الدرس : 7 - سورة الرعد - تفسير الآيات 25 – 29 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 7 - سورة الرعد - تفسير الآيات 25 – 29


1986-09-05

 الحمد لله العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

﴿ وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾

الحكمة من وصف الله المؤمنين والكافرين في القرآن :

 الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يصف تارةً المؤمنين، ويصف تارةً الكفار، سؤالٌ يطرح عليكم: ما الحكمة من وصف المؤمنين؟ وما الحكمة من وصف الكافرين؟ هذه الصفات التي ذكرها الله للمؤمنين إنما ذكرها لتكون مقياساً نقيس بها إيماننا، فإن لم نكن كذلك، إنما ذَكَرَهَا لتكون هدفاً نسعى إليه، فصفات المؤمنين التي أُدْرِجَت في كتاب الله إنما جعلت مقياساً لنا أو هدفاً نسعى إليه ..

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾

( سورة الأنفال )

 هل نحن كذلك؟ مقياسٌ أو هدف ..

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2)وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ(3)وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ(4)وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5)إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾

( سورة المؤمنون )

 المؤمن كذلك؟ يُعْرِضُ عن اللغو؟ في صلاته خاشعٌ؟ إلى الزكاة مُسْرِعٌ؟ في الزلازل وقورٌ؟ في الرخاء شكورٌ؟ هكذا المؤمن؟ فحيثما ورد في كتاب الله سبحانه وتعالى أو في السنة المطهرة وصفٌ دقيق للمؤمن فهذا مقياسٌ لك، كن جريئاً مع نفسك، قِس نفسك بهذا المقياس ..

 

﴿ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾

( سورة الأنفال )

 أأنت متوكلٌ عليه؟ أم قلبك فارغٌ كقلب أم موسى، راضٍ بقضائه؟ مستسلمٌ لمشيئته؟ تقول كما قال الإمام الغزالي: " ليس في الإمكان أبدع مما كان " .
 تقول: الحمد لله في السرَّاء والضرَّاء، في الصحة والمرض، في القوة والضعف، في إقبال الدنيا أو إدبارها ؟

 

من صفات المؤمنين :

صلة ما أمر الله بصلته :

 قال ربنا عزَّ وجل :

﴿ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ﴾

 أية صلةٍ أمرها الله سبحانه وتعالى يصلونها ..

﴿ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ﴾

خشية الله والخوف عند القيام بين يديه :

 هل يأتي على المؤمن خواطر يوم القيامة؟ خواطر الوقوف بين يدي الله عزَّ وجل؟ هل يتصور في كل عملٍ يعمله أنه سَيُسْأَل عنه ؟

﴿ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ(21)وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ﴾

الصبر وطاعة الله:

 صبروا على الطاعات، وصبروا عن المعاصي، وصبروا على البلاء ..

﴿ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ(22)جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ(23)سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾

من صفات الكافرين :

 تم شرح هذه الآيات في الدرس الماضي، بالمقابل :

﴿ وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ ﴾

نقض عهد الله :معنى نقض العهد :

 عهد الله: جئت إلى الدنيا وعاهدته أن تطيعه، فإذا عصيته فقد نقضت عهد الله .

معنى نقض العهد :

 ما معنى :

﴿ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ ﴾

 أي يعصونه، لأنهم حينما جاءوا إلى الدنيا عاهدوه على الطاعة، فإذا عصوه فقد نقضوا عهدهم معه، ولأن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض فتنكَسِرَ أضلاعه أهون من أن يسقط من عين الله، قد تكون فقيراً وأنت كبيرٌ في عين الله، قد تكون مريضاً وأنت كبير في عين الله، يحبك الله، يتجلَّى عليك، يوفِّقُكَ، يفتح لك أبواب رحمته، وقد تكون قوياً، وقد تكون غنياً، وقد تكون ذا سيطٍ عريض ونَجْمٍ متألِّق، وقد يكون هذا الإنسان ساقطاً من عين الله، لذلك أكبر نجاحٍ يحققه الإنسان على وجه الأرض أن ينال رضاء الله عزَّ وجل .
 هناك أناسٌ داسوا بأقدامهم أرض القمر، وهناك مخترعون اخترعوا أجهزةً عجيبة، هناك مخترعون اخترعوا أسلحةً فتَّاكة، هناك من يصنع القنابل الجرثومية، هناك من يصنع السلاح الكيميائي، هناك من صنع القنبلة النووية، ومع ذلك ساقطون من عين الله، والمؤمن إذا عرف الله سبحانه وتعالى، واستقام على أمره، وتقرَّب إليه بالعمل الصالح، فهو مُقَرَّبٌ عند الله، له مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر ..

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ(54)فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾

( سورة القمر )

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدًّا ﴾

( سورة مريم )

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

( سورة الحج : من الآية 38 )

 يحبهم ويحبونه، جاء جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال له : قل لأبي بكر: " يا أبا بكر قل لصاحبك: إن الله راضٍ عنه، فهل هو راضٍ عن الله ؟ هذا مقام ..
 فيا أيها الإخوة الأكارم، ما من نجاحٍ على وجه الأرض أثمن من أن تفوز برضاء الله سبحانه وتعالى ..

 

﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

( سورة آل عمران )

﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾

( سورة يونس : من الآية 58 )

 برحمة الله، بطاعة الله، بمعرفة الله .

 

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

( سورة المطففين )

﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ ﴾

( سورة الصافات )

﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

( سورة يونس : الآية 58)

﴿ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ﴾

( سورة آل عمران )

 هؤلاء ينقضون عهد الله، يعصونه، يعصون الله، ولا يأبهون لهذه المعصية، يعصون الله جِهاراً، يفتخرون بالمعصية، يتبجَّحون بها ..

﴿ وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ﴾

قطع ما أمر الله بوصله :

 أمرهم الله أن يصلوا أرحامهم فقطعوها، أمرهم الله أن يعطفوا على الفقراء والمساكين فقاطعوهم، أمرهم الله أن يستقيموا ، أيّ شيءٍ أمرهم الله به يخالفونه ..

﴿ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ﴾

 النبي عليه الصلاة والسلام جاءه رجلٌ وقد مات والداه فقال: " يا رسول الله، هل بقي علي شيءٌ من برِّ والدي بعد موتهما؟ " ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( نعم، أربعة: أشياء أن تدعو لهما ـ رب اغفر لي ولوالدي، رب ارحمهما كما ربياني صغيراً ـ وأن تصلي عليهما.. صلاة الجنازة.. وأن تنفذ عهدهما، وأن تصل صديقهما، وأن تصل الرحم التي لم يكن لها صلةٌ إلا بهما، فهذا الذي بقي عليك من بِرِّهِما بعد موتهما ))

[ البيهقي في شعب الإيمان عن أنس ]

﴿ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ﴾

(( أهل ود أبيك لا تقطعه فيطفئ الله نورك ))

 هناك حديثان :

(( أهل ود أبيك لا تقطعه ))

 وفي حديث آخر :

(( ود أبيك لا تقطعه فيطفئ الله نورك ))

[ ورد في الأثر ]

﴿ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ﴾

الإفساد في الأرض :

الفساد واسع ومتعدّد المجالات :

 والفساد في الأرض واسعٌ جداً، إفساد العَلاقة بين اثنين من صفات الكفار، قد تفسد هذه العلاقة بكلمة، قد تفسد العلاقة بين أخوين بكلمة تقولها لأحدهما، قد تُفْسِد العلاقة بين زوجين بكلمةٍ تقولها للزوج، أو بكلمةٍ تقولها للزوجة، وقد تفسد العلاقة بين شريكين بكلمةٍ واحدة تقولها لأحد الشريكين، وقد تفسد العلاقة بين أسرة مُتآخية بشيءٍ تفعله، بدنيا تعرضها، بحديثٍ تتبجح به، بوصفٍ كاملٍ تصفه، وقد تفسد العلاقة بينك وبين عقلك، فتعطله أو تسيء استخدامه، أو ترفض نموه، فيكون الجهل والتجهيل، والكذب والتزوير، وهذا أعدى أعداء الإنسان، قد تفسد العلاقة بينك وبين نفسك فيبحث الإنسان عن أشد الوسائل انحطاطا لأشد الأهداف قذارةً عندها فتكون أزمة الأخلاق المدمرة، ويكون الشقاء الإنساني، وقد تفسد العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان، فيكون النصر للأقوى ولو كان صاحب البُطْلِ، ويكون صاحب الحق بعيداً عن حقه، وهذه أزمةٌ حضارية تعيق تقدم الأمة وتقوِّض دعائمها .
 إنّ فساد العلاقة واسعٌ جداً، لابدَّ من أن تَصِحَّ العلاقة مع عقلك، ولابدَّ من أن تصح العلاقة مع نفسك، ولابدَّ من أن تصح العلاقة مع أخيك، ولابدَّ من أن تصلح بين اثنين .

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ ﴾

( سورة الحجرات : من الآية 11 )

 السخرية تفسد العلاقة .

﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾

( سورة الحجرات : من الآية 12 )

 الغيبة تفسد العلاقة .

﴿ وَلَا تَجَسَّسُوا ﴾

( سورة الحجرات : من الآية 12 )

 التجسس أي تتبع الأخبار السيِّئة يفسد العلاقة .
 ولا تحسسوا ..

 

﴿ يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ﴾

( سورة يوسف : من الآية 87 )

 والتحسس تتبع الأخبار الطيبة، ربما كان هذا فضولاً وقد يفسد العلاقة ..

(( مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ ))

[ سنن الترمذي عن أبي هريرة ]

 هؤلاء يفسدون في الأرض، ومن الفساد في الأرض أن تخرج على الناس في زينتك، أن تريهم ما عندك من أثاثٍ فخم، يزورك إنسان فتعرض كل ما عنده أمامه، يخرج من عندك وهو كسير القلب .
 " من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط " .
 عن عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِذَا أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ، وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ، وَلا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ ))

[ سنن الترمذي عن عائشة ]

 الفساد أيضاً أن تتبجَّح بنزهاتك، ورحلاتك، وأفراحك، والمصاريف الباهظة التي أنفقتها، هذا من الفساد في الأرض، من الفساد في الأرض أن تُطْلِع أخيك الفقير على شيءٍ نفيس فتجعل في قلبه الحُرْقَة، الفساد في الأرض أن تسأل ابنتك: ماذا قدَّم لك زوجك في العيد، فإن لم يقد لك شيئاً تذمه، توقع في قلبها الحسرة، توقع في قلبها بغضه، هذا كله من الفساد في الأرض، لذلك هؤلاء :

 

﴿ وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ﴾

لا تعظِّم نفسك فما أنت إلا نطفة من ماء مهين :

 حدثني عن نفسه ، ولو عرف الله حق المعرفة لفني في ذات الله، ولرأى نفسه أحقر من أن يتحدث عنها، من أنا؟ هذا الكون العظيم الذي ينبئ عن خالقٍ عظيم، من أنا حتى أتحدث عن نفسي؟ عبدٌ ضعيف، فنقطة دمٍ إذا تجمدت في أحد شرايين المخ شللٌ، عمًى ، صمم، جنون، أية عظمةٍ لهذا الإنسان، أوله نطفة وآخره جيفة، أية عظمة؟ كنت قبل أيام أُشَيِّع جنازةً، وقد وضع الميت في قبر قريبه الذي مضى على وفاته ثمانية أعوام، لم نجد في القبر إلا بعض العظام، أي عظمةٍ كانت لهذا الميِّت، كان ملء السمع والبصر، كان غنياً، كان مُتْرِفَاً، كان الناس يتقرَّبون إليه، بضع عظماٍ ملقاةٌ في قبر، علامَ الافتخار ؟
 أيها الإخوة الأكارم، طوبى لمن ذكر المبتدى والمنتهى، هذا الذي ذكر مبتداه نطفةٌ تخرج من عورةٍ إلى عورة وتخرج من عورة، من ماءٍ مهين، وهذا الذي نظر إلى أخراه فرأى نفسه عِظاماً نخرة في قبرٍ من قبور الشام، من أنت؟ لذلك حالة الفناء التي وصفها الصوفيون تعني أنك تستحيي أن تقول: أنا وأنا، قالها الشيطان فأهلكه الله، قال :

﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾

( سورة ص : من الآية 76 )

﴿ وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ﴾

جزاء هؤلاء الموصوفين بهذه الصفات :

اللعن والطردمن رحمة الله :

 اللعنة هي البعد عن الله سبحانه وتعالى، وما من شيٍ أثمن من القرب من الله سبحانه وتعالى، وما من شيءٍ أشقى للإنسان من أن يكون ملعوناً، فهذه الكلمة: لعن الله فلاناً، فلان ملعون، هذه الكلمة تدور على الألسنة، ولو عرف الإنسان معناها، معناها أنه مطرودٌ من رحمة الله، أنه بعيدٌ عن تجلي الله ..

﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ﴾

 هذا الإنسان إذا عرف ما عند الله من نعيمٍ مقيم، وكان مطروداً عن هذه الرحمة فهذا هو الشقاء بعينه .

 

يا عجبًا كيف لو ذاقوا رحمة الله!!!

 قال فرعون للسحرة :

﴿ قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ﴾

( سورة طه : من الآية 71 )

﴿ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى(71)قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾

( سورة طه )

 ذاقوا من رحمة الله آثروها على كل شيء .

 

﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾

( سورة يوسف : من الآية 33 )

 ذاق رحمة الله، " لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف " ..

 

فلو شـاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لـما وليت عنا لغيرنا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب و جئتنا
و لو ذقت من طعم المحبة ذرةً  عذرت الذي أضحى قتـيلاً بحبنا
و لو نسمت من قربنا لك نسمة  لمت غريباً واشتياقاً لقـــربنا
ولو لاح مـن أنوارنا لك لائحٌ  تركت جميع الكائنات لأجلــنا
هذا الذي يذوق من رحمة الله  يضحي بالدنيا كلها من أجلها ..
فليتك تحلو و الحياة مـريرة  وليتك ترضى و الأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامرٌ وبيني وبين العالمين خـراب
***

(( إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))

[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر ]

﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ﴾

 في الدنيا، الكافر بعيد، شقي، قَلِق، في قسوة في حياته، قلبه مقفر كالصحراء، مشاعره بليدة، نفسه تؤْثر ذاتها على كل شيء، يحب الأخذ ويكره العطاء، يتمنى أن يعيش وحده، ويهلك الناس جميعاً، يمقت الناس ويمقته الناس؛ المؤمن يألف ويؤلف، يحب الناس كلهم، يؤثرهم على نفسه، يتمنَّى لهم النجاح والتوفيق، هينٌ لينٌ، حييٌ، كريمٌ، المؤمن غرٌ كريم، والكافر خَبٌ لئيم .

﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾

سوء الدار والمنقلب :

 قال عليه الصلاة والسلام :

(( الناس رجلان: تقيٌ كريم كريم على الله، وفاجر لئيم هين على الله ))

[ ورد في الأثر ]

 لا شأن له عند الله، والناس إذا ضاقت بهم الدنيا، وغلت فيهم الأسعار، وشحَّت علهم أمطار السماء لا لشيء إلا لأن الله هان عليهم، هانت عليهم معصيته، هان عليهم خَرْقُ حدوده، هان عليهم الاستهزاء بدينه، هان عليهم نقض مواثيقه، هان عليهم أن يعصونه جهاراً، هان عليهم أن يضربوا بكتاب الله عُرْضَ الطريق، هان عليه أن يسخروا من شرعه، فهانوا على الله، هانوا عليه؛ ضاقت بهم السبل، وانقطعت بهم الأسباب .

﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ﴾

اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا

الإنسان يفرح بالحياة وهو لا يعلم حقيقة ذلك :

 أيها الإخوة الأكارم، ربنا سبحانه وتعالى في آيةٍ أخرى يوضِّح هذه الآية :

﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾

( سورة الفجر : الآية 15)

 الإنسان أحياناً يتوهَّم أنه إذا كان غنياً، وكان في بحبوحة، وكان صحيحاً، قوياً، ذا شأنٍ ووجاهة، قد يتوهَّم الإنسان أن الله يحبُّه إذا أعطاه، فإذا ضاق رزقه وضعُفَ جسمه، وضعف شأنه قد يتوهَّمُ أنه مهانٌ عند الله، والحقيقة عكس ذلك ..

﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾

( سورة الفجر : الآية 15)

 هو هذه مقولته، ولكنها ليست صحيحة، هذه دعواه، هذا زعمه، هذا توهُّمُهُ .

 

﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾

( سورة الفجر )

 لا، يا عبادي، ليس عطائي إكراماً، ولا ابتلائي إهانةً، إنما عطائي ابتلاءٌ، وحرماني معالجة .

﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ﴾

معنى : يبسط و يقدِر :

 معنى يَقْدِر أي يُضَيِّق، والمعنى الثاني: يقدر أي يجعل رزق العبد على قدر حاجته، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً ))

[ ورد في الأثر ]

 أي يكفيه، لا يحوجه إلى أحدٍ، لكن هذا الرزق ليس فيه فضلٌ يزيد على حاجته، فمن أوتي رزقاً كفافاً فليَحْمَدِ الله .

 

﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾

 إذا أعطى أدهش .

 

العطاء الدنيوي ليس دليلَ حب الله للإنسان :

 لكن هذا الذي يعطيه الرزق الوفير لا ينبغي أن يتوهَّم أن الله يحبه، قد يحبه وقد لا يحبه، هذا الغني الذي أوتي مالاً كثيراً لا ينبغي أن يستنبط من غناه أن الله يحبُّه قد يحبه وقد لا يحبه، قد يحبه إذا كان مستقيماً محسناً، متواضعاً سخياً، جاء في الحديث القدسي " :

(( أحب ثلاث وحبي لثلاثٍ أشد أحب، الطائعين وحبي للشاب الطائع أشد، وأحب الكُرماء وحبي للفقير الكريم أشد، وأحب المتواضعين وحبي للغني المتواضع أشد؛ وأبغض ثلاثاً وبغضي لثلاثٍ أشد، أبغض العصاة وبغضي للشيخ العاصي أشد، وأبغض المتكبِّرين وبغضي للفقير المتكبر أشد، وأبغض البخلاء وبغضي للغني البخيل أشد ))

[ ورد في الأثر ]

 إذا كنت غنياً لا يستنبط من هذا أن الله يحبُّك، عوامُّ الناس يقولون: " إذا أحب الله عزَّ وجل عبده أطلعه على ملكه "، القضية سهلة، اركب طائرةً وجُلْ بها في أقطار الأرض معنى هذا أن الله يحبك، هذا استنباط مضحك، استنباط سخيف، النبي عليه الصلاة والسلام ما رأى من الأرض إلا مكة والمدينة وأطراف الشام، ما رأى أوروبا ولا أمريكا، ماذا يستنبط من هذا ؟ استنباطٌ مضحك، لذلك :

 

﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ﴾

 أي أن الله سبحانه وتعالى يعطي وقد لا يعطي، قد يضيِّق وقد يعطيك الكفاف .

(( إن من عبادي من لا يصلح له إلا الغنى فإذا أفقرته أفسدت عليه دينه ، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته أفسدت عليه دينه ))

[ ورد في الأثر ]

 أي أن الله عزَّ وجل عليمٌ خبير، معنى خبير: خبير بهذه النفوس، هناك إنسان على الدخل المحدود من مسجدٍ إلى مسجد، فإذا زاد دخله من ملهى إلى ملهى، حينما يُكْشَفُ الغطاء يوم القيامة، ويرى العبد الفقير أن الفقر كان أنسب شيءٍ له يذوب خجلاً ومحبةً لله عزَّ وجل، والغني إذا أفقره الله سبحانه وتعالى ربما كفر، فطبيعة نفسه تقتضي الغنى، والدنيا مؤقتة، والدنيا ساعة اجعلها طاعة .

﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ﴾

 بمعنى يُضَيِّق أو يرزق الكفرة .

﴿ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ﴾

قد يكون الشر كامنًا في الخير :

 فالآية الكريمة :

﴿ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة البقرة )

 هناك رجل تزوج امرأةً في المدينة، فلما دخل عليها لم تعجبه، أمضى معها الليلة، ثم هام على وجهه في أطراف الدنيا، من شدة ضيقه من هذه المرأة غاب عنها عشرين عاماً، هكذا تروي القصة.. حينما دخل عليها، ولم تعجبه كانت عالمةً فقيهه قالت له : " يا فلان، قد يكون الخير كامناً في الشر ".. لا تدري.. فلما عاد بعد عشرين عاماً إلى المدينة، ودخل أحد مساجدها فرأى عالماً تحلَّق الناس حوله، فلما سأل عنه إذا هو ابنه، فلما دخل البيت ذكَّرته امرأته بقولها له حينما رآها .

﴿ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة البقرة )

 فهذا الذي قسمه الله لك؛ شكلك رزقٌ قسمه الله لك، طولك، لون جلدك، صحَّة أعضائك، زوجتك، أولادك، حرفتك، دخلُك، أمك، أبوك، حيُّك، مدينتك ..

 

﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

( سورة الزخرف : من الآية 32 )

 هذا أنسب شيء لك، هذا بتقدير الله ..

﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾

( سورة الأنعام )

﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

الفرح بالدنيا دليل على قلة العقل :

 قل لي بربك: ما الذي يفرحك أقل لك من أنت؟ هناك من يفرح بالدرهم والدينار، هناك من هو عبدٌ لبطنه، هناك من هو عبدٌ لفرجه، هناك من هو عبدٌ لخميصته، هناك من هو عبدٌ للدرهم والدينار، قال عليه الصلاة والسلام :

(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلا انْتَقَش ))

[ سنن ابن ماجة : عن " أبي هريرة ]

 هذا الذي يفرح بالحياة الدنيا؟ قال عليه الصلاة والسلام :

(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضَا ، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي ))

[ ورد في الأثر ]

 إذا فرحت بالحياة الدنيا فهذه وصمة عار، قال :

 

﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾

( سورة القصص : من الآية 78 )

﴿ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ(76)وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ﴾

( سورة القصص : الآية 76 ـ 77)

 هذا قارون ..

 

﴿ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾

( سورة القصص )

 فرحوا بالحياة الدنيا، من عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضَا، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي .

 

﴿ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

 علامة النفاق الفرح بالدنيا، والمؤمن يفرح بفضل الله سبحانه وتعالى، يفرح إذا عرف الله، إذا فهم كتابه، إذا استقام على أمره، إذا عمل الصالحات، إذا رزقه الله عملاً صالحاً، سيدنا موسى لمَّا سقى لهما تولى إلى الظل :

﴿ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾

( سورة القصص )

 الفقر فقر العمل الصالح، والغنى غنى العمل الصالح، والغنى والفقر بعد العرض على الله .

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ﴾

وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ

هذه هي قيمة الدنيا :

 النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر ))

[ ورد في الأثر ]

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

( سورة النساء : من الآية 77 )

 ألا تصدق الجليل يقول لك :

 

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

( سورة النساء : من الآية 77 )

 سنواتٌ عشر حتى يستطيع الإنسان أن يسترخي، أن يستمتع للحياة الدنيا لابدَّ من أن يصل إلى أربعين عاماً، ولا سيما في هذه الأيام العصيبة؛ إلى أن يشتري البيت، ويكسو البيت، ويؤسس البيت، ويبحث عن عملٍ مريح، إلى أن يتزوَّج، إلى أن تحل مشكلاته المادية في الأربعين، وأكثر الذي يموتون الآن في الخمسين، عشر سنواتٍ فحسب يضيِّعُ من أجلها الآخرة كلها، " من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً ، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً " .

 

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

( سورة النساء : من الآية 77 )

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ ﴾

( سورة القصص )

 إذا تألَّمت من سِنِّك، تذكَّر وأنت في حالة الألم الطعام الفاخر الذي أكلته قبل يومين أين هو؟ تذكر النزهة التي أمضيتها قبل أسبوع أين هي؟ تقول: إن ألم الضرس أنساني كل شيء، وحينما يقدم الإنسان على القبر ويوضع في هذه الحفرة، ويقول الله له :
 " عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت " .
 ليذكر الإنسان السهرات الممتعة التي أمضاها، والولائم الفاخرة التي أكل منها، والنُزُهات التي ذهب إليها، أين هي؟ هكذا الدنيا، الدنيا تغر وتضر وتمر، الدنيا تمر كلمح البصر .
 قبل يومين وأنا أراجع بعض الخطب التي كنت أكتبها من قبل عثرت على الخطبة الأولى التي ألقيتها، وكان تاريخها في الثاني والعشرين من شهر آب عام ألفٍ وتسعمائة وأربعةٍ وسبعين، قلت: سبحان الله! كيف مضت هذه السنوات الاثنتا عشرة؟ كلمح البصر، تاريخ، وقد مضى على هذه الخطبة اثنا عشر عاماً بالضبط، كيف مضت؟ وهكذا تمضي الحياة الدنيا ..

 

﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ(112)قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ(113)قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(114)أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾

( سورة المؤمنون )

 حينما شَيَّعْتَ جنازةً قبل أسبوع، السيارة التي وضع فيها النعش وضعوا آياتٍ من كتاب الله، الآيات هي :

﴿ كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِي(26)وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ(27)وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ(28)وَالْتَفَّتْ السَّاقُ بِالسَّاقِ(29)إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ ﴾

( سورة القيامة )

 وهذا الميت الذي أمامنا تنطبق عليه هذه الآية، إلى ربِّك، رحلةٌ أبدية، يحاسب فيها الإنسان عن كل شيءٍ فعله في الحياة الدنيا، عن كل نظرةٍ، عن كل درهمٍ من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه ؟

 

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة الحجر )

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ﴾

( سورة الزلزلة )

﴿ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ ﴾

( سورة القيامة )

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ﴾

 أي أنها لذَّاتٌ عابرة سريعاً ما تنقضي .

﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴾

وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ

كيف تطلبون آية والآياتلا تخفى على أحد ؟!

 كل هذه الآيات وكل هذه الدلالات لا تكفي الكافر .

﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ﴾

 عجيبٌ أمر الكفَّار ..

﴿ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾

( سورة الذاريات )

 حسبكم الكون معجزة، كل هذه الآيات أينما تحركت، جسمك آية، ابنك آية، كأس الماء آية، صوتك آية، الهواء آية، الماء آية، الرياح آية، الأمطار آية، الجبال آية ..
 وفي كل شيء له آية تدلّث على أنه واحد
 ومع كل هذا :

﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ﴾

قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُوَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ

 هذه الآية ينبغي أن نقف عندها، الله سبحانه وتعالى :

﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴾

 إذا قابلنا بين الآيتين وجدنا أن الله :

﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴾

المعنى الأول : الله يضل المتكبرَ الذي لا ينيب :

 إذاً: من الذي يضلُّه؟ الذي لا ينيب، المتكبر، المستنكف عن طاعة الله، إذا كانت معك معلوماتٌ قيمة لإنسان، وهذا الإنسان يسخر منك، ولا يعترف بعلمك، ولا يقدِّر هذه المعلومات، ولا يرضاها، ولا يقيم لها وزناً كيف تعطيه إيَّاها؟ مستحيل، هذا بعض معاني هذه الآية ..

﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ﴾

 لأن هذا الذي أضلُّه لم يُنِب إليه، لم يرجع إليه، لم يستعن به، لم يستهدِ به، لم ير ما عنده خيراً، لم ير قرآنه في حل لكل المشكلات، أعرض عنه، ازْوَر، استكبر، استعلى، إذاً الله سبحانه وتعالى لم يعطه شيئاً، شيء طبيعي، هذا بعض المعاني، يضل الذي لا يُنيب إليه، والقسم الثاني من الآية يوضِّح القسم الأول ..

﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴾

 الذي يعود إليه، يقبل عليه، يلتجئ إليه، يستهديه، يسترشده، يستغفره، يتوبُ إليه، يفوِّضُ له، يستسلم له، هذا الذي يهديه الله سبحانه وتعالى، فهذا المعنى دقيق جداً، إذا أعرض العبد عن ربه، واستنكف عن طاعته، ولم يلتجئ إليه، ولم يستهد بهديه، كيف يهديه الله عزَّ وجل ؟
 لو أنت معك معلومات دقيقة لهذا المريض، وهذا المريض لا يأبه لك بل يسخر منك، كيف تعطيه إيَّاها؟ ولو أعطيته إياها لألقاها في الطريق، لألقاها في سلة المُهملات .
 أحياناً على مستوى طبيب، يكون الطبيب ناشئا معه معلوماتٌ قيِّمة عن هذا المرض، يزور قريباً له، يلقي عليه هذه التعليمات، ثقة هذا المريض بطبيبٍ آخر، لو أملاها عليه لا يطبقها ولا يتبعها، فهذا الذي أعرض عن الله سبحانه وتعالى كيف يهديه الله؟ مستحيل ولو ألقى عليه الهدى، الهدى بين أيدينا، هذا كتاب الله بين أيدينا، كم من البشر يقرأه، ويهتدي بهديه، ويراه الحق الفَيْصَل، قلةٌ قليلة، وهؤلاء الذين إذا فتحوا المذياع، وطاشت إبرة المذياع على القرآنٍ الكريم سريعاً ما يحوِّلونه، كيف يهديهم الله سبحانه وتعالى كيف؟ إذا ألقيت على مسامعهم كلمة الحق سريعاً ما يزورّوا يقول لك: ليس عندنا وقت هذا كلام فارغ، هذا كلام لا معنى له في هذه الأيام، فالذي يعرض عن الله سبحانه وتعالى لا يهديه الله، هذا المعنى من بعض المعاني التي تستنبط من هذه الآية .

 

المعنى الثاني : الله يضل إذا اختارالعبد الضلالَ لنفسه :

 معنى آخر: الله سبحانه وتعالى يضل من يشاء، لكن في آيات كثيرة، وضح هذه المشيئة ..

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾

( سورة يوسف : من الآية 52)

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴾

( سورة غافر )

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

( سورة المنافقون )

﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

( سورة الجمعة )

 إذا كان في الآية في إيجاز فهناك آياتٌ أخرى فيها تفصيل، الظالم لا يهديه الله سبحانه وتعالى، الفاسق لا يهديه الله سبحانه وتعالى، المسرف الكذَّاب لا يهديه الله سبحانه وتعالى، المُختال لا يهديه الله، المتكبر لا يهديه، المسيء لا يهديه، العاصي لا يهديه .

﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

( سورة يونس )

 فإذا قال الله عزَّ وجل :

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ﴾

 هناك آياتٍ تزيد على خمسين آية فَصَّلَ الله سبحانه وتعالى من هؤلاء الذين لا يهديهم؟ الظالمون، الفاسقون، المتكبِّرون، الكاذبون، الخائنون، المختالون، هذا المعنى الثاني .

﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ﴾

 أنا أقول للطلاب مثلاً: آخذ معي إلى النُزهة من أشاء لكنني لن آخذ الكسول، توضَّحت مشيئتي، توضح أنني آخذ المُجتهد .

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴾

 إذاً: من الذي يضله؟ الذي يعرض عنه، آية واضحة كالشمس، لكن أهل الكفر والضلال يأخذون هذه الآية ليتَّخذوها حجةً وهي حجة عليهم وليست لهم، يقولون: يا أخي الله يضل من يشاء، إذاً فأكمل الآية :

﴿ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴾

﴿ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾

( سورة البقرة : من الآية 105 )

 أكمل الآية، فضله واسع، يسع الخلق كلهم، إذاً: من يشاء هنا تعود على الإنسان .

﴿ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾

 من البشر ، لأن ..

﴿ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾

 يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴾

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ(27)الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ

لا يعرف الأمن والسكينة إلا من ذاقها :

 إن الله يعطي الصحة، والذكاء، والجمال، والمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين، هذه السكينةُ لا يعرفها إلا من ذاقها .

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

( سورة الأنعام )

 فنعمة الأمن لا يعرفها إلا من ذاقها .

﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾

( سورة قريش )

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾

( سورة النحل )

﴿ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ(10)إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ﴾

( سورة النمل )

 أي أن الذي يظلم نفسه يخاف، والذي يظلم من حوله يخاف، يقذف الله في قلبه الرعب .

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ﴾

المؤمن آمنٌ مطمئنٌ لأنه يعلم أن الأمر كله بيد الله :

 المؤمن سبب طُمأنينته أنه يرى أن الأمر كله لله، وأن الأمور كلها ترجع إلى الله، وأن الله سبحانه وتعالى بيده كل شيء، وأنه إليه يرجع الأمر كله، وأنه في السماء إله، وفي الأرض إله .
 وأنه :

﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ﴾

( سورة فاطر : من الآية 2 )

 انتهى الأمر، اجعل الهموم هماً واحداً يكفك الهموم كلَّها، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟

﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة هود )

 ما لك لك ، وما ليس لك ليس لك :

((أَلا وَإِنَّ الرُّوحَ الأَمِينَ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ رِزْقٍ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللَّهِ، فَإِنَّهُ لا يُدْرَكُ مَا عِنْدَ اللَّهِ إِلا بِطَاعَتِهِ ))

[ البيهقي عن ابن مسعود ]

 " إن كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرِّب أجلاً " .
 فعند المؤمن طمأنينة لو وزِّعَت على أهل بلد لكفتهم، وفي قلب الكافر خوفٌ وقلقٌ وذعرٌ ورعبٌ لو وزِّع على أهل بلدٍ لأفزعهم .

 

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ﴾

 يا فلان لقد احترق متجرك، ابتسم وقال: ما كان الله ليفعل، لا، لم يحترق متجري، أبو الدرداء، " يا أبا الدرداء لقد احترق حانوتك " قال: " ما كان الله ليفعل "، ثم جاءه آخر فقال: " لم يحترق حانوتك احترق الحانوت الذي إلى جانبه "، قال: " أعرف ذلك.. مطمئن إلى رحمة الله.. ذلك مرضٌ ما كان الله ليصيبني به "، أعرف صديقاً مؤمناً استيقظت زوجته وقد رأت ابنتها مشلولة فصرخت فقال: اسكتي ما كان الله ليصيبني بهذا المرض، وفعلاً هناك مرض مشابهٌ تماماً لهذا المرض يزول بعد يومين، مطمئن .

 

 

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

( سورة الطور : من الآية 48 )

 أنت في رعاية الله، في ظل الله، في حفظ الله، في توفيق الله، إن الله يدافع عنك ..

 

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

( سورة البقرة : من الآية 257 )

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

( سورة فصلت )

 إذا كان الله عزَّ وجل هو ملك الملوك يقول :

﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

 من تخاف ؟ من تخشى؟ من ترهب؟ لماذا تقلق؟ قارئ القرآن لا يحزن .

(( لا يحزن قارئ القرآن ))

[ ورد في الأثر ]

 من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أوتي خيراً مما أوتي فقد استصغر ما عظَّمه الله، حَقَّر ما عَظَّمه الله، إن كنت مؤمناً فنم ولا تبالِ، هنيئاً لك أنت من ملوك الدار الآخرة، إن المؤمن حينما يموت ينتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، كما يخرج الجنين من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا، ساعة الموت عُرس المؤمن، " لا كرب على أبيك بعد اليوم غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه " .
 والله الذي لا إله إلا هو يأتي على المؤمن في ساعة الموت سعادة لو عرفها أهله لضحكوا، لفرحوا، لأقاموا الزينات في البيت، إلى أين أنت ذاهب؟ إلى رحمة الله، يقول لك المُلَقِّن: اللهم أبدله أهلاً خيرا من أهله، وداراً خيراً من داره، وزوجةً خيراً من زوجته، ولقِّه الأمن والبشرى والسلامة والزلفى، اللهم نقه من الخطايا كما ينقَّى الثوب الأبيض من الدنس "، هذا التلقين لنا وليس للميت، لنا نحن، هناك حياةٌ أبديةٌ لا نغص، لا قلق، لا ارتفاع أسعار، لا ندرة مواد، لا خوف، لا حزن، لكن :

(( أعددت لعبادي الصالحين مالا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر ))

[ البخاري ]

﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴾

( سورة الزمر )

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِي(19)إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِي(20)فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ(21)فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ(22)قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ(23)كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾

( سورة الحاقة )

 لذلك :

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ﴾

 علامة إيمانك أنك تطمئن بذكر الله، ترتاح نفسك، تستقر مشاعرك، لا تقلق، لا تحزن، لا تخاف، لا تخشى، تتوكَّل، ترى أن الأمر كله لله، وأنه لا يقع شيءٌ إلا بأمر الله، وأن كل من تخافه بيد الله ..

 

﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة هود )

 هذا التوحيد .. ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد .
 هذا التوحيد يورث في الإنسان الطمأنينة، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله ))

[ ورد في الأثر ]

 فإذا اطمأننت إلى ذكر الله، واطمأن قلبك فأنت مؤمن، لذلك المؤمن يتغنَّى بكتاب الله، ولا يستطيع أن يتغنى بشيءٍ آخر، لا يستطيع، المؤمن في المسجد كالسمك في الماء، والمنافق في المسجد كالعصفور في القفص، لكن كلمة عصفور كثيرةٌ عليه، خطأ المثل، لكنه محبوس، متضايق .

 

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ(28)الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ﴾

الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ

معنى : طوبى :

 طُوبى على وزن كُبرى، من طاب يطيب، طابت حياتهم في الدنيا والآخرة، طابت من كل نغص .

﴿ طُوبَى لَهُمْ ﴾

 حياةٌ لا توصف لشدة ما فيها من سعادة ..

﴿ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ﴾

معنى : حُسْنُ مَآبٍ :

 أي عودة مشرفة إلى الله عزَّ وجل، ما فيها خزي، الكافر ..

﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ(1)وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ(2)عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ(3)تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً(4)تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ(5)لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ﴾

( سورة الغاشية )

﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾

( سورة آل عمران : من الآية 106 )

﴿ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ(41)أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ﴾

( سورة عبس )

 فهذا شر مآب، أما المؤمن يستقبل كضيف ..

﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ ﴾

( سورة الحجر )

 هنيئاً لكم طبتم ..

 

﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ ﴾

( سورة الحجر )

 إذاً :

﴿ طُوبَى لَهُمْ ﴾

 أي طابت حياتهم في الدنيا والآخرة .

﴿ وَحُسْنُ مَآبٍ ﴾

 وإذا انقلبوا إلى الله عزَّ وجل ينقلبون إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018