أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 077 ب - اسم الله الواسع 2 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 077 ب - اسم الله الواسع 2


2008-04-19

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الله عز وجل وسع إحسانه جميع الخلائق:

أيها الأخوة الكرام: لازلنا مع اسم "الواسع"، "الواسع" هو الله جلّ جلاله، وسع علمه كل شيء، ووسعت قدرته كل شيء، ووسعت رحمته كل شيء، يسع الخلق علماً ، وقدرة، ورحمة، وحكمة، وعدلاً، وكأن هذا الاسم يتصل بمعظم أسماء الله الحسنى.
"الواسع" هو المطلق، الذي لا يشغله معلوم عن معلوم، ولا شأن عن شأن، ولا مسموع عن مسموع، ولا دعاء عن دعاء، أحياناً الإنسان ينشغل بعمله عن أسرته، أو ينشغل بأسرته عن عمله، أو ينشغل بدراسته عن علاقاته، أو بعلاقاته عن دراسته، لكن الله سبحانه وتعالى لا يشغله شأن عن شأن.
وسع إحسانه جميع الخلائق، ولا يمنعه إغاثة ملهوف عن إغاثة غيره، العلماء يرجحون أن اسم "الواسع" اقترن بالمجيب، لو أن الخلق جميعاً، لو أن البشر جميعاً، ستة آلاف مليون دعوه في لحظة واحدة لأجابهم معاً.
أيها الأخوة، يسمع أصواتهم جميعاً، يعلم ضمائرهم جميعاً، يحصل مراداتهم جميعاً، واسع عليم، واسع قدير، واسع رحيم، ولك أن تتابع الأسماء الحسنى مع كلمة واسع.

الله جلّ جلاله واسع ليس له نهاية:

أيها الأخوة، الله جلّ جلاله واسع، إذ نظرنا إلى علمه، لا ساحل لعلمه، أما بنو البشر:

﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾

( سورة يوسف )

وإذا نظرنا إلى إحسانه ونعمه فلا نهاية لإحسانه ونعمه.

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ ﴾

( سورة إبراهيم الآية: 34 )

هل يمكن أن تقول لإنسان عدّ هذه الليرة، هي واحدة، أي إن تعدوا فضائل النعمة الواحدة أنتم عاجزون عن إحصائها، فلأن تكونوا عاجزين عن شكرها من باب أولى ، وكل سعة مهما عظمت تنتهي إلى طرف، يعني الكون لأنه ما سوى الله له نهاية، ومع ذلك الكون الذي هو ما سوى الله، ونظرياً له نهاية عندنا ليس له نهاية، أربع سنوات ضوئية أقرب نجم ملتهب.
أن نصل إليه مليون سنة، القفزة الثانية نجم القطب من أربع سنوات ضوئية لأربعة آلاف سنة، القفزة الثالثة من نجم القطب إلى المرأة المسلسلة، مليونا سنة ضوئية وهناك قفزات، آخر قفزة نجم يبعد عنا 24 مليار سنة ضوئية، إلى هنا وصل علمنا.

﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾

( آية الكرسي من سورة البقرة الآية: 255 )

هذا الكون ونظرياً له نهاية، لأنه ما سوى الله، يعني أكبر محيط المحيط الهادي بعد شهرين تصل إلى شاطئه، له نهاية.
رواد الفضاء القمر وصلوا إليه، وصلوا إلى أية مسافة ؟ ثانية ضوئية واحد بعد القمر عنا ثانية ضوئية 360 ألف، الضوء يقطع بالثانية الواحدة ثلاثمئة ألف يعني ثانية وقليل، يقول لك: غزونا الفضاء، أنتم تجاوزتم ثانية ضوئية واحدة، والـ 24 مليار سنة ضوئية ؟ الإنسان المعاصر إنسان متأله، يدّعي ما ليس له، كل شيء مهما بدا لك واسعاً له نهاية، لكن الله سبحانه وتعالى ليس له نهاية، هذا معنى من معاني "الواسع".

 

الله عز وجل واسع خلق كل إنسان بميزات تختلف عن الآخر و يتميز عن الآخرين بـ:

1 ـ قزحية العين:

هناك معنى آخر لطيف، إذاً الله "الواسع"، ستة آلاف مليون إنسان كل إنسان له قزحية عين خاصة.

2 ـ نبرة الصوت:

لا يوجد إنسان بالستة آلاف مليون إنسان تشبه نبرة صوته نبرة صوتك.

3 ـ رائحة الجلد:

لا يوجد إنسان بالستة آلاف إنسان رائحة جلده تشبه رائحة جلدك، ولولا هذه الخصوصية لما كان من معنى لاستخدام الكلاب البوليسية.

4 ـ بصمة الأصبع:

توقيع هذه البصمة فيها جزر، فيها خلجان، فيها رؤوس، فيها خطوط، فيها منحنيات، فيها أشجار، فيها مئة علامة، يا رب لو تشابهت سبع علامات من المئة لكانتا لإنسان واحد، سبعة، بعض المجرمين أخذوا قطعة لحم من مكان آخر وضعوها فوق بصمة الإصبع، كي تختفي معالم الجريمة، بعد أربعة أشهر ظهرت ملامح البصمة الأصلية على الجلد الذي زُرع فوق بصمة الأصبع، هوية.
يعني بالعقود مع التوقيع يستخدمون بصمة الأصبع، لأنه عندما تقدم الوثيقة يقال لك التوقيع مزور، ثمان سنوات لجان تفحص التوقيع كي تصل إلى صحة التوقيع، استخدموا بصمة الأصبع.

5 ـ النطفة:

الآن النطفة، نطفة الإنسان هوية له، وهناك مؤتمر علمي حضرته في القاهرة ألقى أحد المندوبين محاضرة عن النطفة، وكيف أنها هوية، فعند المرأة جهاز يستقبل هوية هذه النطفة، بالتعبير الأجنبي: ( الكود ) ويُخزن، ما دامت هذه العلامة تأتي تباعاً فهو زوجها، فإذا جاءت علامة أخرى فهو الزنا، لكن متى يمكن للمرأة أن تستقبل علامة أخرى وهي امرأة شريفة ؟ بعد أربعة أشهر، هذه العدة، يموت زوجها، وبعد انقضاء العدة تتزوج الآن تستقبل نطفة جديدة.

6 ـ الزمرة النسيجية:

الآن الزمرة النسيجية هوية، الدموية شيء، أما أنا الآن أتحدث عن الزمرة النسيجية، لكل إنسان زمرة نسيجية خاصة به، هذا معنى اسم "الواسع"، يارب لو تشابهت ورقتا زيتون لما سميت "الواسع".

7 ـ ملامح الوجه:

الآن ملامح الوجه، تقريباً ليس هناك وجه يشبه وجهاً آخر، قد يكون هناك تشابهاً بالخطوط العريضة، أما بالتفاصيل الوجه هوية، اللون، بآلات التصوير نرى الألوان متقاربة أما بالعين هذه العين تفرق بين 8 ملايين لون، أنت إذا جلست إلى مجموعة أشخاص ترى كل شخص بلون، لو صورتهم تراهم جميعاً بلون متقارب.

8 ـ قوام الإنسان:

قوام الإنسان، طريقة مشيه، طريقة حديثه، الله عز وجل خلق كل شيء من لا شيء، على غير مثال سابق، لكن الإنسان يخلق مجازاً شيئاً من كل شيء، على مثال سابق، فرق كبير، لذلك سمح الله لذاته العلية أن يوازنها مع خلقه، قال:

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

( سورة المؤمنون )

9 ـ الكلية الصناعية:

الكلية الصناعية بحجم هذه الطاولة، ولابد من أن تستلقي إلى جانبها 8 ساعات وثلاث مرات في الأسبوع، وتنقية الدم ليست تامة، يبقى بعض حمض البول، وهذا يسبب شدة نفسية، وتعصيب غير اعتيادي، أما الكلية التي صنعها الله عز وجل بحجم البيضة تعمل بصمت.

الله عز وجل مبدع خلق كل شيء فأحسن خلقه:

أنت تصمم مركبة بسنة الخطوط كلها منحنية، بسنة الزوايا حادة، بسنة النافذة الخلفية صغيرة، كالمركبات القديمة، بسنة واسعة جداً، لكن أنت تلاحظ بعد حين يعودون إلى نموذج قديم، خيالهم الإبداعي محدود، تصور إنسان يعيش فرضاً بالمريخ، له رأس وجذع، ويدان، ورجلان، هذا خيال الإنسان، لكن الله عز وجل مبدع، كيف ؟
هل تستطيع أن تحصي أشكال أوراق النبتات من أوراق كبيرة، إلى أوراق مسننة، إلى أوراق إبرية ؟ والله لو ذهبت أو أمضيت كل حياتك في تعداد أنواع أوراق النبتات لا تنتهي، الله مبدع.

﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 117 )

أنواع السمك مليون نوع من الأسماك، هناك أسماك كالمزهرية، أسماك كالسحابة السوداء، أسماك شفافة، أسماك فسفورية، أسماك تدافع عن نفسها بصعقة كهربائية، ستة آلاف فولت أحياناً، أنواع الأسماك لا يعلمها إلا الله، هناك أسماك تمشي على أرجل في قاع المحيطات.
ثمانية عشر مجلداً حول نبتات الأبصال، وكل صفحة نوع من النبتات، ملون، وتحت هذه الصورة طباعه، يحتاج إلى هواء، إلى شمس، إلى ماء، ثمانية عشر مجلداً وكل مجلد هكذا حجمه، وكل صفحة نبات، يا رب لو تشابهت ورقتا زيتون لما سميت "الواسع".

 

فضل الله عز وجل واسع لا حدود له:

الله عز وجل "الواسع"، فضله عميم، لكن ما عند الإنسان محدود، يقول لك ما في شواغر، أتمنى والله، أما فضل الله عز وجل واسع لا حدود له، قال:

قل لمن بات لي حاسداً أتدري على من أسأت الأدبا
أسأت على الله في فعله إذ لـــم ترضَ بما وهبا
* * *

﴿ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾

( سورة البقرة )

وفضل الله يسعك، ويسع أخاك، ويسع الناس جميعاً.
لذلك المؤمن بدل أن يحسد الناس يسأل الله، مرة قرأت بيتين:

ملك الملوك إذا وهب لا تسألن عن السبب
الله يعطـي من يشاء فقف على حدّ الأدب
* * *

أنا عدلته، قلت:

ملك الملوك إذا وهب قم فاسألن عن السبب
* * *

فضل الله عميم، فضل الله عز وجل له قواعد.

ملك الملوك إذا وهب قم فاسألن عن السبب
* * *

الله يعطي من يشاء من عباده، من يشاء تعود على العباد.

فقف على حدّ الأدب
* * *

 

من علا مقامه اتسعت رؤيته و إحسانه:

أيها الأخوة، مرة كنت أركب طائرة من الجزائر إلى دمشق، قائد الطائرة دعاني إلى أن أشهد الهبوط في غرفة القيادة، والله بهذه العين، ونحن داخلون إلى بلدنا الطيب، قال لي: هذا مطار بيروت، وهذه طرابلس، وأستطيع أن أرى إلى صيدا، وإلى طرطوس بنظرة واحدة، ماذا نفهم من هذا ؟ كلما علا مقام الإنسان تتسع رؤيته، أنا على ارتفاع 30 ألف قدم، بنظرة واحدة، بهذه العين رأيت بيروت، وطرابلس، وبإمكاني أن أرى قريباً من صيدا، وقريباً من طرطوس 30 ألف قدم، رواد الفضاء رأوا الأرض كلها.
النقطة الدقيقة: كلما علا مقامك اتسعت رؤيتك، كلما علا مقامك اتسع إحسانك، الآن معظم الناس اهتمامه ينصب على أولاده فقط، في إنسان أرقى اهتمامه على أفراد عائلته الكبيرة، يقول لك:عميد العائلة، يهتم بالشباب، بالشابات، يزوجهم، يدخل وسيطاً، إذا تدخل في حلِّ مشكلات هذه الأسرة الكبيرة، وهناك إنسان يهتم بأبناء بلده، لكن الأنبياء وحدهم يهتمون بالبشرية كلها، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً ))

[أخرجه الحاكم عن أبي الدرداء ]

أخوانا الكرام، الله واسع، في بعض الأحاديث القدسية:

(( يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ ـ ذلك لأن عطائي كلام، كن فيكون، وأخذي كلام، زل فيزول ـ فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))

[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]

أيها الأخوة، تصور لو أن العباد جميعاً كانوا كسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لأعطاهم كما أعطى محمد صلى الله عليه وسلم، فضل الله واسع، الدنيا فيها تنافس، أما الآخرة تسع جميع الخلق.
لذلك أعرابي انزعج من أصحاب رسول الله لما عنفوه، قال: يا رب ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، قال له: يا لقد حجرت واسعاً، فضل الله عميم.

 

على كل إنسان أن يتخلق بكمال مشتق من كمال الله عز وجل:

أخوانا الكرام، إذا عرفنا اسم "الواسع" لا نتقاتل، نتعاون، التقاتل على الدنيا ، على النفط، على مصادر المياه، على القمح، هناك معركة مناطق نفوذ، وهناك معركة قمح هذه قادمة، وهناك معركة مياه، وهناك معركة نفط، وكل هذه المعارك غير مقدسة.
الظالم ! قال: لو يعلم الظالم ماذا أعدّ الله للمظلوم بسبب ظلمه، لضن عليه أن يظلمه، الله مع المظلوم، لو يعلم الظالم ماذا أعدّ الله للمظلوم من عطاء، لضن عليه أن يظلمه.
بالمناسبة من باب التخلق بهذا الكمال:

(( إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم ))

[أخرجه أبو يعلى عن أبي هريرة ]

بإمكانك أن تكون لطيفاً مع الجميع، كان عليه الصلاة والسلام لا يطوي بشره عن أحد، ابتسامته، ترحيبه، تألق وجهه، لا يطوي بشره عن أحد.

(( تَبَسُّمُكَ في وجه أخيك صدقة ))

[أخرجه الترمذي عن أبي ذر الغفاري ]

(( إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم ))

[أخرجه أبو يعلى عن أبي هريرة ]

أنا أرى من أن التخلق بهذا الاسم، وكنت أقول لكم دائماً: ينبغي أن تتخلق بكمال مشتق من الله عز وجل، الله واسع يجب أن تتسع دائرة علمك، لا تكن جاهلاً، يجب أن تتسع دائرة إحسانك، يجب أن تتسع دائرة عفوك لتشمل كل الناس، كلما اتسعت دائرة علمك، ودائرة إحسانك، ودائرة عفوك كنت أقرب إلى الله عز وجل، هناك قلب صغير لا يتسع للآخر، هناك قلب كبير يكبر ويكبر، ولا ترى كبره فيتضاءل أمامه كل كبير، وهناك قلب صغير ينتقم، يصغر ولا ترى صغره، فيتعاظم عليه كل حقير.
مرة رئيس فرنسي ألقى خطبة تعد أقصر خطبة في تاريخ فرنسا بعد الانتخابات قال: أشكر من انتخبني، وأحترم من لم ينتخبني، وأنا لكل الفرنسيين.
وأنت كمؤمن أنت لكل الناس، تفرقة ما عندك أبداً، تقدم إحسانك لكل الناس، تقدم خبرتك لكل الناس، تقدم عفوك لكل الناس، يعني الأصل أن الكبير يسع الصغير ، والحليم يسع الأحمق، والعالم يسع الجاهل، والغني يسع الفقير، بل إن المؤمن يتسع للحسود وغيره، بل يتسع لمن أساء إليه.
الملخص أن يتسع حلمك لكل الناس، وعطفك لكل الأولاد، لأقربائك ولغير أقربائك.
أيها الأخوة، اسم "الواسع" اسم عظيم، وأنت مرشح أن تأخذ كمالاً كبيراً من هذا الاسم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018