الدرس : 13 - سورة الإسراء - تفسير الآية 97 ، حتى آخر السورة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 13 - سورة الإسراء - تفسير الآية 97 ، حتى آخر السورة


1987-10-09

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث عشر من سورة الإسراء، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً (99) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُوراً (100)﴾

 ( سورة الإسراء )

﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً (97)﴾

 ( سورة الإسراء )

 الهدى وحده من عند الله عز وجل، من ترك الله، من أعرض عنه، لا يمكن أن يكون مهتدياً ! الهدى هو هدى الله، فمن لم يهتدِ بهدى الله فهو الضّال ! ماذا بعد الحق إلا الضلال ؟ هذا المعنى مستنبط من قوله تعالى:

 

﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً (97)﴾

 

 الهدى كله من عند الله، ولا هدى من عند غير الله، لو اتسعت ثقافة الإنسان، لو قرأ آلاف الكتب، لو تعمق في نظرية ما، لا يسمى مهتدياً إلا إذا عرف الله عز وجل، إلا إذا طبق المنهج الذي أنزله الله عز وجل، المعنى دقيق:

﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً (97)﴾

﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)﴾

 ( سورة البقرة )

﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)﴾

 ( سورة طه)

 الهدى كخط مستقيم، وبين نقطتين لا يمر إلا مستقيم واحد، فمن لم ينطبق خطّه على خط الحق فهو منحرف، قولاً واحداً.
والله سبحانه وتعالى إذا نسب الهدى إليه فهذا الهدى المبني على اختيار الإنسان، يختار الإنسان الهدى فيهديه الله عز وجل.

 

﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17)﴾

 

﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾

 ( سورة الصف: 5)

 علماء التوحيد قالوا: هناك الضلال الابتدائي، وهناك الضلال الجزائي، فإذا قال الله عز وجل:

 

﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾

 فيعني هذا الضلال جزائي، حينما يختار الإنسان الضلال، وهو الضلال الابتدائي يستحق الضلال، وهو الضلال الجزائي.
 إذا أعرض الإنسان عن دخول الجامعة فهو محروم من تلقي الدروس، محروم من إعطاء الرتب، محروم من المطالعة، محروم من استعارة الكتب، كل الميزات التي يتمتع بها طالب الجامعة، محروم منها، لأنه رفض دخول الجامعة ! فرفْض دخول الجامعة هو الضلال الابتدائي الاختياري، حرمانه من كل هذه الميزات هو الإضلال الجزائي، إذا نسب الضلال إلى الله عز وجل، إذا نسب الإضلال إلى الله عز وجل، فهذا هو الإضلال الجزائي، ولا بد من أن يسبقه ضلال ابتدائي اختياري.
وأوضحُ مثلٍ مثل الجامعة، إذا رفض الطالب دخول الجامعة باختياره حرم من كل ميزات الطالب الجامعي ! إذا رفض الإنسان هدى الله عز وجل، أعرض عن الحق، جعل القرآن وراءه ظهرياً، جعله مهملاً، عطّل أحكامه، رفض الدين كنظام للحياة، رفض القوانين الإلهية التي وردت في كتاب الله، لم يعبأ بتحذيرات الله، لم يتعلق بوعد الله، إذا رفض الهدى الإلهي جملة وتفصيلا عندئذٍ يضلّه الله ! بمعنى أنه يحرمه كل الميزات التي يستحقها الذي اختار الهدى ! فحيثما نسب الإضلال إلى الله عز وجل فهو الإضلال الجزائي الذي يسبقه ضلال اختياري ! هذا معنى قوله تعالى:

 

 

﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾

 

 المعنى الثاني: أن الله عز وجل حينما يضلل يضل إنساناً هذا الإضلال وفق مجموعة من القوانين موضحة في آيات أخرى،

﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)﴾

 (سورة المائدة )

﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264)﴾

 (سورة البقرة )

﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52)﴾

 (سورة يوسف)

﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)﴾

 (سورة البقرة )

﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)﴾

 (سورة المائدة)

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28)﴾

 (سورة غافر)

 فإذا عُزي الإضلال إلى الله فوِفق مجموعة من القوانين مفصلة في آيات أخرى.
 إذاً حينما تقرأ قوله تعالى:

 

﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾

 

 يجب أن تعلم علم اليقين أن هذا الإضلال جزاءً دقيقاً عادلاً لاختيار مع الإصرار، وأن هذا الإضلال وفق مجموعة من القوانين موضحة في كتاب الله، وهناك بعض التفسيرات لإضلال الله عز وجل تليق بأسمائه الحسنى، إنه يُضل عن شركائه لا عن ذاته، كأن تخفي لابنك لعبة يلهو بها، والامتحان على الأبواب فأنت أضللت هذا الابن، أضللته عن ماذا ؟ عن شيء يؤذيه، عن شيء يضره ! فإما أن تفسر إضلال الله إضلالاً عن غيره عن شركائه، وإما أنه إضلال جزائي جاء جزاءً وفاقاً لضلال ابتدائي، وإما أن هذا الإضلال نوع من تطبيق لمجموعة قوانين موضحة في آيات أخرى، هذا معنى الإضلال إذا نسب إلى رب العزة !

﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾

 لا يوجد سوى هذه الحالة، إما أن تكون مهتدياً بهدي الله فأنت المهتدي، وما سوى ذلك فهو الضلال المبين، لو تعمقت في العلوم، لو تعمقت في الفلسفة، لو قرأت النظريات، لو سبرت أغوار المبادئ الوضعية، لو اطلعت، لو ناظرت، لو احتللت أعلى المراكز العلمية، مادمت لم تعرف الله عز وجل، ولم تسر على منهجه فهذا هو الضلال بعينه !

 

﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾

 

 الذي عنده معجم مفهرس لألفاظ القرآن الكريم، وتقصى كلمة هدى ومشتقاتها يستنبط بحثاً دقيقاً جداً كنت قد عرضته في خطبتين سابقتين، كيف أن الهدى له موجبات، وكيف أن الهدى له موانع، وكيف أن الهدى له تعاريف، وكيف أن الهدى له قوانين، هناك بحث لطيف جداً يستنبط من تقصي كلمة الهدى في كتاب الله، لا مجال لإعادة هذا البحث ! أرجو الله أن يمكنني من إعادته في وقت آخر.

﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾

 في هذه الآية ظاهرة بلاغية:

﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾

 (هو )ضمير لمفرد الغائب، ضمير منفصل يدل على الغائب المفرد المذكر، ومن يضلل: كان من المناسب أن يقال: ومن يضلل فلن تجد له، فلماذا جاء الهدى بضمير المفرد ؟ وجاء الإضلال بضمير الجمع ؟ هذه الظاهرة البلاغية فسّرها المفسّرون بأن طريق الحق واحدة لا يتعدد، يؤكد هذا قوله تعالى في سورة أخرى:

 

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)﴾

 

 ( سورة الأنعام)

 الاستقامة لها حد واحد، خط مستقيم بين نقطتين لا يمر من هاتين النقطتين إلا خط مطابق للأول، أما الانحراف فهناك مئات ألوف الخطوط المنحرفة والمنحنية والمنكسرة والخارجة عن هذا الخط، فالباطل متعدد، فالربا باطل، والزنا باطل، الانغماس في الملذات والكذب باطل، الغيبة والنميمة باطل، أما الاستقامة لها حد واحد.
 تعريف آخر، الاستقامة لها حد واحد، أو تسمى استقامة قطعية، بمعنى أن هذا البرميل الذي أعددته للوقود السائل إما أن يكون محكماً، وإما أن يكون غير محكمٍ، فإن كان محكماً فله حالة واحدة، إذا وضعت فيه ألف لتر، وأغلقته إغلاقاً محكماً فلن تنقص هذه الكمية أبداً ! أما إذا كان غير محكم فلابد من تسرب الوقود السائل ! قد يكون فيه فتحة تفرغه في ساعة، في نصف ساعة، في دقيقة، في عشر ساعات، في شهر، الخلل متعدد متدرج كثير متنوع، أما الإحكام فحالة واحدة، أما الخلل فله عدة حالات.

 

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)﴾

 

 بهذا المعنى بالذات جاءت هذه الآية:

﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾

 لأن فلانا اهتدى سار على هذا الطريق، اهتدى فلان آخر سار على الطريق نفسه، تطابق مئة في المئة ؛ لا يوجد كذب، أو غش، أو استعلاء، أو تكبر، أو نميمة، أو إفساد، ولو جاء إنسان آخر استقام على أمر الله انطبق مع سلوك هذين الاثنين ! فالمؤمنون على كثرتهم يمثلهم نموذج واحد، لأن طريق الاستقامة واحد، لكن أهل الكفر والدنيا لهم مشارب شتّى، وانحرافات شتّى، الانحرافات أنواع، والنوع درجات، لذلك أهل الباطل متفرقون.

﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾

 ( سورة الحشر)

 هذا بطلان في اقتناص الملذات، هذا في كسب المال، هذا في العدوان على الأعراض، هذا في العلوّ في الأرض، كل إنسان أغرته الدنيا من زاوية فانحرف من أجلها، وانحرافه درجات، هذا يسرق ليرة، هذا مئة ليرة، هذا ألف ليرة، هذا يقتل، هذا يضرب، فالانحراف والمعصية والشتات منوّع جداً، من هنا جاء قوله تعالى:

 

﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾

 ومن يضلل لأن طرق الضلال كثيرة فلن تجد لهم ـ بالجمع ـ أولياء من دونه.
 هذه الظاهرة البلاغية، كيف أن الضمير جاء مفرداً مع الهدى ؟ لأن للهدى طريقاً واحداً، وكيف أن الضمير جاء للجمع مع الضلال ؟ لأن طرق الضلال كثيرة جداً.

 

 

﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً(97)﴾

 عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ ))

 ( مسند الإمام أحمد )

 يشيب المرء على ما شّب عليه، ويموت المرء على ما شاب عليه، يبعث المرء على ما مات عليه.
 فمن تعلق بالدنيا، وأكل من مالها الحرام، وانغمس في شهواتها المنحرفة، واستمرأ هذه الحياة، وشبّ عليها ونشأ هذا يشيب على هذه الصفات، ويموت على هذه الصفات، ويحشر على هذه الصفات ‍!
 شيء خطير، من هنا استنبط النبي عليه الصلاة والسلام أنه من بلغ الأربعين، ولم يغلب خيره شرَّه فليتجهز إلى النار ! من هنا جاء في بعض الآثار:

(( يا عبدي كبرت سنك، وضعف بصرك، وشاب شعرك، وانحنى ظهرك، فاستحيِ مني فأنا أستحيي منك ))

 من هنا كان الشاب الذي نشأ في طاعة الله تهون عليه طاعة الله طوال حياته، من هنا كان الإنسان الذي نشأ في المعصية يصعب عليه أن يغير نمط حياته، أدمن لعب الطاولة طوال حياته، أصبحتْ جزءاً من بنيانه، أدمن النظر إلى النساء، أدمن المزاح الرخيص، أدمن سماع الأخبار السيئة، أدمن الاسترخاء والاستمتاع والكسل، هذا يصعب عليه أن يصبح إنساناً آخر، يتمتع بالجرأة والاستقامة والهمة العالية.
 فلذلك الشباب الذي أطاع الله عز وجل يباهي الله به الملائكة ! إن الله يباهي الملائكة بالشاب المؤمن، يقول:

(( انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي، ويا من بلغ سن الأربعين وهو على الصراط المستقيم هنيئاً له ))

 قال تعالى:

 

﴿إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾

 

 ( سورة الأحقاف: 15)

 أشار كتاب الله إلى أن أشد الإنسان سن الأربعين ! فإذا بلغه وهو على طاعة الله فهذه شهادة طيبة إلى أنه سيتابع الطريق إلى الدار الآخرة

 

﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾

 

﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾

 (سورة الرعد: 11)

 إذا رفع الله إنساناً فليس في الأرض كلها قوة تستطيع أن تخفضه ! وإذا أعطاه من يمنعه ؟ ثم من يعطيك إذا ما منعك ؟ إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟
 عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ:

(( يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ، بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتْ الصُّحُفُ ))

 (الترمذي)

 وانتهى الأمر، علاقتك مع الله وحده.

 

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾

 

 ( سورة هود: 123)

﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)﴾

 ( سورة يس )

﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾

 ( سورة الإسراء )

 كيف أنهم كانون ناظرين إلى الدنيا، مستغرقين فيها، تعنيهم ملذاتها، يعنيهم مالها، يعنيهم متاعها، هذه النظرة السفلية يحشرون عليها، بعض المعاني أنهم بنظرهم إلى الأرض وشهواتها يحشرون هكذا يوم القيامة ! وبعضهم يقول: يحشرون على الوجهة التي كانوا عليها ! هذا الذي اتجه بكليّته إلى النساء، يحشر يوم القيامة على هذه الحالة ! يرتدي ثوب الشهوة، وهذا الذي اتجه بكليّته إلى جمع المال الحرام، يلبسه الله هذه الشهوة رداءً له يوم القيامة، من أسرّ سريرة ألبسه الله رداءها يوم القيامة ! هذه الميول الخبيثة، الانحرافات تصبح يوم القيامة ثياباً يرتديها الإنسان يفضح على رؤوس الأشهاد !

﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً﴾

 في الدنيا كانوا عمياً عن الحق، فحشروا عمياً يوم القيامة، وفي الدنيا كانوا بكماً لا ينطقون بالحق، ينطقون بالباطل، فحشروا يوم القيامة بُكماً، في الدنيا كانوا صماً عن سماع الحق، سمعوا الغناء، سمعوا الباطل، سمعوا الترّهات، سمعوا الأقاويل، سمعوا الكلام القذر، ولم يسمعوا الحق، أعرضوا عن مجالس العلم، توجهوا إلى مجالس اللهو، كانوا صماً عن سماع الحق، فحشروا يوم القيامة صماً، إذاً:

 

﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً(97)﴾

 هذا عذاب النار حق، لهيب النار الذي يلفح الوجوه حق.

 

 

﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً (56)﴾

 

 ( سورة النساء )

 قال بعض الكفار: إذا دخل الإنسان النار ما هي إلا دقائق حتى يحترق جلده ومع احتراق جلده تموت أعصاب الحس وينتهي الأمر لأنه دارس الطب ويعلم أن النهايات العصبية الحسية في الجلد، وغفل عن قوله تعالى:

 

﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً (56)﴾

 

 الأعصاب متجددة من أجل أن يكون الألم متجدداً !

﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً (97) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا﴾

 الآيات هنا آيات كونية، والآيات قرآنية، لأن الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق ! فسواء أكفر الإنسان بآيات الله التي بثّها في السماوات والأرض، أو كفر بآيات القرآن الكريم، فالنتيجة أن جزاءه جهنم خالداً فيها أبدا.

 

﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً(98)﴾

 لم يصدق أن هذا الإنسان الذي فني، يقول بعض الناس: وهؤلاء الذين يحرقون بعد الموت بالهند، وهؤلاء الذين تحرق مركباتهم في الجو، أين هم ؟ كيف يجمعهم الله عز وجل؟

 

 

﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً(98)﴾

 

 ردّ الله عليهم بقوله تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً(99)﴾

 فخلق السماوات والأرض أليس دليلاً قاطعاً على قدرة الله غير المتناهية ؟ الذي خلق السماوات والأرض أيعجزه أن يعيد خلق الإنسان مرة ثانية ؟

 

﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُوراً(100)﴾

 

 ( سورة الإسراء )

 الإنسان قبل أن يعرف الله عز وجل قَتور، شحيح، بخيل، يخشى أن ينفق، فينتهي المخزون الذي عنده، لكن الله عز وجل كما في الحديث القدسي عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:

(( يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إِلا مَنْ عَافَيْتُ فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، وَمَنْ عَلِمَ أَنِّي أَقْدِرُ عَلَى الْمَغْفِرَةِ فَاسْتَغْفَرَنِي بِقُدْرَتِي غَفَرْتُ لَهُ، وَلا أُبَالِي، وَكُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، وَكُلُّكُمْ فَقِيرٌ إِلا مَنْ أَغْنَيْتُ، فَاسْأَلُونِي أُغْنِكُمْ، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا عَلَى أَشْقَى قَلْبٍ مِنْ قُلُوبِ عِبَادِي مَا نَقَصَ فِي مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي مَا زَادَ فِي مُلْكِي مِنْ جَنَاحِ بَعُوضَةٍ، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا فَسَأَلَنِي كُلُّ سَائِلٍ مِنْهُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَّتُهُ، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ سَائِلٍ مِنْهُمْ مَا سَأَلَ مَا نَقَصَنِي كَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ مَرَّ بِشَفَةِ الْبَحْرِ فَغَمَسَ فِيهِ إِبْرَةً، ثُمَّ انْتَزَعَهَا كَذَلِكَ لا يَنْقُصُ مِنْ مُلْكِي، ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ مَاجِدٌ، صَمَدٌ، عَطَائِي كَلامٌ، وَعَذَابِي كَلامٌ، إِذَا أَرَدْتُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ ))

 عَن أَبِي ذَرٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ:

(( يَا عَبْدِي، مَا عَبَدْتَنِي، وَرَجَوْتَنِي فَإِنِّي غَافِرٌ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ، وَيَا عَبْدِي، إِنْ لَقِيتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطِيئَةً مَا لَمْ تُشْرِكْ بِي لَقِيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً، وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إِلا مَنْ أَنَا عَافَيْتُهُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ إِلا أَنَّهُ قَالَ: ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ وَاجِدٌ مَاجِدٌ إِنَّمَا عَطَائِي كَلامٌ ))

 ( مسند الإمام أحمد )

﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُوراً(100)﴾ 

(سورة الإسراء: 100)

 الحقيقة أن الشح والبخل من لوازم أهل الكفر !

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾

 ( سورة المعارج )

 يا محمد..
 أحد زعماء القبائل رأى النبي الكريم عقب بعض المعارك، وإلى يمينه واد من الغنم، عَنْ أَنَسٍ

(( أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، أَسْلِمُوا، فَوَ اللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ، فَقَالَ أَنَسٌ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا، فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا، وَمَا عَلَيْهَا))

 (مسلم)

 الإنسان الكافر من خصائصه أو من سيئاته أنه شحيح وبخيل ! لكن المؤمن معطاء، والله سبحانه وتعالى قال له: أنفق بلالاً، ولا تخشَ من ذي العشر إقلالا ! أنفق عبدي، أُنفق عليك، خلقت لك السماوات والأرض ولم أعيَ بخلقهن، أفيُعينِي رغيف أسوقه لك كل حين ؟

 

﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُوراً(100)﴾

 

 عبدي لي عليك فريضة، ولك عليّ رزق ! فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك !
 الإنسان أحياناً يمنع عطاءه لمن يخالف أمره، يعاقبه بالحرمان، أما الواحد الدّيان فيعطي، ويطعم، ويرزق، وينزّل من السماء ماءً، والقوم يعصونه، إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويُعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي، وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليّ بالمعاصي، وهم أفقر شيء إليّ، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أُقَنِّطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب.

﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً (101)﴾

 ( سورة الإسراء )

 علاقة هذه الآية بسياق الآيات أن كفار قريش:

 

﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيراً (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلاً (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً (93)﴾

 

 ( سورة الإسراء)

 ربنا عز وجل ردّ على هؤلاء أن قوم موسى رأوا تسع آيات بينات، رأوا بأم أعينهم كيف أن العَصا انقلبت ثعباناً مبيناً، وكيف أن البحر صار طريقاً يبساً، والآيات ذكرت في صور أخرى: القمّل والنمل والضفادع واليد والعصا والبحر.. كل هذه الآيات وهي خرق للعادات، ويستحيل على بني البشر أن يفعلوها، ومع ذلك:

 

﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً (101)﴾

 

 فرعون لم يؤمن، على الرغم من كل هذه الآيات ! قال لهم موسى:

﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (102)﴾

 ( سورة الإسراء)

 هذه الآيات لا يستطيعها بشر ! و:

 

﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً (101)﴾

 أيْ: هالكاً، فأراد فرعون أن يستفزهم من الأرض، ضايقهم شدد عليهم إلى أن حملهم على أن يتركوا أرض مصر، فلما تركوا أرض مصر تبعهم ليعيدهم إلى سلطانه !

 

 

﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً (103)﴾

 

 ( سورة الإسراء )

 كان عقاباً عادلاً، انشق البحر لسيدنا موسى ومن معه، وقال أصحاب موسى:

 

﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)﴾

 

 ( سورة الشعراء)

 أصبح البحر طريقاً، تبعهم فرعون وجنوده، فلما خرج سيدنا موسى ومن معه أدرك فرعَونَ الغرقُ، عندئذٍ قال:

 

﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾

 

 ( سورة يونس: 90)

 قال تعالى:

 

﴿آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)﴾

 

 ( سورة يونس: 91)

﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً (104)﴾

 ( سورة الإسراء )

 وعد الآخرة المقصود به يوم القيامة، تأتون إلينا أنتم، ومن خاصمتم، ومن صادقتم، ومن وعدتم، ومن خدعتم، جئنا بكم لفيفاً، وحاسبناكم حساباً دقيقاً

 

﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)﴾

 

 ( سورة الغاشية )

﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً (105)﴾

 (سورة الإسراء )

 هذه الآية أيضاً لها معنى دقيق، مضمون هذا الكتاب حق، ومعنى حق: حقيقة ثابتة ذات هدف نبيل، لقوله تعالى:

 

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾

 

 ( سورة ص: 27)

 الباطل هو الشيء الطارئ، الشيء الزائل، الحق هو الشيء الثابت.

 

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38)﴾

 

 ( سورة الدخان )

 واللعب هو العمل العابث غير الهادف، فالحق إذاً هو الشيء الهادف، فمعنى كلمة الحق الشيء المستقر الثابت الهادف، مضمون هذا الكتاب حق كل ما جاء به مطابق للحق، وللحقيقة، وللواقع، وللمنطق، الوعد حق لا بد من أن يقع، والوعيد حق لا بد من أن يقع، والحقائق التي جاء بها القرآن حق، أي: صحيحة.

 

﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾

 يعني إنما أُنْزِلَ على هذا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالحق، حينما نسند هذه الوظيفة الراقية إلى هذا الإنسان نقول: أسندناها بالحق، لأنه أهل لها، هو في مستواها، هو كفء لها، فالقرآن مضمونه حق، وأُنزل على النبي عليه الصلاة والسلام بالحق، حق في مضمونه، وفي أهلية من نزل عليه.

 

 

﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً (105) وَقُرْآَناً فَرَقْنَاهُ﴾

 نزل منَجماً في ثلاثة وعشرين عاماً، بحسب المناسبات، كأن الله عز وجل ربىّ أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكأنه بهذه التربية يريد تربية الأجيال من بعدهم.

 

 

﴿وَقُرْآَناً فَرَقْنَاهُ﴾

 يعني نزلناه منجماً:

 

 

﴿وَقُرْآَناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً (106) قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾

 

 ( سورة الإسراء)

 إذا فكرت، وفكرت، وقلت: إن الشمس أكبر من الأرض، أنت ماذا فعلت ؟ ذكَرت شيئاً ثابتاً، إن ذكرت هذا أو لم تذكره فالحقيقة لا تتغير، الشمس أكبر من الأرض، اعترفتَ بهذا أم لم تعترف، ذكرت أم لم تذكر، إذا لم تؤمن أنت هل القرآن يصبح باطلاً ؟ لا، القرآن حق، كأن تقول: في الهواء قانون كشفه علماء الفيزياء ـ قانون السقوط ـ فإذا ركب رجل طائرة، وأراد أن يهبط منها بمظلة، إما أن تعترف بهذه القوانين، أو لا تعترف، إن اعترفت بهذه القوانين استخدمت المظلة، وتأدبت مع هذه القوانين، وهذه المظلة حجمها وقماشها وتركيبها متوافق مع قوانين الهواء، فإذا استعملت المظلة تكون قد اعترفت بهذه القوانين، وبالتالي نجوت من الهلاك، وإذا استخففت بهذا القانون، ولم تعبأ بقانون السقوط وقلت: هذه المظلة لا حاجة لي بها، ونزلت متحدياً قوانين الهواء فقد أهلكت نفسك، فالحق حق، والباطل باطل.

 

﴿قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾

 سيان إن اعترفتم به هو حق، وإن لم تعترفوا به هو حق، اعترافكم به لا يزيده قوة، وإنكاركم له لا ينقص من مكانته.

 

 

﴿قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً(107)﴾

 

 ( سورة الإسراء )

 من هنا قال أصحاب رسول الله: أوتينا الإيمان قبل القرآن، لو أن الإنسان فكر في ملكوت السماوات والأرض لعرف أن لهذا الكون خالقاً عظيماً، رحيماً هو أرحم ما يكون، عليماً هو أعلم ما يكون، غنياً هو أغنى ما يكون، قديراً هو أقدر ما يكون، إذا تأملتم في ملكوت السماوات والأرض عرفتم الله، فإذا قرأتم آياته القرآنية خشعت قلوبهم، لذلك قال تعالى:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً(107)﴾

 

 ( سورة الإسراء)

 لو أن إنساناً عرف معملاً ضخماً زاره شخصياً، فإذا نظر إليه في دفتر أو في كُتيّب يأخذه الإعجاب، لأنه قد اطلع عليه بشكل حقيقي ميداني، فهذه الصورة تثير عنده كل إعجابه القديم.

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً (108)﴾

 

 ( سورة الإسراء)

 لذلك استنبط الإمام الشافعي رضي الله عنه من هذه الآية أن الإنسان إذا سجد سجود التلاوة يسنّ أن يقرأ في السجود قوله:

 

﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً (108)﴾

 وربّما استنبط النبي الكريم أن الإنسان إذا صلّى وسجد يقول: سبحان ربي الأعلى، من هنا.

 

 

﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (109)﴾

 وهذا البكاء بكاء الخشية استنبط وهو أرقى أنواع البكاء، هناك بكاء لو بكاه الإنسان في الصلاة لفسدت صلاته، إذا بكى على شيء فاته من الدنيا، صلاته فاسدة ! أما إذا بكى خشوعاً فصلاته من أعلى درجة ! لذلك اقرأ هذا القرآن، وابكِ، فإن لم تبكِ فتباكَ.

 

 

﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾

 

 ( سورة الإسراء)

﴿ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾

 (سورة الأعراف: 180)

 الرحيم، الكريم، اللطيف، الغني، القدير، حتى إذا قلت: الضار، قل: الضارّ النافع، يضر لينفع، المعطي المانع، يمنع ليعطي ! إن هذه الدنيا دار ابتلاء، دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، الضار النافع، المانع المعطي، القابض الباسط، يقبض ليبسط، ويضر لينفع، هذه مداواة ربنا عز وجل، يداوي، ويعالج الإنسان، فأسماؤه كلها حسنى، ولو كُشف الغطاء لاخترتم الواقع، والرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين.
 كان أعرابي يطوف حول البيت، ويقول: يا رب، هل أنت راض عني ؟ كان وراءه الإمام الشافعي قال: يا هذا، هل أنت راض عن الله حتى يرضى الله عنك ؟ قال: أنا أرضى عن الله ! وكيف أرضى عنه، وأنا أتمنى رضاه ؟ قال: يا هذا، إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله !
 هل نحن هكذا ؟ هل تستقبل المصيبة برحابة صدر ؟ هل تقول: الحمد لله رب العالمين ؟ لا بد من حكمة بالغة، هل أنت راض بقضاء الله وقدره ؟ هل أنت راض بما قسمه الله لك من مال من زوجة، من أولاد، من بيت ؟ هل أنت راض عن الله حتى يرضى الله عنك ؟ المؤمنون رضي الله عنهم ورضوا عنه !
 وكلما قرأت قوله تعالى:

 

﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)﴾

 

 ( سورة الضحى )

 أنت في الدنيا، والدنيا دار تكليف، لا دار تشريف.

 

﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)﴾

 عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

 ( سنن الترمذي )

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِسَخْلَةٍ جَرْبَاءَ قَدْ أَخْرَجَهَا أَهْلُهَا، فَقَالَ: أَتَرَوْنَ هَذِهِ هَيِّنَةً عَلَى أَهْلِهَا ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ هَذِهِ عَلَى أَهْلِهَا ))

 (أحمد)

 وكذلك الدنيا هينة على الله عز وجل، يعطيها لمن يحب، ولمن لا يحب !

 

﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (110) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾

 

 ( سورة الإسراء )

﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3)﴾

 ( سورة الإخلاص )

 لأنه الصمد، وجوده ليس مفتقراً إلى غيره ! ولا يحتاج إلى ولد يحقق وجوده، هو مستغنٍ عن أن يكون له زوجة أو ولد !

 

﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3)﴾

 

 هو الفرد الصمد.

﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً (111)﴾

﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26)﴾

 ( سورة الكهف: 26 )

 إذا أردت العزة فلله العزة جميعاً.

 

اجعل لربك كل... .. عزك يستقر ويثبتُ
فإذا اعتززت بمن  يموت فإن عزك ميتُ
***

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018