الخطبة : 0986 - البراء - النطفة الذكرية هوية للإنسان. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0986 - البراء - النطفة الذكرية هوية للإنسان.


2005-11-25

 الخطبة الأولى
 الحمد لله نحمده، ونستعين به، و نسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق و البشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، في الخطبة الماضية كان موضوعها الولاء، وقد وعدتكم في هذه الخطبة أن أعالج القسم الآخر من هذا الركن الكبير من أركان الإيمان، ألا وهو الولاء والبراء.

البراء أصل من أصول الإيمان:

 الحقيقة أن الإنسان إذا صحت عقيدته، والتزم منهج الله عز وجل فكنتيجة طبيعية يوالي أهل الإيمان، ويتبرأ من أهل الشرك والكفران.
 أيها الإخوة الكرام،الأصل الثاني من أصول الإيمان هو البراء، وهو الموقف الواجب على كل مسلم تجاه الطرف الآخر، لكن لا بد من بعض التوضيح.
 إنّ كلمة الكفار تخلق عند الطرف الآخر حساسية بالغة، مع أنها وصف، وليس تقييماً، كيف ذلك ؟
 عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ:

 

(( هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ ))

 

[متفق عليه]

 الكافر وُصِف بأنه مؤمن بالكواكب كافر بالله،

 

(( فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ ))

 

 فالذي يقبل حقائق الإيمان، ويقبل على الله مؤمن، والذي يرفضها، ويعرض عن الله كافر، والكفر وصفٌ لا تقييم.
 لذلك أيها الإخوة الكرام، لأصل الثاني من أصول الإيمان هو البراء، إنه الموقف الواجب على كل مسلم تجاه الطرف الآخر، فماذا يعني هذا الأصل ؟ وما أدلته من الكتاب والسنة ؟ وما أحكامه وحدوده ؟ هذه خطوط هذه الخطبة العريضة.

دليل البراء من القرآن:

 أيها الإخوة الكرام، الآية التي تعد أصلاً في هذا الموضوع هي قوله تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾

[ سورة الممتحنة ]

 أيها الإخوة الكرام، الدليل على أن هذه الآية أصل قوله تعالى:

 

﴿ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ * لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾

[ سورة الممتحنة ]

نتائج البراء:

 أيها الإخوة الكرام، لو أن الإنسان والى هؤلاء ما النتيجة ؟ يقول الله عز وجل:

 

﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة المائدة ]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾

[ سورة التوبة ]

﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾

[ سورة آل عمران ]

﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة المجادلة ]

 أيها الإخوة الكرام، هذه الأدلة من القرآن الكريم آيات عديدة تبين أن الموقف الذي يعد نتيجة إيمانك الصحيح، ونتيجة التزامك بمنهج الله أن تتبرأ من هؤلاء.

 

ولكن كيف نحقق البراء ؟

 

أولاً: وجود الالتزام بالإسلام كله:

 قال تعالى:

 

﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ* وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾

[ سورة الكافرون ]

 أنت حينما تلتزم بمنهج الله عز وجل تشعر أنك في واد، والناس الشاردون عن الله في واد آخر، وما لم تشعر بهذا التمايز، ولا أعني به الكبر، ولا أعني به الاستعلاء، ما لم تشعر أنك في واد وهؤلاء الذين شردوا عن الله عز وجل في واد آخر فمعنى ذلك أنك لست ملتزماً بمنهج الله، والذي ينتج عن ذلك أنك تشعر أنك من هؤلاء، ولا فرق بينك وبينهم.
 أيها الإخوة الكرام، قد نعجب من آية وردت في حق النبي عليه الصلاة والسلام:

 

﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً ﴾

[ سورة الإسراء ]

﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴾

[ سورة هود ]

﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾

[ سورة المائدة: 49]

 معنى ذلك أنك حينما تلتزم منهج الله تشعر أنك بريء من هؤلاء، ومن علاقاتهم، ومن أساليب معيشتهم، ومن طرائق سلوكهم، وكلها لا ترضي الله عز وجل، وهي مبنية على الكيل بألف مكيال ومكيال، مبنية على الكذب والدجل، مبنية على وضع المبادئ تحت الأقدام.
 أيها الإخوة الكرام، ما من طريق إلى الإيمان بالله إلا بعد أن تكفر بالطاغوت، قال تعالى:

 

﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾

[ سورة البقرة: 256]

 ما لم نكفر بالطاغوت فلن نؤمن بالله، فإذا أعانونا على أن نكفر بهم فشكراً لهم، مادمنا نراهم حضارة وقيماً وحقوق إنسان وحرية وديمقراطية وفعلهم عكس ذلك.
 ذكرت في خطبة ليلة القدر أنهم يكيلون بألف مكيال ومكيال، وحادث الطائرة التي سقطتْ، والذي اتهم بإسقاطها ألزموه بمبلغ يقترب من ثلاثمئة مليار من الدولارات، أما أن تحقن ممرضات أربعمئة طفل مسلم بفيروس الإيدز فإن أوربة بأكملها تضع كل وزنها لإطلاق سراح الممرضات من دون تعويض لأولياء الأطفال.

 

قتل امرئ في بلدة جريمة لا تغتفر  وقتل شعب مسلم مسألة فيها نظر
***

 إن فتاة ترتدي ثياب الشاذات يمنعها المدير من دخول المدرسة، فيقيم والدها دعوى على الإدارة، فيحكم له القاضي بمبلغ فلكي، لأن الإدارة تدخلت في حرية هذه الطالبة، وفتاة أخرى مسلمة تضع على رأسها قطعة قماش تنفيذاً لدين يعتنقه ربع سكان الأرض، يأمر بالعفة والحشمة تقوم الدنيا ولا تقعد، وتُمنع أيّ فتاة من دخول أية مدرسة وعلى رأسها شيء، هؤلاء يكيلون بمكيالين، بل بمئة مكيال ومكيال.
 أيها الإخوة الكرام، أول شيء: حينما تلتزم بمنهج الله عز وجل دون أن تشعر لسان حالك وعقلك الباطن يتبرأ من هؤلاء، أما إن لم تكن ملتزماً فإن الإنسان على شاكلتهم.

 

 

ثانياً: وجوب إعلان هذا البراء:

 قال تعالى:

 

 

﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾

[ سورة البقرة: 256]

﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾

[ سورة الكافرون ]

 

﴿ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة الشعراء ]

﴿ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا﴾

[ سورة الممتحنة: 4]

 البند الأول من تحقيق البراء: أن تقيم منهج الله في نفسك، وفي بيتك، وفي عملك، عندئذ تشعر أنك في واد، والطرف الآخر في واد آخر.
 الشيء الثاني: أن تعلن البراء، قال تعالى:

 

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾

[ سورة فصلت ]

 لا تعتذر عن شرب الخمر في حفل أنت أحد المدعوين بأن في معدتك قرحة، قل: أنا مسلم، ولا أشرب الخمر، قال تعالى:

 

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت ]

ثالثاً: تحريم إعانة الكافر على المسلم تحريماً قطعياً:

 قال تعالى:

 

﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة المائدة ]

 سباب المسلم فسوق، واقتطاع حقه موجب للنار، وسفك دمه موجب للخلود في النار، وإعانة الكافر على مسلم خروج من الدين مطلقاً، وكفر بهذا الدين، أو ردة عنه.

 

رابعاً: لا تتخذ بطانة منهم:

 أيها الإخوة الكرام، قال تعالى:

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾

[ سورة المائدة ]

استثناءات قاعدة البراء:

 أيها الإخوة الكرام، لكن هذه القواعد الكبرى القواعد العامة في البراء من المشركين والكافرين هل هناك استثناءات ؟
 بيّن الفقهاء ـ رحمهم الله عز وجل ـ بعض الاستثناءات:

 

أولاً: البراء من هؤلاء لا يعني أن تحجب دعوة الإسلام عنهم

 ولا يعني أن تتركهم فيما هم فيه من ضلال، بل يحتم الإسلام على أهله دعوة الناس إلى الخير، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، والحرص على هدايتهم، والرغبة الأكيدة في تحولهم إلى الإسلام، والبراء منهم لا يعني أن تحجب الإسلام عنهم، قال تعالى:

 

 

﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾

[ سورة النحل: 125]

 الحسنة صفة، فإن كان هناك آلاف الدعوات الحسنة فينبغي أن تختار الأحسن، قال تعالى:

 

﴿ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾

[ سورة النحل: 125]

ثانياً: التلطّف في دعوتهم وسلوك المنهج القرآني في ذلك:

 البراء منهم يعني أن تحاول إقناعهم، أن تسلك السبيل الحسن، أن تتلطف في دعوتك إياهم إلى الله إليهم، هذا استثناء مهم جداً، قال تعالى:

 

﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾

[ سورة التوبة: 6]

 ينبغي أن تسمعه كلام الله، وينبغي أن تتلطف في إسماعه كلام الله، وينبغي أن تتخذ الموعظة الحسنة، أما إذا جادلتهم فينبغي أن تجادلهم بالتي هي أحسن، دققوا:

 

﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾

[ سورة النحل: 125]

 أما إذا جادلتهم فقال تعالى:

 

﴿ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾

[ سورة النحل: 125]

﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[ سورة سبأ ]

﴿ قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة سبأ ]

 إن أردت أن تأخذ بيدهم إلى الله فينبغي أن تتواضع، إن أردت أن تأخذ بيدهم إلى الله فينبغي أن تتلطف، يجب أن تفرق تفرقة جلية واضحة بين أخلاق الدعوة وأخلاق الجهاد في الحرب في ساحة المعركة، قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾

[ سورة التوبة: 73]

 هذه الآية ليست متعلقة بالدعوة، بل هي متعلقة بالجهاد في سبيل الله، ومتعلقة بساحة المعركة، أما أخلاق الدعوة فقال تعالى:

 

﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

[ سورة فصلت ]

 إذا تبرأت منهم في قلبك، وأنت مطبق لمنهج الله تشعر أن بينك وبينهم بوناً شاسعاً تماماً، كما لو أنك تحمل أعلى شهادة، فضلاً عن أنك تحمل هذه الشهادة أنت تتمتع بثقافة عميقة دقيقة عالية جداً، وجلست مع أميٍّ لا يقرأ، ولا يكتب، واستمعت إلى حديثه، ألا تشعر من دون كبر ومن دون غطرسة أن بينك وبينه كما بين الأرض والسماء، هذا التمايز طبيعي، فإن طبقت منهج الله، إن اتصلت بالله امتلأ قلبك كمالاً، وإن جلست معهم تشعر أنك بريء من أفكارهم، ومن أهدافهم، ومن ميولهم، ومن دناءتهم، ومن كذبهم، ومن دجلهم، ومن قسوتهم، إذا طبقت منهج الله فكنتيجة طبيعية حتمية تتبرأ منهم، إن أردت أن تبين لهم أن ما أنت فيه من كمال ليس ذكاء منك، ولكن بفضل منهج الله الذي طبقته، إذاً ينبغي أن تعلن: أنه

 

﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾

 

[سورة الكافرون: الآية 2 ـ 3]

ثالثاً: ينبغي أن تكون ليناً في دعوتك لهم إلى الله:

 البراء لا يعني أن تحجب دعوة الإسلام عنهم، إن أردت أن تدعوهم إلى الإسلام فينبغي أن تتخذ الأساليب المقنعة والسلوك اللطيف حتى يحبوك، " يا داود، ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها "، والغلظة التي وردت في القرآن الكريم تشير إلى أخلاق الحرب لا أخلاق السلم.
 أيها الإخوة الكرام، من هذا القبيل أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بإكرام الأسرى، وهم مشركون، حتى إن بعض الصحابة كانوا يأكلون أردأ الطعام، ويطعمون الأسير أطيب الطعام، حتى إن معظم الأسرى من شدة إكرام الصحابة لهم دخلوا في الإسلام، هكذا براءتك من هؤلاء، وهي لا تعني أن تحجب عنهم هذا الدين العظيم، إنه دين الحق.
 أيها الإخوة الكرام، قال تعالى:

 

﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾

[ سورة النساء: 171]

 أيها الإخوة الكرام، الله عز وجل استثناءً من البراء من الكفار والمشركين، وأمرنا أن ندعوهم إلى الدين بالموعظة الحسنة، أما إذا جادلناهم فبالتي هي أحسن.

 

رابعاً: الأكل و الزواج:

 أحل الله للمؤمنين أكل ذبائحهم، والزواج من فتياتهم المحصنات، قال تعالى:

 

 

﴿ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾

[ سورة المائدة ]

 أيها الإخوة الكرام، أما حينما ينشأ بين المسلم وبين زوجته الكتابية مودة فهذه لا علاقة لها بقوله تعالى:

 

﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾

[ سورة المجادلة: 22]

 هذه فطرة فُطِر الإنسان عليها، قال تعالى:

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

[ سورة الروم: 21]

 

خامساً: المجاملة والمعايشة والمواطنة:

 أيها الإخوة الكرام، من استثناءات البراء المجاملة والإحسان، والدعاء بالهداية، ونسميها اليوم المعايشة، أو نسميها اليوم المواطنة، والإسلام يأمر بها، قال تعالى:

 

 

﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾

[ سورة الممتحنة: 8]

﴿ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾

[ سورة التوبة : 7]

 هذه معايشة، وهذه مواطنة، وهذا استثناء من البراء، قال تعالى:

﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾

[ سورة الممتحنة: 8]

سادساً: الدعاء لهم بالهداية:

 النبي عليه الصلاة والسلام دعا لطوائف كثيرة من الكفار ليهديهم الله عز وجل، كما جاء في صحيح مسلم أنه قال:

 

(( اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ ))

 وذلك عندما طلب أبو هريرة من النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعو الله لأمه الكافرة كي تسلم، لذلك جاء في البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدِمَ طُفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ وَأَصْحَابُهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ دَوْسًا عَصَتْ، وَأَبَتْ، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا، فَقِيلَ: هَلَكَتْ دَوْسٌ، قَالَ:

 

 

(( اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ ))

 

[البخاري]

 لك أن تدعو لهم بالهداية، لك أن تجاملهم، لك أن تهدي لهم هدية، سيدنا عمر أهدى إليه النبي عليه الصلاة والسلام حلة من حرير، فقال: يا رسول الله تكرهها، وترسلها لي ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إني لم أرسلها لك لتلبسها، ولكن ألبسها بعض نسائك، فأهداها عمر لأخ له كان مشركاً بمكة، وهذا دليل على أنه بإمكانك أن تقدم له هدية، وأن تدعو له، وأن تجامله، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

 

(( كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ، وَهُوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ ))

 

[ البخاري ]

 لك أن تعوده، لك أن تقدم له هدية، لك أن تدعو له، لك أن تزوره، لك أن تتصدق عليه.
 أيها الإخوة الكرام، قال تعالى:

 

﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

[ سورة البقرة: 272]

﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة ]

 قال ابن كثير: " هذه الآية في أن تتصدق على أهل الشرك والكفر إن كانوا فقراء تأليفاً لقلوبهم.

 

الخلاصة:

 أيها الإخوة الكرام، البراء قضية نفسية، أن تشعر أنك في واد وهم في واد آخر، أن تشعر أنك في مستوى وهم في مستوى آخر، ألاّ تتمنى أن تكون مكانهم، لا بغناهم، ولا بسيطرتهم، ولا بقوتهم، ولا بحضارتهم، بل تشكر الله عز وجل على أنه أعانك على أن تكون عبداً لله عز وجل، وأن تتصل به، وأن تنعم بمزيد اتصالك به.
 أيها الإخوة الكرام، روى البخاري وغيره عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: قُلْتُ:

 

 

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَوْ رَاهِبَةٌ، أَفَأَصِلُهَا ؟ قَالَ: نَعَمْ))

 

[متفق عليه]

 وهذا طبعاً موافق لقول الله عز وجل:

 

﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾

[ سورة لقمان: 15 ]

 هذا الطرف الآخر الذي أنت كلفت أن تتبرأ منه كيف تدعوه إلى الإسلام إن لم تكن كاملاً ؟ إن لم تكن متواضعاً ؟ إن لم تكن ذا حجة قوية ؟
 إن الولاء والبراء لا يعني أن تسكت، ولا يعني أن تحجب هذا الدين العظيم عن هؤلاء الشاردين، ولكن يعني ألا تحبهم محبة تبعدك عن ربك، لأنك بين نقطتين كلما اقتربتَ من إحداهما ابتعدت عن الأخرى، فإذا اقتربت، وواليتهم، وأكبرتهم، وعظمتهم ابتعدت عن منهج الله عز وجل.
 أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، و سيتخطى غيرنا إلينا، العاقل من دان نفسه، و عمل لما بعد الموت، و الجاهل من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، و الحمد لله رب العالمين.

 

* * *

 الخطبة الثانية
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سينا محمد عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الإعداد المادي والمعنوي للعدو:

 أيها الإخوة الكرام، أذكركم بما كنت أردده كثيراً من أن محنة المسلمين التي هم فيها اليوم ليس لها من حل إلا أن نؤمن الإيمان الذي يحملنا على طاعة الله، تحقيقاً لقوله تعالى:

 

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة الروم ]

 ثم أن نعد لهؤلاء ما نستطيع، تحقيقاً لقوله تعالى:

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾

[ سورة الأنفال: 60]

 أما أن نتجاهل هذين الشرطين الخطيرين اللذين يعد كل منهما شرطاً لازماً غير كاف، وأن نتعامل مع الله بعاطفية، بشكل لطيف، أو بغوغائية من دون أن نقدم للنصر ثمناً فلا يمكن أن نتعامل مع الله بالعاطفية، ولا بالغوغائية، الله عز وجل له سنن، قال تعالى:

 

﴿ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ﴾

[ سورة فاطر ]

 هذه السنن لا تتبدل، ولا تتغير، ومهما حاولت أن تنتظر من الله التغيير، وأنت لا تغير فأنت واهم، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

[ سورة الرعد: 11]

 راجعوا حساباتكم، رتبوا أوراق بيوتكم، اضبطوا أمركم، اضبطوا جوارحكم، اضبطوا دخلكم، اضبطوا إنفاقكم، حجبوا نساءكم، حجبوا فتياتكم، أقيموا الإسلام في بيوتكم، هذا السبيل الأول للنصر.
 ذكرت لكم أن القائد العظيم صلاح الدين الأيوبي حينما أزال المنكرات من بلاده، ثم استعان بالله عز وجل نصره الله على سبعة وعشرين جيشاً أتوا من أطراف الدنيا لتدمير هذه الأمة.
 أيها الإخوة الكرام، لا سبيل إلا الصلح مع الله، لا سبيل إلا العودة إليه، لا سبيل إلا الاعتماد عليه، أما أن تستعين بزيد أو عبيد فأنت كالمستجير من الرمضاء بالنار.

 

النطفة الذكرية هوية للإنسان:

 أيها الإخوة الكرام، حضرت مؤتمراً في القاهرة قبل عدة أشهر، وقد طرح موضوع متعلق بالإعجاز العلمي، أنقل لكم ملخصه:
 إن السائل الذكري يختلف من شخص إلى آخر، وقد بينت لكم أن للإنسان هويات عدة، فقزحية العين هوية خاصة به، وليس على وجه الأرض في الستة آلاف مليون إنسانٍ إنسانٌ تشبه قزحية عينه قزحية عينك، فالقزحية هوية، ورائحة الجلد هوية، ونبرة الصوت هوية، وبصمة الإبهام هوية، وبلازما الدم هوية، والزمرة النسيجية هوية، أضيف إلى هذه الهويات العديدة أن النطفة الذكرية هوية، بمعنى أن أية نطفة من أيّ إنسان لا تشبه نطفة إنسان آخر، والسائل الذكري يختلف من شخص إلى آخر، كما تختلف بصمة الأصبع، وإن لكل رجل شفرة خاصة به، وإن جميع ممارِسات مهنة الدعارة في الأعم الأغلب يصبن بمرض سرطان الرحم، لماذا ؟ لأن عدة شفرات تدخل إلى الرحم، أما أصل التصميم فإن هذه المرأة ينبغي أن يدخل إليها شفرة واحدة من النطفة الذكرية، وإن المرأة تحمل داخل جسدها كومبيوتراً، هكذا جاء في البحث يختزن شفرة الرجل الذي يعاشرها، فإذا دخل على هذا الكومبيوتر أكثر من شفرة فكأنما دخل فيروس إلى الكومبيوتر، ويصاب بالخلل والاضطراب والأمراض الخبيثة، ومع الدراسات المكثفة للوصول لحل أو علاج لهذه المشكلة اكتشف الإعجاز، واكتشفوا أن الإسلام يعلم ما يجهلونه، إذ أن المرأة تحتاج نفس مدة العدة التي شرعها الإسلام حتى تستطيع استقبال شفرة جديدة، ومن أجل أن تستقبل المرأة شفرة جديدة من دون أن تصاب بمرض يجب أن تنقطع الأولى ثلاثة أشهر انقطاعا تاماً، عندئذ تكون المرأة مستعدة لتلقي نطفة جديدة، إنها العِدة التي شرعها الإسلام لهذه المرأة.
 لكن بعضهم سأل: لماذا تختلف مدة العدة بين المطلقة والأرملة ؟ لقد أجريت الدراسات على المطلقات والأرامل، فأثبتت التحاليل أن الأرملة تحتاج وقتاً أطول من المطلقة، لنسيان هذه الشفرة، وذلك يرجع إلى حالتها النفسية، حيث تكون حزينة أكثر على فقدان زوجها، إذ لم تصب منه بضرر الطلاق الذي يحدث في غيرها، فالطلاق شيء، والوفاة شيء آخر.
 أيها الإخوة الكرام، كلما تقدم العلم كشف عن جانب من عظمة هذا الشرع.

 

 

الدعاء

 اللهم انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا، اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، وصلى اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018