الخطبة : 0730 - يجب أن يستمر مافي رمضان لما بعد رمضان - صدقة الفطر. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0730 - يجب أن يستمر مافي رمضان لما بعد رمضان - صدقة الفطر.


2000-01-07

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

سرعة انقضاء الوقت :

 أيها الأخوة المؤمنون: في الجمعة الأخيرة من رمضان ماذا ينبغي أن نقول؟ هناك موضوعات جزئية، يجمعها محور واحد، هي أنه بعد رمضان ينبغي أن نكون كما كنا في رمضان، الحقيقة الأولى أيها الأخوة هي سرعة انقضاء الوقت، البارحة نقول: رمضان الخميس أم الأربعاء؟ انتهى رمضان الوقت يمضي سريعاً، والإنسان يوم القيامة يسأل كم لبثت؟ يقول: يوماً أو بعض يوم، يمضي رمضان وتمضي شهور العام، وتمضي الأعوام وندخل في الألفية الجديدة، وما هو إلا زمن قصير حتى نرى أنفسنا في دار الآخرة.
 مضي الزمن يستهلك الإنسان
أيها الأخوة الكرام: ما من حدث أشدّ واقعية في حياة كل منا من حدث الموت، مغادرة الحياة الدنيا، والإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، وما من يوم ينشق فجره إلا وينادي يا بن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة، ما مضى فات، والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها، لا نملك إلا هذه الساعة فما مضى لن يعود، والحديث عنه لا يجدي، والمؤمل لا نملكه أبداً، لا نملك الغيب، فمن عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت، لا نملك إلا هذه الساعة، فالإنسان بين يوم مفقود، ويوم مشهود، ويوم مورود، ويوم موعود ويوم ممدود، أخطر أيامه اليوم المشهود لأنه سيبنى عليه اليوم المورود، واليوم الموعود، واليوم الممدود، فالإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، والإنسان في خسارة محققة.

﴿و العصر* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 1-2 ]

 لأن مضي الزمن يستهلكه، هو كائن يتحرك إلى هدف ثابت، كل ثانية تمضي تقربنا من هذا الهدف الثابت، والوقت يمضي سريعاً، وقد يسأل أحدنا نفسه: كم مضى من عمري؟ إن مضت أربعون كيف مضت؟ والله مضت كلمح البصر، وليسأل سؤالاً آخر: هل بقي بقدر ما مضى؟ فإن كان الذي مضَى مضى كلمح البصر ففي الأعم الأغلب أن الذي بقي يمضي كلمح البصر، وفجأةً يجد نفسه في دار الحق، في دار التسوية، في دار الدينونةَ، في دار الجزاء، في دار السؤال، في دار الحساب، إما إلى جنة يدوم نعيمها، أو إلى نار لا ينفد عذابها، فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، مفهوم الزمن ينبغي أن يكون واضحاً عند كل مؤمن، لأن الزمن أثمن شيء تملكه، إنه وعاء عملك، الزمن رأس مالك الوحيد، لا تملك إلا الزمن، الزمن يمكن أن ينفق استهلاكاً، حتى في المباحات، نأكل ونشرب وننام ونستمتع بطيبات الحياة الدنيا، هذا إنفاق استهلاكي، أما حينما تؤمن وتعمل صالحاً وتتواصى بالحق وتتواصى بالصبر فقد أنفقت الزمن إنفاقاً استثمارياً، أنت إذاً لست في خسارة، قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

 يقدم فصل الشتاء ينتهي سريعاً، يقدم فصل الصيف ينتهي سريعاً، يقدم رمضان ينتهي رمضان، نحن في أشهر الحج ينقضي الحج، يقول الله عز وجل:

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

[ سورة النحل: 1 ]

 من أروع ما في هذه الآية " أتى أمر الله " أتى فعل ماض أي أتى وانتهى، ثم يقول الله عز وجل: " فلا تستعجلوه " أي لم يأت بعد، أي أن الشيء الموعود يجب أن تأخذه وكأنه وقع، الشيء الموعود يجب أن تأخذه من الله وكأنه وقع، هذه حقيقة أولى مناسبة جداً أن تطرح عقب شهر الصيام، كيف انقضى هذا الشهر، بلياليه الثلاثين وأيامه الثلاثين وصيامه وقيامه، كيف مضى عشره الأول وعشره الثاني وعشره الثالث وهكذا الوقت يمضي، وهكذا الشهر يمضي، وهكذا العام يمضي، وهكذا العمر يمضي.
 أيها الأخوة: لا نملك المستقبل، نملك هذه الساعة، ومن عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( أكثروا ذكر هادم اللذات ))

[ رواه الديلمي عن أنس ]

 مفرق الأحباب، مشتت الجماعات .

(( عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))

[ أخرجه الشيرازي والبيهقي، عن سهل بن سعد البيهقي عن جابر ]

 هذه الحقيقة الأولى.

 

المحافظة على المكتسبات في رمضان و سحبها إلى ما بعد رمضان :

 الحقيقة الثانية: لا شك أن كل واحد منا وهذا من فضل الله عليه قد أكرمه بهذا الشهر بشيء، أكرمه بصلاة الفجر في المسجد، أكرمه بقيام الليل – التراويح- أكرمه بغض البصر، أكرمه بضبط اللسان، أكرمه بتلاوة القرآن، أكرمه بالإنفاق، فهذه المكتسبات التي حققتها في رمضان ينبغي أن تثبت عليها بعد رمضان، ينبغي ألا يفطر في العيد إلا فمك فقط، والإفطار على الطعام فقط، كيف كنت في رمضان في ضبط الأمور، ضبط اللسان، ضبط الأذن، ضبط العين، تلاوة القرآن، صلاة الليل، صلاة الفجر، هذه المكتسبات التي حصّلتها في رمضان ينبغي أن تنسحب إلى بقية العام، من أجل أن تحقق الهدف الذي شرعه الله من الصيام، شرع لك أن تصوم، وأن تتقرب إليه، وأن تصفو نفسك لينسحب هذا الصفاء على كل شهور العام.
 أيها الأخوة الكرام: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ، هذا الذي يفور وينطفئ، يتقد وينطفئ، يقبل ثم يدبر، ينضبط ثم يتفلت، هذا لا يتقدم، هذا كما قال الشاعر: مكانك تحمدي أو تستريحي.
 علينا أن نحافظ على مكتسباتنا خلال شهر رمضان
أيها الأخوة: الحقيقة الثانية ملخصها أن نحافظ على مكتسباتنا في رمضان وأن نسحبها على بقية العام، وأن نكثر من حضور دروس العلم، لأن المؤمن بهذا الدرس يشحن، بخطبة الجمعة يشحن، فإذا شحن شحنة جيدة أعانته على أن يكون مع الله إلى الشحنة القادمة، لو فرضنا لا سمح الله ولا قدر أن واحداً منا لم يحكم صيامه ولا قيامه، ولم تصح توبته في رمضان، فماذا يمنع أن يتوب بعد رمضان؟ ماذا يمنع أن يصطلح مع الله بعد رمضان؟ ماذا يمنع أن يعود إليه تائباً نائباً منيباً مؤمناً بعد رمضان لأن الوقت خطير؟ لا أحد يملك أن يعيش إلى ساعة قادمة، وهناك آلاف القصص والحوادث أي في ذهنه خطط لعشرين سنة قادمة، ووافته المنية دون أن يعد لهذه المنية حساباً.
 أيها الأخوة الكرام: لابد من التوبة.

﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾

[ سورة النساء: 27]

 وما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا، وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا، وما أمرنا أن نستعين به إلا ليعيننا، هذه أوامر الله عز وجل.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾

[ سورة التحريم: 8 ]

 أيها الأخوة الكرام: حينما يتوب العبد إلى الله عز وجل يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، والضال الواجد، و الظمآن الوارد))

[ابن عساكر عن أبي هريرة]

 بل إن النبي عليه الصلاة والسلام رسم صورة رائعة لهذا البدوي الذي يركب ناقته وعليها طعامه وشرابه، ويجلس ليستريح في ظل نخلة يستيقظ فلا يجد الناقة، فيوقن بالموت المحقق، فيبكي طويلاً، ثم تأخذه سنة من النوم وبعدها يستيقظ فإذا هو أمام الناقة، فيقول: يا رب - من شدة فرحه اختل توازنه - أنا ربك وأنت عبدي، فيقول النبي عليه الصلاة والسلام الآن دققوا: " لله أفرح بتوبة عبده من ذلك البدوي بناقته".
 فالتوبة مستمرة، في رمضان، وبعد رمضان، وفي شوال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة، ابداً التوبة مستمرة، فمن فاتته التوبة النصوح في رمضان فليعاهد الله عز وجل على أن يتوب اليوم وبعد رمضان.

 

من وصل إلى الله في رمضان فقد حقق أكبر هدف خلق له :

 الحقيقة الثالثة: يقول الله عز وجل:

﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾

[ سورة البقرة: 185 ]

 أي عدة الصيام.

﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾

[ سورة البقرة: 185 ]

 من اهتدى إلى الله حقق الهدف من وجوده
أي هذه الآية واضحة جداً، الله هدانا في رمضان إليه، فأنت حينما تهتدي إلى الله تحقق الهدف من وجودك، حينما تهتدي إلى الله ملكت كل شيء، إن وصلت إلى الله وصلت إلى كل شيء، وإن لم تصل إليه لم تصل إلى شيء، إذا وجدته وجدت كل شيء، وإن فَاتك فاتك كل شيء، فمن وصل إلى الله، من اصطلح مع الله، من أقبل على الله، من ذاق طعم القرب، في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، من وصل إلى الله في رمضان أيها الأخوة فقد حقق أكبر هدف خلق له، هذا الهدف الكبير أن نعرفه، وأن نقبل عليه، وأن نسعد بقربه في الدنيا والآخرة، أنت حينما ترى شيئاً عظيماً تقول: الله أكبر، هذه الله أكبر يرددها المسلمون أيام عيد الفطر، وأيام عيد الأضحى، حقيقتها أنك دهشت لما وصلت إليه، ومع الأسف الشديد هناك من يرددها ولا يفقه معناها، فمن أطاع مخلوقاً وعصى خالقاً، ما قالها ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة، من أجل أن تكونوا واقعيين، من عصى ربه وأطاع مخلوقاً، هو ماذا رأى؟ وإن كانت الكلمة قاسية جداً، هو رأى أن طاعة هذا المخلوق أكبر عنده من طاعة الله، إذاً هو ما قالها ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة، من أرضى زوجته وعصى ربه ما قالها ولا مرة ولو قالها بلسانه ألف مرة، لأنه رأى أن السلام مع زوجته أغلى عنده من أن يكون مع الله عز وجل، من غشّ المسلمين ليأخذ مالاً محدداً، هو ما قالها ولا مرة لأنه رأى هذا المال الذي حققه من غشهم أغلى عنده من طاعة الله عز وجل.
 فيا أيها الأخوة الكرام: شتان بين من يقول: الله أكبر وهو في مستواها، وهو يعيشها، وهو يعرف قيمتها، وبين من يرددها بلسانه، ولا يفقه معناها، فما قالها ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة.

 

تفريغ كلمات الإسلام العظيمة من مضمونها :

 أيها الأخوة الكرام: هذه الكلمات كلمات الإسلام العظيم كلمة الله أكبر، كلمة لا إله إلا الله، كلمة الحمد لله، كلمة لا حول ولا قوة إلا بالله، هذه كلمات مع الأسف الشديد فرغت من مضمونها، نرددها ترداداً لا معنى له، أما من قال: الله أكبر لا يمكن أن يعصي خالقه، ويطيع مخلوقاً.
 امرأة طلبت من زوجها الصحابي شيئاً مشروعاً مباحاً قال لها: اعلمي أن في الجنة من الحور العين ما لو أطلت إحداهن على الدنيا لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر، فلأن أضحي بك من أجلهن أهون من أضحي بهن من أجلك.
 إذا قلت الله أكبر لا يمكن أن تؤثر على طاعته شيئاً، لا يمكن أن تتساهل بمنهجه شيئاً، هذا معنى قول الله عز وجل:

﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾

[ سورة البقرة: 185 ]

 أنتم أيها الأخوة، هذا المفروض، هذا ما ينبغي أن يكون، وهذا ما هو كائن إن شاء الله تعالى، لقد اهتديتم في رمضان، وهذا الهدى شيء مسعد، والله الذي لا إله إلا هو كلمة هنيئاً لكم والله لا تقال إلا لمن عرف الله، إذا رجع العبد إلى الله نادى مناد في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله، فإذا قلنا غداً الله أكبر ينبغي أن تلاحظ، أن يكون الله ورسوله ؛ أي أن تكون طاعة الله في كتابه، وطاعة رسوله في سنته، أكبر عندك من أي شيء، أما إذا كان في الدنيا شيء يغلب على طاعة الله فالطريق إلى الله ليس سالكاً أدق آية في هذا المعنى:

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾

[ سورة التوبة: 24]

 لهذه الآية معنى دقيق عند التعارض، أي حينما تتعارض مصلحتك مع نص قرآني، واضح الدلالة، قطعي الدلالة، حينما تتعارض مصلحتك مع حديث صحيح قطعي الثبوت والدلالة، وتؤثر مصلحتك فأنت جعلت هذه التجارة التي لا ترضي الله أكبر عندك من الله، وإذا أرضيت أهلك، أباك، أخاك، عشيرتك، أولادك فيما يغضب الله فهم عندك أكبر من الله، هذه آية دقيقة جداً وإلا فالطريق إلى الله ليس سالكاً.

 

العيد مناسبة جيدة لإصلاح ذات البين :

 الحقيقة الخامسة: وهي قوله تعالى:

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾

[ سورة الأنفال: 1 ]

 والعيد مناسبة رائعة لإصلاح ذات البين، العيد لا يحتمل شقاقاً بين الأسر، لا يحتمل خصومات بين الأقارب، لا يحتمل قطيعة بين الأرحام، العيد وقت التواصل، وقت التسامح، وقت العفو، فهذه الآية أيها الأخوة:

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾

[ سورة الأنفال: 1 ]

 فسرها علماء القرآن علماء التفسير على مستويات ثلاثة، المستوى الأول أصلح العلاقة بينك وبين الله إنها إن صلحت صلح بها كل شيء:

﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾

[ سورة الأنفال: 1 ]

 العيد مناسبة لإصلاح ذات البين
أصلح العلاقة بينك وبين الله، أصلحها بالتوبة النصوح، أصلحها بالطاعة، بأداء العبادات، بضبط الجوارح، بضبط الأعضاء، بضبط الدخل، بالإنفاق، أصلح علاقتك بينك وبين الله.
 المستوى الثاني: أصلح علاقتك مع كل من حولك، أنت طرف أصلح علاقتك مع زوجتك، وأصلح علاقتك مع أولادك، ومع أخوتك، ومع أخواتك، ومع أولاد أخوتك، ومع أولاد أخواتك، ومع أعمامك، ومع أخوالك، هؤلاء الذي حولك، مع جيرانك، مع زملائك، أصلح كل علاقة أنت فيها طرف، بالاعتذار، بالزيارة، بالهدية، بشيء يقول عليه الصلاة والسلام:

(( تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدر ))

[الترمذي عن أبي هريرة ]

 أي ممكن بهدية متواضعة تقدمها لابن أخيك، أو لأخيك، أو لعمك، أو لمن أسأت إليه مع كلمة اعتذار، أو زيارة خالصة، هذا يزيل ما في القلب من وحر، ولكنك إذا كنت بطلاً تصلح أي علاقة بين اثنين، لك دور إيجابي في المجتمع أنت لست سلبياً، أنت لست متقوقعاً على ذاتك، أنت لست بعيداً عن إصلاح المجتمع، وقد ورد في الحديث الشريف أن الله أمر الملائكة بإهلاك قرية بما معناه، فقالوا: إن فيها رجلاً صالحاً؟ قال: به فبدؤوا، قالوا: لم يا رب؟ قال: لأن وجهه لا يتمعر إذا رأى منكراً، زوج وزوجة متخاصمان وأنت بإمكانك أن تصلح بينهما ماذا تنتظر؟ لك أخت ولها زوج وهناك خصومة بينه وبينها، أنت بإمكانك أن تصلح الطرفين:

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾

[ سورة الأنفال: 1 ]

 فهذا العيد مناسبة لإصلاح ذات البين، أصلح علاقتك مع الله أولاً، وأصلح كل علاقة أنت فيها طرف، ثم أصلح أي علاقة بين اثنين، وهذا من عمل أهل الإيمان.

 

صلة الرحم من لوازم العيد :

 أيها الأخوة الكرام: يجب أن يكون العيد صفحة جديدة بين الأقارب، طبعاً إلا صلة رحم أدت إلى منكر، أدت إلى معصية، دع خيراً عليه الشر يربو، ودرء المفاسد مقدم على جلب المنافع، الإصلاح وأنت في منهج الله.
 أيها الأخوة الكرام: والعيد من لوازمه صلة الأرحام، ربنا عز وجل يقول:

﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾

[ سورة الشعراء: 214]

 في هذه الآية ملمح رائع، الله عز وجل بقرآن نتعبد بتلاوته، ويتلى إلى يوم القيامة يأمر نبيه أن يبدأ بالأقارب، لماذا؟ لأنهم أقرب الناس إليك، ولهم حق عليك، والناس أنت لهم وغيرك لهم، أما أقاربك فمن لهم غيرك؟
 أيها الأخوة: من المفهومات الساذجة لصلة الرحم أن تزوره فقط، أو أن تتصل به، أو أن ترسل له ابنك ليزوره، لا، صلة الرحم تبدأ بالزيارة، وتمر بتفقد الأحوال، الأحوال المعيشية، والاجتماعية، والدينية، ثم بالعطاء والإكرام، ثم بالدعوة إلى الله، يجب أن تقتدي برسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وأنذر عشيرتك الأقربين " والله أيها الأخوة أنا معجب بأحد الأخوة الكرام أتى إلى بيت الله واصطلح مع الله، فإذا أخوه معه، وابن أخيه معه، وجاره معه، وشريكه معه، وزميله معه " وأنذر عشيرتك الأقربين " فأنت مكلف بهذا العيد أن تتفقد أقرباءك، والإنسان يصطفي ممن حوله أناساً يلتقي بهم كل أسبوع تقريباً، لكن هناك أقارب لا يلتقي بهم إلا في العيدين، فالأولى أن يصلهم، وأن يتفقد أحوالهم المعيشية، وأحوالهم الاجتماعية، وأحوالهم الدينية، وأن يمد لهم يد المساعدة، ثم أن يأخذ بيدهم إلى الله عز وجل، هذا معنى صلة الرحم.

 

الدعوة إلى الله فرض عين في حدود ما تعلم ومع من تعرف :

 أيها الأخوة: في العيد شيء آخر يجب أن يكون، هو أننا في أيام ثلاثة لابد أن نلتقي في بيوتات أقاربنا مع بعضنا بعضاً، فما الحديث الذي ينبغي أن يقال؟ هناك أحاديث لا تقدم ولا تؤخر، بل إنها تعكر، أما إذا ذكرت الله، ما من قوم جلسوا مجلساً لم يذكروا الله فيه إلا قاموا عن أنتن من جيفة حمار، أما إذا ذكرت الله في هذا المجلس فأنت من الدعاة إلى الله، ولا تنسى أيها الأخ الكريم - وهذه حقيقة يغفل عنها معظم المسلمين- أن كل مؤمن ينبغي أن يكون داعية إلى الله، ينبغي أن يكون داعية إلى الله وإليك الدليل، قال تعالى:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾

[ سورة يوسف: 108]

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾

[ سورة آل عمران: 31 ]

 الدعوة إلى الله فرض عين في حدود ما تعلم
اجمع الآيتين، هذا الذي لا يتبع النبي لا يحب الله، فهو كاذب في دعواه، أما إن كنت صادقاً في محبتك لله فينبغي أن تتبع النبي، والنبي عليه الصلاة والسلام في نص القرآن الكريم:

﴿ أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾

[ سورة يوسف: 108]

 ولكن هذه الدعوة إلى الله التي هي فرض عين في حدود ما تعلم، ومع من تعرف فقط، أي استمعت في خطبة الجمعة إلى نقاط أثارت انتباهك، هذه اجعلها موضوع لقاءاتك في العيد، استمعت في صلاة التراويح إلى تعليق على بعض الآيات الكريمة فأعجبتك هذه التعليقات سجلها واجعلها محور حديثك في أيام العيد.

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾

[ سورة البقرة: 152 ]

 اذكر الله عز وجل لإخوانك، ما ذكرني عبدي في نفسه إلا وذكرته في ملأِ من ملائكتي، ولا ذكرني في ملأِ من خلقي إلا وذكرته في ملأِ خير منه، يجب أن يكون همك في العيد أن تدعو إلى الله بطريقة لطيفة بسيطة، سمعت آية، سمعت حديثاً، بل إن المؤمن الصادق يختار مسجداً يغلب على ظنه أنه ينتفع بخطبة خطيبه، أي مسجد، يختار مسجداً يغلب على ظنه أنه ينتفع بخطبة خطيبه، ثم يركز ما قيل في هذه الخطبة في ذهنه ثم كلما التقى بأخ، بقريب، بأخت، بزوجة، بابن، بزميل في العمل يذكر له هذه النقاط، فهو قد نفذ وصية النبي حينما قال عليه الصلاة والسلام:

((نَضَّرَ اللّه امرأ سَمَعَ مِنَّا شَيئاً وبَلَّغَهُ كما سمعَهُ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أوعى مِنْ سامع))

[ أحمد والترمذي وابن حيان في صحيحه عن ابن مسعود مرفوعاً]

 وقد يكون المبلغ أوعى من السامع نفسه، ويكون كل الخير في صحيفة السامع المبلغ.
 أيها الأخوة الكرام: أما صدقة الفطر: سأتحدث عنها في الخطبة التالية إن شاء الله.
 حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

صدقة الفطر :

 أيها الأخوة الكرام: ورد في الحديث الصحيح أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:

(( إذا كان يوم الفطر وقفت الملائكة في أفواه الطرق فنادوا: يا معشر المسلمين اغدوا إلى رب رحيم، اغدوا إلى رب كريم رحيم، يمن بالخير ويثيب عليه الجزيل، لقد أمرتم بقيام الليل فقمتم، وأمرتم بصيام النهار فصمتم، وأطعتم ربكم فاقبضوا جوائزكم، فإذا صلوا العيد نادى مناد من السماء ارجعوا إلى منازلكم راشدين، فقد غفر لكم ذنوبكم كلها، ويسمى ذلك اليوم في السماء بيوم الجائزة))

[ الطبراني عن سعيد بن أوس الأنصاري]

 صدقة الفطر تتمم عملك في رمضان
أيها الأخوة: ذكرت من قبل أن صدقة الفطر فرضها الله على كل مسلم يملك قوت يومه، ذكراً كان أو أنثى، حراً كان أو عبداً، صغيراً أو كبيراً، هذه الصدقة مفروضة على كل مسلم يملك قوت يومه، أي يملك وجبة غذائية واحدة، عليه أن يتصدق بصدقة الفطر، وقد شرعها النبي عليه الصلاة والسلام طعمة للفقير، وطهرة للصائم، لذلك يميل بعض الفقهاء أن تقدم غذاء، طعاماً يكفي الفقير في العيد، وهذا أرجح وأقوى، على كلّ أراد الله جل جلاله أن يذوق الإنسان الفقير المعدم في كل العام طعم الإنفاق مرة، من أجل أن تذوق طعم الإنفاق شرعت صدقة الفطر، والصيام كما ورد معلق بين السماء والأرض، ولا يرفع إلى الله عز وجل إلا بصدقة الفطر من لغو في الحديث، من شيء ينبغي أن يترك في رمضان، جعلها الله طهرة للصائم، وطعمة للفقير، قدرت بخمسين ليرة سورية تقريباً والأولى أن تقدم مواد غذائية ينتفع بها الفقير في العيد، وتكون له طعمة، وينبغي أن تدفع قبل صلاة العيد.

الدعاء :

 أيها الأخوة الكرام: إني داعٍ فأمنوا:
 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث واجعلنا من الشاكرين، اللهم اسقنا الغيث ولا تعاملنا بفعل المسيئين، يا رب العالمين، اللهم اسقنا الغيث ولا تهلكنا بالسنين، يا أكرم الأكرمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنه على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018