن كنت مع المؤمنين فأنت غريبٌ عن الناس.
 ورد في الأثر أنّ سيّدنا موسى عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام حينما هرب من قوم فرعون وانتهى إلى مَدين على حالٍ ذكرها الله في القرآن الكريم؛ كان وحيداً غريباً خائفاً وجائعاً، قال: يا ربّ، وحيد مريض غريب، قيل له: يا موسى، الوحيد من ليس له مثلي أنيس، والمريض من ليس له مثلي طبيب، والغريب من ليس بيني وبينه معاملة، هذه هي الغربة الحقيقيّة.
 أيها الأخوة الكرام، بعضهم وصف الغربة بأحوال كثيرة فغُربة الحال، صاحب صلاحٍ ودينٍ بين قومٍ فاسدين غريب، وصاحب علمٍ ومعرفة بين قومٍ جهّال غريب، وصاحب صدق وإخلاص بين أهل كذبٍ ونفاق غريب.

 

حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح :

 أيها الأخوة الكرام، الصادق هو الذي صدق في قوله وفعله، وصدَّق الحقّ بقوله وعمله، عندئذٍ انْجذّب إلى الله عز وجل فكان من سُعداء الدارين.
 يقول عليه الصلاة والسلام: " كن في الدنيا كأنّك غريب" كن من أبناء الآخرة، حينما تنقلُ اهتماماتك إلى الآخرة فأنت من أبناء الآخرة، أهل الآخرة يُسعدهم العطاء، ولا يُسعدهم الأخذ، أهل الآخرة يُسعدهم بذل الجهد، لا استهلاك جهد الآخرين، أهل الآخرة سعادتهم في قربهم من ربّهم، لا في دُنياهم العريضة، أهل الآخرة سعادتهم الكبرى إذا أجْرى الله على أيديهم الخير، إذا أردْت أن تعرف مقامك فانظُر فيم اسْتعملك؟ سؤال دقيق ؛ إن أردت أن تعرف مقامك عند الله تعالى، كيف استعملك الله تعالى؟ استعملك الله في خدمة الخلق وفي تعريفهم بالحق؟ استعملك الله في نشر الخير ونشر مصالح المسلمين؟ أم استعملك في شيءٍ آخر؟ في أخْذ أموالهم أم إذلالهم أم بناء مجدك على أنقاضهم؟ كيف استعملك الله عز وجل ؟ إن أردت أن تعرف مقامك، فانظر فيم استعملك؟ ولابدّ لكلّ واحدٍ منّا أن يسأل نفسه هذا السّؤال المحرج: ما العمل الذي أعرضه على الله يوم القيامة؟ حجمك عند الله بِحَجم عملك الصالح، من أنت؟ الذي أكلتَهُ وشربتهُ واسْتمْتَعْتَ به لا يُذكر يوم القيامة، ما العمل الذي يمكن أن يعرض على الله عز وجل؟ قال تعالى:

﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾

[ سورة آل عمران : 106]

 هل دللْت على خير؟ هل دَعَوْت إلى الله؟ هل أنفقت من مالك الذي جمعته من حلال في عمل يرضي الله؟ ما العمل الذي تقدّمه بين يديك يوم القيامة؟ لا جهاد ولا صدقة فبِمَ تلقى الله عز وجل؟

 

المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزعُ من ذُلّها ولا ينافسُ في عِزّها :

 أيها الأخوة الكرام، الغربة قد تكون في مكان دون مكان، ووقتٍ دون وقت، وبين قومٍ دون قوم، ولكنّ أهل هذه الغربة هم أهل الله حقًّا، فإنّهم لن يأووا إلى غير الله، ولن ينتسبوا إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ولن يدعوا إلى غير ما جاء به، هم الذين فارقوا الناس وهم أحْوَج ما يكونون إليهم، فإذا انطلق الناس يوم القيامة مع آلهتهم بقوا في مكانهم، فيُقال لهم: ألا تنطلقون حيث انطلق الناس؟ فيقولون: فارقْنا الناس ونحن أحوَج إليهم اليوم، وإنّا ننتظر ربّنا الذين كنّا نعبده، فهذه الغربة لا وَحْشة على صاحبها، بل هو آنس ما يكون إذا اسْتوحشَ الناس، وأشدّ ما تكون وحشته إذا اسْتأنس الناس، فَوَلِيُّه الله ورسوله والذين آمنوا. عن أبي أمامة رضي الله عنه:

((إن أغبط أوليائي عندي مؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من صلاة، أحسن عبادة ربه وأطاعه في السر، كان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع ثم صبر على ذلك" قال: ثم نقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فقال "عجلت منينه وقل تراثه وقلت بواكيه ))

[ الترمذي عن أبي أمامة ]

 هذا أغبط أولياء الله عند الله، ومن هؤلاء الغرباء :

(( رب ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره))

[البزار عن ابن مسعود]

 وحديث :

(( ألا أخبركم بملوك أهل الجنة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: كل ضعيف مستضعف أغبر أشعث ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره))

[متفق عليه عن معاذ بن جبل ]

 المؤمن أيّها الأخوة في الدنيا كالغريب لا يجزعُ من ذُلّها، ولا ينافسُ في عِزّها، للناس حال وله حال، الناس منه في راحة، وهو من نفسه في تعب، قال بعض التابعين: التقيتُ أربعين صحابيًّا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ما منهم واحد إلا وهو يخشى على نفسه النّفاق لشِدّة خوفه من الله، المنافق يبقى أربعين عامًا في حالٍ واحدة، بينما المؤمن الصادق يتقلّب في اليوم الواحد في أربعين حالاً.

 

صفات الغرباء الذين غبطَهم النبي :

 أيها الأخوة الكرام، من صفات الغرباء الذين غبطَهم النبي عليهم الصلاة والسلام التمسُّك بالسنّة إذا رغب عنها الناس، وترْك ما أحدثوه، وإن كان هو المعروف عندهم، وإخلاص التوحيد وإن أنْكر عليه الناس هذا، وترْك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله، هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبوديّة وحده، وإلى رسوله بالاتّباع لما جاء به وحده، وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقًّا، وأكثر الناس لائمٌ لهم.

 أيها الأخوة الكرام، هذه بعض الحقائق على الغربة، فالغريب في دينه بِسَبب فساد دين من حوله، في تمسُّكه بالسنّة، وتمسّكهم بالبدعة، وغريبٌ في اعتقاده لفساد عقائدهم، غريبٌ في صلاته لسُوء صلاتهم، غريبٌ في طريقه لضلال وفساد طريقهم،، غريبٌ في نسبته لمخالفة نسبتهم، غريبٌ في معاشرته لهم لأنّهم يعاشرونه على ما لا تهوى أنفسهم.

علاقة الإنسان بالهجرة :

 أيها الأخوة الكرام، عَوْدٌ على بدء، فأحداث الهجرة، ووقائعها، سمعها المسلمون عشرات المرات، بل بضع عشرات المرات، البُطولة أن تسأل نفسك هذا السؤال؛ ما علاقتي بالهجرة؟ علاقتي بالهجرة أنّني إذا هجرْتُ ما نهى الله عنه ورسوله كنتُ مهاجرًا حقًّا، وعلاقتي بالهجرة وأنا في زمن الفتن أنّ عبادة الله في الهرْج كهِجرة إليّ، وقد قال الله عز وجل:

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة الروم: 41]

 سبعة وخمسون مليون إنسان مصاب بالإيدز! فالغريب من عافاه الله من هذا الفساد، وهذه البِدَع، وهذا الانحراف.
 يا أيها الأخوة الكرام، كونوا واقعيّين؛ لا تجعل الإسلام تاريخًا، اجْعلهُ واقعًا، إذا فهِمنا أحداث الهجرة ووقائعها، وذكرنا ما جرى في الهجرة فهذا تاريخ، أما إن جعلت الإسلام واقعًا، وقلت: ما علاقتي بالهجرة؟ فينبغي أن تكون في عداد المهاجرين دون أن تنتقل من بلد إلى بلد، وأن تحافظ على دينك وأنت في بلدك، وأن تأوي إلى بيتك فتعبد الله فيه، وأن تأوي إلى مسجدك فتعبد الله فيه، أما الأماكن التي لا ترضي الله تعالى فينبغي أن تهجرها، وأما الكسب الحرام فينبغي أن تهجره، وأما الجلسات التي لا ترضي الله فينبغي أن تهجرها، وأما اللّقاءات التي لا ترضي الله فينبغي أن تهجرها.
 أيها الأخوة المؤمنون، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين

* * *

الخطبة الثانية :

 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

رسالة شكر إلى مدخن :

 أيها الأخوة الكرام، في أثناء تجوالي في بعض مواقع المعلوماتيّة، وجدتُ رسالةً غريبة، رسالةُ شكرٍ إلى المدخّنين، قرأتها فوجدْتُ فيها الخير العميم فلعلّ الله تعالى ينفع بعض المسلمين.
 رسالةُ شكرٍ إلى المدخّن! يا صديقي المدخّن الشَّهم، هذه رسالة شكر موجّهة إليك، يا صديقي المدخّن هذه رسالة من رؤساء الاستثمار ورؤوس الاقتصاد في أمريكا وأوروبا، إنّهم يشكرونك لأنّك وقفْت معهم وخفقْت العجز في ميزانيّتهم، ومنعْت شركات عندهم من أن تقام عليها الدعاوى نتيجة انخفاض عدد المدخّنين في أمريكا وأوروبا، لأنّهم هناك في بلادهم يخضعون للعلم بفُروضه ونوافله، ولا يُجادلون في الباطل، ولقد أكَّد العلم عندهم أنّ التدخين ضارّ جدًّا بالصحّة، ولهذا اضْطرّ أولياء الأمر هناك خُضوعًا للعلم أن يمنعوا التدخين في أماكن كثيرة، والفتيان دون السابعة عشرة من شرائه إلا بالبطاقة الشخصيّة، حتى نقص عدد المدخِّنين عندهم بما يعادل أربعين بالمئة، فحلَّتْ الخسائر الكبيرة في شركات الدّخان، وكادَتْ المعركة تنشبُ بين هذه الشركات، وعلى رأسها شركةٌ حقَّقتْ أرباحًا في عام خمسة وتسعين ستّة مليارات دولار، ولكنّ شهامتك أيّها المدخِّن المسلم حالتْ دون هذا الانفجار، وقمْتَ بالتعويض اللازم، وحافظت على معدّل الأرباح لهذه الشركات، وضحَّيْتَ بصِحَّتك ومالك وصحّة أولادك وزوجتك وصحّة بيتك، وخالفْت أوامر الله في تحريم الخبائث، والامتناع عن كلّ تبذير، لقد بلغَتْ بك الشهامة أيّها المدخِّن مبلغها، فارتفعَ عدد المدخِّنين في العالم الثالث، والبلاد الإسلاميّة منهم في السنوات الأخيرة أربعين بالمئة، فعندهم هبط عدد المدخّنين أربعين بالمئة، وعندنا ارتفع عددهم أربعين بالمئة.
 ثمّ نقلْتَ عدوى الكرم إلى فتيان في الثالثة عشرة، والرابعة عشرة، يقفون على أبواب المدارس يتبادلون الدخان بينهم وكأنّه الحلوى! لقد صدَرَتْ مئات الكتب التي تبرز الأضرار البشِعة للتدخين، ثمّ بالتالي الفتاوى المنصفة الجازمة بِتَحريم التدخين، ثمّ تحدَّث الاقتصاديّون عن المليارات التي تُستنزفُ فيك، كما رصدوا النِّسَب المئويّة التي تؤكّد التهام التدخين لأكثر من ثلث الدخول لبعض الأُسر في بعض الدول الفقيرة، ومع ذلك وقفْت يا صديقي المدخِّن الشَّهم صامِدًا ضدّ كلّ هذه الدراسات، وهذه الفتاوى والتقارير، وقفْتَ مُضحِيًا بكلّ خصوصياتك العقديّة والفكريّة، مؤمنًا بالعولمَة، لقد ضحَّيْتَ بِنَفسك من أجل بقاء الحضارة الأوروبيّة قويّة، سواءً على مستوى صحّة الأفراد، أو صحّة المجتمعات، وقد يكون لك منطقك المعقول، هؤلاء في الغرب في حاجةٍ إلى الصحّة، وإلى الاقتصاد القويّ لِيَظلّوا منتجين مبتكرين، أما نحن وغيرنا من دول العالم الثالث فحاجتنا إلى الصحّة قليلة، واقتصادنا لا يستحقّ هذا الاهتمام ! يا صديقنا المدخِّن الشَّهم؛ هذه رسالة شكر إليك بلِسان الحال لا بلسان المقال، هم يشكرونك بلسان حالهم، من أولياء الأمور هناك، أما رسالة أمّتك الإسلاميّة فهي شكوى ترفعها إلى الله عز وجل سائلةً إيّاه أن يشفيَك من مرضك الخبيث، وأن يرزقك الإرادة والبصيرة، وأن يجعلك مطيعًا للدّين الحنيف الذي لا يخالفه العلم الصحيح في شيءٍ مثلما يُطيعه الغربيّون في شيء.
 أيها الأخوة، أنا لا أعتبُ على الشاردين عن الله عز وجل إذا دخّنوا، يدخّنون ويشربون الخمر ويزْنون، أما عتبي الشديد الذي لا نهاية له، فعلى إنسانٍ مسلمٍ يرتاد بيوت الله تعالى ويُدخِّن، وكلّ هذه النصوص والفتاوى والتقارير والدراسات لا يعبأُ بها، إنّه ينتحرُ انتحارًا بطيئًا، إنّه يدمِّرُ صحّتهُ، ولا أدلّ على ذلك من هذا الإعلان الشهير، رسموا دخينة فقالوا: موتٌ بطيء، ورسموا رصاصةً فقالوا: موتٌ سريع، إنّ المدخِّن ينتحرُ بنفسه، حدّثني بعض أطباء القلب، وأقسم لي، فقال: منذ ثماني سنوات وأنا أُجري عمليات القلب، وأُقسم بالله أنَّني ما أجريتُ عمليّة قلب مفتوح إلا لمُدخِّن، يدمِّرُ نفسه بيده، وينتحر بيده، ويبذّر ماله بيده، وقد قال بعضهم:

إلى متى وأنت باللّذات مشغول  وأنت عن كلّ ما قدّمت مسؤول
***

 هذه رسالة شكر بلسان الحال لا بلسان المقال، والفضل لله عز وجل في هذا البلد الطيّب قبل سنوات عُقد أسبوع لمحاربة التدخين، وقد قال وزير الصحّة: اتّصل به صديقه في أمريكا وقال له: إنّ الدخان الذي يُرسل إلى الشرق الأوسط فيه أعلى نسبة من النيكوتين، أي قمامة الدخان بأعلى سعر، وبأجمل عبوة تُرسل إلينا، نسَبُ المدخّنين ارتفعَت عندنا أربعين بالمئة، ونسب المدخّنين عندهم انخفضت أربعين بالمئة، فلولا هذه النسبة عندنا تقابل ما عندهم من انخفاض لأفْلسَتْ بعض شركات التدخين، هم يشكرون كلّ مدخِّنٍ مسلم؛ لأنّه حرصَ حرصًا لا حدود له على بقائهم أقوياء ينتفعون من أموال هؤلاء الفقراء.
أيها الأخوة الكرام، لا حول ولا قوّة إلا بالله، الإنسان حينما يعطّل عقله، ويستجيب لهوى نفسه، يسير في طريق الهلاك.

الدعاء :

 اللّهم بارك لنا فيما أعْطيت، وقنا واصْرف عنَّا شرّ ما قضَيْت فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك، إنَّه لا يذلّ من واليْت، ولا يعزّ من عادَيْت، تباركْت ربّنا وتعاليْت، ولك الحمد على ما قضيْت نستغفرك اللهمّ ونتوب إليك، اللهمّ هب لنا عملاً صالحًا يقرّبنا إليك، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنّا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنَّا، أصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجْعل الحياة زادًا لنا من كلّ خير، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرّ، مولانا ربّ العالمين، اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك، اللهمّ لا تؤمنَّا مكرك، ولا تهتِك عنَّا سترَك، ولا تنسنا ذكرك، يا رب العالمين، اللهمّ إنَّا نعوذ بك من عُضال الداء ومن شماتة العداء، ومن السَّلْب بعد العطاء، يا أكرم الأكرمين، نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الذلّ إلا لك، ومن الفقر إلا إليك، اللهمّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحقّ والدِّين، وانصر الإسلام وأعزّ المسلمين، وخُذ بيَدِ وُلاتهم إلى ما تحبّ وترضى، إنَّك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018