أحاديث متفرقة - الدرس : 070 - رمضان شهر القرآن. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث متفرقة - الدرس : 070 - رمضان شهر القرآن.


1996-12-29

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

ترتيبات في رمضان :

أيها الأخوة الكرام، من المناسب جداً أن يكون الحديث في هذا الأسبوع عن رمضان، لأنكم تعلمون من العام السابق أننا في رمضان نستنفر، فهناك ترتيبات في رمضان أساسها تلاوة القرآن في الفجر والتراويح بكامله، نقرأ كل يوم إن شاء الله تعالى أربع صفحات في صلاة الفجر، وست عشرة صفحة في صلاة التراويح، وبعد صلاة الفجر هناك درس، وبعد صلاة التراويح هناك درس، وفي جامع الطاووسية كما تعلمون هناك درس يومي بعد صلاة الظهر، وفي جامع الأحمدية في الحميدية درس يوم الأحد والثلاثاء والخميس بعد العصر، ودرس الجمعة بعد العصر في رمضان، أما درس السبت ودرس الأحد ودرس الاثنين فهذه تتوقف في رمضان كما فعلنا في العام الماضي.
أردت من هذا الكلام أن أصل إلى حقيقة وهي، الإنسان أحياناً في عامه الدراسي يستنفر، أو يدخل دورة مكثفة في موضوع ما، ذكرت هذا في الدرس الماضي وألح عليه، أنت أمام فرصةٍ لتفتح مع الله صفحة جديدة، وذكرت أيضاً أن الإنسان أحياناً ينتقل من بيته إلى مكان بعيد ليشتري طعاماً نفيساً، فول أحياناً، يقول لك: في الميدان بائع درجة أولى، ينتقل من بيته في المهاجرين إلى الميدان ليشتري كمية فول يظنها أنها جيدة جداً، فلماذا لا يختار لدينه الجامع الذي يرتاح له، والصلاة التي يطمئن لها، والإخلاص الذي يظنه أو يحكم عليه؟
أيها الأخوة: قضية رمضان قضية كبيرة جداً، لما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

((رغم أنف عبد أدرك رمضان فلم يغفر له، إن لم يغفر له فمتى؟))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

يمكن أن نجري بعض التوجيهات المتعلقة بهذا الشهر مع أنني بدأتها في درس سابق.

الإكثار من تلاوة القرآن الكريم في شهر رمضان :

تلاوة القرآن بتدبّر
أيها الأخوة الكرام: القرآن الكريم هو ما كان يعنى به عليه الصلاة والسلام، كان يكثر من تلاوة القرآن، وكلكم يعلم أن تلاوة القرآن يمكن أن تكون تلاوة تعبد، ويمكن أن تكون تلاوة تدبر، تلاوة التعبد يمكن أن تقرأ كل يوم جزءاً أو جزأين بحسب الفراغ، أما قراءة التدبر فهذه مهمة جداً، هذه يمكن أن ترفعك عند الله، لأن الله سبحانه وتعالى قال:

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ*لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾

[ سورة القدر: 1-3 ]

القرآن حمال أوجه لكن من أوجه معاني هذه الآية أنك إذا قدرت الله حق قدره خير من أن تعبده ثمانين عاماً، ليلة القدر خير من ألف شهر لذلك قال تعالى:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 91 ]

الإنسان متى يعصي الله إن لم يعرف الله، أما إذا عرفه فلا يعصيه، إذا أردت سبباً وجيهاً لطاعة الله هو أن تعرفه.

أثمن وقت هو الوقت التي تمضيه في معرفة الله :

لذلك الوقت التي تمضيه في معرفة الله هو أثمن وقت، وهو استثمار للوقت، وهو الذي يعود عليك بعد انقضاء الوقت بالخير العميم، والإنسان أيها الأخوة في تعامله مع الله لا ينبغي أن يكون شكلياً، أي الإله يستمع إليك، ألا تقول في الصلاة: سمع الله لمن حمده، الإله يراقبك لينظر كيف تعملون وهو:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾

[ سورة الحديد: 4 ]

فحينما تعمل صالحاً مع الله في رمضان فالله عز وجل يعرف، أحياناً أنت مصطلح على خطوط عريضة، ما قولك أن تصطلح مع الله على خطوط دقيقة؟ ما قولك أن تسجل ما ينبغي أن تفعله في رمضان؟ أنا ألح على هذه الفكرة أننا إذا أردنا أن ننطلق من هذه الفكرة سرعة مئة لابد من أن نتحرك قبل هذه النقطة كي نصلها بسرعة مئة، فالذي هم عليه الناس يبدأ رمضان، إلى أن يتعرفوا إلى حقيقة الصيام، و واجبات الصيام، وإلى مندوبات الصيام، وإلى ما ينبغي أن يفعله في رمضان يكون قد مضى نصف رمضان، هذه الثلاثون يوماً كيف أن الله عز و جل واعد موسى ثلاثين يوماً وأتممناها بعشر، هذه الثلاثون التي هي فرصة سنوية كي تفتح مع الله صفحة جديدة.

الاستقامة أساس في رمضان :

صيام المؤمن هو ترك المعاصي والآثام
الآن إذا طرحنا موضوعات الصلاة، رمضان القرآن، ورمضان الصلاة، ورمضان الإنفاق، القرآن والصلاة والإنفاق، قبل هذه الثلاثة رمضان الاستقامة ليس هناك معنى إطلاقاً وليس هناك التزام بين إنسان يدع المباحات، يدع الطعام والشراب، ويرتكب الموبقات، شيء مضحك، تناقض مريع، تناقض حاد بين من يرتكب الموبقات وبين من يدع الطعام والشراب، ما أمرنا الله عز وجل أن ندع المباحات إلا تمهيداً لترك المخالفات، فرمضان لا يحتمل مخالفة إطلاقاً إلا إذا أردت أن تكون من هؤلاء العوام الذين يعني عندهم الصيام ترك الطعام والشراب، الإمام الغزالي سمى هذا الصيام صيام البهائم، وأما صيام المؤمنين فهو ترك المعاصي والآثام، وأما صيام الأتقياء فهو ترك ما سوى الله، ترك الطعام والشراب صيام عوام العوام، وترك المعاصي والآثام صيام المؤمنين، وترك ما سوى الله صيام الأتقياء والكبراء.

أخطر شيء في العبادة أن تغدو عادة :

قلت: رمضان الاستقامة، ورمضان القرآن، ورمضان الإنفاق، ورمضان الصلاة، أربعة مراكز ثقل في رمضان، إن قلنا: الاستقامة هذه الحركة العفوية في الحياة، هكذا نعيش، هكذا الزوجة، هكذا البنات، هكذا الأولاد، هكذا البيع والشراء، هناك مبالغة، تدليس، كذب، تساهل، هذا الوضع غير المستقر، هذا الوضع لا يؤهلك أن تكون صائماً صياماً مقبولاً، حينما تحاسب نفسك على الكلمة، وعلى النظرة، وعلى الليرة الواحدة كيف أخذتها، وكيف أنفقتها، أنت الآن تؤهل نفسك للصيام، أما حينما تتساهل، التساهل معه حجاب، أخطر شيء أيها الأخوة في العبادة أن تغدو عادة، وأخطر شيء في العبادة أن تفرغ من مضمونها، وأخطر شيء في العبادة أن تغدو سلوكاً غير مفهوم، لذلك نحن من أجل التألق، من أجل أن ترتفع حرارة الإيمان، يجب أن نقطف ثمار الصيام، من أجل أن نصل إلى الواحد الديان لابد من الاستقامة.

الاستقامة تقتضي الصمت و ضبط اللسان و العين و الأذن :

ضبط اللسان، قلت لكم سابقاً التكليف ذو كلفة، والإنسان أحياناً يرتاح إذا سمع حديثاً عن الناس، عن أخطائهم، عن فضائحهم، عن مشكلاتهم، عن حماقاتهم، يستمع، يبالغ، ويشارك، أما الاستقامة فتقتضي الصمت، تقتضي ضبط اللسان .

((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ وَلا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ ))

[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

الاستقامة هي ضبط النفس
ضبط اللسان، أنت حينما تدرب نفسك ثلاثين يوماً أن تضبط اللسان تضبط نفسك، علماء كثيرون إذا تكلمت كلمة أمامهم على إنسان يقولون لك: اسكت هذه غيبة، فالإنسان حينما يدع الغيبة يشعر أنه ضبط نفسه، ضبط اللسان وضبط العين، وأنا أرجو الله سبحانه وتعالى أن يبالغوا في غض أبصارهم، لأن إطلاق البصر، أو التساهل في غض البصر، أو استمراء التراخي في النظر، هذا ينشئ حجاباً بينك وبين الله، أنا أضع يدي على الجراح، الصيام صيام، أنا لا أريد منكم أن تفهموا أن الصيام ترك الطعام والشراب، لو أن هذه العبادة هكذا فالله غني عنها، ولا يعقل أن يكون أمر خالق الكون أن دع الطعام والشراب طوال اليوم وفي الليل كُلْ ما شئت، أغلب الناس يقلبون الليل نهاراً والنهار ليلاً في رمضان، يأكل ثلاث وجبات، أول وجبة دسمة جداً مع الإفطار، وجبة الساعة الثانية عشرة قبل أن ينام، و وجبة على السحور، عكس الثلاثة كانوا في النهار فأصبحوا في الليل.
القصة أن رمضان يحتاج إلى ضبط اللسان، لا كلمة، ولا تدليس، ولا غيبة، ولا نميمة، ولا مبالغة، ولا نظرة لا تليق، هذا في الكلام، وفي النظر، وفي السماع، سماع الأغنيات ورد أحاديث كثيرة تنهى عن سماع الأغاني، وهناك درس أنا ذكرته من قبل واضح جداً فيه الأدلة الكافية القرآنية والنبوية، فضبط الأذن وضبط العين وضبط اللسان، طبعاً هذا من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام.

الضبط يجعل الإنسان أقرب إلى الله عز وجل :

الضبط يجعلك أقرب من الله، هذا القرب متى يجب أن يستغل؟ في التراويح، أي في اللقاء مع الله، كيف عندما الإنسان يلتقي مع شخص عظيم يهيئ نفسه، يرتاح، يلبس، يتجمل، يتعطر، يأتي إليه مقبلاً باشاً، أنت أيضاً في رمضان على موعد مع الله عز وجل، ذكرت هذا من قبل أنه من أحيا رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما كان من ذنبه. انت في رمضان على موعد مع الله

((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))

[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

((مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

كلاهما جزاؤه المغفرة من الله ورسوله، يوجد نقطة دقيقة تطرح دائماً، لماذا المشكلات في الحياة؟ لماذا الفقر؟ لماذا الشقاق الزوجي؟ هنا سألني رجل سؤالاً، لماذا تأتينا الزوجات تعذبننا دائماً حتى يصل ذلك إلى مرحلة اليأس؟ أنت منطقي، الله عز وجل غني عن تعذيبنا، لماذا الفقر؟ لماذا الشقاء الزوجي؟ لماذا شقاء الأولاد؟ لماذا مشكلات المجتمع متفاقمة؟ يجب أن تعلم علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى حينما يقول:

﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾

[ سورة الشورى: 30 ]

أنت الآن أمام مرحلة ضبط، الذي تقدر عليه اضبطه فوراً، والذي لا تقدر عليه يجب أن ترسم خطة لضبطه، أنت لا تستطيع في ليلة واحدة أن تقنع زوجتك أن تكون على شاكلتك، ولا أن تقنع أولادك، ولكن حينما ترسم لهم خطةً كي ينضبطوا، بالحسنى، بالتوجيه، أن تصحبهم معك إلى المسجد، أن تكرمهم، أن تقنعهم، أن تجلس معهم، هذه الخطة تغفر لك ما كان من تقصير بالماضي.

من مراحل صيام المؤمنين ضبط العين واللسان :

أول نقطة الاستقامة، أنت صائم ولا نظرة، غض بصر حازم، ولا كلمة، ضبط لسان حازم، ولا سماع، ضبط أذن حازم، إذا ضبطت عينك عن أن ترى ما حرم الله، وضبطت أذنك عن أن تسمع ما حرم الله، وضبطت لسانك عن كل ما حرم الله، والمعاصي المتعلقة باللسان من الغيبة، والنميمة، والبهتان، والإفك، والسخرية، والكذب، المحاكاة وما إلى ذلك، ضبط العين واللسان وضبط ما سوى ذلك مما نهى الله عنه، هذه مرحلة من مراحل صيام المؤمنين، قلت لكم قبل قليل: صيام العوام شيء وصيام المؤمنين شيء آخر، وصيام الخواص شيء ثالث، نحن نطمع أن نكون مع صيام المؤمنين في ترك كل ما نهى الله عنه، والإنسان حينما يشد إلى مسجد وحينما يلزم، أي أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.

تعدد المناهج يفضي إلى الاضطراب والحيرة :

الزم منهجاً واحداً
أنا لي ملاحظة: الإنسان المفروض أن يوحد وجهته، التبعثر يضعف التقدم، أحياناً الإنسان لزم مسجداً هذا المسجد فيه منهج، هذا المنهج نقله نقلة نوعية جداً، أحياناً ينتقل إلى مسجد آخر الذين هم فيه على العين والرأس إلا أن اختلاف المنهج يعمل اضطراباً، هنا شيء فيه تشدد، وهنا يوجد تساهل، أيهما على حق؟ هنا يوجد تشدد وهنا يوجد تساهل، فالإنسان عندما ينتقل في البدايات من منهج إلى آخر يضيع بين المناهج، فأنا من باب النصيحة أنصح الإنسان أن يلزم منهجاً واحداً، ومنهلاً واحداً حتى يقوى عوده، فإذا قوي عوده نقول له: انتقل إلى أي مكان شئت، واجلس مع أي إنسان شئت، ولكن في البدايات هناك خطر من تعدد المناهج، لأن تعدد المناهج يفضي إلى الاضطراب والحيرة، تكون في حال متابعة الترقي تنتقل إلى حال آخر الموازنة، وأيهما على حق، ومن معه الأدلة، وما وجهة نظر فلان وفلان، فالأولى أن نتابع منهجاً واحداً كي نصل إلى شيء، وبعد ذلك نبحث عن كل شيء.

الطريق إلى الله سالك عندما تستقيم و تضبط جوارحك :

عندما تستقم يصبح طريقك الى الله سالك
هذه النقطة الأولى الاستقامة، والثانية الصلاة، أيضاً كما قلت لكم الإله جل جلاله أعظم وأكرم وأجل من أن يكون أمره ترك الطعام والشراب، هذا شهر عبادة، دورة مكثفة، قفزة نوعية، وصول إلى الله عز وجل.
الشيء الثاني أنت حينما تستقيم، وتضبط لسانك، وعينك، وأذنك، ودخلك، وإنفاقك، وأهلك، وهواك، صار الطريق إلى الله سالكاً، كيف تصلي؟ أولاً: أحد الوسائل أن تكون مع الله في الصلاة، أن تعمل فكرك فيما تقرأ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها))

[أمنصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبيّ بن كعب]

فحينما تكون مع الإمام في قراءته، ومع الفاتحة في معانيها، ومع سبحان ربي العظيم في الركوع، ومع سبحان ربي الأعلى في السجود، ومع الصلوات الإبراهيمية في القعود، مبدئياً إذا كنت مع المعاني التي تقرأها في الركوع والسجود، والقيام والقعود، هذا نوع من الخشوع في الصلاة، أما أيضاً مرة ثانية: الله جل جلاله غني ألف مرة عن أن تقف بين يديه وأنت ساهٍ عما تقرأ، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾

[ سورة المعارج: 34 ]

المؤمن الصادق حينما يقف ليصلي كأنه يستمع إلى كلام الله من الله :

أما قوله تعالى:

﴿ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾

[ سورة الماعون: 5 ]

فأيضاً صلاة الفجر في المسجد، وصلاة العشاء في المسجد، والتراويح في المسجد، والتأمل في الآيات التي تقرأ، المؤمن الصادق حينما يقف ليصلي وكأنه يستمع إلى كلام الله من الله، قال تعالى:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة الزمر: 53 ]

﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة الأنعام: 54 ]

أنت حينما تستمع إلى الإمام يقرأ الآيات ينبغي أن تكون معه، وأن تتلقى هذا القرآن عن الله جل جلاله.

تأخير الصلاة عن وقتها من عمل الشيطان :

تأخير الصلاة من عمل الشيطان
لذلك مرة ثانية: رمضان الاستقامة وهذا تعبير حديث، رمضان الصلاة، الصلاة تؤدى في أوقاتها، ومن أخّر الصلاة عن وقتها أذهب الله البركة من عمره، أي في رمضان جرب هذه الطريقة؛ حينما يؤذن المؤمن دع كل شيءٍ وقم إلى الصلاة، من فضل الله كل واحد طبق هذه الطريقة، حينما يؤذن المؤذن دع كل شيء وقم إلى الصلاة، لأن المنادي يناديك حي على الصلاة، حي على الفلاح، أنت في رمضان لأن تأخير الصلاة عن وقتها من عمل الشيطان، والأعمال أحياناً تكون متتابعة وجذابة، فلذلك هناك بعض البرامج في الكومبيوتر تذكرك بالصلاة، لأن الإنسان يجلس والوقت لا يشعر به يخرج على الشاشة انتبه دخل وقت العصر، هل صليت العصر؟ وهكذا، فالمؤمن عنده مذكر من نفسه بأداء الصلوات في أوقاتها وتأمل فيما يقرأ، لكن فوق هذا إن لله في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها، هذه النفحات ليست في يدك، لكن بيد الله عز وجل، يمنحك إياها في الوقت المناسب، وفي المكان المناسب، أنت كن مؤهلاً إلى تلقيها، عرض نفسك له، والله سبحانه وتعالى لا يضن عليك بها، أحياناً الإنسان بالتراويح يبكي بكاءً شديداً ويشعر بقرب من الله لا يوصف، ممكن يوم بالجمعة، أو يومان، أو ثلاثة، هذه بحسب همته ونشاطه، أحياناً يتجلى الله على قلبك فتشعر بقرب لا يوصف من الله عز وجل، فإذا الإنسان صلى التراويح واقترب من الله عز وجل يوجد آيات في سورة النجم تفيد بعض المعاني اللطيفة، قال تعالى:

﴿ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ﴾

[ سورة النجم: 8-9 ]

رمضان شهر الاستقامة و الصلاة و القرآن :

أنا قلت لكم: إذا أحدنا في بعض ساعات صفائه مع الله صلى صلاة متقنة، وغشيته السكينة، وتجلى الله على قلبه، وغشيته السكينة قل لنفسك: يا فلان هذه هي الصلاة التي أمر الله بها، هذه هي الصلاة التي قال عنها النبي: "أرحنا بها يا بلال"، هذه الصلاة التي ترقى بك إلى الله، هذه هي الصلاة التي تستمد بها من الله الكمال، هذه هي الصلاة التي تلقي في قلبك طمأنينة ورضىً، وتفجر ينابيع الحب، هذه هي الصلاة، فنحن رمضان الاستقامة، لكن الناس جعلوا رمضان شهر اجتماعيات، شهر لقاءات، هوَ هو، سهراته، انغماساته، طريقة بيعه وشرائه، طريقة كسبه للمال، إنفاقه، ولائمه، لقاءاته مع أصدقائه، ولكن في رمضان تتضاعف، هذا النمط مرفوض عند خواص المؤمنين، هذا رمضان لله عز وجل، فرمضان الاستقامة أولاً، رمضان الصلاة، أي الإنسان في رمضان يحرص على الصلوات في وقتها وفي المسجد، لأن صلاة الجماعة تعدل سبعاً وعشرين ضعفاً من صلاة الفرد، إذا رجل أراد أن يقرأ في غرفة النوم سريعاً ما ينام، فراش مريح والكتاب ممل، ترى وقع الكتاب من يده و نام، أما حينما يجلس في مكتبة، وله زملاء إلى جانبه، وكلهم يعكف على الكتاب، والكتاب أمامه مفتوح، والإضاءة جيدة، ومعه قلم ويجلس على كرسي، فهذا الجو جو دراسة، ففي الأعم الأغلب يدرس كثيراً بهذه الطريقة، أما لو قرأ في الفراش ينام، أحياناً الصلاة في البيت تختصر كثيراً لأن الفراش جاهز، عينك على الفراش وتصلي وتقرأ: قل هو الله أحد، والفراش جاهز، أما حينما تأتي إلى المسجد، وتقف مع الجماعة، وتستمع إلى الإمام يتلو صفحةً أو أكثر في الركعة، تتأمل آياته، هذه الصلاة التي أرادها الله سبحانه وتعالى، أنت افهم الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين ومن هدمها فقد هدم الدين، فلذلك رمضان الاستقامة، رمضان الصلاة.
الآن رمضان القرآن، أنا أتمنى على كل منكم أن يبدأ بختمة بالقرآن الكريم، ختمة تدبر، هذه الختمة توازي ختمة التعبد، اقرأ كل يوم جزءاً تعبداً، واقرأ ختمة تفكر، لا يوجد مانع، مصحف من مصاحف البيت أمسك قلماً، وضع خطوطاً، وضع إشارات، أسهم، تعليقات، أو اختر بعض الآيات اكتبها لابد من مدارسة القرآن، لابد من دراسته، لابد من الوقوف عند أمره ونهيه، عند حلاله وحرامه، وآياته الكونية، وآياته التاريخية، وآياته القصصية، وآياته المتعلقة بسنن الله في خلقه، لابد من وقفة متأنية مع كتاب الله، كتاب الله أيها الأخوة كالبحر الزاخر كلما غصت فيه وجدت اللآلئ والجواهر، أحياناً تطرب لمعنى حرف، لمعنى كلمة، باستنباط حكم شرعي، قد تفهم آية تملأ قلبك طمأنينةً وثقة بالله عز وجل.

الجهد في سماع القرآن يرسخ معانيه :

شيء آخر: لو أن طالباً أراد أن يحضر محاضرة في الجامعة يذهب ليحضر هذه المحاضرة، يستمع إليها قد يفهم وقد لا يفهم، علماء التربية ينصحون لو أن هذه المحاضرة جزء من كتاب مقرر، أنت إذا قرأت الكتاب المقرر قبل أن تحضر المحاضرة وتوقعت ما الذي سيطرح في هذه المحاضرة، ما النقاط الأساسية، هذه النقطة كيف تفسر؟ أنت عندك ثاني يوم من رمضان أغلب الظن سنقرأ الجزء الثاني، ما المانع أن تقرأ هذا الجزء في اليوم الأول لتجد كيف ستطرح الموضوعات في هذا الدرس؟ أو ما النقاط الأساسية في هذا الجزء؟ أنت حينما تقف وراء الإمام كي تستمع إلى القراءة أنت بذهنك الجزء كله، ولك وقفات عند بعض الآيات، ولقد تأثرت أشد التأثر من بعض الآيات، فإذا جلست تستمع إلى الدرس أنت تريد أن تفهم ماذا سيقول المتكلم، وأي آية سيطرحها، كيف سيطرحها، من أي زاوية، ما المدلول، ما العمق، هذا الجهد في سماع القرآن هو الذي يرسخ معانيه.
الموضوع سأوضحه لكم بطريقة أخرى، لو أمكن أن نعطي وحدة جهد في الدراسة، رجل مسك كتاباً وقرأه مستلقياً بلا تعب، بلا تدبر، بلا دقة، بلا تمحيص، بلا تأن، قرأه قراءة تصفح حتى أتى عليه، نقول نحن: أعطى عشرة من مئة من الجهد، ماذا بقي عليه؟ تسعون بالمئة، لو أعطى في القراءة الأولى تسعون بالمئة من الجهد ماذا بقي عليه؟ عشرة، أنت حينما تقرأ الآيات التي ستقرأ مسبقاً، وتضع إشارات، هذه آية أحكام، وهذه آية كونية، وهذه فيها أمر ونهي، وهذه فيها سنة كونية ثابتة، وهذه من كلمات الله، أنت حينما تفعل هذا وتقف لتصلي وراء الإمام تتفاعل مع قراءته أشد التفاعل لأنك مهيأ، ألم يقل الله عز وجل:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ﴾

[ سورة سبأ: 46 ]

معنى ذلك أنت مكلف أن تتفحص هذا الكلام- كلام الله عز وجل- وأن تقف عند مدلولاته، وعند أبعاده، وعند أمره ونهيه، وحلاله وحرامه، وقصصه، وأخباره، وإعجازه العلمي، والتشريعي، و التربوي، واللغوي، والبياني، وما شاكل ذلك.
إذاً رمضان الاستقامة، ثانياً: رمضان الصلاة، ثالثاً: رمضان القرآن، هذا القرآن يجب أن تقرأه وأن تستوعبه وأن تصغي إلى تفسيره، وأن تعمل بآياته، وأن يكون هذا القرآن ربيع قلبك في رمضان، كي يستمر معك إلى ما بعد رمضان.

 

رمضان الإنفاق :

رمضان شهر الانفاق
الشيء الرابع: رمضان الإنفاق، كان عليه الصلاة والسلام:

((أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلام يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلام كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ))

[البخاري عن ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا]

مثلاً صلة الرحم هذه عبادة قد تغيب عن معظم الناس، يجب أن تتفقد أخوتك وأخواتك، وأصهارك، وأولاد عمك، وكل من يلوذ بك في رمضان زيارة، زيارة تفقد، زيارة مساعدة، زيارة دعوة إلى الله، خصص جزءاً من رمضان للعلاقات الاجتماعية، وقد يكون الوقت المناسب قبل المغرب بعد العصر، هذا الوقت الناس يدعون أعمالهم لتأثرهم بالصيام، يجب الإنسان أن يعمل قائمة.
الآن رمضان الإنفاق، من الإنفاق أن تجلس مع من يلوذ بك متفحصاً، مستكشفاً، وقد تجد من المناسب أن تعين هؤلاء الذين يلوذون بك، إعانة مادية، إعانة توجيه، وقد تأخذ بيدهم إلى الله عز وجل، هذا أيضاً من لوازم شهر رمضان، فنحن كمؤمنين من طلاب العلم الشرعي الشريف إذا فهمنا الصيام على أنه دورة مكثفة ننتقل نقلة نوعية من مستوى إلى مستوى، ومن مرحلة إلى مرحلة، ومن مكان إلى مكان، ومن حال إلى حال، ومن مقام إلى مقام، هذا الفهم العميق من الصيام يجعلنا نفهم الصيام ونحن في أسعد حالة.

 

الحكمة من كون العيدين عقب عبادة :

دققوا عند المسلمين أعياد كثيرة من أبرزها عيد الفطر السعيد وعيد الأضحى المبارك، ما حكمة أن يكون العيدان عقب عبادتين؟ الحكمة من ذلك أن الإنسان إذا أدى هذه العبادة أداءً كاملاً يفرح فرحاً شديداً، يعبر عن فرحه بالعيد، أي أمكنه الله أن يصوم الصيام الذي أراده الله عز وجل، فكل هذه الدروس المسبقة عن رمضان هدفها أن نستعد لهذا الشهر.

الأشياء المستحبة و غير المستحبة في رمضان :

ذكرت من قبل أن العلاقات الحادة في رمضان غير مستحبة، فك شركة في رمضان غير مستحب، تطليق امرأة في رمضان غير مستحب، إجراء عنيف في رمضان غير مقبول، هذا رمضان العبادة، رمضان التفرغ لله عز وجل، فالأولى أن تبتعد عن كل علاقة حادة، عن كل علاقة فيها شدة، فيها عنف، هذا يبعدك عن صفاء النفس وعن تفرغها لله عز وجل.
الشيء الثاني: يكون الأخ مثلاً يلزم الدروس في هذا المسجد، يحضر صلاة التراويح وما بعد التراويح والفجر، يكون عنده مركبة أحياناً، هذه المركبة يجب أن تملأها من الأخوة القريبين من بيتك، هذا من الأعمال الطيبة، إذا إنسان ساكن بجهة من الجهات وحوله أربعة أخوان من رواد هذا المسجد لو اتفق معهم على أن يلتزموا أن يصلوا الفجر والعشاء جميعاً في المسجد، فأنت ضمنت الثبات والاستمرار، وثانياً أمنت لهم طريقاً سهلة للوصول إلى المسجد، هذا مما يرفع من قيمة عملك الصالح، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( إِنَّ اللَّهَ لا يَجْمَعُ أُمَّتِي أَوْ قَالَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ضَلالَةٍ وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَمَنْ شـَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ ))

[ الترمذي عن ابن عمر ]

من الجميل جداً أن يتعاون الأخوة، قال لي بعض الأخوان في منين والتل: يستأجرون سيارة عامة كبيرة بمبلغ يسير جداً أقل من أجرة الراكب من دمشق إلى منين، هذا الباص الكبير أو المتوسط يتسع لعشرين راكباً من البيت إلى المسـجد إلى البيت، اتفقوا معه، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

[ سورة المائدة: 46 ]

المساعدة والإكرام والبشاشة تحبب الناس برمضان :

ولا تنسوا أيها الأخوة كل رمضان ينضم إلى المسجد أناس جدد تشدهم الصلاة، تشدهم بعض الدروس، فأنت إذا رأيت أخاً جديداًً يجب أن تكون في غاية الكمال، الاهتمام، والمساعدة، والإكرام، البشاشة، والمصافحة، والمودة، أنا أعرف أناساً كثيرين بدؤوا علاقتهم مع الله في رمضان، وفي مسجد معين، فرجل قد يأتي إلى هذا المسجد عابراً، فإذا به يصبح من الأخوة الكرام الثابتين، بسبب أن الصلاة والدروس شدتهم إلى المسجد، فأنت أيضاً ساهم في شيء ثان، هناك من يدعو إلى هذا المسجد بعض أصدقائه و أخوانه وأقربائه أيضاً ساهم، في رمضان جو خاص، تجل خاص، في رمضان تأثر خاص، هذا كله من لوازم رمضان، فاجعل من هذا الشهر خالصاً لله عز وجل، في هذا الشهر جمد مشكلتك مع الله، يوجد إنسان حامل مشكلته ويسير، كلما جلس يشتكي، لا يوجد إنسان على الإطلاق خال من المشكلات، هذه المشكلات من لوازم الحياة الدنيا، والدليل حينما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلاءِ الدَّعَوَاتِ لأصْحَابِهِ: اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا وَلا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا وَلا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلا مَبْلَغَ عِلْمِنَا وَلا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لا يَرْحَمُنَا ))

[الترمذي عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ]

المؤمن المتين الموقن برحمة الله يجعل الله وقع المشكلات عليه خفيفاً :

المصائب لا تلغى ولكن تخفف، يخف وقعها على المؤمن، فأنت إذا أيقنت، وإذا أقبلت، وإذا تحركت، وإذا عبدت الله عز وجل وقع بعض المشكلات يضعف كثيراً، المشكلة هيَ هي ولكن قد تخفف، يوجد أدوية مرة، أدوية الأطفال فيها طعم حلو طيب، فأحياناً تأتي المصيبة للمؤمن كأدوية الأطفال، يوجد دواء ومادة فعالة ولكن فيه مادة سكرية، ومذاق هذا الدواء مستطاب عند الأطفال، فالمؤمن المتين الموقن برحمة الله وبعطاءاته، الله جل جلاله يجعل وقع بعض المشكلات عليه خفيفاً، وإنسان آخر لا يحتمل.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن يترجم هذا الدرس إلى تطبيق، وأن نكون جميعاً في رمضان من الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وممن صاموا صياماً مقبولاً، رمضان شهر الطاعة، شهر القرب، شهر الحب، شهر الإنفاق، شهر التقوى، شهر الصلاة، شهر القرآن، هذه كلها معاني رمضان، وأبلغ حديث قاله النبي في هذا الموضوع:

((رغم أنف عبد أدرك رمضان فلم يغفر له، إن لم يغفر له فمتى؟))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))

[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

((مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

الموت يلغي كل شيء و لا تبقى إلا الأعمال الصالحة :

رمضان كما قلت أيها الأخوة: الشهر الذي ننتظره بفارغ الصبر، والأيام تمضي ونحن الآن نتحدث عن رمضان، وهو على الأبواب، ولكن والله قد لا تصدقون ما بين غمضة عين وانتباهتها انتهى رمضان، وجاء العيد، ننتظر عيد الأضحى المبارك، ما بين غمضة عين وانتباهتها يأتي عيد الأضحى ثم يأتي الصيف، ثم يأتي الشتاء ثم يأتي رمضان، إلى أن نلقى الواحد الديان، والإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، وما من يوم ينشق فجره إلا ينادي: أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة، وكل شيء ما سوى طاعة الله ومعرفته والعمل الصالح لا قيمة له، الموت ينهي كل شيء، الموت ينهي فقر الفقير، ووسامة الوسيم، ودمامة الذميم، وصحة الصحيح، ومرض المريض، وقوة القوي، وضعف الضعيف، يلغي كل شيء، لا تبقى إلا الأعمال الصالحة، الإنسان عندما يصوم رمضان صياماً صحيحاً، ويشعر أن الله قبل منه هذا الصيام، وأعتقه من النار، فقد فاز فوزاً عظيماً.
نحن على أبواب شهر لو صمناه كما أراد الله لفزنا فوزاً عظيماً، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا الشهر الكريم عتقاً لنا من النار

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018