الترغيب والترهيب - الدرس : 018 - كتاب العلم - الترهيب من أن يعلم ولا يعمل بعلمه ويقول ولا يفعل - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الترغيب والترهيب - الدرس : 018 - كتاب العلم - الترهيب من أن يعلم ولا يعمل بعلمه ويقول ولا يفعل


1997-03-23

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

على كل إنسان أن يحاسب نفسه على كل صغيرة و كبيرة لأنه سيسأل عنها يوم القيامة :

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( لا تزولُ قدَمَا عبد يومَ القيامة ، حتى يُسألَ عن أربع : عن عُمُره فيمَ أفناه ؟ وعن عِلْمِهِ ما عمِل به ؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ؟ وعن جسمه فيم أبلاه ؟ ))

[ رواه الترمذي وصححه عن أبي برزة الأسلمي]

 الإنسان أيها الأخوة ، حينما يوقن أن جهة قوية ستسأله ، لا بد من أن يفكر في كل شيء يفعله ، إذا كان هناك سؤال ، والسائل قوي ، وأنت في قبضته ، ولا تستطيع أن تقول كلمة خلاف الواقع ، فلو أن كل إنسان درس هذه الأسئلة ، وتحرك في حياته اليومية محاولاً أن يجيب عن كل سؤال يُسأل عنه يوم القيامة :

(( لا تزولُ قدَمَا عبد يومَ القيامة ، حتى يُسألَ عن أربع : عن عُمُره فيمَ أفناه ؟ ))

[ رواه الترمذي وصححه عن أبي برزة الأسلمي]

 الإنسان أحياناً يعيش عمراً ، ستون ، خمسة وستون ، اثنان وسبعون ، ثلاثة وثمانون ، أربع وخمسون ، ثمانية وأربعون ، كل واحد منا له عمر ، هذه السنوات ، هذه الأيام ، هذه الأشهر ، هذه الأسابيع كيف أمضاها ؟ السهرات أين أمضاها ؟ مع من ؟ موضوع الحديث هل فيه معصية ؟ هل فيه اختلاط ؟ هل فيه مشاهدة أعمال فنية ساقطة ؟ هل فيه غيبة ؟ نميمة ؟ افتراء ؟ ملء العين من الحرام ؟ النهار كيف أمضاه ؟ في دكانه ، في مكتبه ، في يمين كاذبة ، في بهتان ، في تصرف سيء ، الأيام والليالي تمضي ، كل حركة وكل سكنة سوف نُسأل عنها ، نُسأل عن العين هل غضت البصر ؟ نُسأل عن الأذن هل استمعت إلى محرم ؟ نُسأل عن اللسان هل نطق بغير الحق ؟ نُُسأل عن اليد هل بطشت ؟ نُُسأل عن هذه الرجل هل تحركت في معصية ؟.

(( لا تزولُ قدَمَا عبد يومَ القيامة ، حتى يُسألَ عن أربع : عن عُمُره فيم أفناه ؟ ))

[ رواه الترمذي وصححه عن أبي برزة الأسلمي]

 العمر يستهلك ، لا يوجد إنسان يتمتع بصحته إلى ما شاء الله ، يضعف جسمه ، ينحني ظهره ، يضعف بصره ، يغير أسنانه ، يشيب شعره ، تضعف قوته .

(( عبدي كبرت سنك ، وشاب شعرك ، وضعف بصرك ، وانحنى ظهره ، فاستح مني فأنا أستحي منك ))

[ ورد في الأثر ]

من أمضى حياته في القيل و القال و كثرة السؤال ندم أشد الندم :

 العمر يصعد في خط صاعد ، ثم يستقيم الخط ثم ينحدر ، الإنسان حينما ينحدر خطه البياني ، وكان قد أمضى حياته في طاعة الله هذه سنة الله في خلقه ، أما حينما ينحدر خطه البياني وكان قد أمضى حياته في معصية الله ، أو في القيل والقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال ، أو في سفاسف أو ترهات لا ترضي صاحبها شيئاً ، عندئذٍ يندم أشد الندم ويتألم أشد الألم .

(( عن عُمُره فيم أفناه ؟ ))

 الإنسان أحياناً يمضي حياته في النزهات ، في المباحات ، لكن همه طعامه وشرابه ، همه المتعة ، همه أن ينغمس فيما أباح الله له ، هذا الاستمتاع في المباحات ليس له رصيد ، لآتيكم بمثل قريب :
 اجلس في حمام ساخن مريح ، ساعة ، ساعتين ، ثلاثة ، هل تصبح بعد هذا الاسترخاء في الماء الساخن طبيباً ؟ هل تصبح تاجراً ؟ هل تصبح عالماً ؟ الاستمتاع ليس له رصيد مستقبلي ، أما السعي والكد له رصيد مستقبلي .
 لو أن طالباً أمضى حياته الدراسية ، في النوم ، والاستلقاء ، واللعب مع أصدقائه، ولعب النرد ، و مشاهدة الأفلام ، هل ينجح ؟ هو مستمتع الآن ، والمتعة في وقت العمل جريمة ، نحن في الدنيا ، في دار عمل ، نحن في دار سعي ، في دار كسب ، في دار إعداد ، نحن في دار الدنيا إعداد لدار عليا ، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح :

(( إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين ))

[أخرجه الإمام أحمد عن معاذ بن جبل ]

 الإنسان حينما يجعل النعيم هدفاً له ، يعيش ليأكل ، يعيش ليستمتع ، يعيش ليحتفل، يعيش ليفتخر ، يعيش لينغمس في الملذات ، أنا أقول المباحة الآن ، دعونا من المعاصي والآثام ، إنسان يعيش ليستمتع بما أعطاه الله ، هذا الاستمتاع ، وهذا الاسترخاء ، وهذا القعود ، وهذا الكسل ، هذا ليس له رصيد مستقبلي .

 

العلم وسيلة إن لم ينقل الإنسان إلى السمو فلا فائدة منه :

 لذلك دائماً أقول : إن استقمت على أمر الله سلمت ، أما إن بذلت من مالك ، ومن وقتك ، وجهدك ، سعدت ، لا بد من أن تبذل من أجل أن تتصل بالله عز وجل .

(( لا تزولُ قدَمَا عبد يومَ القيامة ، حتى يُسألَ عن أربع : عن عُمُره فيم أفناه ؟ وعن عِلْمِهِ ما عمِل به ؟ ))

[ رواه الترمذي وصححه عن أبي برزة الأسلمي]

 لا يوجد مسلم إلا ويعلم الحقائق ، من الآيات ، من الأحاديث ، من الأحكام الفقهية، من السيرة النبوية ، ألف ضعف عما يفعله ، العلم ليس سبباً بذاته ، العلم وسيلة ، إن لم ينقلك العلم إلى السمو فلا فائدة منه .

وعالم بعلمه لم يعملن  معذب من قبل عباد الوثن .
***

 العلم من دون عمل شجر بلا ثمر ، كل علم وبال على صاحبه ما لم يعمل به ، العلم حجة لك أو حجة عليك ، العلم وسيلة .

 

العبرة ليست في التعلم بل في التطبيق و ليست في جمع الحقائق بل في تطبيقها :

(( وعن عِلْمِهِ ما عمِل به ؟ ))

 هذا الأعرابي الساذج الذي سأل النبي عليه الصلاة والسلام : عظني ولا تطل ؟ تلا عليه قول الله تعالى :

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

( سورة الزلزلة )

 قال : كُفيت ، اكتفى بآية واحدة ، القرآن فيه ستمئة صفحة ، فيه آلاف الآيات ، اكتفى بآية واحدة ، فقال عليه الصلاة والسلام : فقه الرجل ، أي صار فقيهاً .
 نحن لا نحتاج إلى علم كثير ، نحتاج إلى تطبيق كثير ، عاهد نفسك ، هذه الحقيقة قطعية الثبوت ؟ قطعية الثبوت ، قطعية الدلالة ؟ قطعية الدلالة ، ماذا عملت فيها ؟
 والله أيها الأخوة ، إذا كل مسلم ألزم نفسه أن يطبق واحد بالألف مما يعلم لكنا جميعاً في حال غير هذا الحال ، واحد بالألف مما يعلم فقط ، أن تعامل الله عز وجل ، تعامل خالق الكون ، هذه العين هل صنتها عن معصية ؟ اللسان ، العين ، الأذن ، القلب ، اليد ، الرجل .

(( وعن عِلْمِهِ ما عمِل به ؟ ))

على كل إنسان أن يسأل نفسه أين هو من آيات كتاب الله عز وجل ؟

 دائماً اسأل نفسك ، مرة أحد التابعين قرأ قوله تعالى :

﴿ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾

( سورة الأنبياء الآية : 10 )

 بدأ يقرأ القرآن ، مرّ بآيات الصالحين قال : أنا لست منهم ، القصة أنه أين أنت من هذه الآيات ؟.

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾

( سورة المؤمنون )

 أين أنت من هذه الآية ؟ .

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾

( سورة النور الآية : 30 )

 أين أنت من هذه الآية ؟ .

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً ﴾

( سورة النساء )

 أين أنت من هذه الآية ؟ اقرأ القرآن ، واسأل نفسك أين أنا من هذه الآية ؟ هل أنا مطبق لها ؟ هل أنا مقصر ؟ هل أنا سبّاق إليها ؟ لا يعنيك أن تتعلم ، يجب أن يعنيك ماذا فعلت فيم علمت ؟.
 لو فرضنا كما كنت أقول دائماً : أنت بحاجة إلى الشمس من أجل شفاء من مرض جلدي ، وقلت : الشمس ساطعة ، ولم تتعرض إلى أشعتها ، ما قيمة هذه المقولة ؟ هي ساطعة ، إن قلت : ليست ساطعة لا أحد يصدقك ، وإن قلت : ساطعة ما فعلت شيئاً ، أبداً تحصيل حاصل ، حقيقة صارخة بادية للعيان أنت ذكرتها ، أما حينما تذهب إليها وتعرض نفسك لأشعتها فتشفى ، الآن أنت إنسان منطقي .
 فالعبرة ليست في التعلم في التطبيق ، ليست في جمع الحقائق ، في تطبيق الحقائق، هذه الأسئلة كلها الله عز وجل سربها إلينا من خلال النبي عليه الصلاة والسلام ، لو فرضنا إنسان جاءته الأسئلة انتهى ، يهيئ الأجوبة ، النبي عليه الصلاة والسلام أعطاك الأسئلة ، يوم القيامة هناك خمسة أسئلة .

 

كل شيء مسجل على الإنسان فليتخذ حذره :

(( عن عُمُره فيمَ أفناه ؟ ))

 الأيام ، والليالي ، والأسابيع ، والشهور ، والسنوات ، والعقود ، كيف مضت ؟ السهرات خلال خمس و خمسين سنة أين أمضيتها ؟ في النهار ، في الصيف ، في الشتاء ، في الربيع ، في الخريف ، هناك سهرات في الشتاء ، و سهرات في الصيف ، هذا البيت من دخل إليه ؟ ما الموضوعات التي طرحت فيه ؟ هذه الجلسة في الليل مع الأهل عن أي شيء تكلمتم ؟ ماذا شاهدتم ؟ ماذا فعلتم ؟ كل شيء مسجل عليك ؟
 والله الإنسان إذا عرف أن خطه مراقب يحسب ألف حساب ، يعد للألف قبل أن ينطق بكلمة واحدة .
 وأنت مراقب من قبل الله عز وجل ، مراقب وسوف تُسأل ، وأي إنسان إذا جاءته ورقة : تعال إلينا يوم الخميس ، لا ينام ثلاثة أيام بالليل ، والله لم أفعل شيئاً ، ماذا في السؤال ؟ ثلاثة أيام لا ينام الليل ، أما إن سألك إنسان عادي ، وقال لك : تعال لعندنا لا شيء عليك ، فكيف إذا سألك خالق الكون الذي لا تخفى عليه خافية ؟

 

العاقل من هيأ جواباً لله عز وجل قبل فوات الأوان :

 هذا كلام دقيق أيها الأخوة ، كلام فيه مسؤولية كبيرة :

(( لا تزولُ قدَمَا عبد يومَ القيامة ، حتى يُسألَ عن أربع :عن عُمُره فيم أفناه ؟ ))

 أي إن أعطيت لماذا أعطيت ؟ هل أعطيت محاباة ؟ هل أعطيت ظلماً ؟ إذا منعت لماذا منعت ؟ إذا ابتسمت لماذا ابتسمت ؟ إذا عبثت لماذا عبثت ؟ إذا وصلت لماذا وصلت ؟ إذا قطعت لماذا قطعت ؟ إذا طلقت لماذا طلقت ؟ كل شيء سوف تُسأل عنه ، أنا أقول دائماً هذه الكلمة : هيئ لله جواباً ، دعك من العباد ، هيئ لرب العباد جواباً ، هذه المرأة الضعيفة التي عندك في البيت أنت أقوى منها ، كيف عاملتها ؟ هل كنت منصفاً لها ؟ هل أعطيتها حقها ؟ هذا الشريك هل كنت منصفاً معه ؟ هل أعطيته حقه ؟ هذا الذي جاء إلى دكانك ، أو إلى عيادتك ، أو إلى مكتبك ، وهو واثق منك هل نصحته أم غششته ؟ هناك آلاف المهن أو الحرف لا يستطيع الطرف الآخر أن يناقشها .
 قال الطبيب للمريض : أنت بحاجة إلى تخطيط ، من الذي يعرف بالضبط إذا كان هذا التخطيط ضرورياً أم غير ضروري ؟ هناك تخطيط ، و إيكو ، و طبقي محوري ، ومرنان ، المرنان بثلاثة عشر ألفاً ، يا ترى ضروري ؟ أم هناك اتفاق مع صاحب المرنان ؟ لا يعلم بهذا إلا الله ؟.
 محامي ! يا ترى الدعوى رابحة أم خاسرة ؟ خاسرة سلفاً وتقول : رابحة ، وتأخذ الأتعاب ، من يعلم هذا ؟ هذا هو الدين ، مكشوف عند الله عز وجل ، لا يخفى عليه شيء ، فأنت حينما تتعامل مع الله عز وجل فاحذر .
أحياناً تكبر الوهم على إنسان لتبتز من ماله ، بدعوى أنك شاطر ، وتحسن كسب المال ، لا ، هذه جريمة ابتزاز أموال الناس معصية كبيرة ، كل إنسان بحكم عمله يكون عنده مهنة راقية و عنده أسرار الإنسان يصدقه ، افعل يفعل ، لا تفعل لا يفعل ، هذا الذي جاءك مصدقاً لك .

(( كبُرتْ خيَانة تحدِّثَ أخاكَ حديثاً هوَ لك بُه مُصدِّق ، وأنتَ له به كاذبُ ))

[ أخرجه أبو داود عن سفيان بن أسيد الحضرمي ]

من فهم الدين فهماً خاطئاً تخلى الله عنه :

 عندك جرأة أن تقول الحق ولو كان مراً ؟ وأن تقول الحق ولو كان على نفسك ؟ ولو كان على أهلك ووالديك وأقرب الناس إليك ؟ هذا الإيمان ، أنا أستغرب ، هذا الدين العظيم الذي فيه مئة ألف بند ، مسخ عند المسلمين إلى خمسة بنود ؛ صلى ، وصام ، وحج ، وزكى ، وانتهى الأمر ، وبيعه غير شرعي ، علاقاته غير شرعية ، احتفالاته غير شرعية ، أحزانه غير شرعية ، لماذا تأخر المسلمون ؟ لماذا يبدو تخلى الله عنهم ، لماذا مليون يتحدون مئة مليون ؟ يتغطرسون ، ويستعلون ، ويقتلون ، ويذبحون ، ويكسرون العظام ، لماذا ؟ لأننا فهمنا الدين فهماً خاطئاً ، فهمناه عبادات شعائرية ، فهمناه صلاةً ، وصياماً ، الدين صدق ، الدين أمانة ، الدين التزام ، الدين معاملة للخالق .

الناس لا يلتفتون إلى الدين إلا بالتطبيق :

 إذاً :

(( لا تزولُ قدَمَا عبد يومَ القيامة ، حتى يُسألَ عن أربع : عن عُمُره فيم أفناه؟ وعن عِلْمِهِ ما عمِل به ؟ ))

 أي مقدار التطبيق مما تعلم ، والله قد يكون واحداً بالألف ، قد يكون واحداً بالعشرة آلاف ، قد يكون واحداً بالمئة ، قد يكون واحداً بالعشرة ، قد يكون واحداً من اثنين ، لا بدّ من أن تجعل كل شيء تعلمه مطبقاً حتى يرضى الله عنك .

(( وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ؟ ))

 سبحان الله ! معقول أن الدين كله ينتهي في النهاية إلى الكسب الحلال .

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]

 كيف يكون الطعام طيباً ؟ إذا كان الكسب حلالاً ، إذا الكسب حلال صار الطعام طيباً .
 قال لي شخص ـ توفي رحمه الله ـ هو والد صديقي ، زرت صديقي في البيت في العيد ، فإذا بوالده قد خرج إلينا ، قال لي : عمري ست و تسعون سنة ، أجريت تحليلاً كله طبيعي ، قال لي : والله ما أكلت درهماً حراماً في حياتي ، من عاش تقياً عاش قوياً .
 الإنسان حينما يصدق ، الناس لا يلتفتون إلى الدين إلا بالتطبيق ، إنسان صادق ، قال له : عندك بيض ؟ قال له : نعم عندي ، فسأله هل البيض طازج ؟ قال له : لا ليس طازجاً ، الآن جاري أحضر بيضاً طازجاً ، هذا الإنسان بقال في زملكا ، عليه إقبال ، لأنه لا يكذب ، كان من الممكن أن يقول له : هذا البيض طازج ، و يعطيه ما يريد ، قال : لا ، أنا البيض عندي من ثلاثة أيام التي .

(( وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ؟ ))

 سألت مرة طبيب أسنان هل يوجد عندك مريض لا يوجد عنده أي مشكلة بأسنانه؟ قال لي : والدي ـ هو من أخواننا ـ قال لي : عمر والدي خمسة و ثمانون عاماً لا يوجد عنده أي مشكلة بأسنانه ، سألت وتحققت ، فإذا بوالده نموذج نادر جداً ، لم يشرب أي كأس من الشاي أثناء المراقبة بحياته ، لم يغلِ الشاي على سخانة المديرية ، ورع إلى درجة تفوق حدّ الخيال ، فمتعه الله بصحة أيضاً تفوق حدّ الخيال ، طبعاً أنا لا أقول إن كان للإنسان أسنان محشوة معنى هذا أن له مشكلة ، لا ، هناك ظواهر عجيبة ، كل إنسان الله عز وجل يعطيه شيئاً يتناسب مع وضعه .

(( وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ؟ وعن جسمه فيمَ أبلاه ؟ ))

من استهلك عمره في الطاعات فلا شيء عليه :

 الإنسان بعد عمر مديد يحنى ظهره ، يشيب شعره ، يضطر إلى نظارة ، يضطر إلى قطع تبديل ، يضطر لأن يضع شرياناً من مكان ينقله إلى مكان آخر ، هذا الجسم استهلك، فيمَ استهلك ؟ إذا استهلك في الطاعات والله لا يوجد مانع ، هذه سنة الله في خلقه ، لا يوجد إنسان ينجو من هذا ، الأنبياء ، الأنبياء ماتوا ، الأنبياء مرضوا .

﴿ وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ﴾

( سورة مريم الآية : 4 )

 نبي ، لا يوجد مشكلة إذا الإنسان كبر في السن ، وانحنى ظهره ، و ضعف بصره ، و وهنت قوته ، شيء طبيعي جداً ، لكن العبرة كيف أمضيت هذا العمر ؟ في الطاعات ، في الصلوات ، في خدمة الخلق ، في الصدق والأمانة ، في الإخلاص في عملك ، شيء جميل جداً .
 أخواننا ، هذا الحديث من أخطر الأحاديث ، خمسة أسئلة تنتظرنا جميعاً يوم القيامة ، هذه الأسئلة سُربت إلينا ، النبي سربها لنا ، جاهزة ، هيئ أجوبة .

(( لا تزولُ قدَمَا عبد يومَ القيامة ، حتى يُسألَ عن أربع : عن عُمُره فيم أفناه ؟ وعن عِلْمِهِ ما عمِل به ؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ؟ وعن جسمه فيم أبلاه ؟ ))

[ رواه الترمذي وصححه عن أبي برزة الأسلمي]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018