الخطبة : 0728 - شهر القرآن. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0728 - شهر القرآن.


1999-12-24

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذنٌ بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته، ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

السلامة و السعادة في اتباع تعليمات القرآن الكريم :

 أيها الأخوة الكرام: شهر رمضان شهر التوبة والغفران، شهر رمضان شهر الإنفاق، شهر رمضان شهر القرآن، شهر رمضان شهر القيام.
 يا أيها الأخوة الكرام: مرة ثانية صعد النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منبره فقال: آمين ثم صعد الدرجة الثانية فقال: آمين، ثم صعد الدرجة الثالثة ثم قال: آمين، فقالوا: يا رسول الله علام أمنت؟ قال: جاءني جبريل فقال لي: رغم أنف عبد أدرك رمضان فلم يغفر له، إن لم يغفر له فمتى؟
 أيها الأخوة الكرام: كان موضوع الخطبة الأولى في رمضان عن فضل الصيام، وكان موضوع الخطبة الثانية في رمضان عن فضل الإنفاق، واليوم موضوع الخطبة عن القرآن الكريم، فالله جل جلاله يقول:

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾

[ سورة الأنعام: 1 ]

 يحمد الله على خلق السموات والأرض، وفي آية ثانية:

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾

[ سورة الكهف: 1 ]

 وكأن السموات والأرض في كفة، والكتاب في كفة ثانية، أنت بالكون تعرفه، وبالقرآن الكريم وما فيه من أمر ونهي تعبده:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[ سورة آل عمران: 190ـ 191]

 أيها الأخوة الكرام: لا شك أن الإنسان أعقد آلة في الكون، وأن لهذه الآلة صانعاً حكيماً، وأن لهذا الصانع الحكيم تعليمات التشغيل والصيانة، فمن أراد أن يسلم وأن يسعد في الدنيا والآخرة فليتبع تعليمات الصانع التي هي القرآن الكريم.

 

التمسك بالقرآن الكريم منهج الله و حبله المتين :

 أيها الأخوة الكرام: القرآن الكريم:

﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾

[ سورة الإسراء: 9 ]

 في كل شؤون الحياة، في أدق العلاقات، في أشدّ العلاقات خصوصية، في العلاقات الحميمة، في العلاقات الأسرية، في العلاقات الاجتماعية، في علاقات كسب المال، في علاقات إنفاق المال، في علاقات الحل والترحال، في الدنيا، في كل شؤون الحياة الدنيا، القرآن الكريم يهدي للتي هي أقوم، ذلك أن الله سبحانه وتعالى هو الخبير.

﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾

[ سورة فاطر: 14]

 والقرآن الكريم فيه تعليمات الصانع، وخبرة الله قديمة، بينما خبرة البشر حادثة، يعتورها الخطأ، وتتنامى مع مرور الأيام، بينما خبرة الله عز وجل قديمة قدم وجوده، فكل شيء أمر به وكل شيء نهى عنه من أجل سلامة الإنسان وسعادته، فالقرآن الكريم - يهدي للتي هي أقوم - لو طبقته في بيتك لكنت أسعد الأزواج، ولو طبقته المرأة لكانت أسعد الزوجات، ولو طبقه التاجر لكان من أنجح التجار، ولو طبقه الصانع لكان من أنجح الصناع، ولو طبقته الأمة لعلا شأنها بين الأمم، وانتقلت من رعاية الغنم إلى قيادة الأمم، فلما جعل المسلمون القرآن وراء ظهورهم واستبدلوا به مناهج غريبة ومستوردة ضعف شأنهم، وقوي عليهم أعداؤهم، إن هذا القرآن - يهدي للتي هي أقوم - على مستوى أفراد وعلى مستوى جماعات، قديماً وحديثاً وإلى يوم القيامة، إنه منهج الله، إنه حبل الله المتين، إنه الصراط المستقيم، إنه الدستور الذي لا يخطئ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إن هذا القرآن - يهدي للتي هي أقوم - لو أن بينك وبين أحد خصومة، وقرأت قوله تعالى:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾

[ سورة الشورى: 39 ـ 40 ]

 فأنت معك منهج، إذا غلب على ظنك أن عفوك عن أخيك يصلحه ينبغي أن تعفو عنه، فإذا غلب على ظنك أن عفوك عنه يزيده ضلالاً ينبغي أن تقتص منه، معك منهج، لك مرجع، معك تعليمات، معك توجيهات خالق الكون، فهذا الذي يقرأ القرآن ويعمل به لا يضل عقله ولا تشقى نفسه، وهذا الذي يقرأ القرآن ويعمل به لا يندم على ما فات ولا يخشى مما هو آت.

﴿فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾

[ سورة طه: 123]

﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

[ سورة البقرة: 38]

قارئ القرآن يتوازن ويُحسن تفسير الأمور :

 أيها الأخوة الكرام: يقول الله عز وجل:

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾

[ سورة الإسراء: 82]

 الإنسان في حركته اليومية تنشأ عنده مشكلات، مشكلات في التصور، مشكلات في الاعتقاد، قد يختل توازنه، فإذا كان قارئاً للقرآن يتوازن، فإذا كان قارئاً للقرآن يحسن تفسير الأمور، فإذا كان قارئاً للقرآن لا يؤخذ بما يؤخذ به الناس، لأضرب لكم هذا المثل: لو ذهب المسلم المقصر في فهم القرآن إلى بلد غربي فرأى روعة البناء ودقة النظام والغنى الذي ما بعده غنى، لعله يختل توازنه، وهم مقيمون على المعاصي والآثام والفجور، أما إذا كان قارئاً للقرآن وتلا قوله تعالى:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾

[ سورة الأنعام: 44]

 فما من مشكلة في التصور تنشأ في نفس الرجل وكان يقرأ القرآن إلا وغطتها آية أعادت له توازنه وطمأنينته، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾

[سورة الإسراء]

 يقرأ الشاب المؤمن هذه الآية:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

[ سورة النحل: 97 ]

 وعد خالق الكون، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعده للمؤمنين، يقرأ المؤمن القرآن:

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾

[ سورة النحل: 1]

 أتى فعل ماض، أتى وانتهى، ثم يتابع قراءة الآية.

﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

[ سورة النحل: 1]

 لم يأتِ بعد، ما معنى هذه الآية؟ معنى هذه الآية أن الله إذا وعد عباده بشيء ينبغي أن تتقبل هذا الوعد وكأنه وقع وانتهى، فلذلك المؤمن لا يرى واقع الناس، يرى مصائرهم، لا يرى المنافق وقد علا وطغى وبغى، ونسي المبتدا والمنتهى، يرى مصيره فلا يقول: ليتني مثله، هذه لا يقولها إلا الجاهل، المؤمن ينظر إلى المستقبل، ينظر إلى مصائر الإنسان، إلى مصيره، إلى جنة يدوم نعيمها، أو إلى نار لا ينفذ عذابها، العلم خير من المال يا بني، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، يا بني مات خزان المال وهو أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، كلام الإمام علي كرم الله وجهه، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، حينما تقرأ القرآن تعرف حقيقة الكون، وحقيقة الحياة الدنيا، وحقيقة الإنسان، ولماذا أنت في الدنيا، من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ وما سر وجودك؟ وما غاية وجودك؟ وما ينبغي أن تفعل؟ وما ينبغي ألا تفعل؟ إنه نور مضيء لك في طريقك.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾

[ سورة الحديد: 28 ]

 الذي يقرأ القرآن معه جواب لكل تساؤل، عنده نظرة لكل معضلة، عنده تصور لكل مشكلة، الذي يقرأ القرآن نور الله قلبه، وسدد خطاه، ومنحه نظرة صائبة.

 

القرآن الكريم يطهر النفس من أدرانها :

 أيها الأخوة الكرام ، الذي يقرأ القرآن يعتني بتطهير نفسه من الأدران، لأنه يعلم علم اليقين.

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

 ينقي نفسه من الحقد، والحسد، والكبر، والغطرسة، والأنانية هذه أمراض مهلكة، ولا تنسوا أيها الأخوة أن أمراض الجسد مهما كانت وبيلة تنتهي عند الموت، ولكن أمراض النفس تبدأ بعد الموت، فتهلك صاحبها إلى الأبد، وهذا معنى قول الله عز وجل:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

حقّ تلاوة القرآن قراءته مجوداً و فهمه و تدبره :

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه ))

[ مسلم عن أبي أمامة ]

 ونحن في شهر القرآن نقرؤه، ونستمع إليه في الصلاة، ونتدبره، ونعمل به، كلمة موجزة أيها الأخوة، إنسان مريض ذهب إلى طبيب وصف له وصفة، لأن الله عز وجل يقول:

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾

[ سورة الإسراء: 82]

 فيا ترى لو قرأ الوصفة هل يشفى من مرضه؟ لو قرأها قراءة محكمة، لو قرأها قراءة مجودة هل يشفى من مرضه ؟ لو فهم كل دواء وما فيه من مواد فاعلة هل يشفى من مرضه ؟ لو اشترى الدواء هل يشفى من مرضه؟ لا يشفى من مرضه إلا إذا استعمل الدواء، وإذا كان القرآن شفاء للنفوس الحد الذي يشفي منه أن تقرأه قراءة صحيحة مجودة، وأن تفهمه، وأن تتدبر آياته، وأن تعمل به، ولعل هذا المعنى ورد في قوله تعالى:

﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾

[ سورة البقرة: 121]

 فحق تلاوته أن تتلوه بشكل صحيح مجود، وأن تفهمه، وأن تتدبر آياته، وأن تعمل به.

 

خير إنسان من تعلّم القرآن وعلّمه :

 ما قولك أيها الأخ أن من علامة إيمانك برسول الله أنك إذا سمعت منه حديثاً صحيحاً يجب أن تعتقد اعتقاداً جازماً أنه من الله عز وجل، سيدنا سعد بن أبي وقاص يقول: " ثلاثة أنا فيهن رجل وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس - من هذه الثلاثة- ما سمعت حديثاً من رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا علمت أنه حق من الله تعالى" يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:

(( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ))

[ البخاري عن عثمان ]

 ألا يكفي هذا الحديث الصحيح كي يدفعنا بشكل غير معقول إلى فهم القرآن؟ وإلى تعلمه؟ وإلى تلاوته؟ وإلى العمل به؟ وإلى أن يكون ملء سمعنا وبصرنا وحياتنا؟ خيركم من تعلم القرآن وعلمه، فهنيئاً لمن طلب العلم، طلب العلم بالقرآن الكريم، وهنيئاً لمن عمل به، وهنيئاً لمن علّمه، ذكرت كلمات ثلاث، لمن تعلّمه، ولمن عمل به، ولمن علّمه، لا يصح أن تعلمه إلا إذا عملت به، لأنك قدوة، والنبي عليه الصلاة والسلام كان قدوة لنا، ثم يقول عليه الصلاة والسلام:

(( الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران ))

[ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ عن عائشة ]

 هذا جبر خاطر من النبي عليه الصلاة والسلام، الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران، والحديث الصحيح الذي يقوله عليه الصلاة والسلام:

(( مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو - يطبق أحكامه التفصيلية في كل حياته - ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر - تعامله فيخلف الوعد، تعامله فيكذب، تعامله فيغدر، تعامله فيأخذ ما ليس له فتكرهه، لكنه يقرأ القرآن- ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر ))

[متفق عليه عن أبي موسى ]

 وهذا من أبلغ تشبيهات النبي عليه الصلاة والسلام. ثم يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب ))

[ أحمد في مسنده والترمذي والحاكم في المستدرك عن ابن عباس]

 بين أن تدخل إلى بيت عامر، مفروش بأرق أنواع الأثاث، مدفأ شتاءً، مكيف صيفاً، فيه من الطعام ما لذّ وطاب، فيه من الأرائك ما هو جميل، له حدائق، له شرفات، وبين أن تدخل إلى بيت خرب، هذا وصف رائع من النبي عليه الصلاة والسلام، الرجل الذي يقرأ القرآن كالبيت العامر، والذي لا يقرأه كالبيت الخرب.

 

كل مؤمن له عند الله درجة و قراءته للقرآن تحدد درجته :

 ثم أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث الصحيح:

(( لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه اللَّه القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه اللَّه مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ))

[ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ عن ابن عمر]

 هذا المعنى في الحديث يذكرني بمثل ذكرته لكم كثيراً لو أن هناك مدينة أحلام فيها كل شيء يأخذ بالألباب، فيها من القصور والحدائق والمطاعم وكل شيء تهواه النفس وترتاح له، وهذه المدينة مباحة لمن دخلها، فمن الناس من دخلها مشياً، ومنهم من دخلها بدراجة هوائية، ومنهم من دخلها بدارجة نارية، ومنهم من دخلها بسيارة قديمة، ومنهم من دخلها بسيارة حديثة، ومنهم من دخلها بطائرة، بعد أن دخل هؤلاء جميعاً إلى هذه المدينة واستمتعوا بما فيها، ما قيمة الوسائل التي نقلتهم إلى المدينة؟ انتهى دورها، فهذا الحديث يلفت النظر، أي إنسان عرف الله وجعل قربته إنفاق ماله، ورجل آخر عرف الله فجعل قربته تعليم القرآن، ورجل عرف الله فجعل قربته إلى الله إنصاف الضعيف، كلهم دخل إلى الله من باب غير باب صاحبه، فالجنة لكل المسلمين، لتجارهم، ولصناعهم، ولعلمائهم، ولأغنيائهم، ولفقرائهم، ولذكورهم، ولنسائهم، الجنة لكل المسلمين، فالأبوة الكاملة سبب لدخول الجنة، والبنوة الكاملة سبب لدخول الجنة، وإتقان العمل ونفع المسلمون به سبب لدخول الجنة، فكل إنسان بحرفته، إن كانت حرفته مشروعة في الأصل وسلك بها الطرق المشروعة، وأراد بها كفاية نفسه وأهله، ونفع المسلمين، ولم تشغله لا عن فريضة، ولا عن واجب ديني، ولا عن طلب علم، انقلبت حرفته إلى عبادة، بل إن أبلغ كلمة: المؤمن الصادق عاداته عبادات والمنافق عباداته عادات، عباداته الصرفة عادات، أما المؤمن فأعماله اليومية وعاداته هي عبادات عند الله عز وجل، لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه اللَّه القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه اللَّه مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار، ويقال كما قال عليه الصلاة والسلام لصاحب القرآن اقرأ وارتق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، ألم يقل الله عز وجل:

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾

[ سورة الأنعام: 132]

 كل مؤمن له عند الله درجة، ولعل من عوامل تحديد درجته قراءته للقرآن الكريم، وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام:

(( تَعَاهَدُوا هَذَا القُرآنَ، فَوَ الَّذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتاً مِنَ الإِبِلِ في عُقُلها ))

[ متفق عليه عن أبي موسى الأشعري ]

 أي القرآن يحتاج إلى تعاهد، وإلى متابعة، وإلى مدارسة، وإلى تلاوة، وإلى تفهم، وإلى تدبر، وإلى عمل، كي نقطف ثماره اليانعة.

 

إكرام الله عز وجل حامل القرآن :

 أيها الأخوة الكرام: يقول عليه الصلاة والسلام :

(( إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم ))

[أبو داود عن أبي موسى ]

 هذا المسلم الذي أمضى حياته في طاعة الله، هذا الذي لم يعرف الحرام، ولم يأكل الحرام، هذا ينبغي أن يعظم، وأن يحترم، وأن يجل، إن من إجلال الله عز وجل إكرام ذي الشيبة المسلم، وإن من إجلال الله عز وجل إكرام حامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، الذي يحفظ القرآن، ويعمل به، ينبغي أن يكرم، وينبغي أن يبجل، بشرط ألا يغلو فيه، وألا يجفو عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط، إنسان مكنه الله في الأرض فأقام شرع الله، مكنه الله في الأرض فتواضع لله، مكنه الله في الأرض فأنصف الضعفاء من الأقوياء، إنسان مكنه الله في الأرض فنفع المسلمين، هذا الإنسان الثالث من إجلال الله إكرامه.

 

الإيمان مرتبة علمية و أخلاقية و جمالية :

 أيها الأخوة الكرام: كنت أقول لكم إن مرتبة الإيمان مرتبة علمية، ومرتبة أخلاقية، ومرتبة جمالية، فدعك من أن القرآن منهج عظيم، ودستور قويم، وحبل الله المتين، ودعك من القرآن أنه عقيدة سليمة صحيحة من عند خالق الكون، إنك إن قرأت القرآن تسعد بقراءته، فقد ورد عن صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه قال لابن مسعود رضي الله عنه: اقرأ عليّ القرآن؟ قال: يا رسول الله أأقرأه عليك وعليك أنزل؟ قال: نعم، فقرأت عليه سورة النساء، حتى إذا أتيت إلى هذه الآية.

﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيداً﴾

[ سورة النساء: 41]

 فقال عليه الصلاة والسلام: حسبك، حسبك الآن، فالتفت إليه وإذا عيناه تذرفان، أي والله الذي لا إله إلا هو لو جمعت عشاق الغناء في الأرض لا يمكن أن يكون طربهم بأغانيهم المفضلة واحد بالمليار من طرب المؤمن بالقرآن الكريم، كناحية جمالية، حينما يقرأ القرآن بخشوع تتنزل عليه الرحمات، وتملأ قلبه السكينة، فإذا هو في سعادة لا توصف، فالمؤمن الصادق له ومضات جمالية، له نفحات ربانية حينما يقرأ القرآن صادقاً ومخلصاً ومتعبداً. يقول عليه الصلاة والسلام:

((أدبوا أولادكم على ثلاث خصال على حب نبيكم- كيف ؟ كيف تؤدب ابنك على حب النبي؟ ينبغي أن تعرفه بأخلاق النبي، وبشمائل النبي، وبكرم النبي، وبرحمة النبي، وبعدل النبي، وبتواضع النبي، وبقدوة النبي- أدبوا أولادكم على ثلاث خصال على حب نبيكم، وحب آل بيته، أصحابه وأهل بيته، وقراءة القرآن))

[ السيوطي عن علي ]

 الأب الموفق في حياته هو الذي يدفع ولده إلى فهم القرآن وحفظه، بل يجعله في مكان يضمن له معرفة الله عز وجل، ومعرفة كتابه والعمل به، وقد ورد في الأثر إذا أحب أحدكم أن يحدثه ربه فليقرأ القرآن.

 

تعليم القرآن قمة الجهاد الدعوي :

 ويقول عليه الصلاة والسلام:" أشراف أمتي حملة القرآن" هؤلاء الذين هم في أعلى مقام، هؤلاء الذين هم علية القوم، هؤلاء الذين يشار إليهم بالبنان، حملة القرآن، من منكم يصدق أنك إن تعلمت القرآن وعملت به وعلمته للناس بأسلوب تربوي علمي مع التواضع والإحسان والإكرام فأنت مع المجاهدين في سبيل الله؟ بنص القرآن الكريم قال تعالى:

﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾

[ سورة الفرقان: 52 ]

 والهاء تعود على القرآن.

﴿جِهَاداً كَبِيراً﴾

[ سورة الفرقان: 52 ]

 فإن صح أن من الجهاد جهاد النفس والهوى، وأن من الجهاد الجهاد الدعوي، وأن من الجهاد جهاد القتال، فإن تعليم القرآن يقع في قمة الجهاد الدعوي، وأنت إن تعلمت القرآن وعلمته فأنت مع المجاهدين لقوله تعالى:

﴿ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾

[ سورة الفرقان: 52 ]

 وقد ورد عن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن أعظم آية في القرآن آية الكرسي، وأن أعدل آية في القرآن:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾

[ سورة النحل: 90 ]

 وأن أخوف آية في القرآن الكريم:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾

[ سورة الزلزلة: 7 ـ 8 ]

 وأن أرجى آية في القرآن الكريم ونحن في شهر رمضان:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾

[ سورة الزمر: 53 ]

أنواع الغنى و الفقر :

 أيها الأخوة الكرام ، أغنى الناس حملة القرآن، وهذا ينقلنا إلى تعليق سريع هناك غنى البطر، وهو الغنى المذموم، غنى المترفين، غنى المتكبرين، وهناك غنى الكفاية، اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً، هذا الذي له بيت يؤويه، وزوجة ترضيه، ورزق يكفيه، هو من الأغنياء في نظر النبي عليه الصلاة والسلام، بل إنني مداعبة لبعض الأخوة إذا سألت أخاً كريماً وقال لي: مستورة، أقول له: لقد أصابتك دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، يقول: وما دعوته؟ أقول له: قال عليه الصلاة و السلام: "اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً" هذا هو غنى الكفاية، وهناك غنى القرآن، هذا الذي دخل القرآن إلى كيانه كله يطرب له ويتغنى به هذا أيضاً نوع من الغنى، هذا معنى قول النبي الكريم أغنى الناس حملة القرآن، وبالمقابل هناك فقر الكسل وهو الفقر المذموم، فقر الكسل، تواني، قعود، نوم، استراحة، تأجيل، عدم إتقان العمل، صاحبه فقير، هذا فقر الكسل، وهو فقر كسبي صاحبه مذموم، وهناك فقر القدر، إنسان مصاب بعاهة، هذا صاحبه معذور، فقر الكسل صاحبه مذموم، فقر القدر صاحبه معذور، وهناك فقر الإنفاق، يا رسول الله والله إني لأحبك؟ قال عليه الصلاة والسلام: انظر ما تقول، قال: والله إني لأحبك، قال: انظر ما تقول، قال: والله إني لأحبك، قال: إن كنت صادقاً فيما تقول للفقر أقرب إليك من شرك نعليك، بمعنى أنك إذا أحببتني لابد من أن تتقرب إلى الله بالإنفاق، فهناك فقر الإنفاق، وفقر القدر، وفقر الكسل، فقر القدر صاحبه معذور، فقر الكسل صاحبه مذموم، فقر الإنفاق صاحبه في أعلى عليين، ما أبقيت لنفسك يا أبا بكر ؟ قال: الله ورسوله، أعطاه كل ماله.

 

ثمار القرآن لا تقطف إلا إذا عُمل به :

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

((اقرأ القرآن ما نهاك، فإذا لم ينهك عن المعاصي لست تقرأه- ما قيمة أن تقرأ القرآن وأنت مقيم على كل المعاصي والآثام، ماذا تستفيد؟- اقرأ القرآن ما نهاك، فإذا لم ينهك عن المعاصي فلست تقرأه، ورب تال للقرآن والقرآن يلعنه))

[ كنز العمال عن ابن عمر ]

 هناك من يقرأ القرآن وينتهي من قراءته، ويقول: صدق الله العظيم ويقبّله ويضعه على جبينه، ويقبل وجوهه كلها، أما إذا دخلت إلى بيته فلا تجد القرآن مطبقاً فيه، ولا في عمله ولا في بيعه، ولا في شرائه، هذه المظاهر الفارغة لا قيمة لها، ولا ترقى بالإنسان، هناك من يضعه في مقدمة سيارته، دون أن يعمل به، هناك من يضعه في مكان عال في محله التجاري، دون أن يعمل به، هناك من يضعه في البيت، لوحات رائعة دون أن يعمل به، العبرة أن تعمل به من أجل أن تقطف ثماره .

 

القرآن لله عز وجل لا للرزق أو الكسب :

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

((اقرؤوا القرآن ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به))

[مجمع الزوائد ومنبع الفوائد عن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري]

 لا تجعل القرآن الكريم سبب الرزق هذا العلم الشريف تعلمه لله، وعلمه لله عز وجل. ويقول عليه الصلاة والسلام:

((أخوف ما أتخوف على أمتي من بعدي رجل يتأول القرآن))

[ كنز العمال عن عمر ]

 يضعه في غير موضعه، كم من آية فهمها الناس فهماً مغلوطاً لذلك.

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

[ سورة النحل: 43]

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( أكثروا من قراءة القرآن في بيوتكم فإن البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن يقل خيره ويكثر شره))

[ الدار قطني عن أنس]

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

((أكرموا حملة القرآن فمن أكرمهم فقد أكرمني))

[الديلمي عن عبد الله بن عمرو]

 سمعت في بعض البلاد الإسلامية أنه إذا حفظ أحد المساجين القرآن كله في السجن يعفى من نصف العقوبة، إذا حفظه كله في السجن، فهذا دفع لهؤلاء المذنبين إلى أن يصطلحوا مع الله، وأن يحفظوا كتابه. ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( إن هذا القرآن مأدبة الله فأقبلوا على مأدبته ما استطعتم))

[ الحاكم عن ابن مسعود]

 ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( حملة القرآن عرفاء أهل الجنة ))

[ الدارمي عن عطاء بن يسار]

 أهل القرآن أهل الله و خاصته.

 

صيام رمضان و قراءة القرآن سبب للتوبة و المغفرة :

 أيها الأخوة الكرام: عود على بدء يقول عليه الصلاة والسلام: " إن الله فرض عليكم صيام رمضان، وسنّ لكم قيامه، فمن صامه وقامه إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه". أنت في فرصة ذهبية، في فرصة أنك في هذا الشهر إذا أتقنت الصيام، وغضضت البصر، وضبطت اللسان، وتلوت القرآن، وأنفقت من مالك الحلال، وقمت رمضان، فقد فتحت لك صفحة مع الله جديدة، وهذه الصفحات القديمة المسودة بالأعمال غير الصحيحة كلها تطوى وأنت على موعد مع التوبة والغفران والعتق من النار.
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018