الخطبة : 0726 - فضل الصيام : رمضان من العبادات الشعائرية - فوائد التمر. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0726 - فضل الصيام : رمضان من العبادات الشعائرية - فوائد التمر.


1999-12-10

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا، من يهده لله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر. وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم، رسول الله سيِّد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر. اللهمَّ صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

رمضان شهر التوبة و الغفران :

 أيها الأخوة الكرام... صَعدَ النبي صلى الله عليه وسلَّم المِنْبَر فقال: آمين ، فلما صعد الدرجة الثانية قال: آمين ، فلما صعد الدرجة الثالثة قال: آمين ، فقيل: يا رسول الله علامَ أمَّنت ؟ فقال عليه الصلاة والسلام:

(( جاءني جبريل فقال لي: رغم أنف عبدٍ أدرك رمضان فلم يغفر له، إن لم يغفر له فمتى ؟ ))

[ من الدر المنثور في تفسير المأثور عن أنس ]

 رغم أنف عبدٍ أي خاب وخسر، أدرك رمضان فلم يغفر له، إن لم يغفر له فمتى؟.
 أيها الأخوة الكرام... نحن في رمضان، ونحن في شهر التوْبة والغُفران، ونحن في شهر الجود والإحسان، ونحن في شهر العِبادة والقرآن، نحن في فرصةٍ مهمةٍ جداً، تغفر لنا ذنوبنا، قال عليه الصلاة والسلام:

(( من صام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه. ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

 إلا أنه ينبغي أن ننظر أن هذا الذنب الذي ورد في الحديثَيْن الصحيحين هو الذنب الذي بينك وبين الله فقط، أما الذنوب التي بينك وبين العباد فهذه لا تُغْفر إلا بالأداءِ أو المسامحة، لأن حقوق العباد مبنيةٌ على المُشاحَحَة، بينما حقوق الله مبنيةٌ على المُسامحة.

 

الدين كلُّه حُسْن علاقةٍ مع الله وحسن علاقةٍ مع الخَلْق :

 أيها الأخوة المؤمنون... في رمضان ينتقل بعض الناس من ظُلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، وينتقل بعض الناس من وحول الشهوات إلى جنات القُربات، فالعاصي يتوب في رمضان، والجاهل يتعلَّم في رمضان، والمستقيم يزداد طاعةً لله في رمضان، رمضانُ قَفْزَةٌ نوعيَّة من درجةٍ إلى درجة، من حالٍ إلى حال، من منزلةٍ إلى منزلة، من مقامٍ إلى مقام.
 أيها الأخوة الكرام... الدين كلُّه حُسْن علاقةٍ مع الله وهي العبادات الشعائرية، وحسن علاقةٍ مع الخَلْق وهي العبادات التعامُلية. الدين كله حسن علاقةٍ مع الله، وهذه حقيقةٌ ربَّانية قال الله عنها:

﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾

[ سورة آل عمران: 79 ]

 حسن علاقةٍ مع الله؛ من خلال التعرُّف إليه، والتعرف إلى منهجه، وحَمْل النفس على طاعته، والتقرُّب إليه بشتَّى القُرُبات، أن تكون حسن الصلة بالله، أن تُقبل عليه، أن تعتمد عليه، أن تتوكل عليه، أن تُخلص له، أن تجعل رضاه همَّك، أن تجعل طاعته مبلغ علمك.
 أيها الأخوة الكرام... حُسن العلاقة مع الله تحدَّثت عنها في خطبٍ كثيرة، وهي العبادات الشعائرية، أما حُسن العلاقة مع الخّلق فهي العبادات التعاملية؛ حينما تكون صادقاً، وتكون أميناً، وتفي بوعدك، وتُنْجز وعدك. حينما تكون متواضعاً، حينما تكون سليم الصدر، حينما تكون مُنصفاً، حينما تكون وقَّافاً عند كتاب الله، حينما تُطَبّق منهج الله التعاملي - إن صحَّ التعبير - هناك منهجٌ شعائري وهناك منهجٌ تعامُلِيّ، حينما تطبق منهج الله التعاملي ما الذي يحدث؟ تكون حَسَنَ العلاقة بالخلق. وحينما تطبق منهج الله الشعائري تكون حَسَنَ العلاقة بالحق.
 أيها الأخوة الكرام... رمضان من العبادات الشعائرية التي أساسها حُسن العلاقة مع الله عزَّ وجل، ولكن لابدَّ من أن ننوِّه إلى أنّه ما لم تكن علاقتك حسنةً مع الخلق، لن تستطيع أن تقيم علاقةً طيّبةً مع الحَق، سأل النبي الكريم عليه الصلاة والسلام فقال:

(( من المفلس ؟ قالوا: المفلس الذي لا درهم له ولا متاع. فقال عليه الصلاة والسلام: لا. المفلس من أتى بصلاةٍ وصيامٍ وصدقةٍ وقد ضرب هذا، وشتم هذا، وأكل مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإذا فَنِيَت حسناته طرحوا عليه سيّئاتهم حتى يُطرح في النار. ـ هذا هو المفلس ـ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

 وقد قيل له:

(( إن فلانة تذكر أنها تكثر من صلاتها وصيامها وصدقتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: هي في النار ))

[ أحاديث الإحياء عن أبي هريرة ]

 و..

(( دخلت امرأة النار في هرةٍ حبستها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت ))

[متفق عليه عن ابن عمر]

 فما قولكم فيما فوق الهرَّة ؟
 أيها الأخوة الكرام... قال بعض العلماء :

(( ترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةً بعد حجةِ الإسلام ))

[ ورد في الأثر]

 العبادات التعاملية أساسها حُسن العلاقة مع الخلق، والعبادات الشعائرية أساسها حسن العلاقة مع الحَق، ولن تصحَّ العبادات الشعائرية ما لم تصح العبادات التعامليَّة.

العبادات في الإسلام مُعَلَّلةٌ بمصالح الخلق :

 أيها الأخوة الكرام... والعبادات في الإسلام - كما قال الإمام الشافعي - معللةٌ بمصالح الخَلق. أرأيتم إلى قوله تعالى:

﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

[ سورة العنكبوت: 45 ]

 يقول الله عزَّ وجل مُعَلِّلاً حكمة الصلاة: إنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر. ويقول الله عزَّ وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 183]

 وقال تعالى:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 وقال تعالى في الحديث عن الحج:

﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾

[ سورة المائدة: 97]

 إذاً العبادات الشعائرية مُعَلَّلةٌ بمصالح الخلق، وهذا ما يميّزها عن الطقوس التي لا معنىً لها، والتي تؤدَّى أداءً شكلياً أجوف في الديانات الوَضْعِيّة.
 أيها الأخوة الكرام... لابدَّ من أن أنوِّه أن حُسن العلاقة بالخَلق أساس حسن العلاقة بالحَق، فصيام العوام تركٌ للطعام والشراب، وصيام المؤمنين تركٌ لكل ما نهى الله عنه، وصيام الأتقياء تركٌ لما سوى الله.

النّية شرط صحة العبادات الشعائرية :

 أيها الأخوة الكرام... حقيقةٌ لابدَّ من أن نقِف عندها قليلاً: حينما يعتقد الإنسان أن الصيام صحَّة، وأنه يخفِّف العبء عن جهاز الدوران، وعن جهاز الهضم، وعن جهاز الإفراز، حينما يتوهَّم الإنسان أن الصيام صِحَّة ويُقبل على الصيام تحقيقاً لصحته، وتحسيناً لها، عندئذٍ ليس الصيام عبادة، العبادة الشعائرية شرطُ صحَّتها النيَّة، لا تصح العبادة الشعائرية إلا بنيّة التقرُّب إلى الله عزَّ وجل، ينبغي أن تقبل على الصيام لأن الله أمرك به، وعلَّة أيّ أمرٍ هو أنه أمرٌ مِنَ الله تعالى، أما أن تنظر إلى حكمة الصيام، وأن تقبل عليه لسببٍ صحيٍّ محضٍ، فعندئذٍ لا يُعَدُّ الصيام عبادةً عند هذا الذي صامَه.
 يها الأخوة الكرام... قال بعض العلماء: كلما اتضحت عِلَّة الأمر وانجلت حكمته ضعف فيه عنصر التَعَبُّد، وكلما لم تتضح علة الأمر ولم تتضح حكمته ارتفعت فيه درجة التَعَبُّد، فيبدو أن أعلى أمرٍ تعبديٍ أمر الله به نبيَّه إبراهيم هو أن يذبح ابنه، وحينما يأتي أمرٌ تعامليٌ؛ أن تكون صادقاً أو أميناً فهذا يعود عليك بالخير العَميم، عندئذٍ هذا الأمر الذي اتضحت فيه علته وضوحاً جلياً، وانكشفت فيه حكمته، أنت تطبِّقه طاعةً لله ولكن يضْعُف فيه عُنصر التعبُّد.

صحة العبادات التعاملية تتوقف على موافقة الشرع :

 أيها الأخوة الكرام... يجب أن نعتقد أن العبادات التعاملية تتوقف صحتها على موافقة - مطابقة - الشرع، والنيَّة تحسنها، فالذي يُقْبل على عمله بنية أن ينفع المسلمين فهذه عبادة، لذلك المؤمنون الصادقون تنقَلِب عاداتهم إلى عبادات، أما الذي يقيم البَيع والشراء وفق أصولٍ، بإيجابٍ، وقبولٍ، وتقابضٍ، وسعرٍ معتدلٍ، فهذا البيع يصح والنية تحسِّنه، بينما النية في العبادات الشعائرية شرطٌ أساسيّ في صحتها.

مخاطبة الله عز وجل الناس بأصول الدين :

 أيها الأخوة الكرام... الله جل جلاله حينما يخاطب عامَّة الناس يخاطبهم بأصول الدين..

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾

[ سورة البقرة: 21]

 وهذا منهجٌ لنا في الدعوة إلى الله، إن أردت أن تخاطب إنساناً شارداً بعيداً غافلاً، يجب أن تُذَكِّرَهُ بأصول الدين ؛ بالإيمان بالله، بالإيمان بالرسل، بالأنبياء، بالكتب، بيوم القيامة، بالقضاء والقدر، أما إذا خاطبت إنساناً مؤمناً فينبغي أن تصل معه إلى تفاصيل الأمر الإلهي، فالله عزَّ وجل يُخاطب الناس بأصول الدين، بينما يخاطب المؤمنين بفروع الدين، ولعل أوضح آية في هذا الموضوع قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

[ سورة البقرة:183]

 أيْ يا مَن آمنتم بوجودي، يا مَن آمنتم بكمالي، يا مَن آمنتم بوحدانيتي، يا مَن آمنتم بحكمتي، يا مَن آمنتم بقدرتي افعلوا كذا..

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾

[ سورة البقرة:183]

 وأية آيةٍ قرآنيةٍ يتصدَّرها قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا. ينبغي أن تشعر من أعماق أعماقك أنَّك مَعْنِيٌ من هذه الآية، أما هذا الذي يقرأ القرآن وهو شاردٌ عن معانيه الدقيقة فإنه يضيّع عليه خيراً كثيراً.

 

المنهج الإسلامي منهجٌ موضوعي :

 أيها الأخوة الكرام... يقول الله عزَّ وجل في الحديث القدسيّ الصحيح:

(( كل حسنة يعملها ابن آدم بعشر حسنات إلى سبع مائة ضعف إلا الصوم فهو لي وأنا أجزي به...))

[ كنز العمال عن أبي هريرة ]

 أيْ أن العبادة الشعائرية لا يمكن أن تنتفع بها في الدنيا نفعاً مادياً مُباشراً، تقف، وتقرأ، وتركع، وتسجد، تذهب إلى بيت الله الحرام وتطوف، تمتنع عن شيء مباح - عن الطعام والشراب - العبادة الشعائرية لا يمكن أن تُمْسِكَ بيدك ثمارها في الدنيا، ثمارها روحية، ثمارها إقبالٌ على الله، أما العبادة التعامُلية فمنهجٌ موضوعي، بمعنى لو طبَّقه كافر لقطف ثماره، فأنت إن كنت صادقاً مع الناس و أميناً أقبل الناس عليك، ووثقوا بك، وراجت تجارتك، فأهل الدنيا أحياناً - وهذه حقيقة يجب أن نعرفها جميعاً - الإنسان العاقل الذكي قد يجد من مصلحته أن يطبّق منهج الله التعاملي، فهذا الذي يُدهش به المسلمون إذا ذهبوا إلى بلاد الغرب، يرون صدقاً، وأمانةً، وانضباطاً، ونظاماً، وما إلى ذلك، هم يطبّقون الإسلام دون أن يشعروا، لأنهم اكتشفوا بعقولهم الذكيَّة أن المنهج الإسلامي هو منهجٌ يعود عليهم بالخير العَميم.
 فلذلك قلنا: المنهج الإسلامي منهجٌ موضوعي، بمعنى أنه لو طبقه شاردٌ عن الله لقطف ثماره، لكنَّ البطولة في تطبيق منهج الله الشعائِري، منهج الله الموضوعي، منهج الله التعاملي تُمْسِكُ ثماره بيديك، وقد يطبِّقه أعداء المسلمين. والمؤمن إذا ذهب إلى بلاد الغرب ينبغي ألا يختلَّ توازنه، لأنهم طبّقوا منهج الإسلام التعاملي فقطفوا ثماره في الدنيا، لكن الله عزَّ وجل يقول:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 44]

 العبرة أن تطبق منهج الله التعامُلِيّ بنيّة حُسن العلاقة بالله عزَّ وجل، فإذا جئت كي تطبق منهج الله الشعائري قطفت الثمار كلها يانعةً في أثناء منهج الله الشعائري.
 أيها الأخوة الكرام... كل عمل ابن آدم له؛ إن كنت صادقاً تجني ثمار الصدق، إن كنت أميناً تجني في الدنيا ثمار الأمانة، وإن كنت نظيفاً تجني في الدنيا ثمار النظافة، وإن كنت مطبقاً لمنهج الله التعامُلي تجني في الدنيا ثماره اليانِعة. كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فهو منهجٌ شعائري، لا تجني ثماره إلا إن صحَّت نيَّتك، وعلا قصدك، وشَرُفَ هدفك.

 

حكم الصيام :

 أيها الأخوة الكرام... ولعلَّ مِن حِكَمِ الصيام أن الله عزَّ وجل حملنا على تقوية إرادتنا. نحن في رمضان ندع الطعام والشراب وشهوةً أُخرى، نحن في رمضان ندع المُباحات التي أُبيحت لنا طوال العام، فالإنسان إن لم يدَع مع ترك الطعام والشراب المعاصي كلها، يختل توازنه، هو يدع الطعام والشراب وهو مباحٌ طوال العام، فإن لم يدع مع ترك الطعام والشراب الغيبة، والنميمة، والكذب، والفُحْش، والبُهتان، وما إلى ذلك فلا معنى لصيامه، فكأن الله عزَّ وجل حملنا على تقوية إرادتنا في رمضان.
 أيها الأخوة الكرام... من الثابت أنه ليس القصد أن تدع المعاصي في رمضان، وتعود إليها بعد رمضان، إنك إن فعلت هذا كُنت كالتي نقضت غزلها من بعد قوةٍ أنكاثا، ليس القصد أن نبتعد عن مجالس اللهو في رمضان وأن نقبل عليها بعد رمضان، ليس القصد أن نضبط ألسنتنا في رمضان، وأن نطلقها في الغيبة والنميمة بعد رمضان، ليس القصد أن نُصلي الصلوات كلها في المسجد في رمضان، فإذا انتهى رمضان عُدنا إلى وضعنا الذي لا يرضي الواحد الديّان، ليس القصد في رمضان أن نضبط أمورنا وكسبنا التجاري خوفاً من الله عزَّ وجل، فإذا انتهى رمضان عُدنا إلى كسبٍ غير مشروع، هذا الذي لا يريده الله عزَّ وجل.
 الله عزَّ وجل اصطفى رمضان كي تستقيم فيه على أمر الله، ثم كي تنسحب استقامتك إلى كل أشهر العام، اصطفى رمضان من بين الشهور ليكون شهر صفاءٍ مع الله أساسه الطاعة التامة، أراد الله أن ينسحب هذا الشهر على كل أشهر العام، هذا معنى اصطفاء رمضان، اصطفاء رمضان نقلةٌ نوعية في العبادة والمعرفة، نقلةٌ نوعيةٌ مستمرَّة، لا نفطر بعد رمضان إلا على الطعام والشراب فقط، الذي أَلِفَ في رمضان أن يصلي الفجر في جماعة، والذي أَلِفَ في رمضان أن يقوم الليل، والذي أَلِفَ في رمضان أن يغضَّ البصر، والذي أَلِفَ في رمضان أن يُنفق ماله ابتغاء مرضاة الله، والذي أَلِفَ في رمضان أن يقرأ القرآن، هذه الأعمال التي يفعلها الصائم ينبغي أن تستمر بعد رمضان، هذه حكمة الصيام.
 اصطفى الله رمضان لتكون كل أشهر العام على شاكلته، واصطفى بيت الله الحرام حيث فيه الصفاء والإقبال، لتكون كل الأمكنة على شاكلته، واصطفى نبيَّنا العدنان ليكون كل البشر على شاكلته، اصطفى زماناً رمضان ، واصطفى مكاناً بيت الله الحرام، واصطفى إنساناً هو سيد الأنام، كي يشيع هذا الاصطفاء المكاني في كل الأمكنة، وهذا الاصطفاء الزماني في كل الأزمنة، وهذا الاصطفاء الشخصي في كل الأشخاص.

أصول الدين واحدةٌ في كل الشرائع السماويَّة :

 أيها الأخوة الكرام...

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾

[ سورة البقرة:183]

 إن أصول الدين واحدةٌ في كل الشرائع السماويَّة..

﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

[ سورة البقرة:183]

 لعلكم تتقون أن تعصوا الله، لعلكم تتقون غضب الله، لعلكم تتقون عذاب الدنيا وعذاب الآخرة..

﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾

[ سورة البقرة:184]

 دورةٌ تدريبيةٌ سنويةٌ مُكَثَّفة، إذا كانت الصلاة شِحنةً تحفظك إلى الصلاة القادمة، وإذا كانت صلاة الجمعة بما فيها من خطبةٍ تشحنك إلى الجمعة القادمة، فرمضان شحنةٌ سنويةٌ تشحَنك من عامٍ إلى عام، تشحنك بالمعرفة، وتشحنك روحياً.

الله وحده خالق الإنسان وهو الخبير الذي يحدِّد الوسع :

 أيها الأخوة الكرام...

﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾

[ سورة البقرة:184]

 الوُسْعُ يقرِّره الواحد الديّان، لا يقرره إنسان، لا تستخدم عقلك في شأن الوسْع الذي ورد في هذه الآية، أن تقول: أنا مضطر، أنا لا أستطيع. الله وحده خالق الإنسان، وهو الخبير، ولا ينبئك مثل خبير يحدِّد الوسع، فهو في هذا الشهر جلّ جلاله قال:

﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾

[ سورة البقرة:184]

 وفي بعض التفاسير: أن هذا الذي يطيق الصوم مع السفر أو مع المرض، فالأولى أن يصوم..

﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

[ سورة البقرة:184]

ارتباط الصوم بالدعاء :

 أيها الأخوة الكرام... ثم تأتي بعد آيات الصيام آيات الدعاء، والقرآن وحدةٌ متكاملة، كل آيةٍ تأخذ بيد أختها، حتى تغدو الآيات عِقْدَاً مَنْظوماً، ما معنى قوله تعالى:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾

[ سورة البقرة:186]

 قال علماء التفسير: أنت حينما يصحُّ صومك تتوجَّه إلى الله بالدعاء، ذلك أن (إذا) في اللغة تعني تحقق الوقوع، بينما (إن) تعني احتمال الوقوع، دققوا في قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾

[ سورة الحجرات: 6 ]

 أيْ قد يأتي وقد لا يأتي، بينما قوله تعالى:

﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾

[ سورة النصر : 1]

 لابدَّ من أن يأتي نصر الله، فـ (إذا) تفيد تحقق الوقوع، قال تعالى:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾

[ سورة البقرة:186]

 هؤلاء العباد الذين عرفوا الله، وأحسنوا علاقتهم معه ومع الخَلق، وكان صيامهم صحيحاً مقبولاً، لابدَّ من أن يتوجَّهوا إلى الله وحده بالدعاء..

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾

[ سورة البقرة:186]

دعاء المؤمن الصحيح علامة إيمانه أن الله موجود وهو يستمع إلى دعائه :

 في القرآن الكريم أكثر من عشر آيات..

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾

[ سورة البقرة: 219 ]

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾

[ سورة البقرة:222]

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾

[ سورة البقرة:189]

﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾

[ سورة البقرة:219]

 أكثر من عشر آيات تتوسَّط كلمة (قل) بين السؤال والجواب، إلا في هذه الآية الفريدة:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾

[ سورة البقرة:186]

 أيْ مع كل عَبْد، لا تحتاج إلى وسيط..

﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾

[ سورة البقرة:186]

 تقول: يا ربّ لقد تبت. يقول: عبدي وأنا قد قَبِلت، أي دعاءٍ بينك وبين الله فالله يسمعه.
 بل يا أيها الأخوة لماذا قال عليه الصلاة والسلام في أصح أقواله:

(( إن الدعاء هو العبادة ))

[ الدر المنثورعن البراء ]

 هل يمكن أن تدعو إنساناً ليس موجوداً؟ أنت في الدنيا حينما تتجه إلى إنسان هل يمكن أن تدعو إنساناً ليس موجوداً؟ مستحيل، لابدَّ من أن تكون موقناً بوجودك، هل تدعو إنساناً لا يسمعك؟ لابدَّ من أنك موقنٌ بأنه يسمعك، هل تدعو إنساناً ضعيفاً لا يقوى على حلّ مشكلتك؟ لابدَّ من أن تدعو إنساناً قديراً على حلّ مشكلتك، هل تدعو إنساناً عدواً قديراً لكنه لا يحبك؟ لابدَّ من أن تدعو إنساناً، موجوداً، سميعاً، قديراً، رحيماً بك، هذا فيما بين الخلق، فكيف مع الحق؟ إذاً دعاء المؤمن الصحيح علامة إيمانه أن الله موجود، وهو معه، وهو يستمع إلى دعائه، وأنه على كل شيءٍ قدير، وهو يحبه، ويحب أن يرحمه..

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء: 27]

شروط الدعاء :

 أيها الأخوة الكرام... لكن العلماء يقولون: شخصان مستثنيان من شروطِ الدعاء.
 الدعاء له شروط..

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

[ سورة البقرة:186]

 أيْ دعاني مخلصاً..

﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾

[ سورة البقرة:186]

 من خلال هذه الآية لابدَّ من أن تؤمن بالله الإيمان الذي يحمِلُك على طاعته، ولابدَّ من أن تستجيب لأمر نبيِّه ونهيه، ولابدَّ من أن تُخْلِصَ في الدعاء. هذه شروط الدعاء ؛ الإيمان، والاستجابة، والإخلاص. لكن هناك شخصين مستثنيين من شروط الدعاء هما: المضطر والمظلوم. فالمضطر يستجيب الله له لا بحسب حال الداعي بل بحسب رحمة الله، والمظلوم يستجيب الله له لا بحسب حال الداعي بل بحسب عدل الله، فالله جل جلاله بعدله يستجيب للمظلوم ولو كان كافراً. فـ..

(( إنه ليس بين دعوة المظلوم وبين الله حجاب ))

[ من الدر المنثور عن ابن عباس ]

 ويستجيب للمضطر بحسب اسم الرحيم، ولو لم يكن المضطر مؤهّلاً دينياً للاستجابة.

 

رمضان فرصة ذهبية لكل مسلم إن صحّ صيامه و انضباطه :

 أيها الأخوة الكرام... عودٌ على بدء، صعد النبي عليه الصلاة والسلام المنبر فقال: آمين ، فقال أصحابه علامَ أمَّنت يا رسول الله؟ فقال:

(( جاءني جبريل فقال لي: رغم أنف عبدٍ أدرك رمضان فلم يغفر له، إن لم يغفر له فمتى ؟ ))

[ من الدر المنثور في تفسير المأثورعن أنس ]

 نحن على أبواب فرصةٍ ذهبيةٍ ؛ إن صحّ قيامنا، وصحّ صيامنا، وصحّ انضباطنا، وضبطنا ألسنتنا وأعيننا، وتلونا كتاب الله، وأنفقنا من مالنا الحلال لعلَّ الله سبحانه وتعالى يُعْتِقُنا من النار، ولعل الله جل جلاله يغفر لنا ما كان بيننا وبينه، ولعل الله سبحانه وتعالى يرحمنا في الدنيا والآخرة.
 أيها الأخوة الكرام... حافظوا على كمال صيامكم، وحافظوا على صلواتكم، وحافظوا على قيامِكم، واجعلوا هذا الشهر شهر عبادة.
 من علامات تخلُّف المسلمين - وهذا مما يؤسف له - أن هذا الشهر يغدو عند المسلمين مُناسبات اجتماعيَّة، فالولائم كلّها في رمضان، وقد تقام الوليمة ولا يُصَلَّى معها القيام، لا يصلي الإنسان التراويح لأن عنده وليمة، فالولائم في رمضان ينبغي أن تنقل إلى ما بعد رمضان، ينبغي أن يكون هذا الشهر شهر عبادةٍ خالصة، ينبغي أن يخلوَ كل مسلمٍ مع ربّه في هذا الشهر، لا أن يكون شهر لقاءاتٍ، وولائم، وزيارات، ومتابعة برامج، هذا الذي لا يريده الله عزَّ وجل، أنت في رمضان مع الواحد الديّان، أما إذا كُنت في رمضان مع كل الخَلْق؛ في حضور مناسباتهم، وفي تهنئتهم، وفي دعوتهم إلى الطعام، فهذا مما يفسد عليك صحة العبادة في رمضان.
 أيها الأخوة الأكارم... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

رمضان دورة وقائية و علاجية :

 أيها الأخوة الكرام... كما ذكرت قبل قليل أن الصيام يخفّف العبء عن جهاز الدوران - القلب والأوعية - حيث تهبط نسب الدَسَم والحموض في الدم إلى أدنى مستوى، الأمر الذي يقي من تصلُّب الشرايين، وآلام المفاصل، ويريح الكليتين، وجهاز الإفراز، حيث تقل نواتج استقلاب الأغذية، ويتحرك سكر الكبد، ويحرك معه الدهن المخزون تحت الجلد، ويحرِّك معه بروتين العضلات.
 إذاً صيام رمضان يُعَدّ دورةً وقائيةً سنويةً تقي من كثيرٍ من الأمراض، ودورةً علاجيةً أيضاً بالنسبة لبعض الأمراض، و يقي أيضاً من أمراض الشيخوخة التي تَنْجُمُ عن الإفراط في إرهاق العضوية، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلَم:

(( صوموا تصحوا ...))

[الطبراني عن أبي هريرة]

 وكان عليه الصلاة والسلام يفطر على تمراتٍ قبل أن يصلي، فإن لم تكن تمراتٍ حسا حسواتٍ من الماء.
 أيها الأخوة الكرام... حديثٌ دقيقٌ جداً يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمرٍ فإنه بركة، فإن لم يجد تمراً فليفطر على الماء، فإنه طهور ))

[الجامع الصغير عن سلمان بن عامر ]

فوائد التمر :

 التمر الذي يتناوله الصائم مع الماء فيه خمسٌة وسبعون بالمئة من جزئه المأكول مواد سكرية أُحادية، سهلة الهضم، سريعة التمثُّل إلى درجة أن السكر في هذا التمر ينتقل من الفم إلى الدم في أقل من عشر دقائق، وفي هذا الحال يتنبّه مركز الإحساس بالشِبَع في الجُمْلَة العصبية، فيشعر الصائم بالاكتفاء، فإذا أقبل على الطعام بعد تناول التمرات وصلاة المَغرب، أقبل عليه باعتدالٍ وكأنه في أيام الفِطر، بينما المواد الدَسِمَة يستهلك امتصاصها أكثر من ثلاث ساعات، فمهما أكثر الصائم من الطعام الدسم لا يشعُر بالشِبَع، ولكن يشعر بالامتلاء، وفرقٌ كبير بين أن تشعر بالشِبَع وطعامٌ قليلٌ في معدتك، وبين أن تشعر بالامتلاء وقد غصَّت المعدة بما فيها من طعامٍ وشراب.
 أيها الأخوة الكرام... الشعور بالشِبَع أساسه تنبُّه مركز في الجُملة العَصَبية، وبما أن سكر التمر من أبسط سكاكر الفواكه، فهو ينتقل مِنَ الفم إلى الدم في عشر دقائق، فأنت إن أكلت تمراتٍ ثلاث، وقمت إلى صلاة المغرب، وصل سكر التمر إلى مركز الشِبَع، فتأكل أكلاً معتدلاً، أما إذا أقبلت على المواد الدَسِمَة لا تشْبَع إلا أن تشعر بامتلاء المعدة فقط، قد تقول: لا أستطيع أن آكل. عندئذٍ تكفُّ عن الطعام، هذه حكمة ربنا جل جلاله في هذه المادة التي جعلها الله خيراً عميماً.
 أيها الأخوة الكرام... هذا التمر يتركَّب من السُكّريات الأُحادية، وهذا النوع من السكر من أسهل السكاكر امتصاصاً في جسم الإنسان، وفي التمور أيضاً أليافٌ سيللوزية، لها آثار مدهشة في عملية الهضم، وفي وقاية الأمعاء من الأمراض الوبيلة، وهذه التمور فيها مواد بروتينية مرمِّمة للأنسجة، ونسب ضئيلة من الدُهن، ويحتوي التمر على خمسة أنواع من الفيتامينات الأساسية التي يحتاجها الجسم، كما يحتوي التمر على ثمانية معادن أساسية، ومئة غرام من التمر يومياً فيه نصف حاجة الجسم من المعادن، وفيه موادٌ مُلَيِّنةٍ، وفيه اثنا عشرَ حمضاً أمينياً.
 ثمانية معادن، وستة فيتامينات، واثنا عشرَ حمضاً أمينياً، ومواد سكرية أحادية بسيطة جداً، وبعض الدهون، وبعض البروتينات، ويحتوي التمر على مواد ملينة ومهدِّئة، وهناك خمسون مرضاً يسببه الإمساك، والتمر يقي من الإمساك، وله آثارٌ إيجابيةٌ في الوقاية من فقر الدم، ومن ارتفاع الضغط، ويعين على التئام الكسور، وهو ملينٌ ومهدئ، وقد أثبتت الأبحاث الطبية أن التمر لا يتلوّث بالجراثيم إطلاقاً لأن تركيز السكر فيه يمتص ماء كل جرثوم. هذه سنة النبي عليه الصلاة والسلام.
 أيها الأخوة الكرام... وبعد رمضان كما فهم بعض العلماء من قوله تعالى:

﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾

[ سورة الواقعة : 20-21]

قُدِّمت الفاكهة على اللحوم والمواد الدَسمة، استنبطوا استنباطاً ظنِّياً أنه: إذا قدَّمت فاكهةً ذات طعمٍ سكري فإنه أكثر عونًا على الهضم، وأقدر على الشِبَعِ، مما لو بدأت بالطعام وثنَّيْتَ بالفاكهة.

الدعاء :

 أيها الأخوة الكرام إني داعٍ فأمِّنوا.
 اللهمَّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن توليت، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك. اللهمَّ هَب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهمَّ اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك. اللهمَّ لا تؤْمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تُنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهمَّ اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهمَّ اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهمَّ اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تُهْلكنا بالسنين، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين.
 اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنه على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018