الخطبة : 0732 - ذكر الله تعالى2 - معاهدة القلوب. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0732 - ذكر الله تعالى2 - معاهدة القلوب.


2000-01-28

الخطبة الأولى:
الحمد لله ثمّ الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله، وما توفيقي، ولا اعتصامي، ولا توكّلي إلا على الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارًا برُبوبيَّته، وإرغامًا لمن جحد به وكفر، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر، وما سمعت أذنٌ بِخَبر.
اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

ذكْرُ الله شحنة روحيّة وهي قِوامُ كلِّ عملٍ صالحٍ :

أيها الأخوة الكرام، كان موضوع الخطبة السابقة عن الذِّكْر، وقد قال الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾

[ سورة الأحزاب : 41-42]

الذكر هو الشحنة الروحية وقوام كل عمل صالح
وقال تعالى:

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِي ﴾

[ سورة البقرة: 152 ]

وقال عليه الصلاة والسلام:

((ألا أنبّئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إنفاق الذّهب والفضّة، وخيرٌ لكم من أن تلْقَوا عدوَّكم فتضربوا عناقهم، ويضربوا عناقكم ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذِكْرُ الله))

[مالك والترمذي وأحمد في المسند والحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء]

أيها الأخوة الكرام، الذِّكْرُ هو الشّحنة الروحيّة التي هي قِوامُ كلِّ عملٍ صالحٍ، فهو أفضلُ شيءٍ لأنّه أساسُ كلّ شيء، ولأنّه سببُ كلّ عملٍ صالح تتقرَّبُ به إلى الله عز وجل، ولئلاّ يذهب الظنّ بِبَعضِنا إلى أنّ الذِّكْرَ أنْ تجلسَ، وتذكرَ الله تعالى ذِكْرًا ألِفْناهُ في بعض العُصور، الذِّكْرُ له معانٍ واسعةٌ جدًّا، نوَّهْتُ عنها في الخطبة السابقة، وأريد في هذه الخطبة أنْ أزيدها تفصيلاً.

 

أنواع الذكر :

الذكر قد يكون ذكر الله وصفاته
أيها الأخوة الكرام، أحدُ أنواع الذِّكْر أن تذْكُر أسماء الله تعالى، وأن تذكرَ صِفاتِهِ، وأن تُثْنِيَ عليه، وأن تُنَزِّهَهُ عمَّا لا يليقُ به، هذا أحدُ أنواع الذِّكْر، وقد ورد في الأحاديث الصحيحة، أنّ النبي عليه الصلاة والسلام كان يذْكُر الله من هذا القبيل، يقول: سبحان الله وبِحَمده، سبحان الله العظيم، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، سبحان الله وبحمده لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمْد، يُحْيي ويُميت، وهو على كلّ شيءٍ قدير، هذا نوعٌ من الذِّكْر، أنْ تذكرَ أسماء الله عز وجل، وأن تذْكر صفات الله عز وجل، وأن تثني على الله عز وجل، وأن تنزّه الله عمَّا لا يليق به.
أيها الأخوة، ولكن هناك ذِكْراً أفْضَلُ مِن ذِكْرٍ، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنّه قال:

(( لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ : سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ ))

[ مسلم عَنْ جُوَيْرِيَةَ ]

خاطَبَ جُوَيْريّة، وكانت تذكر الله، تقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، قال لها:

(( لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ : سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ ))

[ مسلم عَنْ جُوَيْرِيَةَ ]

وفي الترمذي عن سَعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنَّه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم على امرأةٍ بين يدَيها نوى، أو حصًى تُسبِّحُ بها فقال عليه الصلاة والسلام:

(( سبحان الله عدد ما خلقَ الله في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالقٌ، والله أكبرُ مثل ذلك، ولا إله إلا الله ولا حوْل ولا قوّة إلا بالله مثلُ ذلك))

[الترمذي عن سَعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه ]

الذكر الثاني أن تعرف الناس بالله عز وجل
هذه أنواعٌ من الذِّكْر، وردَتْ عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم، هناك نوْعٌ آخر له شأْنٌ كبير، ولا سيما في هذا العصْر، أنْ تخبِرَ عن الله تعالى، أن تخبرَ عن الله عز وجل وتقول: الله عز وجل يسمعُ أصوات عِباده، ويرى حركاتهم، لا تخفى عليه خافيَةٌ من أعمالهم، أرْحمُ بهم من آبائهم، ومن أُمّهاتِهم، هو على كلّ شيءٍ قدير، لله أفْرحُ بِتَوبة عبده من الفاقد راحلتِهِ، ونحو ذلك، وهذا نوعٌ من الذِّكْر جليلٌ جدًّا، أن تعرّف الناس بالله عز وجل، ربّنا رحيم، ربّنا كريم، ربّنا توّاب، ربّنا قويّ، ربّنا يُجيبُ دَعوَة الداعي إذا دعاه، ربّنا أمرنا أنْ نسْتعينَ به، وما أمرنا أن نستعين به إلا ليُعِيننا، ربّنا أمرنا أن نسألهُ جوْف الليل، ووقْت السَّحر، وأن نسألهُ حاجتنا كلّنا، سُؤْلنا كلّه، أن تحدِّث الناس عن الله عز وجل كلامًا طويلاً، مستفيضًا، تبيّن لهم أسماء الله الحسنى، وصِفاته الفُضْلى، وكيف يُعامِلُ عِبادهُ ؟ كيف يرْحمهم ؟ وكيف يعلمُ سكناتهم؟ وكيف يعلم حركاتهم ؟ وهذا نوعٌ آخر من الذِّكْر، ولعلّ هذا النوع هو ذِكْرُ الدُّعاة لله عز وجل، يذْكرون الله لِعِباده، يُعَرِّفون الله لِعِباده، يقرِّبون العباد إلى ربّهم، يُحبِّبون الله إلى عباده، يحملونهم على طاعة الله، يبيِّنون لهم طريق الوُصول إلى الله تعالى، هذا من أجلّ أنواع الذِّكْر.
لعلّ النوع الأوّل هو ذِكْرُ تعبدىّ فرديّ، ولعلّ النوع الثاني ذِكْرُ الدَّعْوَة إلى الله عز وجل، وكلاهما ذِكْرٌ لله عز وجل، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾

[ سورة الأحزاب : 41-42]

وقال تعالى:

﴿ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِي ﴾

[ سورة البقرة: 152 ]

قرب الناس إلى الله ولا تنفرهم منه
اُذْكروني لِعِبادي، بيِّنوا لهم عَظَمتي، بيِّنوا لهم رحمتي، بيّنوا لهم حِكْمتي، هناك مَن ينفِّر، هناك من يقول: نجّار عندهُ قِطْعتا خشَب، جعل أحدهما باب قصْر، والثانيَة باب كنيف، ألَكَ عندهُ سؤال ؟ طبْعًا لا، لكنّ هذا الكلام لا يُحبّب الله إلى عبادهِ، بعضهم يعْتقِدُ عقيدة الجَبْر، ويبيّن للناس أنّ الله خلق الإنسان كافرًا، وأجْبرهُ على الكُفْر، وسيضَعُهُ في جهنّم إلى أبد الآبدين، هذا ليس مقرِّباً، ولكنَّه منفِّرٌ، هناك من يقول: قد تُطيعهُ طوال حياتك، ويجعلك في النار، هو على كلّ شيءٍ قدير، ولكنّ الله عز وجل قال:

﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود: 56 ]

قال تعالى:

﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾

[ سورة سبأ : 17]

قال تعالى:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة: 7-8]

قال تعالى:

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾

[ سورة الشورى : 30]

هذا التوضيح المبتور، تأتي بِنَصّ دون أن تربِطَهُ بِبَقِيَّة النُّصوص، أن تأتي بِنَصّ لو جُمِعَ مع بقيّة النُّصوص لكان متكامِلاً معها، أما أن تجْتزِئ نصًّا، وأن تلحّ عليه، وأن تنفّر الناس منه، أنت لسْتَ مقرِّبًا إلى الله عز وجل، ولسْتَ تُحَبِّبُ الله إلى عباده، ولسْتَ تحملُهم على أن يتَّصِلوا به، ولا على أن ينصاعوا لأمره.

 

الذِّكْر ينبغي أن يكون حمْدًا وثناءً وتمجيدًا لله عز وجل :

أيها الأخوة الكرام، الذِّكْرُ الأوَّل هو ذِكْرُ العبادة، ولكنّ الذِّكْر الثاني هو ذِكْرُ الدَّعوَة إلى الله تعالى، يجبُ أن تعرّف الناس بأسماء الله الحسنى وبصِفاتِهِ الفُضْلى، أن تعرّفهم بِكَرمِهِ، بِرَحمتِهِ، بِعَفْوِهِ، ومحبّته لعِباده، وبِفَرَحِهِ بِتَوْبتِهِم، يجبُ أن تجعل من دعوتك تعريفًا بالله عز وجل، ويجبُ أن تعرّف بالآمر قبل أن تعرّف بالأمْر، لأنّ كلمتي المشهورة ؛ إنْ عرَّفْتهم بالأمْر ولم تعرِّفهم بالآمِر تفنَّنوا في التفلُّت من هذا الأمْر، أما إن عرَّفْتهم بالآمر، ثمّ عرَّفْتهم بالأمْر تفانَوا في طاعة الآمر كما فعَلَ عليه الصلاة والسلام، أمْضى حِقْبةً طويلة في مكّة يعرّفهم بالآمِر، فلمَّا اسْتقرّ الإيمان في قلوبهم، ولمّا تمرَّسُوا بِمَعرفة الله عز وجل جاء التشريع، فإذا هم من الورع بِمَكان.
أيها الأخوة الكرام، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي:

((إذا قال العبد: الحمد لله ربّ العالمين، قال الله تعالى: حمِدَني عبْدي، وإذا قال العبد: الرحمن الرحيم، قال الله: أثْنى عليّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدِّين، قال الله: مجَّدني عبدي))

[ القرطبي عن أبي هريرة]

اسْتنبطَ بعض العلماء أنَّ الذِّكْر ينبغي أن يكون حمْدًا، وثناءً، وتمجيدًا لله عز وجل، لذلك قالوا: المُحِبّ الساكتُ لا يكون حامِدًا، والحامِد غير المحبّ لا يكون حامِدًا، لا بدّ من أن يمتلئ قلبك محبّة له، ولا بدّ أن يلْهَجَ لِسانُكَ بِحَمْدِهِ، ولا بدّ من أن تمجّده للخلق.

 

أجلّ أنواع الذكر ذكر أمر الله و نهيه و أحكامه التشريعية :

الذكر الثالث أن تذكر أوامر الله ونواهيه
أيها الأخوة الكرام، وهناك نوعٌ من الذِّكْر هو من أجلّ الأنواع أيضًا، أن تذْكُر أمْرَهُ، وأن تذْكُر نهْيَهُ، وأن تذْكُر أحكامهُ التشريعيّة، هذا هو الأمْر، هذا حلال، وهذا حرام، وهذا مكروه، وهذا مندوب، وهذا مُباح، وهذا فرْض عيْن، وهذا فرض كفاية، وهذا محرّم، وهذا شِرْك، وهذا كُفْر، أنت حينما تعرف الله تشعرُ بِحاجةٍ قويّة أن تتقرَّب إليه، بما تتقرَّبُ إليه ؟ بِطاعَتِهِ، تُطيع مَاذا ؟ تُطيع أمْرهُ، أين أمرهُ ؟ إذًا جزءٌ من الدَّعْوَة إلى الله أن تعرِّفَ الناس بأمْره، وكأنَّ الدَّعْوَة تقوم على دِعامَتَين ؛ أنْ تعرِّفَ الله بذاته، أن تعرّف العباد بذات الله عز وجل، وبأسمائِه الحسنى وبصفاتهِ الفضلى، وبالتوحيد لأنّه خالق السموات والأرض، وربّ العالمين، ومُسيِّرُ كلّ شيء، واحد أحدٌ، فرْد صَمَد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، واحدٌ في ذاتِهِ، واحدٌ في صفاته، واحدٌ في أفعاله، هذا جانبٌ من الذِّكْر، والجانب الثاني، أن تذْكرَ أمْرهُ ونهْيَهُ، إطلاق البصَر حرام، وغضّ البصَر أمْرٌ إلهي في القرآن الكريم، ضبْط اللّسان أمْرٌ إلهي، كيف مُسِخَ الدِّين عند الناس إلى عبادات شعائريّة جوفاء ؟ كيف يقول جعفر رضي الله للنجاشي:

((أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده، ونعبده، ونخلع ما كنا نحن نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده، ولا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ))

[الإمام أحمد في مسنده عن أم سلمة أم المؤمنين ]

الصلاة يجب أن تنهى مؤديها عن الأخلاق الذميمة
منهجٌ أخلاقي كامل، الإيمان كلّه صِدْق، الإيمان كلّه محبّة، الإيمان كله إخلاص، الإيمان كلّه عِفّة، هذا الذي يُصلّي، ويضْحِكُ الناس بِنُكَتٍ بذيئة جنسيّة، كيف تنْسجِمُ الصلاة مع هذا المزاح البذيء ؟ هذا الذي يُصلّي ولا يُؤْتَمَنُ على مال، وهذا الذي يصلّي، ولا يؤْتَمَن على عِرْض، ما قيمة هذه الصلاة ؟ نقول له: اسْتمرّ على الصلاة، وانتَبِه إلى لوازم الصلاة، قال تعالى:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

[ سورة العنكبوت: 45 ]

أيضًا أيها الأخوة، أنْ تذْكُر اسم الله، وأن تذكره بالحَمْد، والثّناء، والتمجيد، هذا ذِكْرٌ تعبّدي، وأن تذكُر الله لعباده معرِّفًا أنّه الخالق، والربّ، والمُسيِّر، وهو الإله الواحد الأحَد، أن تذكر أسماءه وصفاته الفضلى، هذا ذِكْرٌ دَعَوِيّ، الآن أن تذْكرَ أمْره ونهْيهُ، كيف تتقرَّب إليه ؟ بِطَاعتهِ، أين أمْرُه ونهْيُه ؟ جُزءٌ من الدِّين أن تبيِّنَ أمْرهُ ونهيَهُ، هذا ذِكْرٌ، ولكنّ بعض العلماء رحمهم الله تعالى قالوا: أما الفقْه الأكْبر ؛ إنْ ذَكَرْت أمْرهُ بادرْت إلى تنفيذ هذا الأمْر، وإن ذكرْت نهْيَهُ ابْتَعَدْت عن هذا النَّهْي بُعْد الأرض عن السّماء، أي أن يجدك الله عند الحلال والحرام، أن يجِدَكَ حيثُ أمرك، وأن يفتقدَك حيث نهاك، هذا هو الفقه الأكبر، أن تطبّق هذا الذي تعلّمُه للناس، الفقْه الأكْبر ؛ إنْ ذَكَرْت أمْرهُ بادرْت إلى تنفيذ هذا الأمْر، وإن ذكرْت نهْيَهُ ابْتَعَدْت عن هذا النَّهْي.
من غير الله جعل الماء عذبا مستساغا
أيها الأخوة الكرام، ولعلّ من باب التقريب أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((كلّ أمرٍ ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبْتر ))

[ أبو داود عن أبي هريرة ]

أنت حينما تمْسك كأس الماء لِتَشربهُ، تقول: بسم الله الرحمن الرحيم، مَن جعَلَ هذا الماء عذْبًا مُستساغًا ؟ الله جلّ جلاله، لو كان مِلْحًا أُجاجًا ماذا نفْعَل ؟ يموت الناس في البحر وهم على الماء محمولون من شِدّة العطش، فإذا ذكرْت الله عز وجل، أيْ إذا قلْت: بسم الله الرحمن الرحيم، أن تذْكُرَ المُنْعِم، وأن تذْكُرَ أمْر المُنْعِم، أمرَكَ النبي أن تشْربَ قاعِدًا، وأن تشرب على ثلاث دَفْعاتٍ، وأن تمصّ الماء مصًّا لا أن تعبَّهُ عبًّا، إذًا البسملة تعني أن تذْكُر المنْعِم، وأمْر المُنْعِم في كلّ شيءٍ، ذهَبْتَ إلى محلّك التِّجاري، بسم الله الرحمن الرحيم، ينبغي أن تجعَلَ هذا العمل التِّجاري في خِدْمة الحقّ، أمركَ أن تبدأ عملكَ ببسْم الله الرحمن الرحيم إن كنت طبيبًا، أيْ أن تبتغي بهذه الحِرفة وَجْه الله عز وجل فتكون صادقًا مع المرضى، مُتْقِنًا في عملك، ناصحًا لهم.
أيها الأخوة، وهذا الذِّكْرُ الثالث هو ذِكْر الفقه الأكبر، إنْ ذَكَرْتَ أمْرًا بادرت إلى تنفيذه.

 

ذِكْرُ القلب يُثْمِرُ المعرفة ويهيِّجُ المحبّة ويُثير الحياء :

ذكر القلب يثمر المعرفة
أيها الأخوة الكرام، بقيَ شيءٌ، قالوا: الذِّكْرُ خمسةُ أنواع ؛ ذِكْرٌ بالقلب واللّسان معًا، وهذا أفضلُ أنواع الذِّكْر على الإطلاق، وذِكْرٌ بالقلب وحْدهُ وهو في الدرجة الثانية، وذِكْرٌ باللّسان وحْده، وهذا في الدرجة الثالثة، ذلك أنّ الذِّكْر يرقى إذا اجتمعَ فيه القلب واللّسان معًا، أما إذا كان ذِكْر القلب وحده، فهو أفضلُ من ذِكْر اللّسان وحْدهُ، أما الأكْمل فأن يكون القلب ذاكرًا، واللّسان ذاكرًا.
قالوا: ذِكْرُ القلب يُثْمِرُ المعرفة، ويهيِّجُ المحبّة، ويُثير الحياء، ويبعثُ على المخافة، ويدعو إلى المراقبة، ويزَعُ عن التقصير في الطاعات والتهاوُن في المعاصي والسيّئات، أما ذِكْرُ اللّسان وحدهُ فلا يوجِبُ شيئًا فهذا ثمرتُه ضعيفة.
هذا الذي يذكرُ بلسانه فقط، نقول له: اسْتمرّ في ذِكْر اللّسان، وأضِف له ذِكْر القلب، لأنّ ذكْر اللّسان وحدهُ قيمته ضعيفةٌ جدًّا.

الذكر أفضل من الدعاء :

الدعاء يجب أن يبدأ بحمد الله والثناء عليه
أيها الأخوة الكرام، شيءٌ آخر في هذا الموضوع، قالوا: الذِّكْرُ أفْضلُ من الدّعاء، استِنادَا إلى الحديث القدسي:

((من شغلهُ ذِكري عن مسْألتي أعْطَيتهُ أفضَلَ ما أُعطي السائلين))

[ سنن الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ]

لذلك المُستحبّ في الدّعاء أن يبْدَأ الداعي بِحَمْد الله تعالى، والثّناء عليه بين يدي حاجته، ثمّ يسأل حاجته، كما في حديث فُضالة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم سمِعَ رجلاً يدْعو في صلاته ولم يحمد الله تعالى، ولم يُصلّ على النبي عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام:

((عجَّلَ هذا، ثمّ دعاهُ فقال له: إذا صلّى أحدكم فلْيبدأ بِتَمجيد ربّه عز وجل، والثناء عليه، ثمّ ليصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلّم، ثمّ يدعو بما شاء ))

[ الحاكم عن فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ ]

فالذِّكْر بِشَكلٍ دقيق أفْضلُ من الدّعاء، أما إذا كان لا بدّ من الدّعاء فلْتبدأ بذِكْر الله عز وجل، بِحَمْدِهِ، والثناء عليه، ثمّ بالدّعاء، هذا الحديث صحيح رواه الحاكم في صحيحه.

 

أصول الدعاء :

أيها الأخوة الكرام، قُدْوتنا في الدّعاء دُعاءُ سيّدنا ذي النون عليه السلام فقال عليه الصلاة والسلام: دَعْوةُ أخي ذي النون ما دعا بها مكروبٌ إلا فرَّجَ الله كُرْبَتَهُ ؛ ماذا قال ؟ قال: وهو في بطْن الحوت في ظلماتٍ ثلاث، في ظلمة بطْن الحوت، وظلمة البحر، و ظلمة الليل: لا إله إلا أنت سبحانك إنِّي كنتُ من الظالمين، قال تعالى:

﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة الأنبياء : 87-88]

أفضل دعاء للنجاة دعاء سيدنا يونس في بطن الحوت
هذا قانون، وهذا الكلام دقيقٌ جدًّا، ما أراد الله أن يحدِّثنا عن قصّة نبيّ، لا، بل أراد أن يجْعَلَ من دُعاء النبي منْهجاً لنا في حياتنا، فمهما تكن مصيبتك لا يمكن أن تزيد عن إنسانٍ وجَدَ نفسهُ فجأةً في بطن الحوت، ماذا يفعل؟ احتمال النجاة بالمليار واحد، ومع ذلك نجّاه الله تعالى، فأيّةُ قضيّة هي أهْوَنُ من قضيّة سيّدنا يونس بِكَثيرٍ، لا إله إلا أنت سبحانك إنِّي كنتُ من الظالمين، فإنّه لم يدع بها مسلم قطّ إلا استجابَ الله له، سيّدنا يونس ما قال: يا ربّ أنقذني، قال: لا إله إلا أنت سبحانك إنِّي كنتُ من الظالمين، لم يقل شيئًا، أثنى على الله عز وجل، هنا قال العلماء: الثَّناء على الله دُعاء، أي إذا قالت أم لإنسان ابنها عندهُ أسير: أنت رحيم، ماذا تقصِدُ الأمّ من كلمة أنت رحيم ؟ أنت عادل، وأنت لا ترضى بالظّلم، ما معنى هذا الكلام ؟ أي فُكَّ أسْر ابني، هذا هو معناه.
وفي الترمذي يقول عليه الصلاة والسلام:

((دعْوَةُ أخي ذي النون إذْ دعا وهو في بطْن الحوت، لا إله إلا أنت سبحانك إنِّي كنتُ من الظالمين، فإنّه لم يدع بها مسلم قطّ إلا استجابَ الله له))

[ الترمذي عن سعد بن مالك ]

يعلّمنا النبي عليه الصلاة والسلام أُصول الدّعاء، كان عليه الصلاة والسلام يدعو في ساعات الكرْب يقول: "لا إله إلا الله الحليم العظيم، لا إله إلا الله ربّ العرش العظيم، لا إله إلا الله ربّ السموات وربّ الأرض وربّ العرش الكريم" هو يُثني على الله عز وجل، ويبيّن أنّه واحد أحَدُ لا شريك له، وحدهُ الفعّال، وحْدهُ المعطي، وحدهُ المانع، وحده الخافض الرافع، وحده المعزّ المذلّ، هذا معنى لا إله إلا أنت الحليم الكريم، الرحمن الرحيم، ربّ العرش العظيم، الأمر إليك، وأنت هكذا يا ربّ، القضيّة طُوِّقَتْ، أنت تُعاني مشكلة، الأمْر بيَدِ اله ، والله عز وجل كريم، ورحيم، وقدير، وسميعٌ، ومُجيبٌ، فهذا قِمّة في الدّعاء ؛ لا إله إلا الله الحليم العظيم، لا إله إلا الله ربّ العرش العظيم، لا إله إلا الله ربّ السموات وربّ الأرض وربّ العرش الكريم.
عن أنس رضي الله عنه أنّ النبي عليه الصلاة والسلام سمِعَ رجلاً يدعو ويقول:

((اللهمّ إنِّي أسألك بأنِّي أشْهدُ أنَّك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصّمد، الذي لم يلد، ولم يولَد ولم يكن لهُ كفوًا أحدًا، فقال عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيدِه لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سئِلَ به أعطى ))

[ النسائي عن أنس ]

أيها الأخوة الكرام، هذا من السنّة التقريريّة، وسنّة النبي عليه الصلاة والسلام قوليّة، وسنّتهُ فِعْليّة، وهذا من السنّة التقريريّة، سمِعَ النبي عليه الصلاة والسلام دعاء أحد أصحابه فقال:

((والذي نفسي بيدِه لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سئِلَ به أعطى))

[ النسائي عن أنس ]

وروى أبو داود والنسائي من حديث أنس أنّه كان مع النبي صلى الله عليه وسلّم جالسًا، ورجلٌ يُصلّي ثمّ دعا:

((اللهمّ إنِّي أسألك بأنّ لك الحمد، ولا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حيّ يا قيّوم، فقال عليه الصلاة والسلام: لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سئِلَ به أعطى))

[ أبو داود عن أنس ]

فأخْبَر النبي صلى الله عليه وسلّم أنّ الدّعاء إذا تقدَّمهُ هذا الثّناء والذِّكْر يُسْتجاب، فكان ذِكْر الله عز وجل والثّناء عليه أنْجَحَ ما طلبَ به العبد حوائِجه.

 

ابتداء الدّعاء بالثناء على الله أقْوى وأبلغ من أن يبدأ بِعَرْض الحاجة :

أيها الأخوة الكرام، دقّقوا في الدّعائين القرآنييْن، دعاء سيّدنا موسى عليه السلام، قال تعالى:

﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾

[ سورة القصص : 24]

ودعاء سيّدنا ذي النون، قال تعالى:

﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾

[ سورة الأنبياء: 87]

فأنْ يبدأ الدّعاء بالثناء على الله عز وجل أقْوى وأبلغ من أن يبدأ بِعَرْض الحاجة فقط.
سيّدنا الصّديق رضي الله عنه كما ورد في الصحيحين قال: يا رسول الله علّمني دعاءً أدعو به في صلاتي؟ فقال: قلْ: اللهمّ إنّي ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، فإنّه لا يغفر الذّنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرةً من عندك وارْحمني، إنّك أنت الغفور الرحيم.
هذا الدّعاء ينبغي أن ندْعُوَ به عقب كلّ صلاة، قبل السّلام: "اللهمّ إنّي ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، فإنّه لا يغفر الذّنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرةً من عندك وارْحمني، إنّك أنت الغفور الرحيم".
قال: فَجُمِعَ في هذا الدّعاء الشريف العظيم القدْر بين الاعتراف بِحَالِهِ، والتوسُّل إلى الله عز وجل بفَضْله، وجودِهِ، وأنّه المنفرد بِغُفران الذّنوب ثمّ سألهُ حاجته بالتوسُّل بالأمْرَيْن معًا، فهذا من أكْمل أدْعِيَة الإسلام.

 

قراءة القرآن أفضلُ أنواع الذِّكْر بشكل مطلق :

أفضل أنواع الذكر قراءة القرآن
أيها الأخوة الكرام، بقيَ موضوعٌ قصير هو أنّ قراءة القرآن أفضلُ أنواع الذِّكْر، بِشَكلٍ مطلقٍ، أما وأنت تركع، أفضلُ الذِّكْر أن تقول: سبحان ربّي العظيم، وأنت ساجِد: سبحان ربّي الأعلى، فهناك ذِكْرٌ فاضِل، وهناك ذِكْرٌ مفضول، ولكن في بعض الأحوال المفضول يجبُ أن يقدّم على الفاضِل، أنت في مصيبة، الدّعاء أفضلُ من قراءة القرآن، أنت في مِحْنة الاستغفار أولى، فمُطلقًا أعلى شيءٍ أن تقرأ القرآن، أما حينما تمر بحالةٍ خاصّة وصعبة فلابدّ من أن تقدّم الاستغفار، أو أن تقدّم الدّعاء على تلاوة القرآن.
سُئِلَ بعض العلماء الكبار أيّهما أنفعُ للعبْد التسبيح أم الاستغفار ؟ فقال: إذا كان الثوبُ نقِيًّا، فالبخور والماء أفضل، أنفعُ له، وإن كان دنِسًا فالصابون والماء الحارّ أفضل. أي إذا كان هناك نقاء فالتسبيح، وإذا كان هناك ذنب فعليك بالاستغفار، فنحن عندنا حُكم مطلق، وعندنا حكم نسبي.
أيها الأخوة الكرام، هذا موضوع دقيق أُحاوِل أن أزيد عليه في خُطَبٍ قادمةٍ إن شاء الله تعالى.
أيها الأخوة المؤمنون، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها، وتمنّى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قلبُ الإنسان أخْطرُ ما فيه فهو موضع المعرفة والشُّكْر و الحمْد :

أيها الأخوة الكرام، كلمةٌ من القلب إلى القلب، حينما ركَّزَ بعض العلماء في الماضي أو في الحاضر على القلب تركيزًا شديدًا، وقد انحرفَ بعضهم أو متأخِّرهم، فنحن لا ينبغي أن يكون ردّ فعلنا أن نلغي القلب، بل أن نلغي انحرافهم، وشُذوذهم، أما القلب فله مكان كبير في الكتاب والسنّة ولعل من أقوى الأدلة على ذلك، أنّ الله عز وجل:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

هذا في الكتاب، أما في السنّة فقوله عليه الصلاة والسلام:

(( ألا و إن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدَت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب))

[ البختري عن النعمان بن بشير ]

أكثر أمراض القلب مهلكة لأنها أبدية وتودي إلى النار
فقلبُ الإنسان أخْطرُ ما فيه، إنّه موضع المعرفة، موضِعُ الشُّكْر، وموضِعُ الحمْد، وموضعُ التواضع، وموضعُ الكِبْر، وموضعُ الزَّيغ، وموضع الاستعلاء، أكثر أمراض القلب مهلكة، ولكن أمراض القلب متى تبدأ ؟ عند الموت، وأمراض الجسد تنتهي عند الموت، لذلك أمراض القلب خطيرة لأنّ هذه الأمراض أبديّة، وبها يعذّب الإنسان في جهنّم إلى أبد الآبدين، بينما أمراض الجسد تنتهي بِمَوْت صاحبِها.
أيها الأخوة الكرام، بِرَبِّكم لا سمَحَ الله ولا قدَّر، أبْعَدَ الله عنا وعنكم كلّ مكروه، لو أنّ إنسانًا عرف في قلبه مشكلةً كبيرة، وأنّ هذه المشكلة قد تكون قاتلة، لمَ يهْتمّ كثيرًا ولا ينامُ الليل؟ لمَ يبْحثُ عن أكبرِ طبيب؟ لمَ يبيعُ بيتهُ من أجل عمليّة جراحيّة ؟ لأنّه قلب، فلماذا لا تهتمّ بقلبك الآخر القلب الإيماني الذي قال الله تعالى عنه:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

قلبك وعاء فانظر ماذا تعبئ به
قلبٌ ممتلئ كِبْرًا، قلبٌ ممتلئ حسدًا، قلبٌ ممتلئ شهْوةً، قلبٌ ممتلئ من حبّ الدنيا، قلبٌ ممتلئ بالمعلومات المضحكة، والسخيفة، والساقطة، هذا هو الإسلام، وِعاءٌ ؛ ماذا تعبّئ في هذا الوِعاء ؟
أيها الأخوة الكرام، ذهب رجلٌ إلى سفيان الثوري رحمه الله، فقال له: يا سفيان، لقد ابتُليتُ بِمَرض قلبي، فاصْرِف لي دواءً، فقال له سفيان: عليك بعُروق الإخلاص، وورق الصّبر، وعصير التواضع، ضَع هذا كلّه في إناء التقوى، وصُبّ عليه ماء الخشية، وأوْقِد عليه نار الحُزْن من المعصيَة، وصفّه بِمِصفاة المراقبة، وتناوَلْهُ بِكَفّ الصّدْق، واشْربْه بكأس الاستغفار، وتمضْمض بالورَع، وابتعِد عن الحِرْص والطّمَع، تُشْفى من مرضك بإذن الله تعالى.
هذه المعاني ينبغي أن تحيا في قلوبنا، أن يعْتَنِيَ الإنسان بقلبه، وأن يكون قلبهُ سليمًا، أن يكون قلبهُ مُحِبًّا لله عز وجل، أن يكون القلب سليمًا تّجاه الخلق.
البدع أكبر أنواع الانحراف
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: " اُطلب قلبكَ في ثلاثة مواطن - الإنسان يتفقّد أحيانًا محفظة النقود، يتفقّدها متى ؟ إذا دخل إلى محلّ تِجاري لِيَشْتري، فلا بدّ من أن يدفع، يضَع يده على صدره، ويتفقّد مفتاح سيارته إذا ذهب إلى مركبته، يتفقّد مفتاح بيته إذا دخل بيته- عند سماع القرآن، وفي أوقات الخَلْوة، وفي مجالس الذِّكْر - أيْ مجالس العلم- فإن لم تجد قلبك في هذه المواطن الثلاثة فاسْأل الله تعالى أن يمنّ عليك بقلبٍ فإنّه لا قلب لك" في الصلاة لا يوجد أيّ شُعور، وفي مجلس العلم لا يوجد أيّ شُعور، وفي خلوتك مع الله لا يوجد أيّ شُعور، اِسأل الله عز وجل أن يهبك قلبًا فإنّه لا قلب لك.
وقال بعض أصحاب رسول الله: القلب ملِكُ الأعضاء والجوارح، والجوارحُ جنوده ورعاياه، فإن طاب الملِك طابَت الجنود والرعايا، أحدُ كبار العلماء يقول: لا يسلمُ القلب حتى يسلم من خمسة أشياء ؛ من شِرْك يناقض التوحيد- أحدُ أكبر أمراض القلب الشّرْك- ومن بِدعةٍ تناقضُ السنّة - وأحدُ أكبرُ أنواع الانحراف أن تبتدعَ شيئًا ما فعلهُ رسول الله صلى الله عليه وسلّم- ومن غفلةٍ تتناقضُ مع الذِّكْر، ومن شهوةٍ تتناقض مع الأمر، ومن هوًى يتناقَض مع الإخلاص، ألم تقرؤوا قوله تعالى:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

القلب السليم سَلِمَ من شِرْكٍ يناقض التوحيد، وسلِمَ من بدعة تناقض السنّة، وسلِمَ من غفلةٍ تناقض الذِّكْر، وسلِمَ من شهوةٍ تناقض الأمْر، وسلمَ من هوًى يناقضُ الإخلاص.

 

تطهير القلب من الحسد و الكِبر و الغل :

أختمُ خطبتي أيّها الأخوة بحديث دقيق جدًّا، عن حذيفة رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله عليه الصلاة والسلام:

((تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عوداً عودًا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربداً كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه))

[مسلم عن حذيفة]

نحن في عصر القابض على دينه كالقابض على الجمر
هذه الفتن التي نحن فيها، نحن محاطون بالفِتَن، نحن في زمن الفِتَن، عبادة الله تعالى في الهرْج كَهِجْرةٍ إليّ، القابض على دينه كالقابض على الجمْر، أجرهُ كأجْر سبعين، قالوا منّا أم منهم ؟ قال: منكم لأنّكم تجدون على الخير معوانًا، ولا يجدون، قال:

((تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عوداً عودًا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربداً كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه))

[مسلم عن حذيفة]

احرس قلبك فهو رأس مالك وسبب سعادتك الأبدية
أيها الأخوة الكرام، أخْتِمُ خطبتي بما بدأتُ به، قال تعالى:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

تعاهدوا قلوبكم، احْرصوا على سلامة قلوبكم، طهِّروها من الحسد، طهِّروها من الغلّ، طهِّروها من الكِبْر، طهِّروها من تعظيم الذات، طهِّروها من التعالي، طهِّروها من حبّ الدنيا، طهّروها من كلّ درن، أكسِبوها الكمالات من خلال الاتّصال بالله عز وجل، ليَكن الكمال في قلوبكم، والتواضع، والرّحمة، والإنصاف.
أيها الأخوة الكرام، القلب رأسُ مالك في الجنّة، والقلب السليم سبب سعادتك الأبديّة، وكما قال عمر رضي الله عنه: " تعاهدوا قلوبكم" وهذا من صُلب الدّين، وأُعيدُ مرَّةً ثانيةً أنّ فئةً ركَّزَت على القلوب وانحرفَت، ردّنا على انحرافها لا أن نلغيَ القلوب، بل أن نلغيَ انحرافها فقط.

الدعاء :

اللهمّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيْت، وتولَّنا فيمن تولّيْت، وبارك اللّهم لنا فيما أعْطيت، وقنا واصْرف عنَّا شرّ ما قضَيْت، فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك، إنَّه لا يذلّ من واليْت، ولا يعزّ من عادَيْت، تباركْت ربّنا وتعاليْت، ولك الحمد على ما قضيْت، نستغفرك اللهمّ ونتوب إليك، اللهمّ هب لنا عملاً صالحًا يقرّبنا إليك، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنّا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنَّا، أصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجْعل الحياة زادًا لنا من كلّ خير، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرّ، مولانا ربّ العالمين، اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك، اللهمّ لا تؤمنَّا مكرك، ولا تهتِك عنَّا سترَك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهمّ إنَّا نعوذ بك من عُضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السَّلْب بعد العطاء، يا أكرم الأكرمين، نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الذلّ إلا لك، ومن الفقر إلا إليك، اللهمّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحقّ والدِّين، وانصر الإسلام، وأعزّ المسلمين، وخُذ بيَدِ وُلاتهم إلى ما تحبّ وترضى، إنَّك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018