الخطبة : 0734 - ذكر الله تعالى4 - القلب - الاستعاذة من شر النفس و ما يتولد عنها من أعمال سيئة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0734 - ذكر الله تعالى4 - القلب - الاستعاذة من شر النفس و ما يتولد عنها من أعمال سيئة.


2000-02-11

الخطبة الأولى:
الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي، ولا اعتصامي، ولا توكّلي إلا على الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر. وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم، رسول الله سيِّد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر، اللهمَّ صل، وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين.
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

موت القلب أخطر شيءٍ في حياة الإنسان :

أيها الأخوة المؤمنون... في سلسلة الخُطَب التي كان محورها: ذكر الله عزَّ وجل انطلاقاً من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم:

((ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخيرٌ لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله وما والاه))

[رياض الصالحين عن أبي الدرداء ]

العين خلقت من أجل أن تبصر
وهذه الخطبة الأخيرة في موضوع الذكر.
أيها الأخوة الكرام: كل عضوٍ في الإنسان، وكل جهازٍ خلِقَ لفعلٍ ما؛ فالعين من أجل أن تُبْصِر، والأذن من أجل أن تسمع، واللسان من أجل أن ينطق، واليد من أجل أن تبطش، أو أن تعطي، أو أن تمنع، والرجل من أجل أن تمشي، كمال هذا العضو، وذاك الجهاز في أداء مهمَّته، فإن امتنعت العين عن أن ترى فقد أصيبت بالعمى، أو امتنعت الأذن عن أن تسمع أدق الكلام فقد مرضت، وهذا القلب الذي في صدر الإنسان ما مهمته؟ إذا كان لكل عضوٍ، ولكل جهازٍ مهمته، كماله بأداء مهمته، ونقصه أو موته بضعفه، أو انعدام أداء مهمته، فما مهمة القلب؟ القلب أيها الأخوة حينما يتعرَّف إلى الله عزَّ وجل، ويحبُّه، ويشتاق إلى لقائه، وينيبُ إليه، ويؤثر ذلك على كل شهوة، هذا القلب معنى ذلك أنه حي، وهو كامل، وقد يموت القلب، وموت القلب أخطر شيءٍ في حياة الإنسان؛ لا يعي على خير، ولا يتألَّم لقبيحٍ صَدَرَ منه، ولا يندم على جهلٍ حلَّ به.
موت القلب أخطر شيء في حياة الإنسان
أيها الأخوة الكرام... مرض القلب حينما يأتي الإنسان بقبيح فلا يتأثَّر، ولا يندم، ولا يراجع نفسه، فهذا له قلبٌ مريض، وحينما لا يندم على جهلٍ مقيم، ولا يسعى لعلمٍ يجري وراءه فقلبه أيضاً مريض.
أيها الأخوة الكرام... إذا كان القلب خالياً من معرفة الله، ومن محبته، ومن الإنابة إليه، والتوكُّل عليه، والشوق إلى لقائه، إذا كان القلب خالياً من تلك الحظوظ عادت لذَّاته في الدنيا آلاماً، كيف؟ من آلام إيثار الدنيا القلق على فقدانها
في أعماق الإنسان شعورٌ سمَّاه العلماء " القلقُ على فوت ما أنت فيه "، أنت من خوف الفقر في فقر، ومن خوف المرض في مرض، وتوقع المصيبة مصيبةٌ أكبر منها، فالإنسان حينما يبتعد عن الله ويؤثر الدنيا، يأتيه من الدنيا آلامٌ لا تعدُّ ولا تحصى، أحد هذه الآلام قلقٌ على أن يخسر ما هو فيه، وهذا وحده أكبر مَبْعَثٍ للآلام، وشيءٌ آخر حينما يفوته ما هو أعظم، وهذا أيضاً ألمٌ كبير.
الذي يخلو قلبه من معرفة الله، ومحبته، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والشوق إلى لقائه يمتلئ القلب قلقاً، وألماً، وحزناً، قلقاً على فوت ما هو فيه، وهذا وحده يُنَغِّص حياته، وندمٌ على ما فاته مما هو أعظم منه، فهذه المشكلة التي يعانيها معظم المُقَصِّرون، أو معظم الذين لهم قلبٌ ميت.

 

 

أخطر الأمراض الأمراض التي ليس لها أعراض :

 

أخطر الأمراض تلك التي ليس لها أعراض
أيها الأخوة الكرام... يقول الأطباء: إن أخطر الأمراض التي ليس لها أعراض؛ ولحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل قد يمرض القلب، ويشتد مرضه، ولا يعلم صاحبه بذلك، بل قد يموت القلب وصاحبه لا يشعر بموته، وهذا الكلام كلُّه من قوله تعالى:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

ولعلَّ كل خُطَبِ الذِكْرِ التي سبقت هذه الخطبة من أجل أن يصلح القلب، وأن يكون مهبطاً لتجليَّات الله عزَّ وجل، إنه الثروة الأولى، إنه ذخر الإنسان.
أيها الأخوة الكرام... الإنسان حينما يأتي بقبائح الأفعال، ولا يتألم، ولا يندم، ولا يراجع نفسه، ولا يصحح، إن له قلباً ميتاً، والقلب الذي يكتشف جهله بموضوعٍ متعلِّقٍ بمصيره ولا يسعى لطلب العلم، قلبٌ ميتٌ أيضاً، علامة موت القلب ألا تتأثر لفعلٍ قبيحٍ تفعله، وألا تتأثَّر لجهلٍ حَلَّ بك، فحينما ينطلق الإنسان من معرفة الله، وحينما ينطلق الإنسان لتكميل نفسه، ففي صدره قلبٌ ينبض، إنه قلب النفس.

 

طريق الإيمان يعبره من أيقن بالآخرة و صبر على مكاره الدنيا :

سلوك المسالك الصعبة من صفات المؤمن ليقينه بالآخرة
شيءٌ آخر أيها الأخوة: إذا كان هناك مكانٌ آمن، وله طريقٌ مُخيف، ولابدَّ من اجتياز الطريق كي تصبح في أمنٍ شديد، مَن الذي يعبر هذا الطريق؟ من أيقن بالأمن المطلق وصبر على متاعب الطريق، لذلك لا يجتاز طريق الإيمان ولا يعبره إلا من اتسم بصفتين: اليقين بما بعد الموت، اليقين بالآخرة والصبر على مكاره الحياة الدنيا:

(( إن عمل الجنة حزنٌ بربوةٍ، وإن عمل النار سهلٌ بسهوةٍ))

[ الجامع لأحكام القرآن عن أنس ]

فحينما يستصعب الإنسان أن يسلك الطريق المُتْعِب كي يحظى بالسعادة العُظمى، فقد ضعفت همَّته عن أن يكون من الفائزين، وحينما لا يصبر الإنسان على هذه المكاره، ولا يوقن بالنتائج، أنَّى له أن يسير في هذا الطريق ؟.

أكبر خطرٍ يواجه المسلم الركون إلى الأكثرية في مجتمعه :


قد تكون الأكثرية على خطأ فلا تركن إلا لما يرضي اللهأيها الأخوة الكرام... الآية الكريمة:

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾

[ سورة النساء : 69]

فهو كما قال الله عزَّ وجل:

﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾

[ سورة النساء : 69]

الحقيقة كالشمس الساطعة لا تحتاج إلى دليل
أيها الأخوة الكرام... أكبر خطرٍ يواجه المسلم أن يركن إلى الأكثرية في مجتمعه، الأكثرية قد تكون شاردة عن الله، الأكثرية قد تكون ليست على ما يُرضي الله، فمن ركن إلى الأكثرية ممن حوله فقد ضعف عقله.
هناك حقيقةٌ لابدَّ أن أضعها بين أيديكم، أحد العلماء سُئلَ عن مسألةٍ فأجاب، فقيل له: إن أخاك أحمد بن حنبل يقول فيها بمثل ذلك، فقال هذا العالم: " ما ظننت أن أحداً يوافقني عليها، ولم يستوحش بعد ظهور الصواب له من عدم الموافقة، فإن الحق إذا لاح وتبيَّن لم يحتج إلى شاهدٍ يشهد به ".
أي أن الإنسان حينما يرى أشعة الشمس ساطعة، لا يحتاج أبداً إلى من يشهد له على سطوعها، أنت حينما تكون مغموراً بمياه البحر، كل خليةٍ في جسمك تَنْعُم بماء البحر؛ بصرك، وسمعك، تسمع صوت موجه، وترى زرقة مائه، وتشم رائحة المِلح فيه، وجسمك مغمورٌ فيه، أنت لست بحاجةٍ على مَن يشهد لك على ما أنت فيه.

 

الجماعة التي ينبغي على المسلم لزومها :

الحق وأتباعه هم الجماعة
أيها الأخوة الكرام... جاء في بعض الكتب بلزوم الجماعة، فمن هي الجماعة التي ينبغي أن تلزمها؟ قال العلماء: إنه الحق وأتباعه ـ هذه هي الجماعة ـ كثروا أم قلوا، لذلك كان المتمسك به قليلاً، والمخالف له كثيراً، أنت مع الجماعة أي مع الحق وأتباع الحق، ولو كانوا قلةً، فليست الجماعة معناها الكثرة، بل معناها أن تكون مع الحق وأهله، لأن الحق الذي كانت عليه الجماعة الأولى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم هي الجماعة التي أُمِرْنا أن نَلْزَمَها، فإذا الجماعة ابتعدت عن جماعة رسول الله وأصحابه، وما كان عليه السلف الصالح فهذه الكثرة ليست بالجماعة..

﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ﴾

[ سورة النجم:28]

قال بعض العلماء: " صحبت معاذاً باليمن، فما فارقته حتى واريته في التُراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه، فسمعته يقول: عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة، وإن يد الله على الجماعة. ثم سمعته يوماً من الأيام يقول: سيلي عليكم ولاةٌ يؤخِّرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لميقاتها فهي الفريضة، وصلوا معهم فإنها لكم نافلة، قال: قلت يا أصحاب محمد ما أدري ما تحدِّثوننا؟! قال: وما ذاك؟ قال: تأمرني بالجماعة وتحضني عليها، ثم تقول: صلِّ الصلاة وحدك وهي الفريضة، وصلِّ مع الجماعة وهي النافلة؟ قال: يا عمرو بن ميمون قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية، تدري ما الجماعة؟ قلت: لا،ـ قال: جمهور الجماعة الذين فارقوا الجماعة، الجماعة ما وافق الحق، وإن كنت وحدك.
وفي طريقٍ أخرى فضرب على فخذي وقال: ويحك إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق طاعة الله عزَّ وجل.

(( أي إذا فسدت الجماعة، فعليك بما كانت عليه جماعة النبي عليه الصلاة والسلام والذين من بعده، والذين من بعده، وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة حينئذ))

[ ذكره البيهقي عن ابن مسعود ]

وروى أبو شامة عن مبارك عن الحسن البَصْري قال: "الجماعة هي السنة، والذي لا إله إلا هو الجماعة هي السنة بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله عزَّ وجل، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الترف في ترفهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك كونوا إن شاء الله تعالى ".
أيها الأخوة الكرام... يقول محمد بن أسلم الطوسي، المتفق على إمامته مع رُتْبَتِهِ، وكان أتبع الناس للسنة في زمانه حتى قال: " ما بلغني عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم شيءٌ إلا عملت بها، ولقد حرصت على أن أطوف بالبيت راكباً، فما مُكِّنت من ذلك "، فسُئل بعض أهل العلم في زمانه عن السواد الأعظم الذين جاء فيهم الحديث:

((...إذا اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظم ))

[ من كشف الخفاء عن أنس ]

معرفة سنة النبي الكريم هي سبيل المؤمنين
طبعاً يصف النبي عليه الصلاة والسلام أمته أنها معصومةٌ من بعده بمجموعها لا بأفرادها، بينما النبي عليه الصلاة والسلام معصومٌ بمفرده، من هم السواد الأعظم؟ فقال: السواد الأعظم الذي عرف السنة ودعا إليها، وهو الإجماع وهو السواد الأعظم.
معرفة سنة النبي عليه الصلاة والسلام، والعمل بها، من يفعل هذا هو السواد الأعظم الذي أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نكون معه، ومعرفة سنة النبي هي سبيل المؤمنين، التي من فارقها واتبع سواها ولاه الله ما تولَّى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً.
أيها الأخوة الكرام... كن مع الحق حيثما دار، ولا تعبأ بالكثرة، فالكثرة أحياناً ليست مع الحق..

﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[سورة الأنعام: 116 ]

﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ﴾

[ سورة النجم:28]

أكثر الناس يقول لك: قارَّات بأكملها، شعوب بأكملها، ألوف الملايين تفعل هذا، كيف تحرِّمه أنت؟ من قال لك إن هذه الكثرة الكافرة هي الحق؟ الحق ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ولو كان قليلاً.

 

علامات أمراض القلوب :

القرآن هو الشفاء
أيها الأخوة الكرام... من علامات أمراض القلوب عدولها عن الأغذية النافعة إلى الأغذية الضارة، وعدولها عن دوائها النافع إلى دوائها الضار، هناك أربعة أمور؛ غذاءٌ نافع، ودواءٌ شافٍ، وغذاءٌ ضار، وداءٌ مهلك.
الغذاء النافع هو الإيمان..

(( ماذا ينجي العبد من النار يا رسول الله ؟ قال: الإيمان بالله تعالى، قال: مع الإيمان عمل ؟ قال: نعم أن تعطي مما أعطاك الله ))

[المعجم الكبير للطبراني عن مالك بن مرثد ]

الإيمان هو المنجي، والقرآن هو الشفاء، إذا كان العسل كما ورد في القرآن الكريم شفاء الأجسام، فالقرآن الكريم شفاء الأرواح.

 

 

علامة صحة القلب :

 

1 ـ أن يؤمن الإنسان بالآخرة إيماناً يقينياً :

الإمام عليٌ كرم الله وجهه يقول: " إن الدنيا قد ترحَّلت مدبرةً، وإن الآخرة قد ترحَّلت مقبلةً، ولكلٍ منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عملٌ ولا حساب، وغداً حسابٌ ولا عمل، وكلما صح القلب من مرضه ترحَّل إلى الآخرة، وقرب منها حتى يصير من أهلها، وكلما مرض القلب واعتل آثر الدنيا واستوطنها حتى يصير من أهلها ".
إذا كنت من أبناء الآخرة فهذه علامة صحة القلب
بربك لو أنك أزمعت السفر لمكانٍ بعيد، قبل أسبوعٍ من السفر كل تصوراتك، وكل اهتماماتك، وكل خواطرك، وكل مشاعرك مع البلد الذي أنت ذاهبٌ إليه، هذا معنى قول العلماء: كن من أبناء الآخرة. أنت في الدنيا، ولكن أيّ عملٍ تفعله يا ترى ماذا أجيب الله عنه؟ هل يرضاه الله مني؟ هل يؤاخذني عليه؟ هل يبعدني عنه؟ هل يكون هذا العمل سبباً لدخول الجنة؟ هذا معنى: كونوا من أبناء الآخرة، أنت بمشاعرك، وأفكارك، وخواطرك، وهواجسك تعيش الآخرة، كل شيءٍ في حياتك الدنيا تقيسه بمقياس الآخرة، هذا معنى قول الإمام علي: " كونوا من أبناء الآخرة. "
كما أنك لو أردت أن تسافر إلى بلدٍ بعيد، قبل أسبوعٍ، يوم تعقد نيَّة السفر، كل خواطرك، كل مشاعرك، كل كتاباتك؛ قوائم أعمال، قوائم حاجات، تتابع الأمور واحدة واحدة، هكذا أنت أصبحت في هذا البلد البعيد، ولازال جسمك في بلدك، أنت إذاً من أبناء ذلك البلد.
وحينما نؤمن بالآخرة إيماناً يقينياً، وحينما ننطلق ساعين إليها دون أن نشعر ؛ هواجسنا، مشاعرنا، عواطفنا، فكرنا، قراءتنا، لقاءاتنا، ندواتنا، حفلاتنا، كل نشاطاتنا متعلقةٌ بالآخرة، هذا معنى: كونوا من أبناء الآخرة.
إذا كنت من أبناء الآخرة فهذه علامة صحة القلب، وإن كانت كلُّ المشاعر في الدنيا، وفي حطام الدنيا، وفي مكاسب الدنيا، وفي مباهج الدنيا، وفي الشهوات في الدنيا، إذا كانت كل المشاعر في الدنيا فأيضاً هذه حالةٌ لا تُرْضي، إنك من أبناء الدنيا.

 

2 ـ إلحاح العبد على نفسه حتى ينيب إلى الله و يتعلق به :

أيها الأخوة الكرام... من علامات صحة القلب أن العبد لا يزال يلحُّ على نفسه حتى ينيب إلى الله عزَّ وجل، وحتى يُخْبِتَ إليه، وحتى يتعلَّق به، وحتى يتشوَّق إلى لقائه، فلا حياة، ولا فلاح، ولا نعيم، ولا سرور إلا برضا الله عزَّ وجل، وقربه، فذكره قوته، وغذاؤه ومحبته والشوق إليه حياته ونعيمه ولذَّته وسروره، والالتفات إلى غيره، والتعلق بسواه داؤه، والرجوع إليه دواؤه، فإذا حصل هذا سكن القلب واطمأن، وزال عنه ذلك الاضطراب والقلق، وانسدَّت تلك الفاقة.
الرجوع إلى الله دواء الاضطراب والقلق
أيها الأخوة الكرام... دققوا في هذه الكلمات أنا أقولها كثيراً: إن في القلب فاقةً لا يسدها شيءٌ سوى الله تعالى، ولو كنت غنياً، ولو كنت قوياً، ولو كنت صحيحاً، ولو كنت ذا مالٍ وبنين، ولو كان لك شأنٌ عظيم، في القلب فاقة لا يسدها إلا الله عزَّ وجل، وفيه شعثٌ لا يلمّه غير الإقبال عليه، وفيه مرضٌ لا يشفيه إلا الإخلاص له، وعبادته وحده، فهو دائماً يضرب على صاحبه حتى يسكن ويطمئن إلى إلهه ومعبوده، حينئذٍ يشعر بالحياة تدبُّ في روحه.
أيها الأخوة الكرام... قال بعض العارفين: " مساكين أهل الدنيا، خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها. قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله والأنس به، والشوق إلى لقائه، والتنعُّم بذكره وطاعته".
وقال آخر: " إنه ليمر بي أوقاتٌ أقول فيها إذا كان أهل الجنة في مثل هذا النعيم إنهم لفي عيشٍ طيب ".
فكلمةٌ من القلب إلى القلب؛ يجب أن تقول: واللهِ ليس في الأرض أسعد مني، إلا أن يكون أتقى مني، أنت مع الله، أنت مع الخالق، أنت مع الرحيم، أنت مع الودود، أنت مع الغني، أنت مع القوي، أنت مع القادر، أنت مع الذي خلقك من أجله.
أيها الأخوة الكرام... هذا سر السعادة، وقال آخر: " والله ما طابت الدنيا إلا بمحبته وطاعته، ولا طابت الجنة إلا برؤيته ومشاهدته".
حين تخطب ود الله فأنت إنسان مختلف
أيها الأخوة... وقال بعضهم: " حياة القلب في ذِكْر الحيّ الذي لا يموت، والعيش الهنيء مع الله تعالى لا غير، ولهذا كان الفوت عند العارفين بالله أشدَّ عليهم من الموت، لأن الفوت انقطاعٌ عن الحق، والموت انقطاعٌ عن الخَلْق ". الفوت عند من يعرف الله عزَّ وجل أشدّ عليه من الموت، بالموت ينقطع عن الخلق، أما بالفوت فينقطع عن الحق، بل إن أشدَّ عذابٍ يعذَّب به المؤمن فتور علاقته مع الله عزَّ وجل.. " يا رب عصيتك فلم تعاقبني؟ قال: وقع في قلبه أن يا عبدي قد عاقبتك ولم تدرِ، ألم أحرمك لذَّة مناجاتي؟ " حينما تكون العلاقة بينك وبين الله عامرة، حينما تتودَّد إلى الله بطاعته، حينما تخطب ودَّ الله، أنت إنسانٌ آخر، لا تتأثَّر بما يتأثَّر به الآخرون، لا تتألم بما يؤْلِم الناس، لا تطمح بما يطمح إليه الناس، لا تنضغط بما ينضغط به الناس، لا تتمزَّق بما يمزِّق الناس، إنك إنسانٌ آخر، إن لك معاملةً خاصةً عند الله عزَّ وجل.
أيها الأخوة الكرام... من قرَّت عينه بالله تعالى، قرَّت به كل عين، أنت حينما تحب الله عزَّ وجل يلقي الله حُبَّك في قلوب الخلق، من قرَّت عينه بالله تعالى قرَّت به كل عين، ومن لم تقرَّ عينه بالله تعالى تقطَّع قلبه على الدنيا حسرات.
وقال يحيى بن معاذ: " من سرَّ بخدمة الله، سُرَّت الأشياء كلها بخدمته، ومن قرَّت عينه بالله عزَّ وجل، قرَّت عيون كل أحدٍ بالنظر إليه ".

3 ـ ألا يفتر عن ذكر الله :

الآن أيها الأخوة... من علامات صِحَّة القلب - هذا كلامٌ خطير - هناك أحكامٌ شرعيةٌ تملأ الكتب، وهي بين أيدي الناس، ومجال في أي لقاء، ولكن هذا القلب الذي قال الله عنه:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

هذا القلب هو ثمن الجنة، من علامات صحة القلب ألا يفتر عن ذكر الله، وألا يسأم من خدمة خَلْقِه، وألا يأنس بغيره إلا بمن يدله عليه، ويذكره به، ويذكِّره بأمره ونهيه.

 

4 ـ الألم الشديد لفوات ورد يقوله :

ومن علامات صحة القلب أنه إذا فاته ورده وجد لفواته ألماً عظيماً، أعظم من تألُّم الحريص بفوات ماله وفقده.

 

5 ـ الاشتياق إلى خدمة الخلق :

ومن علامات صحة القلب أنه يشتاق إلى خدمة الخَلْق كما يشتاق الجائع إلى الطعام والشراب.

 

6 ـ ذهاب الغم و الهم عند الدخول في الصلاة :

ومن علامات صحة القلب أنه إذا دخل في الصلاة، ذهب عنه همه وغمه في الدنيا، كما قال عليه الصلاة والسلام:

((أرحنا بها يا بلال))

[ أبو داود عن سالم بن أبي الجعد ]

لا كما لسان حال بعض المصلين " أرحنا منها "، وفرقٌ كبير بين أرحنا بها وأرحنا منها.

7 ـ أن يكون همه واحداً و هو الله :

ومن علامات صحة القلب أن يكون همُّه واحداً، وهو الله.. " من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها ".. " اعمل لوجهٍ واحدٍ يكفك الوجوه كلها "

((من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين))

[ من الدر المنثور عن عمر بن الخطاب ]

8 ـ أن يكون أشحَّ بوقته من أن يذهب ضائعاً :

الحرص على الوقت من علامات صحة القلب
ومن علامات صحة القلب أن يكون أشحَّ بوقته من أن يذهب ضائعاً من أشدّ الناس شحاً بماله، الوقت وعاء عملك، الوقت هو أنت، الوقت هو رأسمالك الوحيد، لذلك المؤمن ينفق وقته بترشيدٍ رائع، لا يسمح لشيءٍ تافه أن يقتنصه، لا يسمح لمشكلةٍ طارئةٍ أن تمتلكه، لا يسمح لقضيةٍ فائتةٍ أن تشغله عن الله عزًّ وجل، لا يسمح للدنيا أن تُنسيه الآخرة، لا يسمح لهمّ شديد أن يبعده عن الله عزَّ وجل..

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾

[ سورة الفرقان: 63 ]

أيها الأخوة الكرام... إنفاق الوقت مهمٌ جداً، كم من سهرةٍ يمضيها الناس في القيل والقال؟ في الغيبة والنميمة؟ كم من وقتٍ يمضى وراء الشاشة بلا طائل، بلا فائدة، بلا جدوى، بلا نَفْع !.
أيها الأخوة الكرام... من علامة نجاح الإنسان أن يُرَشِّد استهلاك وقته.

 

9 ـ الاهتمام بتصحيح العمل أكثر مما يهتم بالعمل نفسه :

لا تعبأ بشهرة عريضة بل اعبأ بعمل متقبل
من علامات صحة القلب أن يهتم بتصحيح العمل أكثر مما يهتم بالعمل نفسه، العمل..

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ﴾

[ سورة الفرقان: 23 ]

يؤتى يوم القيامة بأناس ـ والله هذا الحديث يقصم الظهر:

((لأَعْلَمَنَّ أَقْوَاماً مَنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَة بِيضاً فَيَجْعَلُهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُوراً، قَالَ ثُوْبان: يَا رَسُولَ اللهِ ! صِفْهُمْ لَنَا؟ جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لا َنَعْلَمُ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتَكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ، إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللهِ، أنْتَهَكُوهَا))

[ ابن ماجة عن ثوبان ]

لا تعبأ بحجم العمل بل اعبأ بصحة العمل، لا تعبأ بشهرةٍ عريضة، اعبأ بعملٍ متقبلٍ عند الله عزَّ وجل، لا تعبأ بالتألُّق، اعبأ أن تكون عند الله متألقاً، لا تعبأ بمقاييس البشر، اعبأ بمقاييس القرآن عزَّ وجل..

﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾

[سورة الأنفال: 2 ]

أن يجدك عند الحلال والحرام، أن يجدك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك، اتقِ الله تكن أعبد الناس.

 

10 ـ صدق الخفاء و محبة عدم الشهرة و الخلوة بالله :

علاجك في مناجاة الله
أيها الأخوة الكرام... هذا الذي همّه هو الله، وحبُّه كله لله، وقصده لله، وبدنه لله، وأعماله لله، ونومه لله، ويقظته لله، وحديثه، والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث، وأفكاره تحوم حول مراضيه ومحابه، والخلوة به آثر عنده من الخُلطة، إلا حيث تكون الخلطة أحب إلى الله عزَّ وجل، قرَّت عينه به، واطمأن قلبه إليه، فهو كلما وجد في نفسه التفاتاً إلى غيره تلا عليها قوله تعالى:

﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾

[ سورة الفجر : 27-28]

أيها الأخوة الكرام... أخ كريم قال لي: ذهبت إلى طبيبٍ نفسي فقال لي: مرضك أنك تشعر أن الله ليس راضٍ عنك، أقم بينك وبينه حواراً، ادعُه، ناجه، وهذا هو علاجك.
قلت: والله أنعِم بهذا من طبيب، هذا طبيب القلوب، مشكلة الإنسان بعده عن الله، وكل ما يعانيه المجتمع المسلم هي أعراض مرضٍ واحد، هي أعراض الإعراض عن الله عزَّ وجل، القلق، الخوف، الحسد، الكلام الفارغ، العدوان، هذا كله من علامات البُعد عن الله عزَّ وجل، فإذا كنت مع الله كان الخُلُق الذي تتخلَّق به أعلى خُلُق، السيدة عائشة سئلت عن خلق رسول الله فقالت: "كان خُلُقه القرآن"، بل إن بعضهم يقول: النبي قرآنٌ يمشي، قرآن؛ بعفوه، ومسامحته، وصدقه، وأمانته، ومحبَّته، وإخلاصه.

 

أنواع النفس :

أثنى الله على النفس اللوامة
أيها الأخوة الكرام... بقي أن هناك نفساً مطمئنةً اطمأنت إلى رحمة الله، وإلى طاعته، وهناك نفسٌ أمارةٌ بالسوء، لم يقل الله عزَّ وجل: نفسٌ آمرةٌ بالسوء، بل أمَّارةٌ بالسوء، ونفسٌ لوَّامة، فإن لم نكن مع الزمرة الأولى فلنكن مع الزمرة الثانية..

﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾

[ سورة القيامة : 1-2]

هذه النفس التي تحاسب ذاتها كل يوم؛ لمَ قلت هذه الكلمة؟ لمَ نظرت هذه النظرة؟ لمَ ابتسمت هذه الابتسامة؟ لمَ أعطيت زيداً ولم تعط عُبيداً؟ لمَ هججت بفلان ولم ترحِّب بفلان؟ هذا الذي يحاسب نفسه كل يومٍ حساباً عسيراً؛ نفسه لوامة، وقد أثنى عليها الله عزَّ وجل، والأعلى من اللوَّامة أن تكون مطمئنةً إلى الله عزَّ وجل بسبب انضوائها في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
أيها الأخوة الأكارم... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، وسيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز مـن أتبع نفسه هواها، وتمنَّى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الشّرّ يبدأ من النّفس و ينقلب إلى عمل سيئ يستلزم العقاب :

أيها الأخوة الكرام... من أدعية النبي صلى الله عليه وسلَّم:

((الحمد لله نستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا))

[ من مختصر تفسير ابن كثير ]

استنبط بعض العلماء من هذا الدعاء أن النفس حينما تمتلئ بعداً عن الله، وشهوةً إلى الدنيا، السوء يبدأ من النفس، وينقلب إلى عمل، والعمل السيّئ يلزمه علاجٌ من الله عزَّ وجل. سوءٌ من النفس، وعملٌ سيّئ وعقابٌ من الله عزَّ وجل، " نعوذ بالله من شرور أنفسنا " التي تستلزم سيئات أعمالنا، وسيئات أعمالنا تستلزم عقاب الله عزَّ وجل.
في المسند والترمذي من حديث حصين بن عبيد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال له:

((يا حصين، كم تعبد؟ - هو من أهل الشرك - قال: سبعةً، ستةً في الأرض وواحداً في السماء - قال: فمن الذي تُعِدُّ لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء، فقال عليه الصلاة والسلام: أسلم حتى أعلِّمك كلماتٍ ينفعك الله بها، فأسلم فقال: قل: اللهمَّ ألهمني رشدي، وقني شرَّ نفسي))

[ الترمذي عن عمران بن حصين]

الأمور واضحة والطريق إلى الله ميسر فاسلكه
الشر يبدأ من النفس، شهوةٌ خفيَّة، هذه الشهوة قد تحيد عن منهج الله، تنقلب إلى عمل، وحينما حادت الشهوة عن منهج الله وانقلبت إلى عمل يجب أن يكون العمل عدوانياً، وحينما يكون العمل عدوانياً لابدَّ من أن يعاقب الله هذا الإنسان، إذاً شرٌ في النفس، انقلب إلى عملٍ سيِّئ، والعمل السيّئ انقلب إلى عقابٍ في الدنيا أو في الآخرة، أو في كليهما.
أيها الأخوة... استعاذ النبي عليه الصلاة والسلام من شر النفس عموماً، ومِن شر ما يتولَّد منها من الأعمال، ومِن شر ما يترتَّب على ذلك من المكاره والعقوبات، فجمع بين الاستعاذة من شر النفس ومن سيئات الأعمال.
يا أيها الأخوة الكرام... الأمور واضحةٌ جداً، والطريق إلى الله سالك، وميسَّر، وحينما تخطُب ود الله عزَّ وجل تجد كل شيءٍ في خدمتك، كل شيءٍ يدعوك إلى الله، الله عزَّ وجل يعطيك مُرَغِّبات، مشجِّعات، العبرة أن تعزم عزماً أكيداً صادقاً على أن تصطلح مع الله، أمره بيِّن، حلاله بيِّن، حرامه بيّن، الطريق إلى مودته بيّن، الطريق إلى محبته بيّن، الأمور واضحةٌ جداً، ولكن النفوس مُسَيْطِرَة.
أيها الأخوة الكرام... الناس رجلان؛ رجل مَلَك نفسه فسعد في الدنيا والآخرة، ورجل آخر مَلَكَته نفسه فأهلكته في الدنيا والآخرة، كلمتان بين أن تملكها فتحملها على الحق، وتسعد بها في الدنيا والآخرة، وبين أن تملكك فتردك موارد الهلكة.

الدعاء :

اللهمَّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن توليت، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك.
اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها مَعاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خَير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهمَّ اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك، اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تهلكنا بالسنين، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين.
اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعزَّ المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018