الخطبة : 0737 - فقه الحج - الأضحية . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0737 - فقه الحج - الأضحية .


2000-03-10

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر. وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم، رسول الله سيِّد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر. اللهمَّ صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الحج من العبادات الشعائرية و هو تلبية لدعوة الله عزّ وجل :

 أيها الأخوة المؤمنون... قال عليه الصلاة والسلام:

(( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ))

[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]

 نحن أمام عبادات؛ بعضها شعائرية وبعضها تعاملية، والحجُّ من العبادات الشعائرية، عبادةٌ بدنيةٌ، ماليةٌ، شعائرية، تؤدَّى في أوقاتٍ مخصوصة، وفي أماكن مخصوصة، أي هي عبادةٌ تحتاج إلى تفرُّغ، تحتاج إلى تفرُّغٍ تام، والذي يؤدّي هذه الفريضة يؤكِّد لنفسه أن تلبية دعوة الله عزَّ وجل أغلى عنده مِن دنياه؛ من بيته، من أهله، من أولاده، من عمله، من مكانته في بلده، فالذي يقول: لبيك اللهم لبيك، هو يجيب دعوة الله إلى بيته الحرام:

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة آل عمران : 96-97]

 أيها الأخوة الكرام... بادئَ ذي بَدْء، ينبغي أن نعبد الله وفق منهج الله، ينبغي أن نلبِّي دعوته إلى بيته الحرام وفق منهجه الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، أما حينما يعبد الإنسان ربّه وفق مزاجه، هذه العبادة لا تقبل.
 أحد العلماء سُئل; متى يقبل العمل؟ قال: إذا كان خالصاً وصواباً؛ خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة.

 

الذنوب بين الإنسان والعباد لا تسقط إلا بالأداء أو المسامحة :

 أيها الأخوة الكرام... أوّل وهمٍ من الأوهام الكبيرة التي يتوهَّمها بعض المسلمين أن الإنسان إذا حجّ بيت الله الحرام سقطت كل ذنوبه على الإطلاق، فماذا يفعل؟ يأكل المال الحرام، ويعتدي على الآخرين، ويحتال عليهم، ويغشُّ المسلمين، ثم يؤدِّي هذه الفريضة، فإذا كل هذه الذنوب تسقط عنه، هذا وهمٌ كبير، الذنوب التي تُغْفَر في الحج هي الذنوب التي بينك وبين الله، أما التي بينك وبين العباد فلا تسقط إلا بالأداء أو المسامحة، هذه حقيقةٌ كبيرة. الذنوب التي بينك وبين العباد لا تسقط إلا بالأداء أو المسامحة.
 هذا الشهيد ماذا قدَّم؟ قدَّم ماله، قدم وقته، قدم صحته، قدّم خبرته، قدّم علمه، قدَّم حياته، والجود بالنفس أقصى غاية الجودِ، ومع ذلك يغفر للشهيد كل ذنبٍ إلا الدين.
 يا أيها الأخوة... أنا لا أنطلق من فراغ، فأنا أستمع إلى قصص يشيب لهولها الولدان؛ يأكل المال الحرام، يغش المسلمين، يعتدي، يفعل ما يشاء، وفي زعمه أنه إذا ذهب إلى بيت الله الحرام سوف يرجع مِن ذنوبه كيوم ولدته أمه، هذا وهم. الله عزَّ وجل لا يقبل زائراً لبيته إلا تائباً، لا يقبل زائراً لبيته إلا مستقيماً، لا يقبل زائراً لبيته إلا مِن مالٍ حلال، فمَن حج بمالٍ حرام ووضع رجله في الركاب، نودي: أن لا لبيك، ولا سعديك، وحجك مردودٌ عليك، هذه حقيقةٌ أولى.

 

الحج على المستطيع مالاً وبدناً وسماحاً :

 الحقيقة الثانية: يقول لك: أنا مشتاقٌ لحج بيت الله الحرام. جيد، أقرضوني، أنا فقير، مَن قال لك إن الحج واجبٌ على الفقير؟ أيعقل أن تبذل ماء وجهك، أيعقل أن تقترض المال مِن أجل أن تحج؟ هذا أيضاً مِن أخطاء المسلمين، فالحج على المستطيع، مالاً، وبدناً، وسماحاً، فالذي لم يسمح له السلطان لا يعد مستطيعاً، وهذه حقيقةٌ ثانية. وأما المرأة التي تعقد زواجاً شكلياً من أجل أن تحج، فهذا لعبٌ بدين الله، إن أقدس عقدٍ على الإطلاق هو عقد الزواج.

﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً ﴾

[ سورة النساء : 21]

 هذا الميثاق الغليظ أقدس عقدٍ بين إنسانين على وجه الأرض؛ يتخذ حيلةً لتَحُج امرأةٌ مع زوجٍ ليس هو في الحقيقة زوجها، هذا أيضاً مِن أوهام المسلمين، ومِن اللَّعب بدين الله عزَّ وجل.
 أعيد وأكرر ينبغي أن تعبد الله وفق منهج الله، ينبغي أن تعبد الله وفق سنة رسول الله، لا ينبغي أن تزاود، لا ينبغي أن تفعل شيئاً ما أمرك الله به، هناك مَن يبدأ حجه بمعصية- وفهمكم كفاية - هناك من يبدأ حجه برشوة، الله عزَّ وجل لا يُعبد إلا وفق منهجه.

 

عدم قبول نافلة أدت إلى ترك واجب :

 شيءٌ آخر: إنسانٌ حج بيت الله الحرام مرةً، ومرتين، وأربع مرات، وخمس مرات وعليه حقوقٌ ماليةٌ عليه أن يؤدّيها، عنده أولادٌ في أمس الحاجة إلى الزواج، قال علماء الأصول: لا تقبل نافلةٌ أدت إلى ترك واجب في قضية دقيقة جداً.
 فيا أيها الأخوة الكرام، يا أيها الأخوة المؤمنون تفقَّهوا قبل أن تحجوا، هناك أخطاءٌ كثيرة بدأت بها الخطبة لا لأجعلها هكذا، ولكن لأبين لكم أن عبادة الله ينبغي أن تكون وفق منهج الله، ينبغي أن نتأدب مع الله في عبادته، لا ينبغي أن نجتهد اجتهاداً خلاف السُنَّة، لا ينبغي أن نجتهد اجتهاداً ما أقرَّه النبي عليه الصلاة والسلام، لا ينبغي أن نجتهد اجتهاداً يوقعنا في معصيةٍ وفي شبهةٍ ونحن نؤدّي فريضة.

العبادات على نوعين؛ تعاملية و شعائرية :

 أيها الأخوة الكرام... العبادات على نوعين؛ عباداتٌ تعاملية وهي الأصل في الدين، ذلك أن الإمام جعفر رضي الله عنه، الصحابي الجليل، حينما سأله النجاشي على هذا الدين العظيم قال: " أيها الملك كنا قوم جاهلية؛ نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الرحم، ونسيء الجوار، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه، ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا مِن الحجارة والأوثان وأمرنا - بماذا أمرنا النبي؟ - بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكفِّ عن المحارم والدماء" .
 مضمون الإسلام أخلاقي، والذي يجلب الناس إلى الإسلام ليس العبادات الشعائرية بل العبادات التعامُلية. فكرةٌ دقيقةٌ جداً، العبادة الشعائرية فيها تقبض ثمن العبادة التعاملية، أي أن الطالب يدرس طوال العام، في ساعات الامتحان الثلاث يكتب، فالذي لم يدرس لا يكتب، الساعات الثلاث تُلَخِّصُ عمل سنةٍ بأكملها، فالذي يَصْدق، وهو أمينٌ على أموال الناس وأعراضهم، صادقٌ فيما يحدِّثهم، لا يخونهم، لا يغشُّهم، لا يعتدي على أموالهم ولا على أعراضهم، وقَّافٌ عند كتاب الله، يؤدّي الذي عليه، يأخذ الذي له، هذا الإنسان إذا ذهب إلى الحج يقول لك شيئاً لا يوصف، يقول لك: إنني أسعد الناس، لقد ذقت طعم القرب من الله عزَّ وجل. ومن ألطف ما قرأت عن تفسير قوله تعالى;

﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾

[ سورة البقرة; 125 ]

 (مثابة) مصدر ميمي مِن ثاب، أي رجع، فإذا صحّ حجك تتمنى أن ترجع إلى هذا البيت الحرام كل عام، ففي الحج سعادة لا توصف، " من وقف في عرفات ولم يغلب على ظنه أن الله غفر له فلا حج له ". هي يوم صلحٍ مع الله، يوم مغفرة، يوم القرب، يوم تكفير الذنوب، يوم القرب مِن علام الغيوب، إنه أسعد أيام الإنسان على الإطلاق، بشرط أن يذهب إلى هناك مستقيماً، تائباً، ملتزماً، مخلصاً في حجه.

 

حاجة العبادات الشعائرية الكُبْرى إلى التزام وإلى طاعة الواحد الدّيّان :

 أيها الأخوة الكرام... دققوا في العبادات، الآية الكريمة:

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 53]

 المال لا يُتَقَبَّل إلا بإخلاصٍ وباستقامة. الصيام:

(( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ))

[البخاري عن أبي هريرة]

 من حج بمالٍ حرام نودي:

(( من حج بمال حرام فقال : لبيك اللهم لبيك ، قال الله له : لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك))

[الأصبهاني في الترغيب عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ]

 هذه العبادات الشعائرية الكُبْرى؛ الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، تحتاج إلى التزام، وإلى طاعة الواحد الديان.
 أيها الأخوة الكرام... الصلاة شحنةٌ تكفيك إلى الصلاة التي بعدها، تشحن في اليوم خمس مرات، والصلاة إلى الصلاة كفارةٌ لما بينهما، أما صلاة الجمعة فهي شحنةٌ أسبوعية، فمعها خطبة، ومعها تعليم، ومعها شرح آية، وشرح حديث، وفيها بيان حُكْم، وبيان موقف، أما صيام رمضان فهو شحنةٌ سنوية، مِن عامٍ إلى عام، مِن رمضان إلى رمضان، من صلاةٍ إلى صلاة يومياً، من جمعةٍ إلى جمعةٍ أسبوعياً، من رمضان إلى رمضان سنوياً، ولكن الحج هو شحنة العمر..

(( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ))

[ متفق عليه أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

(( والحج المبرور ليس له ثوابٌ إلا الجنة ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]

 أيها الأخوة الكرام... ورد في الحديث الشريف:

(( إن عبداً أصححت له جسمه، ووسعت عليه في معيشته، تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إلي لمحروم ))

[ ابن حبان عن أبي سعيد ]

 لا شك أن الإنسان يشتاق أن يجدد حجته، لا شك أن الإنسان يشتاق إلى زيارة بيت الله الحرام، ولكن ينبغي أن يكون وقَّافاً عند منهج رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.

 

العبادة أقوال و أفعال :

 أيها الأخوة... الحج يقودنا إلى موضوعٍ دقيق، هو عبادة شعائرية، يذهب أحدهم ويقول: طفت حول البيت، لم أفهم معنى الطواف، سعيت بين الصفا والمروة، وقفت في عرفات، وقفت عند المشعر الحرام، ما هذه الأعمال؟ الحقيقة أن العبادة أقوالٌ وأفعال، حينما تؤدَّى كما أمر الله عزَّ وجل، وكما أمر النبي عليه الصلاة والسلام تقطف ثمارها، وتكشف لك حكمتها.
 بشكل عام هناك أسباب، وهناك نتائج، وربنا عزَ وجل شاءت حكمته أن يجعل لكل شيءٍ سبباً. بل إن العقل البشري مركبٌ على ثلاثة مبادئ؛ مبدأ السببية، ومبدأ الغائية، ومبدأ عدم التناقض، أي أن العقل لا يفهم شيئاً بلا سبب، فشاءت حكمة الله أن يجعل لكل شيءٍ سبباً..

﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً ﴾

[ سورة الكهف : 84-85]

 عطاء الله وفق سبب، تأديبه وفق سبب، رحمته لها أسباب، النبي عليه الصلاة والسلام مِن شدة أدبه مع الله كان يدعو ويقول;

(( اللهم إني أسألك موجبات رحمتك ))

[ رياض الصالحين عن ابن مسعود]

 رحمة الله لها سبب، فنظام السببية نظامٌ كوني، سنة الله في خلقه، إلا أن الشارد عن الله يتوهَّم أن السبب يخلق النتيجة، لذلك المشركون يأخذون بالأسباب بشكلٍ رائع، لكن يعتمدون عليها، ويؤَلِّهونها، فوقعوا بالشرك، والمقصرون لا يأخذون بها لجهلٍ أو لتقصيرٍ، إنهم وقعوا في المعصية، بينما البطولة - كما أقول دائماً - أن تأخذ بالأسباب وكأنها كلُّ شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذه حقيقة، النتيجة لا يخلقها سبب ولكن السبب يرافق النتيجة، هذا في علم التوحيد.
 الآن أيها الأخوة، لو أن مصالحك الدنيوية تعارضت مع بعض النصوص، ماذا تفعل؟ فمثلاً لأوضح لكم; لو أقرضت قرضاً حسناً، وفي العصر الحديث ما يسمى بالتضخُّم النقدي، لو أقرضت مليوناً ترجع إليك بعد عامٍ بما قيمته ثمانمئة ألف، فأنت إن أقرضت قرضاً حسناً تخسر، على الآلة الحاسبة تخسر، وإن أقرضت قرضاً رَبَوِيَّاً تربح أو تصون مالك، فهناك قوانين مستنبطة مِن حركة الحياة؛ القرض الحسن خاسر، والقرض الربوي رابح، لكنك تقرأ القرآن فتجد العكس:

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾

[ سورة البقرة; 276 ]

 ماذا تفعل؟ شاءت حكمة الله أن تصطدم بعض مصالحك مع النَص الشرعي، وهذا امتحانٌ دقيق مِن الله عزَّ وجل، فالمؤمن يضع مصلحته القريبة، يضع ما يتوهَّم أنها مصلحته تحت قدمه ويطبق النص الشرعي، وكأنه لم يفعل بالأسباب المستنبطة مِن حركة الحياة، ما الذي يكون بعد ذلك؟ هذا الإنسان الذي آثر محبة الله وطاعته، وآثر القرب منه على مصالحه، يخضعه الله عزَّ وجل لمنظومة قوانين لا نعرفها نحن، سمَّاها بعض علماء التوحيد: قوانين العناية الإلهية. فإذا بهذا القرض الحسن الذي هو على الآلات الحاسبة خسارةٌ محققة، يأتيه رزقٌ مِن بابٍ لا يعلمه، وفير، يضاعف الله له رزقه أضعافاً كثيرة.
فأنت حينما تخضع لأمر الله، ولو لم يكن عقلك موافقاً على ذلك، تخضع لأمر الله طاعةً له، واستجابةً له، وخضوعاً لمنهجه، ولو لم يكن عقلك مستوعباً هذا الأمر، فالله جل جلاله يخضعك لقانونٍ آخر هو قانون العناية الإلهية، هذه حقيقة.
 لذلك قال علماء التوحيد; " إن علة كل أمرٍ أنه أمر ". علة أي أمرٍ تفعله أنه أمر.
 فالإنسان يذهب إلى بلادٍ بعيدة ليتحمَّل مشاقّ السفر، والإنفاق الكبير، والازدحام الشديد، بحسب قوانين الأرض هذه الرحلة كلها مشاق، لكن حينما يتجلَّى الله على قلبك، حينما يفتح لك أبواب رحمته، حينما يلقي في روعك أنه قبلك، وأنك مقبولٌ عنده، وأنك رجعت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك، كل المشاق التي تحملتها، وكل وعثاء السفر الذي تجشّمته، وكل المال الذي أنفقته يكون عليك بَرْدَاً وسلاماً.
 لذلك الحاج الذي قبلت حجته وأشعره الله بذلك، يدعو دون أن يشعر; يا رب لا تجعل هذه الزيارة آخر عهدي بالبيت، دون أن يشعر. فربنا عزَّ وجل كان من الممكن أن يجعل الحج في أماكن جميلة جداً، أرض الله واسعة، هناك أماكن فيها جبال خضراء، وبحيرات، ونسيم عليل، ووقت معتدل، أو على مدار العام لئلا يكون ازدحام، هؤلاء سُيَّاح وليسوا حجاج، ولكن الحاج المؤمن يذهب إلى الحر، إلى الازدحام، إلى إنفاق المال، إلى شروط معيشية صعبة جداً، لكن الله يعوِّضه برحمته التي يملأ بها قلبه أضعافاً مضاعفة، فما كل شيءٍ يؤخذ بالقواعد المادية.
 العبادات أعمال، كلما اتضحت فيها منفعتك قلَّ فيها عُنصر التعبُّد، وكلما غابت عنك الحكمة علا فيها عنصر التعبد. وبمناسبة الحج; سيدنا إبراهيم كيف استجاب لله حين أمر أن يذبح ابنه؟ هذا الأمر غير مقبول لا عقلاً، ولا عرفاً، ولا عادةً، ولكنه استجابةً لله عزَّ وجل.
 أيها الأخوة الكرام... تفقَّهوا قبل أن تحجوا، واسألوا الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا مِن حجاج بيت الله الحرام الَمْقبولين، الذين عادوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، والذين ليس لهم ثوابٌ إلا الجنة.

 

التفقه قبل الحج فالحج من أرقى العبادات :

 أيها الأخوة الكرام... حديثٌ طويلٌ عن الحج، ولكن الشيء المؤسف أنك تلتقي بحاجٍ حج بيت الله الحرام، تجلس إليه لتستمع قصة حَجِّه، العجيب أنه يحدثك عن كل شيء إلا الحج؛ يحدثك عن مكان إقامته، وعن طعامه وشرابه، وعن إجراءات المطار، وعن علاقته بالمطوِّف، وعمن التقى مِن الناس، يحدثك عن كل شيء، لكن لو سألته: وأنت تطوف حول بيت الله الحرام بماذا شعرت؟ وأنت بين الصفا والمروة، في عرفات ماذا فعلت؟.
 فيا أيها الأخوة... تفقَّهوا قبل أن تحجوا، الحج مِن أرقى العبادات، أيعقل أن يدعوك خالق الأرض والسموات، يقول لك: يا عبدي تعالَ إلي ولا تجد شيئاً؟ أيعقل هذا؟ عقلك يقبل هذا؟! إنسان دعاك إلى بيته لا يقدم لك شيئاً؟! هناك من يظن أنه لمجرد تواجده في عرفات صَحَّت حجته، لابدَّ أن تكون لك مشاعر في المشاعر، لابدَّ من أن تعاني مشاعر مقدسة في المشاعر المقدسة، لابدَّ وأنت في الطواف مِن أن تطوف، لابدَّ في السعي مِن أن تسعى، لابدَّ في عرفة مِن أن تعرف.
 أيها الأخوة الكرام... أنا أدعوكم إلى معرفة أسرار هذه العبادة، وعودٌ على بدء:

(( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ))

[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]

 أي يعرف سرَّ الحكم، طبعاً كلمة فقه بالمعنى المعاصر معرفة الحكم، لكن بالمعنى القرآني النبوي " معرفة سر الحكم "، معرفة حكمة الحُكم الشرعي.
 أيها الأخوة الأكارم... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن مَلَكَ الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز مـَن أتبع نفسه هواها، وتمنَّى على الله الأماني.

والحمد لله رب العالمين
* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الأضحية :

 أيها الأخوة الكرام... في درس الأحد الماضي بيَّنت لكم أن هذه الأيام العشرة هي مِن أعظم أيام العمر، بل إن الله أقسم بها، والأحاديث الصحيحة الكثيرة تبيّن فضلها، فالأعمال الصالحة يتضاعف أجرها في هذه الأيام، وكل الطاعات لها طعمٌ خاص في هذه الأيام، وفي رأس هذه الأيام يوم عرفة.
أيها الأخوة الكرام... لابدَّ من كلمةٍ عن الأضحية، الأضحية شعيرةٌ مِن شعائر المسلمين، في عيد الأضحى المبارك.
 مشروعيتها; أن الإمام أحمد وابن ماجه رويا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( من وجد سعةً ولم يضح فلا يقربن مصلانا ))

[ أحمد وابن ماجة عن أبي هريرة]

 وقد استنبط أبو حنيفة رحمه الله تعالى من هذا الحديث أنها واجبة، فمثل هذا الوعيد لا يلحق بترك غير الواجب. وقال غير الأحناف: إنها سنةٌ مؤكدة، ولهم أدلتهم.
 هي واجبةٌ مرةً في كل عام على المسلم، الحر، البالغ، العاقل، المقيم، الموسر، واجبةٌ مرةً في كل عام. ومن حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال:

((ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من هراقه دم وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها وأن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفساً))

[ ابن ماجة و الترمذي عن عائشة ]

 ولعلَّ الحكمة أن تطعم الجياع منها، والعلماء يؤكدون أن تقديم اللحم أفضل مِن تقديم ثمنه، ذلك أن الأب قد يكون مديوناً، إن قدَّمت له ثمن هذا اللحم سدَّ به دينه وبقي أولاده جياعاً، أما إن قدمت إليه اللحم فهذا اللحم انتهى إلى بطونهم الجائعة.

 

الحكمة من الأضحية :

 أيها الأخوة... حكمتها; أن المسلم الموسر يعبر بها عن شكره لله تعالى على نعمه المتعددة، منها نعمة الهدى، ومنها نعمة البقاء على قيد الحياة، مِن عامٍ إلى عام، نعمة الهدى أولاً، ونعمة البقاء على قيد الحياة من عامٍ إلى عام، فـ..

(( خيركم من طال عمره وحسن عمله ))

[ أحمد عن أبي هريرة ]

 ومنها نعمة السلامة والصحَّة، ومنها نعمة التَوْسعة في الرزق، وهي فضلاً عن ذلك تكفيرٌ لما وقع من الذنوب، وتوسعةٌ على أسرة المضحي، وأقربائه، وأصدقائه، وجيرانه، وفقراء المسلمين.

 

شروط وجوبها :

 مِن شروط وجوبها; اليسار- الغنى- فالموسر هو مالِك نصاب الزكاة، زائداً عن حاجاته الأساسية. نصاب الزكاة بين سبعة آلاف على مقياس الفضة، وبين أربعين ألفاً على مقياس الذهب تقريباً. إذاً من شروطها من ملك النصاب - نصاب الزكاة - زائداً عن حاجاته الأساسية، أو هو الذي لا يحتاج إلى ثمن الأضحية أيام العيد فقط، أو هو الذي لا يحتاج إلى ثمن الأضحية خلال العام كله، على اختلاف بين المذاهب في تحديد معنى الموسر.
 وينبغي أن يكون الحيوان المضحَّى به سليماً مِن العيوب الفاحشة، التي تؤدّي إلى نقصٍ في لحم الذبيحة، أو تضرُّ بآكلها، فلا يجوز أن يضحي الإنسان بالدابة البيِّن مرضها، ولا العَوْراء، ولا العرجاء، ولا العجفاء، ولا الجرباء، ويستحب في الأضحية أسمنها وأحسنها، وكان صلى الله عليه وسلم يضحي بالكبش الأبيض الأقرن.

 

وقتها :

 وقت نحر الأضحية بعد صلاة عيد الأضحى، وحتى قُبَيل غروب شمس اليوم الثالث مِن أيام العيد. على أن أفضل الأوقات هو اليوم الأول، ما بعد صلاة العيد وحتى قبل زوال الشمس، ويكره تنزيهاً الذبح ليلاً. ولا تصح الأضحية إلا مِن النَعَم؛ من الإبل، والبقر، والغنم من ضأنٍ ومَعْزٍ، بشرط أن يتم الضأن ستة أشهر، وأن تتم المعز سنةً كاملةً عند بعض الأئمة. ويجزئ المسلم أن يضحي بشاةٍ عنه وعن أهل بيته المقيمين معه، أي أضحيةٍ للأسرة بأكملها، والذين ينفق عليهم، وهم جميعاً مشتركون في الأجر.

 

مندوباتها :

 من مندوبات الأضحية; أن يتوجه المضحي نحو القبلة، وأن يباشر الذبح بنفسه إن قدر عليه، وأن يقول; " بسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك وإليك، اللهم تقبَّل مني ومِن أهل بيتي ". وله أن يوكِّل غيره وعندها يستحب أن يحضر أضحيته، لقول النبي صلى الله عليه وسلَّم لفاطمة :

(( قومي إلى أضحيتكِ فاشهديها فإنه يغفر لكِ عند أول قطرة تقطر من دمها ))

[ الترغيب والترهيب عن أبي سعيد ]

 ويستحب أن يوزعها أثلاثاً، فيأكل هو وأهل بيته الثُلث، ويهدي لأقربائه وأصدقائه وجيرانه الثلث، ويتصدق بالثلث الأخير على الفقراء والمسلمين، لقوله تعالى:

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾

[ سورة البقرة; 276 ]

 أيها الأخوة الكرام... الأضحية سنةٌ مؤكَّدة، على الموسر المقيم، والله سبحانه وتعالى يُضاعف الأجر أضعافاً كثيرة، ويعوِّض ثمنها أضعافاً كثيرة. ء

الدعاء :

 اللهمَّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن توليت، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل مَن واليت، ولا يعز مَن عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا. أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018