الخطبة : 0738 - أحاديث نبوية تبدأ بـ إياكم... - الصغائر. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0738 - أحاديث نبوية تبدأ بـ إياكم... - الصغائر.


2000-03-24

الخطبة الأولى:
  الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر. وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم، رسول الله سيِّد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر. اللهمَّ صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أحاديث نبوية تبدأ بـ إياكم :

1 ـ على الإنسان ألا يجعل التنَعُّم هدفاً وحيداً له في الحياة :

 أيها الأخوة الكرام... في الجامع الصغير، وهو مِن كتب الحديث المشهورة، بل في صحيح الجامع الصغير طائفة مِن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، تقترب مِن العشرين تبدأ بلفظٍ من ألفاظ التحذير، ففي اللغة صيغة التحذير، وصيغة الإغراء، فإذا قال عليه الصلاة والسلام:

(( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ))

[أبو داود والترمذي عن العرباض بن سارية ]

 هذه صيغة إغراء، أي الزموا سنتي، وإذا قال عليه الصلاة والسلام:" إياكم " أي احذروا، فهذه الطائفة من الأحاديث الشريفة في صحيح الجامع الصغير تبدأ بقوله صلى الله عليه وسلم " إياكم "
 من هذه الأحاديث المختارة يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إياكم والتنعُّم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين ))

[أحمد عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ]

 قد ينعم الله عليك، قد يريحك الله عز وجل، وهذا فضلٌ من الله، أما أن يجعل الإنسان التنَعُّم هدفاً وحيداً له في الحياة، فهو لا يدري لماذا خلقه الله في الدنيا، ولا يدري سرّ وجوده، ولا غاية وجوده، ولا يدري المهمة التي أناطه الله بها، ولا يدري عِظَم التكليف الذي كلَّفه الله به، ولا يدري لماذا خلق؟ هو كالناقة عقلها أهلها فلا تدري لا لمَ عقلت؟ ولا لمَ أطلقت؟
 قد ينعم الله على المؤمن بنوعٍ مِن الراحة، قد ينعم الله على المؤمن بزوجةٍ صالحة، بأولادٍ أبرار، بمنزلٍ واسع، بدخل مَوْفور، ولكن المؤمن يطلب العلم، ويعمل به، ويرجو رحمة ربه، ويخشى عذابه.

﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾

[ سورة السجدة: 16]

 لا يرتاح إلى الدنيا، ولا يركن إليها، لأنها ظلٌ زائل، ظل زائل والمصير هو الآخرة.
 فيا أيها الأخوة الكرام... لو أن الإنسان ترك المعاصي والآثام، إذا كان التنعُّم هو هدفه الوحيد، فهو لا يدري لمَ خلق؟ ولا يدري حقيقة الحياة الدنيا، ولا يدري سرّ وجوده، ولا غاية وجوده، ولا يدري ما المهمة الكبرى التي أناطه الله بها:

(( إياكم والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين ))

[أحمد عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ]

 المؤمن الصادق يحمل همَّ المسلمين، المؤمن الصادق يبحث عن عملٍ يصلح للعرض على الله يوم القيامة، المؤمن الصادق يقدِّم كل ما يملك، ويوظِّفه في سبيل أن يكون عملاً صالحاً يهديه إلى سواء السبيل.
 أيها الأخوة الكرام... نموذج الإنسان الغربي هو التنعُّم، وكلما تبع المسلمون أهل الغرب صار هذا الهدف واضحاً أمامهم، همُّه الواحد أن يستمتع بالحياة، ولا يعنيه شيءٌ مِن أمر المسلمين، همه الوحيد أن يعيش وحده، وأن يأكل وحده، وأن يسكن وحده، وأن يتنعَّم وحده، وعلى الدنيا السلام، هذا النموذج هو مِن صنع تقليد الغرب؛ نموذج الاستمتاع بالحياة فقط، نموذجٌ لإنسانٍ شارد عن الله عز وجل، لإنسانٍ ضائع، لإنسانٍ كما وصفه الله عز وجل:

﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾

[ سورة الفرقان: 44]

 تصور طالباً ذهب إلى بلدٍ غربي ليأخذ الدكتوراه، وفعل كل شيء يحلو له ولم يدرس، إنه نسي الغاية الأساسية مِن وجوده في هذا البلد.

2 ـ الابتعاد عن كل ما يُعتذر منه :

 حديثٌ آخر أيها الأخوة:

(( إياك وكل أمرٍ يُعتذر منه ))

[ الطبراني عن عبد الله بن عمر ]

 كل أمرٍ تُضْطر أن تقول: لم أكن منتبهاً، إنني آسف، أرجو المعذرة. ابتعد عنه، واحفظ ماء وجهك، ولا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، " ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير "، "وشرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس "، ارفع رأسك يا أخي، أنت مؤمنٌ، أنت مِن عباد الله الصالحين، أنت سفير المسلمين.

(( إياك وكل أمرٍ يُعتذر منه ))

[ الطبراني عن عبد الله بن عمر ]

 أي أمرٍ إن فعلته صَغُرْت، أو تطامَنْت، أو صغرت في عين الآخرين، ابتعد عن هذا الأمر لتبقى رافع الرأس، لأن الله عز وجل يقول:

﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة المنافقون: 8]

اجعـل لـربـك كـل عـزك يسـتقر ويثبت  فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
* * *

 أي شيءٍ تضطر أن تقول عقبه: سامحوني، لا تؤاخذوني، لم أكن منتبهاً، لم أكن واعياً، غفلت عن هذا، قصَّرت في هذا. هذا أمرٌ يعتذر منه.

(( إياك وكل أمرٍ يُعتذر منه ))

[ الطبراني عن عبد الله بن عمر ]

 وقد أوتي النبي عليه الصلاة والسلام جوامع الكَلِم.

3 ـ على الإنسان ألا يجعل مديحه للناس سبيلاً إلى تحقيق مآربه :

 ويقول عليه الصلاة والسلام فيما ورد في صحيح الجامع الصغير:

(( إياك والتمادح فإنه الذبح ))

[ابن ماجه عن معاوية ]

 لا تجعل مديحك للناس سبيلاً إلى تحقيق مآربك، نموذج المديح، وقد تقع في المديح الكاذب، إذا كنت صادقاً في مديحك قد يقع الممدوح في فخٍ، فخ العجب، فإن جعلت همَّك أن تمدح الناس مِن أجل أن تصل إلى مبتغاك منهم، هذا أسلوبٌ لا يليق بك كمؤمن، إلا أن النبي عليه الصلاة في بعض الأحايين قال بما معناه " المؤمن إذا مدح ربا الإيمان في قلبه" بمعنى أن إنساناً رأيته يسيء الظن بنفسه إلى درجةٍ مرضية، وهو على منهج الله قائم، فإن أردت أن ترفع معنويّاته، إن أردت أن تطمئنه، ومدحته مدحاً واقعياً بما هو فيه، هذا من الأعمال الصالحة، المؤمن لا يتكبَّر، والمؤمن لا يأخذه العجب، والمؤمن لا يتيه على الآخرين، فإن مدحت مؤمناً وطمأنته، أو أردت أن ترفع معنوياته فهذا من السُنَّة، أما إن مدحت إنساناً شارداً أو تائهاً، فوقع في العُجْب، ووقع في الكِبر، ووقع في الغَطْرسة، فأنت ساهمت مع هذا الإنسان في هذا المرض الخطير، مرض العجب الذي يحجب عن الله عز وجل.

(( إياك والتمادح فإنه الذبح ))

[ابن ماجه عن معاوية ]

4 ـ عدم الجلوس على الطرقات :

 أيها الأخوة الكرام... ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( إياكم والجلوس على الطرقات

((

[متفق عليه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

 كلكم يعلم أن المؤمن يتمتَّع بالعدالة، العدالة: أنه لا يرتكب ما يجرح عدالته، ما الذي يسقط عدالته؟ من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدَّثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته، فإذا ظلمهم سقطت عدالته، وإذا كذبهم سقطت عدالته، وإذا أخلف وعده معهم، سقطت عدالته. أما إذا أكل في الطريق جرحت عدالته، إذا علا صياحه في البيت جرحت عدالته، إذا طفف في الميزان بمقدار تمرةٍ جُرحت عدالته، إذا أكل لقمةً مِن حرام جرحت عدالته، إذا أطلق لفرسه العنان، رفع السرعة، فصارت سرعته هوجاء جرحت عدالته، إذا بال في الطريق جرحت عدالته، إذا مشى حافياً جرحت عدالته، إذا تنزَّه في الطُرُقات، جلس في مقهى على الرصيف ليُمَتع عينيه بالرائحين والغادين جرحت عدالته، التنزه في الطرقات، الحديث عن النساء يجرح العدالة؛ عن أشكالهن، وعن ألوانهن، وعن أطوالهن وما إلى ذلك، ثم إن صُحْبَة الأراذل تجرح العدالة.
فلينتبه المؤمن، له عدالة تسقط بالظلم، وبالكذب، وبإخلاف الوعد، وتجرح بإحدى ثلاثٍ وثلاثين خصلةً وردت في كُتب الفقه.

((إياكم والجلوس على الطرقات، فإن أبيتم إلا المجالس، فأعطوا الطريق حقها، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ غض البصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

 هذه حق الطريق، وهذا مَن كان له محلٌ على الطريق، وهذا مَن كان عمله في الطريق، وقد يضطر الإنسان لذلك؛ غض البصر، وكف الأذى، وردّ السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. ومِن أروع معاني المعروف والمنكر أن الدين متطابقٌ تطابقاً تاماً مع الفطرة، فالنفوس بفطرتها السليمة تعرف الحق، والنفوس بفطرتها السليمة تُنكر الباطل، فالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

5 ـ التحذير من الدخول على النساء أو الخلوة بهن :

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( إيّاكم والدخول على النساء ))

[متفق عليه عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ]

 كما تعلمون:

(( لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان))

[ الترمذي عن ابن عمر ]

 لم يقل: ما خلا كافرٌ، لم يقل: ما خلا فاسقٌ، لم يقل: ما خلا عاصٍ، قال: " ما خلا رجلٌ "، والمطلق في النصوص على إطلاقه، ما خلا رجلٌ بامرأةٍ إلا كان ثالثهما الشيطان.

(( إيّاكم والدخول على النساء ))

[متفق عليه عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ]

 والإنسان له مأخذان يؤخذ منهما إلى هلاكه: مأخذ النساء ومأخذ المال، فإذا كان محصناً مِن المال والنساء رفع الله قدره، وحفظه، وأيده، ونصره، مأخذان يأخذان الناس؛ مأخذ الدرهم والدينار، ومأخذ المرأة، فالنبي عليه الصلاة والسلام يعطيك الوقاية..

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾

[ سورة البقرة: 187]

 اجعل بينك وبين الحرام هامشاً واسعاً، منطقة أمن..

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾

[ سورة البقرة: 187]

 اجعل بينك وبين الحرام هامش أمان، فبالدخول على النساء خرقت هامش الأمان، بصحبة الأراذل خرقت هامش الأمان، بالتنزُّه في الطرقات خرقت هامش الأمان.

6 ـ الابتعاد عن الشّح :

 أيها الأخوة الكرام... ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( إياكم والشح - البخل - فإنما هلك من كان قبلكم بالشح؛ أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا ))

[ أبو داود عن عبد الله بن عمرو]

 وقال تعالى:

﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

[ سورة الحشر: 9]

 الشح مرضٌ خطير، قد يدعوك إلى قطع الأرحام، وقد يدعوك إلى ارتكاب الآثام، وقد يدعوك إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد يدعوك إلى أن تعيش فقيراً لتموت غنياً، وقد يدعوك إلى أن يذُمَّك الناس جميعاً، إنه مرضٌ خطير، علاجه أن تكون مؤمناً، كن بما في يد الله أوثق منك بما في يديك.

7 ـ الابتعاد عن سوء الظن :

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

((إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث ))

[مسلم عن أبي هريرة ]

 لا تجسسوا، ولا تحسسوا، لا تجسسوا لا تتبعوا الأخبار السيئة، ولا تحسسوا لا تتبعوا الأخبار الطيبة.

(( طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ))

[الديلمي في مسند الفردوس عن أنس تصحيح السيوطي: حسن‏ ]

 و..

(( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ))

[ ابن ماجه عن أبي هريرة]

(( لا تَحَسَّسُوا، ولا تَجسَّسُوا، ولا تَنَافسُوا، ولا تحاسَدُوا، ولا تَبَاغضُوا، ولا تَدَابَروا، وكُونوا عبادَ اللهِ إِخواناً ...))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 هذا الحديث أصل في العلاقات الاجتماعية، ممنوع أن تحشر أنفك في قصص الآخرين، وفي أخبارهم؛ السارة أو غير السارة.

(( ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَجسَّسُوا، ولا تَنَافسُوا، ولا تحاسَدُوا، ولا تَبَاغضُوا، ولا تَدَابَروا، وكُونوا عبادَ اللهِ إِخواناً ...))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

(( إياكم والظن ...))

[مسلم عن أبي هريرة ]

 أن تبني موقفاً على ظن، لست متحققاً..

﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾

[ سورة النمل : 27]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾

[ سورة الحجرات : 6]

 تأكد، تحقق، تريَّث، تقصّ الحقائق، ابحث عن الأدلة، اسأل، أما أن تبني موقفاً على كلمةٍ قالتها ابنتك، أو أن تبني موقفاً على كلمةٍ قالها ابنك، أو أن تبني موقفاً على فكرةٍ جاءتك مِن دون دليل، هذا ليس موقفاً علمياً، وليس موقفاً إيمانياً، الموضوعية قيمةٌ يشترك بها العلم والخُلُق في وقتٍ واحد. قال سيدنا سليمان:

﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾

[ سورة النمل : 27]

 تحقق قبل أن تقف موقفاً معيناً، " إياكم والظن "، أما إذا كانت هناك أدلة قاطعة، هذا فإن ظننت السوء مع دليلٍ قاطع فهذا الظن في مَحَلِّه، أما الظن السوء فحينما يفتقر إلى الدليل.

8 ـ الابتعاد عن الغلو في الدّين :

 أيها الأخوة الكرام... ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( إياكم والغلو في الدين ))

[ ابن ماجه عن ابن عباس]

 أن تبالغ، أن تتطرَّف، أن تأخذ فرعاً صغيراً في الدين وتجعله أصلاً كبيراً، أن تعتز بما أنت فيه، وتحتقر ما سواك، أن تبحث عن شيءٍ غريب في إلقاء الدروس ليس مألوفاً عند المسلمين، خُذ حديثاً صحيحاً وعَمِّق فهمك له، وتعمَّق في شرحه، ولا تُتْحِف الناس بنصوصٍ لست متأكداً مِن صحتها.

(( إياكم والغلو في الدين فإنما هلك مَن كان قبلكم بالغلو في الدين ))

[ ابن ماجه عن ابن عباس]

 إن صحّ أن العبادة طاعة طوعيةٌ، أساسها معرفةٌ يقينيةٌ، تفضي إلى سعادةٍ أبدية، فالدين فيه كُلِّياتٌ ثلاث؛ فيها كليةٌ معرفية، وفيه كليةٌ سلوكية، وفيه كليةٌ جمالية، فإن اعتمدت على إحدى هذه الكليات وأهملت الكليات الأخرى، فقد تطرَّفت، إن أخذت بها جميعاً فقد تفوَّقت.

9 ـ الابتعاد عن سوء العلاقة بين المسلمين :

 أيها الأخوة الكرام... ويقول عليه الصلاة والسلام:

((...فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ...))

[الترمذي عن أَبِي الدَّرْدَاءِ ]

 وفي بعض الروايات:

((.. لَا أَقُولُ : تَحْلِقُ الشَّعَرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ ))

[الترمذي عن أَبِي الدَّرْدَاءِ ]

 إن سوء العلاقة بين المسلمين سبب ضعفهم، ولا تنازعوا فتفشلوا، إن سوء العلاقة بين المسلمين، إن العداوة، والبغضاء، والشحناء، إن التشرذم الذي هم عليه المسلمون سبب ضعفهم، وسبب خذلانهم، " يد الله مع الجماعة "، " ومن شذّ شذّ في النار "، " عليكم بالجماعة، وإياكم والفُرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية"
 أيها الأخوة الكرام:

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾

[ سورة الأنفال: 1 ]

 أصلح العلاقة بينك وبين الله أولاً، ثم أصلح العلاقة بينك وبين كل من حولك بَدْءاً بأمك، وأبيك، وزوجتك، وأولادك، وإخوتك، وأخواتك، وجيرانك، وأصدقائك، وزملائك، ومَن حولك، أصلح العلاقة بينك وبين الناس، أصلح العلاقة بينك وبين الله، أصلح العلاقة بينك وبين الناس ثم ساهم في إصلاح كل علاقةٍ بين اثنين، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾

[ سورة الأنفال: 1 ]

 والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( إياكم وفساد ذات البين ))

[الترمذي عن أَبِي هريرة ]

 هنا الرواية:

((إياكم وسوء ذات البين فإنها الحالقة لا أقول حالقة الشعر ولكن أقول حالقة الدين ))

[الترمذي عن أَبِي هريرة ]

 لا تسمح للشيطان أن يوقع بينك وبين أخيك، إن وقع أمرٌ بينك وبين أخيك، اذهب إليه واعتذر منه، اذهب إليه وبيِّن له، اذهب إليه وبيِّن وجهة نظرك، اذهب إليه وقدِّم له هديةً، إن وقع بينك وبين أخٍ مشكلة، حاول أن يكون المؤمنون صفاً واحداً كالبُنيان المَرْصوص، كل واحدٍ منا بإمكانه أن يُمَتِّن علاقته بأخيه.

10 ـ تحريم تعمد الكذب على رسول الله :

 أيها الأخوة الكرام... يقول عليه الصلاة والسلام:

((إياكم وكثرة الحديث عني، فمن قال عليّ فليقل حقاً أو صدقاً، ومن تقوّل عليّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار ))

[ابن ماجه عن أَبِي قتادة]

 بما أن الدين في الأصل نقلٌ، إن أخطر ما في النقل صحة النقل، فقبل أن تقول: قال عليه الصلاة والسلام. دقق في الحديث؛ هل هو صحيح أم هو ضعيف؟ اعتمد على كتبٍ صحيحة، اسأل:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

[ سورة النحل: 43 ]

 لأن الله عز وجل حينما رتَّب المعاصي ترتيباً تصاعدياً، فذكر الفحشاء والمنكر والإثم والعدوان، والكفر والشرك، و، و، جعل على رأس هذه المعاصي معصيةً كبيرةً جداً، قال:

﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾

[ سورة البقرة : 169]

 أن تقول: قال رسول الله. ولم يقل النبي هذا، فـ:

((إياكم وكثرة الحديث عني، فمن قال عليّ فليقل حقاً أو صدقاً، ومن تقوّل عليّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار ))

[ابن ماجه عن أَبِي قتادة]

11 ـ الابتعاد عن الأيمان الكاذبة :

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( إياكم وكثرة الحلف في البيع، فإنه يُنَفِّق ثم يمحق ))

[أحاديث منتقاة من مشيخة أبي بكر الأنصاري عن أَبِي قتادة]

((اليمين الكاذبة منفقةٌ للسلعة ممحقة للبركة ))

[ البخاري عن أبي هريرة]

 هذا الذي يبيع ويقسم في اليوم آلاف الأيمان: رأس مال هذه البضاعة أعلى مما بعتك إياه، بالأمانة، بالذمة، لمَ هذه الأيمان؟ الله هو الرزَّاق المبين، هو الرزاق القوي المتين، اسلك طريق الحق، وابتغِ عند الله الرزق، ولا تبع دينك مِن أجل أن تبيع سلعةً:

((اليمين الكاذبة منفقةٌ للسلعة ممحقة للبركة ))

[ البخاري عن أبي هريرة]

 أيها الأخوة الأكارم... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن مَلَكَ الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز مـَن أتبع نفسه هواها، وتمنَّى على الله الأماني. والحمد لله رب العالمين

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الصغائر :

 أيها الأخوة الكرام... أرجأت أحد هذه الأحاديث لهذه الخطبة الثانية، لأنه مِن أهم الأحاديث.
 المسلم المعاصر يقول: أنا مستقيم، ويتوهَّم لأنه لا يزني، والزنا كبيرة، ولا يسرق، ولا يشرب الخمر، ولا يأكل لحم الخنزير، ولا يقتُل، فهو مستقيم، توهَّم المسلم أن ترك الكبائر وحدها يجعله مستقيماً، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام يبيِّن فيقول:

(( إياكم ومحقَّرات الذنوب ))

[المعجم الكبير للطبراني عن سهل بن سعد]

 أي أن الكبائر مفروغ منها، مفروغ منها أنك لن تقربها ما دُمْتَ تنتمي إلى هذا الدين، أما آلاف الصغائر التي يقع المسلم بها، والتي تحجبه عن الله عز وجل، لو أن تياراً كهربائياً في البيت قطع، فتعطَّلت كل هذه الأجهزة، لو أن المسافة بين طرفي التيار مليمتر، أم سنتيمتر، أم متر، قطع التيار وتعطلت كل هذه الأجهزة، مِن هنا قال عليه الصلاة والسلام:

((لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار ))

[ رواه ابن المنذر والديلمي عن ابن عباس ]

 الصغيرة: أن تحرف المقود مليمتراً واحداً، وأن تثبِّت هذا الانحراف، وأنت على طريقٍ عريض، وعلى اليمين واليسار واديان سحيقان، فهذا الانحراف الطفيف لو ثبَّته لوصلت إلى الوادي.
 أما الكبيرة فأن تحرف هذا المقود تسعين درجةً فوراً، فإذا أنت في الوادي فوراً، أما الصغيرة فأن تثبِّت هذا الانحراف مدةً طويلة، فهذا الانحراف الطفيف يقودك إلى ما تقودك الكبيرة ولكن بعد حين. ألم تقرأ في بعض الإعلانات: الرصاصة موتٌ سريع، والدخان موتٌ بطيءٌ ؟!! كذلك الصغيرة موتٌ بطيء، والكبيرة موتٌ سريع.
 فيقول عليه الصلاة والسلام:

(( إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قومٍ نزلوا بطن وادٍ، فجاء ذا بعودٍ، وجاء ذا بعودٍ، حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، فإن محقَّرات الذنوب متى يأخذ بها صاحبها تهلكه ))

[المعجم الكبير للطبراني عن سهل بن سعد]

 هذه صغيرة، وهذه غفر الله لنا، وهذه نرجو الله ألا يؤاخذنا، وهذه بلوى عامة يا أخي، وهذه كل الناس هكذا فماذا نفعل؟ فهذا الذي يرتكب الصغائر ويظنها صغائر، إذا ارتكبها وأصرّ عليها انقلبت إلى كبائر.
 يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قومٍ نزلوا بطن وادٍ، فجاء ذا بعودٍ، وجاء ذا بعودٍ، حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم ))

[المعجم الكبير للطبراني عن سهل بن سعد]

 أي أصبحت هذه الأعواد الصغيرة حينما تجتمع ناراً عظيمة، مثلاً بالطب، هناك هرمون ناتج مِن أكل معين، طفيف جداً لا يؤثر، ولكن حينما يتراكم هذا الهرمون في الجسم، إلى أن يصل إلى حدّ خطير تقع الطامّة الكبرى، نقول: " فعله تراكمي " كذلك محقرات الذنوب فعلها تراكمي، تراكمت هذه الصغيرة، مع هذه الصغيرة، مع هذه الصغيرة، واستمر صاحبها على هذه الصغائر، فإذا هو مِن دون أن يشعر محجوبٌ عن الله، وإذا هو مِن دون أن يشعر واقعٌ في ظلامٍ، وفي تيهٍ، وفي عمىً.
 أيها الأخوة الكرام:

(( إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قومٍ نزلوا بطن وادٍ، فجاء ذا بعودٍ، وجاء ذا بعودٍ، حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، فإن محقَّرات الذنوب متى يأخذ بها صاحبها تهلكه ))

[المعجم الكبير للطبراني عن سهل بن سعد]

الدعاء :

 أيها الأخوة الكرام... إني داعٍ فأمِّنوا:
 اللهمَّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن توليت، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018