الدرس : 11 - سورة الإسراء - تفسير الآيات 82 – 85 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 11 - سورة الإسراء - تفسير الآيات 82 – 85


1987-09-25

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الحادي عشر من سورة الإسراء، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً (82) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً (83) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً (84) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً(85)﴾

 ( سورة الإسراء)

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

 شفاءٌ ورحمة، يا ترى هل القرآن الكريم يشفي الأمراض المادية ؟ أم أنه يشفي النفوس ؟ أو يشفي العقول ؟ علماء التفسير يرجحون أن العقل الجاهل يشفيه من الجهل، فيعرفه بالله عز وجل، أخطر شيء في الحياة الجهل، أعدى أعداء الإنسان هو الجهل، فإذا عرفت من أنت، وأين كنت، وأين المصير، ولماذا خلقت ؟ وما هو أجدى عملٍ تفعله على وجه الأرض ؟ وما هي مهمتك على سطح الأرض ؟ ولماذا تعمل الصالحات ؟ من أجل جنة عرضها الأرض والسماوات، إذا عرفت الحقيقة، وعرفت سر الوجود، شفي عقلك من داء الجهل !
 الإنسان بلا علم كالبهيمة تماماً، الإنسان بلا علم إلى أن يكون حيواناً أقرب منه من أن يكون إنساناً، يأكل، ويشرب، وينام، ويعطي نفسه ما تشتهي، ويتكلم ما يحلو له، فيؤذي ويفرق، ويخرب البيوت، وهو لا يدري ماذا يفعل، يتمحور حول ذاته، يجر الأمور نحو مصلحته، يعيش على أنقاض الآخرين، يبني مجده على رفاتهم، يبني غناه على فقرهم، يبني سعادته على شقائهم، يبني حياته على موتهم، يبني أمنه على قلقهم، الإنسان من دون علم ومن دون هدى يدمر نفسه، ويدمر مجتمعه، يدمر ذاته، ويدمر الآخرين، لا تعنيه إلا ذاته، فلذلك ربنا عز وجل قال:

 

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

 

 شفاءٌ لهذا العقل، وشفاءٌ للنفس، أحياناً تصاب النفس بالقلق، تصاب بالخوف، تصاب بالشعور بالقهر أحياناً، إن هذه الأحاسيس المدمرة، هذه المشاعر المقلقة، وهذا الاختلال في توازن الإنسان، هذا كله سببه الجهل، يأتي القرآن فيطمئن، نضرب على هذا أمثلة كثيرة:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)﴾

 ( سورة النحل )

 هذا نصٌ قرآني، هذا كلام رب العالمين، يجب أن يبدد هذا الكلامُ كلَّ خوف، كل قلق، كل شعور بالمستقبل المظلم، يجب أن يبدد هذا القول وهو كلام رب العالمين كل شعور بالظلم، كل شعور بعدم الإنفاق، كل شعور بأن الحياة تحتاج إلى إنسان شرس، إلى إنسان قوي، لا.

 

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)﴾

 

 والدليل الواقع الذي أمامك، كن لله كما يريد يكن لك كما تريد، هل من مرض يصيب الإنسان يفوق الشعور بعدم الإنفاق ؟ الشعور بالقهر ؟ الشعور بالامتهان، الشعور بأن الحياة لا معنى لها، لا جدوى منها ؟ الحياة للقوي لا للضعيف، الحياة للغني لا للفقير، هذا الشعور الممل، شعور التفاوت، شعور القهر، شعور القلق هذا كله مبدِّد في القرآن الكريم.

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

 ( سورة الجاثية: 21)

 انتهى الأمر، الله عز وجل يعجب ! أيعقل يا عبادي أن أعامل المسيء كالمحسن ؟ أن أعامل المؤمن كالكافر ؟ الكافر كالمؤمن ؟ أن أعامل الذي يعلم كالذي لا يعلم ؟ أن أعامل المحسن كالمسيء ؟ أن أعامل من عرفني كمن لا يعرفني ؟ أيعقل هذا ؟ إذا قرأت القرآن:

 

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾

 

 ( سورة الزلزلة )

 الإنسان أحياناً لجهله بقواعد الحياة، لجهله بكتاب الله يستنبط حقائق مضحكة ! يقول: إن الإنسان مهما عمل من الصالحات، هذا لا يجدي إلا أن يكون مؤذياً للناس، يخرج بحكمةٍ خرقاء، استنبطها من الناس من تعامله مع الناس، ولو أنه قرأ كلام الله عز وجل:

 

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾

 

 الإنسان قد يصادف شخصاً كافراً، بعيداً عن الله عز وجل، عاقًّا لوالديه، يزداد قوةً وغنًى وشأناً ومكانةً، فيصيبه اليأس، فيأتي قوله تعالى:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾

 ( سورة الأنعام )

 هذه الآية تضفي على قلبه الطمأنينة والسكينة، فالإنسان من دون قرآن يضيع، يقلق، يختل توازنه، أحياناً ييأس، يأتيه يأسٌ قاتل، هذا الذي ينتحر، لماذا انتحر ؟ يئس من العدالة في الأرض، يئس من الفرج، يئس من أن يكون له طريق إلى السعادة، فانتحر.
لو أنه قرأ كتاب الله عز وجل لشفيت نفسه من هذه الأمراض.
 الذي أراه من خلال قراءتي لهذا الكتاب الكريم أنه ما من مرض نفسي، وما من حالةٍ نفسيةٍ صعبة، وما من شعورٍ مملّ، وما من تمزقٍ نفسي، إلا بسبب البعد عن هذا الكتاب، ولو أن الإنسان قرأ كلام الله بفهمٍ وتبصرٍ وتدبرٍ لزالت عنه كل أمراضه.
قد يقول قائل: العالم سيصاب بظاهرة اجتماعية اسمها التفجر السكاني، وسوف تقلّ المواد عن حاجة الناس، وسوف يأكل الناس بعضهم بعضاً، وسوف تصيب المجاعة معظم الدول المتخلفة، وسوف، وسوف... تجلس معه ساعةً لا تستطيع أن تقف على قدميك، تحس أن الحياة قد انتهت، وأنه لا حياة للفقير، اقرأ قوله تعالى:

 

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾

 

 ( سورة الروم: 40)

 فالرزق إذاً مُنْتهٍ أمره، لكن ربنا عز وجل أحياناً يجعل هناك بعض الضيق من أجل أن يمتحن العباد، يقول تعالى:

 

﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11)﴾

 

 ( سورة الأحزاب )

 الذي يعرف يقول: لابد من أن يرزقني الله عز وجل.
 يسعى، ويعمل، والله يرزقه، الله رب الجميع، رب العباد كلهم، رب السماء والأرض، يقول تعالى:

 

﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ(23)﴾

 

 ( سورة الذاريات)

 أحياناً يُعرض على الإنسان عمل صالح تحتاج إلى إنفاق مال فيمتنع خشية الفقر، يقول: دخلي محدود، لا أتمكن من الدفع، وأنا عندي أولاد، لو أنه قرأ كلام الله عز وجل، أنه ما من نفقةٍ ينفقها العبد في سبيل الله إلا عوضها الله عليه أضعافاً مضاعفة لم يمتنع عن ذلك.

 

﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾

 

 ( سورة الأنعام: 160)

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)﴾

 ( سورة آل عمران )

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾

 ( سورة سبأ: 39)

 كلام الله عز وجل، فمن أراد أن يشفي نفسه من كل الأمراض، من أمراض الهم والحزن، من أمراض القلق، من أمراض الشعور بعدم العدالة، من أمراض الحرمان، من أمراض التمزق، هذه الأمراض النفسية إذا قرأت القرآن شفيت نفسك.

 

﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)﴾

 

 ( سورة البقرة)

 كلام رب العالمين، فالإله يقول هذا الكلام لعباده جميعاً، في أي عقدٍ، في أي مصرٍ، في أي مكانٍ، في أي زمانٍ، في أي بيئةٍ، في أي ظرفٍ، في أي معطياتٍ،

 

﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)﴾

 يجب أن ينعدم الخوف من حياتك، ويجب أن ينعدم الحزن من حياتك، الثمن أن تتبع الهدى، اقرأ قوله تعالى:

 

 

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾

 

 ( سورة المعارج)

 هؤلاء لا يفزعون عند المصائب، ولا يبخلون عند الرخاء، في الرخاء يعطون مما أعطاهم الله عز وجل، وفي الشدائد يصبرون على حكم الله عز وجل.

 

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30)﴾

 

﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ(35)﴾

 ( سورة المعارج)

 إلى آخر الآيات، فإذا كنت مصلياً لا تحس بالقلق، ولا تحس بالخَوَر، ولا الجبن، ولا الشعور بأنك دون الناس، ولا الشعور بأنك غير منصَف، هذا كله يبتعد عنك، هل من صحةٍ نفسيةٍ تفوق صحة المؤمن ؟ شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغنائه عن الناس.

 

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾

 يشفي هذه النفس القَلِقة، يشفي هذه النفس الحائرة، يشفي هذه النفس التي سئمت الحياة، دقق في حياة أهل الدنيا، إذا بلغ كل أهدافه أصيب بمرض خطير اسمه السأم والضجر، عرف كل شيء، تزوج، وعرف طعم المال، وطعم الغنى، وعرف طعم الجاه، وسكن في بيت مريح، وأكل ما لذ وطاب، وسافر، وتنزَّه، واصطاد، تراه في النهاية يمل كل شيء، ويسأم من كل شيء، لأنه ما عرف الله عز وجل، لذلك يشيخ أهل الفسق والفجور والعصيان في سن مبكرة، بينما المؤمن كل حياته شباب في شباب، لماذا ؟ لأن أهدافه كبيرة، كبيرة جداً، حياته كلها لا تكفي لتحقيق بعض أهدافه، لذلك ترى المؤمن في حيوية ونشاط وإقبال، واندفاع منقطع النظير، بسبب أنه يبحث عن الله عز وجل، يَهدف إرضاء الله عز وجل، يريد أن يهدي الناس جميعاً، يريد أن يسعد الناس جميعاً، يتمنى أن ينقلهم من الظلمات إلى النور، هدفه كبير، هدفه أكبر من حاجاته، رغبته في هداية الخلق تتجاوز مصالحه الذاتية، فالمؤمن لا يشيخ، ومن تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت.
 أول شيء في هذه الآية أن كل من يعاني من مرض نفسي، وساوس، خوف، قلق، ضعف شخصية، شعور بالحرمان، شعور أن العدالة مفقودة، شعور أن الحياة للقوي فقط، أو للغني فقط، لأنه سواهم لا حياة لهم، هذا الشعور يسحق الإنسان سحقاً، إذا قرأ هذا القرآن:

 

 

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

 شفاء، طبعاً الشفاء يشفي العقل من داء الجهل، ويشفي النفس من داء القلق، يشفي العقل من أمراضه المتمثلة بالجهل، ويشفي الفكر من كل شعورٍ يقلب الحياة إلى جحيم، فالشرك يسبب للإنسان متاعب كبيرة جداً، فالإنسان من دون إيمان بالله عز وجل، من دون إيمانٍ بعدالته، وبأنه على كل شيء وكيل، من دون هذا الإيمان يجعل الناس لا ينام الليل، لأنه يخاف من كل شيء، كل إنسان قد يستطيع أن يوقع بك الأذى، إذا بعدت عن الله عز وجل، وبعدت عن هذا الكتاب، تشعر أن كل إنسان بإمكانه أن يصل إليك، بإمكانه أن يقلب حياتك جحيماً، بإمكانه أن يأخذ كل مالك، بإمكانه أن يفقدك أهلك وأولادك، بإمكانه أن يضعك في ظلمات في غياب السجن، لكن إذا عرفت الله عز وجل، وأنه بيده كل شيء، وأن الأمر كله إليه، وأنه إليه ترجع الأمور كلها، وأنه بيده ملكوت السماوات والأرض، وأنه ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، وأن الله عز وجل له الخلق والأمر، وهو يحكم لا معقب لحكمه، وهو لطيف لما يشاء، وأن الخير منه، والشر بتقديره من الإنسان كسباً، ومن الله فعلاً، إذا قرأ الإنسان القرآن، وعرف ما تنطوي عليه هذه الآيات انقلبت نفسه إلى نفسٍ هانئةٍ وادعةٍ مطمئنة واثقةٍ برضاء الله عز وجل، واثقةٍ من عدالته، واثقةٍ برحمته، تعرف أن هذه الحياة حياة قصيرة، طبيعتها الابتلاء طبيعتها الامتحان، وأن الحياة الحقيقية حياة الآخرة، وأن هذه الدنيا دار ابتلاء، وأن الآخرة دار عطاء، هذه الدنيا دار تكليف وأن الآخرة دار تشريف، إذا عرف هذه المعاني رضي بدخله، رضي بزوجته، رضي بأولاده، رضي بكل شيء، لأنه يرى هذا كله بتخطيطٍ من عليمٍ حكيمٍ رحيمٍ محب، هذا كله مما توحي به هذه الآية.

 

 

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

 

 الشفاء واضح: النفس القلقة تشفى من قلقها، النفس المقهورة تشفى من قهرها، النفس التي تشعر بالظلم تشفى من هذا شعور، النفس القلقة على مستقبل أولادها تشفى من هذا القلق، النفس الحائرة تشفى، والعقل التائه يشفى، فهو شفاء للعقل وللنفس، ولا يمنع أن يكون الشفاء مطلقاً، بمعنى أنه ربما قرأ الإنسان كتاب الله عز وجل بنية الشفاء من مرضٍ ما لعل الله يكرمه بهذا الشفاء، وهذا أيضاً ممكن، المطلَق في القرآن على إطلاقه، قال:

﴿مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾

 فشفاء العقل، وشفاء النفس، وقد يقرأ القرآن بنية الشفاء من بعض الأمراض التي تصيب الإنسان، مع العلم أنه يجب أن يستشفي عند الطبيب أولاً، أخذاً بالأسباب، وبعدها يقرأ كتاب الله عز وجل، لعل الله عز وجل ينظر له بالشفاء المادي أيضاً.
 أما الرحمة فالله سبحانه وتعالى يتجلى على قلب المؤمن تجلياً يجعل الحياة نعيماً، يجعل حياة المؤمن قطعة من الجنة، يجعل المؤمن في سعادة لا توصف، هذا كله تؤكده الآيات الأخرى.

 

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)﴾

 

 ( سورة الرحمن)

﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾

 ( سورة يونس: 64)

 له البشرى، له الطمأنينة، له التجلي، فالشفاء والرحمة كأن تقول: التحلية والتخلية، التخلية أولاً، والتحلية ثانيا، أنت تنظف أولاً، ثم تفرش البيت ثانياً، تنظف الإناء، وتملؤه عطراً، أو شراباً لذيذاً، فالمرحلة الأولى مرحلة الشفاء مما سواه من الأغيار، من الشرك، من كل ما يقلق النفس، والمرحلة الثانية هي ملء هذه النفس بما لذ وطاب من قيم، ومن خلق كريم، ومن تجليات ظاهرة، و من تجلياتٍ تكسب الإنسان سعادة لا توصف، إذاً:

 

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً (82)﴾

 

 ( سورة الإسراء )

 الظالم ينتقد هذا الكلام، ويرى أن هذا كلام ليس مناسباً لهذا الزمان، نحن وصلنا إلى القمر، وهذا القرآن سيعيدنا إلى حياة الصحراء وحياة الجمل، هكذا يدعي بعضهم، وأن هذا القرآن يحتاج إلى تبويب وإلى تنظيم، وإلى تصنيف بحسب الموضوعات، وأن فيه أحكاماً لا تصلح لهذه الحياة، هي قسوة بالغة، كحد السرقة، وحد الخمر، وحد الزنى، هذا كله ممن يدعي الفهم والكياسة، قد يتهم هذا الكتابَ باتهامات باطلة، اتهامات أعداء الدين، فيجعل بينه وبين كتاب الله حجاباً سميكاً، الأمر الذي يجعله ينطلق في الحياةِ بدافع نزواته وشهواته، فيقع في الحرام فيستحق عقوبة الديان، أن يقول: هذا الكتاب لا يصلح، إذاً افعل ما تشتهي، أطلق بصره، انتهى به الأمر إلى تطليق زوجته، وخراب بيته، وتشريد أولاده، أكل مالاً حراماً، ويقول: حلال.
 فلما انكشف أمره حكم عليه بالإعدام، فأين المال هذا الذي يسير وفق نزوة نفسه، وفق ما يشتهي، وفق وسوسة الشيطان، وفق ما تمليه عليه غرائزه ومصالحه، هذا الذي يقول: هذا الكتاب لا يصلح، ماذا يصلح ؟ أن تفعل كما يفعل الناس.
عندئذٍ تأتي العقوبة الصارمة من الله عزَّ وجل، خسر الدنيا والآخرة، إما أن تتقيد بهذا القرآن الكريم، وتسير فيه على بيّنة من أمرك، وإما أن تنطلق وفق ما يمليه الهوى، والمصلحة والنزوات.
 إذاً لا بد من فعل السيئات، ولكل سيئة عقاب، يأتي العقاب تباعاً، إذاً وقعت في مشكلة كبيرة ! حينما أدرت ظهرك لهذا الكتاب، وانطلقت من شهوتك ونزوتك في حياتك اليومية، طبعاً وقعت في الحرام شئت أم أبيت ! والحرام له عقاب، وأَحَلْتَ حياتك إلى جحيم.
 لذلك ربنا عز وجل قال:

 

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا﴾

 

 ( سورة آل عمران: 103)

 بعضهم قال: القرآن الكريم اعتصم به ! ما إن تمسكتم به فلن تضلوا أبدا ! فعَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ))

 (موطأ مالك)

 القضية ليست قضية أن أنا أتبارك بالقرآن الكريم، بعض الناس يسمّونه تبارك، يقول لك: أخي اقرأه فيه بركة ! هذا الكلام ليس له معنى عند الناس، القرآن مجموعة قوانين دقيقة، حتمية الحدوث، تبدأ بالمقدمات تصل إلى للنتائج، أمرك بِغَضّ البصر هذا قانون ! إذا فعلت هذا الأمر ضمنت الوفاق الزوجي إلى نهاية الحياة، وإذا خالفته انقلب البيت إلى جحيم، ماذا تباركت ؟ ما معنى تبرّكت به، وأنت تعصيه ؟ هذا الذي يعصي كلام الله عز وجل يعصي أمر الله عزَّ وجل ؟ ما معنى لو قرأه تبركاً ؟ رُبَّ تالِ للقرآن والقرآن يلعنه، البركة الحقيقية تأتيك من تطبيقه، إذا طبقّته تحل عليك بركات الله عز وجل بالمعنى المادي، إذا طبقت أوامر الله في البيع والشراء أحبك الناس جميعاً، وأقبلوا عليك، وكثر المشترون، وربحت أرباحاً جيدة ! لأنك كنت مستقيماً، قال تعالى:

 

﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾

 

 ( سورة هود: 112)

 أمرك بالاستقامة، أمرك بالصدق، نهاك عن الخيانة، لو طبقت هذه الثلاثة الاستقامة والصدق، وابتعدت عن الخيانة والغش يثق الناس بك ! فدخل عليك مال وفير، عشت في بحبوحة، هذه بركة الله عز وجل، طبقت أحكامه فبارك الله لك بمالك، طبقته في أمر الزواج

 

﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾

 

 ( سورة البقرة: 221)

 رزَقَك المرأة صالحة التي إذا نظرت إليها أسرتك، وإن غبت عنها حفظتك، وإن أمرتها أطاعتك، طبقته في زواجك بحثت عن الدَّينة، من تزوج المرأة لجمالها أذلّه الله، من تزوجها لحسبها زاده الله دناءة، من تزوجها لمالها أفقره الله، فعليك بذات الدين تَرِبَت يداك ! إذا اهتديت بهدي الكتاب في زواجك سعدت في زواجك، إذا اهتديت بالكتاب في أولادك، قال تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (74)﴾ 

 

(سورة الفرقان)

 همك أمر أولادك، أمر دينهم، أمر صلاحهم، أمر إيمانهم، أمر صلاتهم، وأمر صومهم، أمر معرفتهم بالله عز وجل، كان أولادك قرة عين لك، وسعدت بهم ! فهذه البركة، البركة أن تطبق أوامر الله، فإذا طبقتها حلّت عليك البركة، أما هذا الذي يعصي القرآن، يعصي أمر الله عز وجل ؟ يأكل مالاً حراماً، يفعل ما يشتهي، يبيح لنفسه كل المعاصي، إذا قرأ هذا الكلام، وكان عاصياً لمضمونه فأيّ بركة هذه ؟ عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنْ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ))

 (الترمذي)

 

 الحياة دقيقة جداً، والله وضعنا المصحف في بيت فخم مخمل، وزينّاه، وعلّقناه بغرفة الضيوف، أو كان البيت كله آيات قرآنية نقول: الحمد لله، نحن مسلمون، ليس بذاك، بل نريد استقامة نحن، نريد بيتًا إسلاميًّا، لا بيتًا فيه آيات قرآنية فقط ! ندخل محلاًّ تجاريًّا فنقرأ

 

﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1)﴾

 ( سورة الفتح)

 

 المحل كله غش، وكذب، وأيمان كاذبة، فأين تطبيق آية:

 

﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾

 

 هذه للبركة، ما هذا للبركة ؟ البركة لا معنى لها هنا، معنى البركة أن تطبق أمر الله عز وجل فتستحق الثواب في الدنيا والآخرة، هذه البركة، استقمت في البيع والشراء يتفضل عليك الله عزَّ وجل بالدخل الوفير، غضضت بصرك عن محارم الله الآن تستحق أن تعيش حياة زوجية سعيدة ! أبداً افعل ما شئت البركة في كلام الله تعني تطبيقه ! إن طبقته حلّت عليك بركة الله عزَّ وجل..

 

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً (82)﴾

 

 أعرض عن هذه الوصفة الطبية ! قال: هذا الكتاب لا يصدق، فانطلق في شهواته كما يشتهي، فحلّ عليه عقاب الله، فكأن هذا الكتاب بإعراضه عنه زاده وبالاً، وزاده شقاءً وهلاكاً، فالقرآن لا يقرؤه إنسان إلا زاد أو نقص، إما أنه يزداد إيماناً، وإما أنه يزداد بعداً عن الله عز وجل، وهذا البعد يستدعي الهلاك والشقاء في الدنيا والآخرة.

 

﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً (83)﴾

 

 انظر لهذا النموذج الإنساني الذي لا يريده الله عز وجل، اللغز، إذا جاءتك الدنيا تزداد كبراً وإعراضاً وغطرسة واستعلاءً، كيف أنك من نطفة خُلقت، خرجت من عورة ! ودخلت في عورة ! ثم خرجت من عورة ! كيف أنك خُلقت من ماءٍ مهين تستحي به إذا كان على ثيابك ! كيف أنك كنت طفلاً صغيراً تحتاج إلى أب وأم يرعيانك ؟ كيف كل هذا؟

 

﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78)﴾

 ( سورة يس)

 

 بعد أن بلغ الإنسان في الدنيا مرتبة في المال أو العلم أو الجاه أو القوة نسي أصله !

 

﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾

 ( سورة فصلت: 51)

 

 إنسان حصل على شهادة عليا من دولة أجنبية، وعاد إلى بلده احتل منصباً رفيعاً، وله زوجة من ذلك البلد الأجنبي أتى بها من هناك، سكن في أرقى حي، وركب أفخم سيارة، وعاش حياة حديثة غربية قائمة على المتع والملّذات، والانغماس في الشهوات، فجأة أصابه مرض في إحدى عينيه، فعمي في عين واحدة ! ما هي إلا أشهر عدة حتى فقد الثانية ! دخل عليه صديقه قال له: والله يا فلان، أتمنى أن أجلس على الرصيف، وأتسول، وأن يعيد الله إلي عينيّ !

 

﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً (83)﴾

 البطل الذي يعرف الله في الرخاء، وأنت في أوج قوتك، وأنت في أوج شبابك، وأنت في أوج غناك، وأنت في أوج مكانتك الاجتماعية، هذه البطولة، لكن من السهل جداً أن تتعرف إليه في خريف العمر بعد أن تفرّق عنك الناس، وذهب مالك، وضعف بصرك، وانحنى ظهرك، وشاب شعرك، وأصبحت منزوياً في غرفتك لا أحد يعبأ بك، أصبحتَ تحفة، أصبحت في مكانة لا تستدعي إلا الشفقة، عندئذٍ تبدأ بالصلاة، الآن، الآن ؟ أين كنت في الشباب ؟ أين كنت يوم كنت تمشي في الطريق متبختراً، أين كنت ؟ لذلك عبدي اعرفني في الرخاء أعرفك في الشدة، هذا الذي عرف الله في شبابه يعرفه الله في شيخوخته، والشيء المهم جداً أن الإنسان إذا عرف الله في شبابه متّعه الله بعقله، وسمعه وبصره وقوته ومكانته وغناه عن الناس ! الدعاء الشريف:

(( اللهم اجعل خير عمرنا آخره، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا))

 (زوائد الهيثمي عن الحسن قريبًا من هذا اللفظ)

﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً (83)﴾

 هذا الذي يتكبر، وهو في ساعة من ساعات القوة، أو ساعة من ساعات الغنى إنسان صغير عند الله عز وجل، لأنه جاهل، الإنسان تحت ألطاف الله عز وجل، من يدري أن الإنسان نقطة دم إذا تجمدت في بعض شرايين المخ يصاب بالعمى، أو بالشلل، أو بالصمم، أو يفقد ذاكرته أحياناً ! ما الإنسان ؟ إذا شعر أن هناك كتلة لا ينام الليل يذهب من طبيب إلى طبيب للتحليل، لأخذ عيّنة... كتلة قاسية، الإنسان تحت ألطاف الله عز وجل، هذا موضوع الورم الخبيث ليس له دواء حتى الآن ! ليس له سبب أساساً ! نمو خلايا عشوائية، انتهى كل شخص، بلغ أوج نشاطه في الحياة، وفي ساعات رخائه يأتي هذا المرض، فيحيل حياته إلى جحيم.

﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً (83)﴾

 أتمنى على كل منكم، وهو في صحته، وهو في بحبوحة، وهو في أوج نشاطه أن يعرف الله في الرخاء، لأنه إذا عرفه بالرخاء عرفه بالشدة.

﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً (83)﴾

 

 يْأس قاتل، مع أن الله عز وجل أمره كن فيكون، لو أن المرض وخيم العاقبة يأتي ذكر الله عز وجل فيزيل من هذا المرض فعاليته الضارة ! حلَّلنا، ولم يظهر شيء ! ألست أنت من قال: إن الوضع خطير ؟ الله عز وجل بيده كل شيء.

 

﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)﴾

 ( سورة الشعراء)

﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً (84)﴾

 

 الإنسان له بنية، له نفسية، هذه النفسية ناتجة من إقباله أو إدباره، إذا كان مقبلاً فعنده نفسية طيبة، وهذه النفسية الطيبة تستدعي الشكر والعرفان، إذا دخل الإنسان إلى بيته الذي يأوي إليه، هناك زوجة معافاة من كل مرض الإنسان هذه نعمة كبرى الإنسان لو أن مرضاً خبيثاً عضالاً أصاب الزوجة شيء صعب، له أولاد، قال لي طبيب: دخلت بيتًا فوجدت فيه أربعة أولاد بُلْهٍ كلهم حجمهم كبير، وضعف في التفكير، وشراسة في الطباع، حتى إنه عالج الاثنين الإنسان وقامت معركة مع كل واحد، أربعة أولاد بُلْهٍ ! والله هذه مصيبة كبيرة جداً، فإذا دخل الإنسان بيته، ووجد فيها أولاد أسوياء، وزوجة معافاة، وبيتًا يأوي إليه، صحته طيبة، هذه نعم، يجب أن تعرف الله فيها، لا أن تنسى هذه النعم.

 

﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً (83) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾

 

 هذا الذي عرف الله، فاقتبس منه الوفاء والشكر والعرفان اقتبس منه، أو استسقى من الله هذا الكمال شاكلته خيّرة، يعمل وفقها، وهذا الذي أعرض عن الله عزَّ وجل أصبحت شاكلته أو بنيته جبلّته شريرة يعمل وفق اللؤم فهو لئيم، كلما أكرمته يزداد لؤماً، كلما أعطيته يزداد كبراً.

 

﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً (84)﴾

 

 سيدنا عبد الله بن رواحة رضي الله عنه عُيّن قائداً ثالثاً للجيش رقم ثلاثة، أول قائد سيدنا زيد أخذ الراية، فقاتل بالراية حتى قتل، سيدنا جعفر رقم اثنين في مؤتة، أخذ الراية فقاتل بها حتى قتل، فلما جاء دور سيدنا عبد الله بن رواحة تردد ! قضية موت سريع، خاطب نفسه قال:

 

يا نفسي إن لا تُقتلي تموتي  هذا حمام الموت قد صليت
إن تفعلي فعلهما رضـيت  وإن توليت فقد شقــيت
***

 وأخذ الراية فقاتل بها حتى قتل، النبي عليه الصلاة والسلام وهو في المدينة حدّث أصحابه فقال:

((أخذ الراية أخوكم زيد فقاتل بها حتى قتل، وإني لأرى مقامه في الجنة، ثم أخذ الراية أخوكم جعفر فقاتل بها حتى قتل، وإني لأرى مقامه في الجنة ))

 وسكت النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، فقال أصحابه: يا رسول الله، ما فعل عبد الله ؟ قال:

((ثم أخذ الراية أخوكم عبد الله، فقاتل بها حتى قتل، وإني لأرى في مقامه ازورارا عن صاحبيه))

 (القصة بلفظها وتمامها في السيرة النبوية لابن هشام، والحلية لأبي نعيم)

 

 أيْ: هذا التردد جعل مقامه عند الله يهبط درجة ! إذا كان هذا التردد في بذل نفسه هذه شاكلته، فأين نحن من هذه القصة ؟ ماذا بذلت لله عز وجل ؟ ماذا فعلت ؟ هل استزدت لكل عمل صالح ؟ إذا دعيت إلى خير ماذا يكون موقفك ؟ نرجو الله عز وجل أن نكون في نظر الله عزَّ وجل كما يحب ويرضى:

 

﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾

 

 سيدنا الإمام علي كرم الله وجهه يقول: " والله، والله مرتين لحفر بئرين بإبرتين، وكنس أرض الحجاز بيوم عاصف بريشتين، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، أهون علي من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين!".
 أحياناً يقف الإنسان موقفاً لئيمًا من والدته، لو كشف له الغطاء، لو عاد إلى فطرته لذاب من الله خجلاً، هذه التي رَبَّتك حين تزوجت استغنيت عنها ؟ رأيتها عَقَبة في حياتك ؟ أردت الخلاص منها، تمنيت موتها، أهكذا الوفاء ؟ الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا، المشكلة أن الإنسان وهو في الدنيا يكون بين شهوات ومخدرات، فالأكل والشرب، واللقاء مع الناس، والرحلات والسهرات، والندوات والاجتماعات، والنزهات والحفلات والولائم... هذه كلها مخدرات وغفلة، فإذا انقطع عنها فجأة بمرض أصيب به أو لموت ألم به انكشفت حقيقته، وانكشفت له نفسه، وظهرت على حقيقتها، فإما أن تُسعده إلى الأبد، وإما أن يشقى بها إلى الأبد !

 

﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾

 اعملوا ما شئتم، يوم القيامة حينما ترى أن كل شيء خلقه الله من أجلك أن الكون كله سخر لك، وأنه ما من مخلوق إلا يسبح بحمده ويقدس له، وأنك كنت الغافل وحدك، وأنك أسأت إلى عباد الله، وقابلت الجميل بالإساءة، وقابلت الإحسان بالإساءة، وقابلت النعمة بالجحود، وقابلت الهدى بالضلال أولاً، والإضلال ثانياً، هذا موقف من يحتمله ؟ طبعاً جزاؤه النار التي تلفح وجوههم.

﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً (56)﴾

 ( سورة النساء)

 

 هناك ارتباط بين الآيتين، هذا الذي لا يزيد الظالمين إلا خساراً، هؤلاء الظالمون الذين لا يزدادون مع تلاوة هذا القرآن إلا خسارا من شأنهم أنه إذا أنعم الله عليهم أعرضوا، واستكبروا، واستعلوا، وإذا مسهم الشر يئسوا ! هؤلاء الذين لا يزدادون عند تلاوته إلا خساراً، هذه شاكلتهم:

 

﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾

 كل واحد منا له نفس، سنسميها جِبِلّة، له طبيعة، له بنية، وفي علم النفس الحديث سمات عميقة يتحرك بموجبها، فهناك إنسان خيّر بالطبع، يتمنى خدمة الناس ؛ إنسان بإعراضه عن الله عز وجل، وانقطاعه عنه نفسه الشريرة، يتلذذ بالإساءة للآخرين ! بإيقاع الأذى بهم، بإيقاع الشر فيهم، فهذه الجبلة السيئة محصلة البعد عن الله عز وجل، هذه الشاكلة.
والجبلة الطيبة هي محصلة الإقبال على الله عز وجل، أنت بين حالتين إما أنك مقبل، فلك جبلة طيبة، لك شاكلة خيرة، لك نفس عزيزة كريمة معطاءة، وإما أنك مدبر ـ لا سمح الله ـ فلهذا الإنسان نفس شريرة، جبلة مؤذية، طبيعة أنانية، كما يقولون، حرص على الذات، واستهانة بالآخرين.

﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً (84)﴾

 

 هذه الآية كأن الله يقول: افعلوا ما شئتم ! كل واحد منكم له شاكلة، له جبلة، هذه الجبلة محصلة إقباله أو إدباره، فإذا كان مدبراً ففي الشر يؤوس، وفي الخير منوع ! هكذا قال لله عز وجل:

 

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾

 ( سورة المعارج)

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً (85)﴾

 ( سورة الإسراء)

 

 فهناك أشياء فوق مدارك الإنسان، هذه الروح..
 هذه التي نسميها سودة ـ الكبد ـ فهي لحم تُأكل، لكن في الواقع هي كبيرة، يقوم بخمسة آلاف وظيفة، تأخذ طحال شطيرة، إذا كان فيها روح فهذا الطحال يقوم بأخطر الوظائف، معمل لكريات الدم الحمراء، مقبرة للكريات، تحليل الكريات، وتأخذ المواد المعدنية الحديد وهيموغلوبين، وتبقي الفضلات ترسلها إلى مكان آخر ! معمل دم احتياط، مقبرة، مستودع للدم، أقرب شيء لنا أعضاؤنا، هذه الأعضاء كلها موجودة، الروح لها وظائف خطيرة جداً، العين مثلاً: إنسان ميت ما قيمة عينه ؟ قطعة لحم لا تؤكل !  لكن عين إنسان طيب يرى بها العالم، والألوان، ثمانمئة ألف لون أخضر يراها بالعين ! الشبكية فيها مئة وثلاثون مليون عصية ومخروط ! جسم بلّوري يقوم بأعظم وأدق عمل، وهو المطابقة ! شيء لا يصدق، حينما يأتي الخيال وراء المحرق فهذا الجسم نفسه يتحسس إذا جاء الخيال خلف المحرق، يرسل أمرًا للدماغ، الدماغ يأمر خلايا العضلات الهدبية المحيطة بهذا الجسم البلوري فتضيق أو تزيد من احتدابها إلى أن يقع على الشبكية، وإذا جاء الخيال قبل المحرق في جهاز آخر يعطي أوامر معاكسة من أجل أن يستطيل فيقع الخيال على الشبكية، العين بالروح هكذا تفعل ! من دون روح كتلة لحم لا طعم لها ! الكبد يقوم بأخطر وظيفة ! هناك خمس وظائف أساسية في الحياة، الإنسان بلا كبد يموت بعد ثلاث ساعات ! بعض العلماء قال: للكبد خمسمئة وظيفة ! وبعضهم قال: خمسة آلاف وظيفة ! بالروح، من دون الروح أصبحت بلا فائدة.
 الكلية يمر فيها الدم في النهار خمس مرات ! يمشي الدم بالكلية مئة كيلو متر تقريباً كل يوم ! دم الإنسان يقطع في الكليتين مئة كيلو متر، إذا مات الإنسان أصبحت قطعة لحمة ! قبل قليل كان جهازاً خطيرًا جداً !
 الدماغ، خذ دماغ إنسان طبيب، كل الطب موجود في هذا الدماغ ! كل معلوماته، كل خبراته، كل أنواع الأمراض، أعراض الأمراض، التشخيصات، الأدوية، كلها في هذه الذاكرة، بعدما يموت خذ نخاع الخروف، بالروح ماذا كان ؟ وبلا روح ماذا أصبح ؟ كتلة لحم، فهذه العين، الأنف، الأذن، اللسان، يمكن أن يلتقي في هذه الذاكرة علم الأولين والآخرين، بعدما يموت الإنسان لا يبقى شيء، فما هي الروح ؟ إذا أوقفنا إنساناً على ميزان وهو واقف على الميزان مات، هل يقل وزنه ؟ لا يقل غرامًا، أين الروح ؟ ما طبيعة الروح ؟ عندما يتجلى ربنا عز وجل على الإنسان بالروح، يتحرك، انظر إلى الإنسان الحي تراه مؤنساً، إذا مات يخاف الناس من غرفته كلها ! يبقون شهرين أو ثلاثة وغرفة المتوفى يتجنبها أهله خوفاً ! يقولون لك: هنا مات، لكنه قبل ساعة كان أبًا لطيفًا، الأولاد يأنسون به، يتهافتون عليه، يقبلون عليه، يرون الجلوس معه مغنماً كبيراً، بعدما تمدد ميتاً أصبح مخيفاً موحشًا، يقولون: إكرامه ترحيله بسرعة، ما هذه الروح ؟ بالروح لك شأنك ملء السمع والبصر، لك مكانتك، توقيعك يقدر بملايين ! بعدما يموت أي توقيع هذا ؟ مات، وللورثة الكلام كله ! لما ربنا عز وجل يوقف هذا الإمداد كل أملاكك لم تعد لك ! ما هذه الروح ؟ مادام لك حركة، البيت لك، الأرض لك، المعمل لك، كل شيء لك، فإذا قطع الله عنك الإمداد أصبح كله لغيرك، ما هذه الروح ؟
 موضوعنا طويل جداً، موضوع الذاكرة، موضوع الدماغ، موضوع العين، السمع، البصر، العضلات، هذه الحركة، الميت لا يتحرك، فإذا رأى أحدنا ميتاً يتحرك يمكن أن يجّن ! إذا كنت تسير في الطريق، ومرّت حافلة، قال له: لا يوجد محلات، اصعد على الظهر، وعلى الظهر تابوت، كان ينقل ميتًا في الذهاب، وفي العودة التابوت فارغ، صعد قبله راكب وجد نفسه مصابًا بالبرد، فجلس في التابوت، هذا الثاني وجد تابوتاً، فجلس عليه، فتحه، فتحرك الميت فوقع من الحافلة، ومات فوراً، لا يألف الإنسان ميتاً يتحرك ! إذاً موضوع الروح شيء عظيم جداً.

 

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً (85)﴾

 

 هل في أنحاء العالم اليوم، في كل الجامعات تفسير للروح ؟ ما هي الروح ؟ بالروح الإنسان ينمو ويكبر، يحس، يتألم، يفكر، يتكلم، ينتقل، يحكي، يشعر بالخوف.. أما إذا توقفت الروح فلا شيء، جثة هامدة، لحم ودم متفسخ، انتهى الأمر ! فربنا عز وجل ضرب لنا مثلاً أن هذا الشيء لا تعرفونه أنتم، ولا يمكن أن تعرفوه !

 

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً (85)﴾

 كل التقدم العلمي، أحياناً تجد كتاباً أجنبيًّا، أربع صفحات مَراجع بالخط الصغير، تقريباً سبعمئة مرجع ! لعلم بسيط وفرعي، وليس علماً كبيراً، إذا كان لكل موضوع سبعمئة مرجع فهذا علم البشر الآن، وربنا عز وجل يقول:

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً (85)﴾

 

 كلما ازداد الإنسان علماً ازداد علماً بجهله !

 

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً (85)﴾

 من علامة العالم التواضع ! ومن علامة الجاهل الكبر، الجاهل متكبر.

قل لمن يدعي في العلم فلسفة  حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء
***

 الإنسان يتخذ من هذه الآية دليلاً على وجود الله عز وجل، الميت والحي، الميت انتهى أمره، انظر للإنسان كيف يتحرك، ينتقل، مؤنس، محبب، لطيف، تفضِّل الجلوس معه، كيف أنه نظيف، ورائحته نظيفة.
 هناك رجل اهتدى إلى الله عز وجل عن طريق صديق له من الأغنياء، رجل ضمن الأصول، وليس خلاف الأصول مات، أصبح هناك شبهة بموته، يا ترى مات موتاً طبيعياً ؟ أم أن إحدى زوجاته دسّت له السم ؟ قصة قديمة، فتحوا القبر بعد يومين هذا الذي شاهد الجثة كان سبب توبته هذا الرجل، يقول: إن كل ِرِجلٍ من جهة، البطن منفوخ، والدود عليه، رائحة نتنة، سبحان الله ‍! قبل أيام الحمام والنعيم، إذا نام إنسان على سريره، وكان فخماً جداً فلا ينس القبر، سيسحب من هذا السرير إلى القبر ! إذا دخل الحمام، ونظّف نفسه فلا ينسَ آخر غسل ! إذا ذهب من بيته واقفاً أفقياً فآخر خروج له يذهب مضطجعا ميتا ! إذا دخل المسجد فآخر دخول له ليصلى عليه، وليس ليصلي ! فعلى الإنسان أن يعرف المقام، حينما تغادر الروح الجسد، حينما يتوقف إمداد الله لهذا الإنسان، فالبطولة أن تكون قد عرفت الله في هذه الساعة، البطولة أن تعرف الله في الرخاء كي يعرفك في الشدة.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018