الخطبة : 0729 - محبة الله ورسوله - زكاة الفطر - إصلاح ذات البين. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0729 - محبة الله ورسوله - زكاة الفطر - إصلاح ذات البين.


1999-12-31

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته، ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

 

التلازم بين الحبّ و الإيمان :

 أيها الأخوة المؤمنون، إن صحّ أن منهج الله جل جلاله ومنهج رسوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طريق يصل بنا إلى الجنة، أيها الأخوة، ما القوة التي تدفعنا في هذا الطريق؟ ما القوة التي تحملنا على السير في هذا الطريق؟ إن صح أن للمركبة مقوداً لابد لها من محرك، لابد لها من قوة دفع تسير على هذا الطريق، فقد يكون حال المسلمين أنهم يعرفون الحلال والحرام، ولكنهم لا يحملون أنفسهم على فعل الحلال وترك الحرام فما سر ذلك؟ لعل سرّ ذلك أن الحب الذي يعتلج في قلب المسلم هو القوة المحركة التي تدفعه في هذا الطريق إلى سلامته وسعادته.
 أيها الأخوة الكرام، ورد في الأثر أن لا إيمان لمن لا محبة له، فالإيمان والحب متلازمان تلازم الروح والجسد، فما قيمة الجسد من دون روح؟ كذلك ما قيمة الإيمان من دون حب؟ إن صح أن العقل للإنسان كالمقود للمركبة يحملها على السير في الطريق الصحيح، فإنه يصح أيضاً أن القلب للإنسان كالمحرك لهذه المركبة، يحركها على هذا الطريق، ونحو ذلك الهدف، فما قيمة المقود من دون محرك؟ إنه الجمود والموت، وما قيمة المحرك من دون مقود؟ إنه الهلاك والدمار، المنهج والحب، المنهج طريق واضح رسمه القرآن الكريم، ورسمته السنة الصحيحة، والحب هو القوة المحركة على هذا الطريق.
 أيها الأخوة المؤمنون، المحبة هي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وهي الحياة التي من حرمها فهو في جملة الأموات، وهي النور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، وهي الشفاء الذي من عدمه حلت به الأسقام، وهي اللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، لهذا قال عليه الصلاة والسلام ودققوا في هذا الحديث:

((ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعدئذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار))

[ متفق عليه عن أنس]

حلاوة الإيمان :

 أيها الأخوة الكرام، هذا ينقلنا إلى حلاوة الإيمان، بعد أن عرفنا حقائق الإيمان، حقائق الإيمان واضحة جلية لكل المسلمين، ولكن حلاوة الإيمان من ذاقها سار على هذا الدرب، من ذاقها شعر في ذاته بقوة تدفعه إلى الأعمال البطولية، إنه الحب، الحب الذي يعتلج به قلب المؤمن، يحب الله ومحبة الله هي الأصل، ويحب رسوله ومحبة رسوله فرع من هذه المحبة الأصلية، ويحب المؤمنين، ويحب خلق الله أجمعين، هذه حالة المؤمن، حالة المؤمن أن قلبه يحب الله عز وجل، بل هو ممتلئ بحب الله، وبحب رسوله، وبحب المؤمنين، وبحب خلق الله أجمعين.
 يقول الله عز وجل في الحديث القدسي فيما رواه النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ربه، في الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري:

(( لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ))

[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

من ذكره الله ألقى في قلبه الأمن و الطمأنينة :

 كما قلت أيها الأخوة في خطبة سابقة:

﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

[ سورة العنكبوت: 45 ]

 قال بعض علماء التفسير: ذكر الله لك أكبر من ذكرك له، إذا ذكرك الله عز وجل ألقى في قلبك الأمن، إذا ذكرك الله عز وجل ألقى في قلبك الطمأنينة، إذا ذكرك الله عز وجل ألقى في قلوب الخلق محبتك، إذا ذكرك الله عز وجل ألقى في قلبك نوراً ترى به الحق حقاً والباطل باطلاً، إذا ذكرك الله عز وجل يسر لك أمورك، إذا ذكرك الله عز وجل أذاقك طعم القرب منه، هي جنة الدنيا، وإذا قسنا على هذه الآية، إذا أحبك الله عز وجل فأنت في أعلى عليين، تحبه أنت لأنه منحك نعمة الوجود، وتحبه لأنه منحك نعمة الإمداد، وتحبه لأنه منحك نعمة الهدى والرشاد، فإن أحببته أطعته.

تعصي الإله و أنت تظهر حب ه ذاك لعمري في المقام شنيع
لو كان حبـك صـادقاً لأطعتــــــــه  إن المحب لـمن يحب مطيع
***

 تحبه وتستقيم على أمره، وتتقرب إليه بالنوافل حتى يحبك، فإذا أحبك الله عز وجل كما ورد في الحديث الصحيح:

(( لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه ..))

[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 لا تستمع إلا إلى الحق، بل إن أذنك تغدو مقياساً لسماع الحق، فإذا كان في الذي تسمعه خللٌ رفضته، أو إن كان فيه ما يغضب الله ابتعدت عنه، سمعك يعمل بنور الله عز وجل:

(( …وبصره الذي يبصر به ..))

[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 ترى الآخرة، ترى ما عند الله، لا ترى الدنيا بعين واحدة كما هي الحال عند الغربيين.

﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾

[ سورة الروم: 7 ]

 ترى بعينين، ترى قيمة الآخرة، ترى السعادة الأبدية في الجنة، ترى قيمة العمل الصالح، ترى قيمة طلب العلم، لا ترى بهرج الدنيا وزينتها فتملأ قلبك وتنصرف بها عن الآخرة:

((كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ..))

[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 هذه القوة التي منحك الله إياها لا تستخدمها إلا في الحق، إنها موظفة في سبيل الحق، وفي سبيل الدفاع عن الحق، وفي سبيل نصرة دين الحق:

(( ورجله التي يمشي بها ..))

[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 لا تتحرك إلا للخير، إلا إلى العمل الصالح، إلا إلى طلب العلم، إلا إلى خدمة الخلق، وعندئذٍ الثمرة:

((ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ..))

[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

محبة الله في متناول كلّ مؤمن :

 أيها الأخوة الكرام، محبة الله لها منهج واضح، لها أسباب واضحة في متناول كل إنسان، ألم يقل الله عز وجل:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾

[ سورة المائدة: 13]

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾

[ سورة البقرة: 222 ]

 اجمع هذه الآيات لا تزيد عن اثنتي عشرة آية، فإذا فعلت هذه الأشياء التي ذكر الله أنه يحب أصحابها نلت محبة الله عز وجل.
 شيء آخر هو أن جل جلاله يلقي في روعك أنه يحبك، بل هناك دلالات تؤكد لك أنه يحبك، فالعبرة أن يحبك الله عز وجل، وثمن محبة الله عز وجل أن تحبه، ومن لوازم محبته أن تطيعه، فمحبة الله في متناول كل المؤمنين، بقي أن نتحرك إلى كسب محبته كي يحبنا، وإذا أحبنا كنا في حال غير هذا الحال.

علامة محبة الله اتباع نبيه و تطبيق سنته :

 أيها الأخوة الكرام، كثيرون جداً هم الذين يدعون محبة الله، ولأن هذه الدعاوى كثرت فالله سبحانه وتعالى طالب المحبين بالدليل، فقال تعالى:

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾

[ سورة آل عمران: 31 ]

 علامة محبة الله اتباع نبيه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، علامة محبة الله تطبيق سنة نبيه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، علامة محبة الله أن تأخذ منهج النبي في اهتمامك، بكل ما في قلبك من تعظيم وإكبار، علامة محبة الله عز وجل أن يحيي النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قلوبنا، وفي بيوتنا، وفي أعمالنا، قال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

 أي كلما كانت سنتك مطبقة في حياتهم هم في مأمن من عذاب الله عز وجل.

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

 لذلك:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 31 ]

 كن واضحاً، والحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، علامة محبة الله تطبيق سنته، علامة محبة الله أن تكون سنة النبي في كل شؤون حياتك.
 أيها الأخوة الكرام، للإمام الشافعي رحمه الله استنباط رائع، قال تعالى:

﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

[ سورة المائدة: 18 ]

 إن قسنا هذه الآية على المسلمين، إننا ندعي أننا أمة محمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأننا من خير الأمم، كلام طيب، لكن لم يعذبنا الله بذنوبنا؟ لأننا لم نطبق منهجه، إن لم نطبق سنة النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنحن كغيرنا، وليس لنا أية ميزة على بقية الأمم:

﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

[ سورة المائدة: 18 ]

 لذلك استنبط الإمام الشافعي من هذه الآية أن الله جل جلاله لا يعذب أحبابه.

 

من آثر الدنيا على طاعة الله خسر الدنيا و الآخرة :

 أيها الأخوة الكرام، في القرآن الكريم آيات دقيقةٌ جداً متعلقة بهذه الموضوع، قال تعالى:

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾

[ سورة التوبة: 24]

 هذه الآية وحدها أيها الأخوة حدّ فاصل، أي يا أيها الإنسان إن حملك حبك لأبيك، أو حبك لابنك، أو حبك لإخوانك، أو حبك لأزواجك، أو حبك لعشيرتك، أو حبك لمال اقترفته، أو حبك لتجارة تخشى كسادها، أو حبك لمساكن ترضاها، إذا كانت هذه الأشياء أحب إليك من الله فتربص، أي الطريق إلى الله ليس سالكاً:

﴿ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾

[ سورة التوبة: 24]

 يجب أن ندرك أن هذه الآية تعني عند التعارض، شيء بسيط جداً أن تقول: أنا أحب الله، أو أنا أحب رسول الله، ولكن حينما يتعارض نص صحيح قطعي الدلالة مع مصلحة لك، إذا تعارضا، إذا تعارض حب الزوجة مع طاعة الله، وآثرت جانب الزوجة فتربص، فالطريق إلى الله ليس سالكاً، إذا تعارض حب العشيرة مع طاعة الله فتربص، فالطريق إلى الله ليس سالكاً، إذا تعارض حب الآباء والأبناء، وحب الأخوة مع طاعة الله فالطريق إلى الله ليس سالكاً، إذا تعارض حبك للمال مع نص صحيح فالطريق إلى الله ليس سالكاً، إذا تعارض أن تقيم في بيت، وفي إقامتك فيه شبهة كبيرة، أو اغتصاب، وآثرت هذا البيت على طاعة الله فالطريق إلى الله ليس سالكاً، إذا تعارضت تجارة رائجة مع نص شرعي يحرمها فالطريق إلى الله ليس سالكاً، هذه الآية أيها الأخوة عندما تتعارض النصوص الصحيحة ذات الدلالة القاطعة مع مصلحة تراها قريبة منك، عندئذٍ آثرت هذه المصلحة:

﴿ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾

[ سورة التوبة: 24]

 مرة ثالثة ورابعة: الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح لا تعش في الأوهام، لا تقل: أنا مؤمن، أنا مسلم، وأنت تؤثر الدنيا على طاعة الله، لا تقم بالعبادات الشعائرية، وأما العبادات التعاملية التي هي أساس الدين فإنك مهمل لها، مقصر فيها، يا أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الرحم، ونسيء الجوار، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرفه- ما الذي يجذب الناس إلى الرجل؟- نعرف صدقه، وأمانته، وعفافه، ونسبه، من أجل أن تجذب الناس إلى الإسلام لا تكفي العبادات الشعائرية لابد من العبادات التعاملية، لابد من أن تكون صادقاً، لابد من أن تكون أميناً، لابد من أن تكون عفيفاً، لابد من أن تكون وفياً، لابد من أن تكون عند عهدك، ألا لا إيمان لمن لا أمانة له، و لا إيمان لمن لا عهد له، فالذي يجذب الناس إلى الدين العبادات التعاملية، وأما العبادات الشعائرية فهذه بينك وبين الله وهي لك وحدك.

 

طاعة رسول الله هي طاعة لله حكماً :

 لذلك أيها الأخوة هذه الآية الكريمة:

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾

[ سورة التوبة: 24]

 وفي الحديث الصحيح:

(( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله، وماله، والناس أجمعين ))

[ متفق عليه عَنْ أَنَسٍ]

 فما قولكم بشأن المحبة؟ " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه "، طبعاً قد يقول أحدكم: أنا أحب رسول الله، ليس القصد أن تحب شخصًا، القصد أن تحب منهجه، وأن تحب سنته، وأن تحب التعاليم التي جاء بها، " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله، وماله، والناس أجمعين"، وهذا الحديث مصداق قوله تعالى:

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾

[ سورة التوبة: 24]

 بل إن إرضاء الله عز وجل هو عين إرضاء رسول الله، وإرضاء رسول الله هو عين إرضاء الله، لقوله تعالى:

﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾

[ سورة التوبة: 62 ]

 بل إن طاعة رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هي طاعة لله حكماً قال تعالى:

﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾

[ سورة النساء: 80 ]

نموذجان من محبة رسول الله :

 أيها الأخوة الكرام، بين أيديكم نموذجان من محبة رسول الله، ثوبان مولى رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان شديد الحب له، قليل الصبر عنه، أتاه ذات ليلة وقد تغير لونه، ونحل جسمه، وعرف ذلك في وجهه، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: يا ثوبان ما غير لونك؟ فقال: يا رسول الله ما بي وجع ولا ضر، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك، واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ولولا أني أجيء فأنظر إليك لظننت أن نفسي تخرج - أي أموت - ثم ذكرت الآخرة، وأخاف ألا أراك هناك، لأني عرفت أنك مع النبيين، فلم يرد عليه رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيئاً لكن الله جل جلاله في علاه أجابه عن تساؤله في القرآن الكريم فقال تعالى:

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾

[ سورة النساء: 69]

 إنك إن أطعت الله ورسوله فأنت مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
 أيها الأخوة الكرام، نموذج آخر: امرأة أنصارية من بني دينار، تسمع خبراً لم تتأكد منه، أن محمداً صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد قتل في أحد، فيؤلمها النبأ، وتخرج لتستجلي الحقيقة، وتمر على أرض المعركة، وتجد في الشهداء ابنها، وزوجها، وأخاها، وأباها، أربعة رجال، هم أقرب الناس إليها تجد أباها، وابنها، وأخاها، وزوجها، شهداء في أرض المعركة، فلا تقف عندهم، بل تندفع باحثة عن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تسأل عنه كل من لقيت، ما فعل رسول الله؟ فيقولون: أمامك، حتى وصلت إلى النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واطمأنت على سلامته، فأخذت بطرف ثوبه ثم قالت: كل مصيبة بعدك جلل، ولا أبالي ما سلمت من عطب، أية امرأة هذه المرأة، لله درها!

ولو كان النساء كمن ذكرنا  لفضلت النساء على الرجال
***

 هذه محبة رسول الله، ثوبان كيف محبته للنبي عليه الصلاة والسلام، وهذه المرأة كيف محبتها لرسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 أيها الأخوة الكرام، لئلا يكون هذا شيئاً تعجيزياً لمجرد أنك تطيع الله فأنت تحبه، ولمجرد أنك تطيع رسول الله في سنته فأنت تحبه، وأن المراتب العلية نرجو الله أن نكون من هؤلاء.

 

من فروع محبة الله محبة أصحاب رسول الله :

 أيها الأخوة الكرام، محبة الله أصل، ومن فروعها محبة أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الذين عزروه، ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، والذين جاهدوا معه حق الجهاد، وبذلوا من أجل انتشار الحق كل غالٍ ورخيص، ونفسٍ ونفيس، والذين وصفهم المصطفى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علماء حكماء، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء، وقد أمرنا النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفاء لحق صحبتهم وتقديراً لمكانتهم، ألا نخوض فيما بينهم، فقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه الطبراني:

(( إذا ذكر أصحابي فأمسكوا ))

[ الطبراني عن عبد الله]

 هذا من وفاء الصحبة، وهذا من أدب المؤمن مع رسول الله، أما هؤلاء الذين يخوضون فيما كان بين الصحابة من خلافات فهؤلاء ليسوا في رضوان الله تعالى، وقال عليه الصلاة والسلام:

(( لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه))

[ صحيح عن أبي سعيد الخدري]

 فهم كما ورد:

((كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ))

[ الدارمي عن جابر]

محبة الله أصل ومن فروعها محبة المؤمنين :

 أيها الأخوة الكرام، محبة الله أصل ومن فروعها محبة المؤمنين، أما هذه العداوة والبغضاء، والتشرذم، والتفرق بين الجماعات الإسلامية، فهذا مما لا يرضي الله عز وجل، محبة الله أصل ومن فرعها محبة رسول الله، ومحبة الله أصل ومن فروعها محبة المؤمنين، تلك المحبة التي تؤلف القلوب، وتوحد الصفوف، وتبني المجتمعات، وتصنع المعجزات، وقد شبه النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مجتمع المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم بالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، هم كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضاً، هم لبعضهم بعضاً نصحة متوادون، ولو ابتعدت منازلهم، بينما المنافقون بعضهم لبعض غششة متحاسدون، ولو اقتربت منازلهم، ينبغي ألا نعجب إذا جعل النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حب المؤمنين علامة كافية على صحة الإيمان، بل جعل محبة المؤمنين شرطاً وحيداً لوجود الإيمان في الرجل، قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم:

(( والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 فالذي في قلبه أحقاد، وأضغان، واعتراضات، وطعون، وهو يكره كل المؤمنين هكذا، ويظن أن الجنة له وحده، هذا انحراف في عقيدة الإنسان وسلوكه:

(( والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ))

 وقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قالَ عليه الصلاة والسلام:

(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا وَاعْقِلُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادًا لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنْ اللَّهِ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَعْرَابِ مِنْ قَاصِيَةِ النَّاسِ وَأَلْوَى بِيَدِهِ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ نَاسٌ مِنْ النَّاسِ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنْ اللَّهِ انْعَتْهُمْ لَنَا يَعْنِي صِفْهُمْ لَنَا فَسُرَّ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسُؤَالِ الْأَعْرَابِيِّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُمْ نَاسٌ مِنْ أَفْنَاءِ النَّاسِ وَنَوَازِعِ الْقَبَائِلِ لَمْ تَصِلْ بَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ مُتَقَارِبَةٌ تَحَابُّوا فِي اللَّهِ وَتَصَافَوْا يَضَعُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ فَيُجْلِسُهُمْ عَلَيْهَا فَيَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ نُورًا وَثِيَابَهُمْ نُورًا يَفْزَعُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَفْزَعُونَ وَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ))

[ مسلم عن أبي موسى الأشعري]

 أرأيتم إلى هذه النصوص الصحيحة التي تؤيد أن المؤمنين كتلة واحدة، جسد واحد، بنيان مرصوص، يحب بعضهم بعضاً، هذا الذي ينقص المسلمين اليوم، هذا الحب الشديد فيما بينهم، في الحديث القدسي.

(( وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتباذلين فيّ، والمتزاورين فيّ))

[ الطبراني عن معاذ بن جبل ]

 وفي حديث آخر:

(( المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء ))

[ الترمذي عن معاذ بن جبل رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 وقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن قال:

(( لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسِهِ))

[مسلم عن أنس بن مالك]

 وفي رواية:

(( وحتى يكره له ما يكره لنفسه ))

 أيها الأخوة، لعل المراد بأحدكم في الحديث كل المسلمين في كل العصور، وكل الأمصار، براوية أخرى تقول:

(( لا يؤمن أحد أو عبد ))

 وإن كان بهذه الصيغة خاصاً بالمشافهين الذين عاصروا النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والمراد بالأخ في الحديث من له أخوة الإسلام مطلقاً، فالمسلمون على اختلاف شعوبهم وقبائلهم وديارهم وألسنتهم وألوانهم هم أسرة واحدة قال تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

[ سورة الحجرات: 10 ]

 أي الانتماء ينبغي أن يكون إلى مجموع المؤمنين.

 

الأخوة الحقيقية بين المؤمنين فقط :

 أيها الأخوة، في قول الله تعالى ، إنما المؤمنون إخوة: إنما أداة قصر، أي الأخوة الحقيقية هي بين المؤمنين فقط، الأخوة الحقيقية، الود الحقيقي، المحبة الحقيقية لا تكون إلا بين المؤمنين، والمعنى الثاني أن النبي عليه الصلاة والسلام رفع العلاقة بين المؤمنين إلى أعلى علاقة خلقها الله، علاقة النسب- إنما المؤمنون إخوة- والشيء الثالث أن هذه الصيغة صيغة اسمية، مبتدأ وخبر، والصيغة الاسمية تفيد الاستمرار، الصيغة الفعلية تفيد الانقطاع، الحدوث والانقطاع، أما الصيغة الاسمية فتفيد الثبات والاستمرار، فالنبي عليه الصلاة والسلام أوتي جوامع الكلم وكلامه أفصح كلام بعد كلام الله عز وجل : إنما المؤمنون إخوة.
 روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان معتكفاً في مسجد رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لقي رجلاً كئيباً قال: ما بي أراك كئيباً؟ قال: ديون لزمتني، لا أطيق سدادها، قال: لمن؟ قال: لفلان، قال أتحب أن أكلمه لك؟ قال: إذا شئت، فقام ابن عباس من معتكفه، قال له أحدهم يا بن عباس أنسيت أنك معتكف؟ قال: لا والله، ولكنني سمعت صاحب هذا القبر، وكان حديث عهد به يقول: والله لأن أمشي مع أخ لي في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا ، هكذا كان حال أصحاب رسول الله ، والله لأن أمشي مع أخ لي في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا .

التّراحم والتّعاون والتّضامن من ثمار المحبة بين المؤمنين :

 أيها الأخوة الكرام، من ثمار المحبة بين المؤمنين التراحم والتعاون والتضامن والتكافل والمؤاثرة، فقد أمر الله المؤمنين بالتعاون فيما بينهم، إلا أنه قيد التعاون بأن يكون تعاوناً على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان، قال تعالى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾

[ سورة المائدة: 2 ]

 التعاون الذي أمرنا به مقيد بالبر والتقوى، وقال علماء التفسير: البر صلاح الدنيا، والتقوى صلاح الآخرة، ينبغي أن نتعاون بتحسين وضع المسلمين، بتأمين مساكن لأولادهم، بتأمين حاجاتهم، بتأمين تطبيبهم، هذا من الدين، وأن نتعاون على تعريفهم بالله عز وجل، وتعريفهم بمنهج الله عز وجل، وهذا من الدين، فالتعاون من أجل صلاح الدين والدنيا، هذا من صلب الدين.
 أيها الأخوة، ومن التعاون بين المؤمنين التناجي في صلاح دنياهم وآخرتهم، والمشاركة في إبداء الآراء، وتوضيح الحقائق، وتشخيص المشكلات، والبحث عن الحلول، وتذليل العقبات، فليس من سمات المؤمن الصادق الفردية والانعزالية والسلبية والهروب من حلّ المشكلات، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾

[ سورة المجادلة: 9 ]

 يجب أن يكون حديثنا دائماً صلاح المسلمين في دينهم ودنياهم، لذلك تعد هذه السورة من مظاهر التعاون الفكري التي أمر الله بها رسوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال:

﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

[ سورة آل عمران: 159]

 وقد وصف الله المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم، ومن التعاون- وهذا من صلب الخطبة- بين المؤمنين تنفيس الكروب، وتيسير الخطوب، وستر العيوب لقول النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستر الله في الدنيا والآخرة، و الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 نحن في رمضان ونحن على مشارف العيد، وهذا الحديث يجب أن يكون شعاراً لنا في كل تحركاتنا:

(( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستر الله في الدنيا والآخرة، و الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 إن كانت كربة الأخ بسبب حاجته إلى قرض حسن ليدفع به ضرورة ملحة فأقرضه ونفس عنه هذه الكربة، وإن كانت بسبب حاجته إلى شفاعة حسنة فاشفع له، وإن كانت بسبب حاجته إلى زواج فاسعَ بتزويجه، وإن كانت بسبب حاجته إلى عمل فاسعَ في تهيئة هذا العمل، وإن كانت بسبب حاجته إلى تداوٍ من علة جسمية فاسع له في العلاج، هذا معنى تنفيس الكروب.

 

إنصاف الناس من فروع محبة الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام، محبة الله جل جلاله أصل، ومن فروعها أن تنصف الناس جميعاً على اختلاف مللهم ونحلهم، وأن ترحمهم، وأن تعينهم في أمر دينهم ودنياهم، لأن الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( ليس منا من غش))

[أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم عن أبي هريرة ]

 مطلقاً، لو غششت غير مسلم لست من أمة محمد، محبة الله أصل من فروعها محبة رسول الله، محبة الله أصل من فروعها محبة الصحابة والتابعين، محبة الله أصل من فروعها محبة المؤمنين، محبة الله أصل ومن فروعها أن تحب الخلق أجمعين، لا محبة علاقة حميمة، ولكن محبة شفقة، فأنت يجب ألا تؤذي الإنسان غير المسلم، ولا تغشه، ولا تفعل شيئاً يزعجه لقول الله عز وجل في آية دقيقة جداً:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾

[ سورة المائدة: 8 ]

 لو أنك أبغضت إنساناً لكفره، ينبغي أن تعدل معه.

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

[ سورة المائدة: 8 ]

 إن عدلت مع هذا غير المسلم قربته إلى الله، وقربته إلى الإسلام، وسهلت الطريق إلى إسلامه، أما إذا ظلمته، إن نكلت به فأبعدته عنك:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

[ سورة المائدة: 8 ]

 والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( ليس منا من غش))

[أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم عن أبي هريرة ]

 مطلقاً، أما هذا الذي يبيح لنفسه أن يسيء لغير المسلمين، وأن يغشهم، وأن يكذب عليهم، وأن يبتز أموالهم، وأن ينتهك أعراضهم، بدعوة أنهم غير مسلمين، هذا جاهل جداً بحقيقة الإسلام، محبة الله أصل ومن فروعها أن ترفق بالمخلوقات جميعاً، وأن ترحمهم، فقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( لعن الله من مثّل بالحيوان ))

[ البخاري عن‏ ‏سعيد بن جبير]

 وقد روى الإمام البخاري أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:

(( دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض ))

[ متفق عليه عن ابن عمر]

 النار من أجل هرة.
 يا أيها الأخوة الكرام، دققوا، هرة، هرة فقط، لو أنك حبستها، فماتت جوعاً، لا تركتها تأكل ولا أطعمتها، هذا العمل يستحق دخول النار، فما قولكم فيما فوق الهرة؟؟

 

الألفة بين المؤمنين علامة إيمانهم :

 أيها الأخوة الكرام، روي عن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أيضاً أنه قال:

(( غفر لامرأة مرت بكلب على رأس بئر يلهث، يكاد يقتله العطش، فنزعت خفها فأوثقته بخمارها، فنزعت له من الماء، فغفر لها بذلك ))

[ البخاري عن أبي هريرة]

 يقول الله تبارك وتعالى:

﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾

[ سورة الأنفال: 63 ]

 فإذا كان هناك ألفة بين المؤمنين فهذه علامة إيمانهم، وإن كانت هناك فرقة بين المؤمنين فهذه علامة بعدهم عن الله كله.
 أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني. والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

زكاة الفطر :

 أيها الأخوة الكرام، صيامنا وقيامنا لا يرفع إلى الله تعالى إلا بتأدية الزكاة، زكاة الرأس، أو زكاة الفطر، لقد فرض الله تعالى علينا الزكاة، زكاة الفطر طهرة للصائم، مما بدرَ منه من لغو أو رفث، أي كلمة غير منضبطة، وطعمة للمسكين، وإغناء له عن السؤال في أيام العيد.
 صدقة الفطر تجب على كل مسلم، يملك قوت يومه، حراً كان أو عبداً، ذكراً كان أو أنثى، صغيراً أو كبيراً، غنياً أو فقيراً، حتى أن بعض المؤمنين يدفع عن الجنين الذي في بطن زوجته، تجب عن هؤلاء جميعاً، وعلى كل من يموله أو يلي عليه، أي أسرته، ومن يتولى الإنفاق عليه، كزوجته وأولاده، وعن أمه وأبيه وأخوته وأخواته، إن كان ينفق عليهم.
 مقدارها في الحد الأدنى ثمن نصف صاع من القمح، أي من خمسين إلى ستين ليرة سورية، ونصف صاع من القمح يعدل اثنين كيلو من القمح، هذا حدها الأدنى ولا حدّ لأكثرها قد تدفع ألفاً إلى خمسة آلاف إلى أي رقم، القاعدة الأصولية لا إسراف في الخير، ولا خير في الإسراف، في الخير لا يوجد إسراف، لا خير في الإسراف ولا إسراف في الخير.
 حكمتها: أن يذوق كل مسلم طعم الإنفاق، حتى الفقراء، حتى الذي يملك قوت يومه فقط، ليذيقه الله في العام كله مرة واحدة طعم الإنفاق، والإنفاق له طعم، وإذا كان يسعدك أن تعطي فأنت من أهل الجنة، وإذا كان يسعدك أن تأخذ فقط فهذه علامة ليست طيبة.
 وقتها: أول رمضان وحتى قبيل الخروج إلى صلاة العيد، ويفضل أن تعطى إلى الأقارب الفقراء، عدا الأصول والفروع والزوجة، الأباء مهما علوا والأبناء مهما دنوا، وعلى الزوجة والزوج على خلاف بين الفقهاء.

إصلاح ذات البين :

 أيها الأخوة الكرام، بقي موضوع قصير جداً بمناسبة قرب العيد قال تعالى:

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾

[ سورة الأنفال: 1 ]

 أيام العيد لا تحتمل خصومات، فالإنسان يعمل على إصلاح ذات بينه، أية علاقة بينه وبين الآخرين ينبغي أن يصلحها، بدءاً بعلاقته بزوجته أو بينه وبين إخوته أو أخواته، أو يصلح أية علاقة بين شخصين.
 أيها الأخوة الكرام، عن أبي الدرداء قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:

(( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟ قالوا: بلى. قال: صلاح ذات البين، فان فساد ذات البين هي الحالقة ))

[ الترمذي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ]

 هذا حديث صحيح. ويروى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال:

(( هي الحالقة ولا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ))

[ الترمذي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ]

 أي العيد لا يحتمل خصومات، ولا عداوات، ولا مشاحنات فكل إنسان عنده علاقة غير محكمة، علاقة مهزوزة، بينه وبين شخص آخر، ليكن هو البادئ في الصلح، ليكن هو الواصل كما ورد في الحديث الشريف:

((أمرني ربي بتسع: خشية الله في السر والعلانية، كلمة العدل في الغضب والرضا، القصد في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني- بادر أنت بزيارته، بادر أنت بالسلام عليه- وأن أعطي من حرمني، وأن أعفو عمن ظلمني، وأن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً ونظري عبرةً ))

[زيادات رزين عن أبي هريرة]

الدعاء :

 أيها الأخوة الكرام، إني داعٍ فأمنوا: اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيمن أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث واجعلنا من الشاكرين، اللهم اسقنا الغيث ولا تعاملنا بفعل المسيئين، يا رب العالمين، اللهم اسقنا الغيث ولا تهلكنا بالسنين، يا أكرم الأكرمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018