الدرس : 06 - سورة الإسراء - تفسير الآيات 40 – 52 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 06 - سورة الإسراء - تفسير الآيات 40 – 52


1987-08-21

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وارنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس السادس من سورة الإسراء، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (40)﴾

﴿أَفَأَصْفَاكُمْ﴾

هذه الهمزة للاستفهام الإنكاري، قد يقول لك قائل: أنت فعلت هذا ؟ تقول له: أنا فعلت هذا ؟ هذه الصيغة صيغة استفهام، لكن الاستفهام في علم البلاغة يخرج عن حقيقته إلى معانٍ كثيرة، منها الإنكار، والله سبحانه وتعالى حينما قال:

﴿أَفَأَصْفَاكُمْ﴾

أي: ينكر على المشركين هذه المقولة، أو هذا التوهم، أو هذا الاعتقاد.

﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثاً﴾

إن المشركين يزعمون أن الله سبحانه وتعالى اتخذ الملائكة بنات ! وهم لهم الذكور، فيزعمون لله ما يكرهون، أيعقل أن يكون الأمر كله لله، وأن يكون هو الواحد الأحد ؟ وأنه لا إله إلا الله ؟ وأن تختصوا أنتم بالبنين ؟ وتكرهون البنات ؟ وعلامة كره البنات في الجاهلية أنهم كانوا يئدون الفتاة وهي صغيرة ؟ وقد لا يقول الآن أحد مثل هذه المقولة: إن الملائكة بنات الله، وإن الذكور لنا، لكن الله عز وجل كثيراً في القرآن الكريم ما يذكر جزءًا ويريد به الكل، بمعنى أنك إذا نسبت شيئاً تكرهه إلى الله عز وجل فإن هذه المقولة مقولة عظيمة.
أيعقل أن تكون وأنت العبد الأدنى مترفعاً عن هذه الصفة، والله سبحانه وتعالى تصفه بها ؟ وأنت مترفع عن الظلم، وتنسب الظلم إلى الله عز وجل ؟ أنت تترفع عن هذه الصفة وتصفها لله عز وجل ؟ إذاً ليس المقصود أن تقول: الملائكة بنات الله، وأن الذكور لنا، قد لا تكون هذه الفكرة مطروحة في العصور المتأخرة، ولكن أي شيء لا ترضاه لنفسك لا ينبغي أن تفتري به على الله سبيلا، لا تقل: الله كذا وكذا من دون علم، كتب عليه الشقاء من الأزل، ولا بد من أن يشقى بلا ذنب، قد يطيعه المطيع، ويضعه في نار جهنم ! وهذا قول عظيم، فإذا قلت هذا القول، وكأنك بهذا نسبت الظلم إلى الله، فإن هذه المقولة لا ينبغي أن تقولها، لذلك قال الله تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7)﴾

( سورة الأنبياء)

لا تقل كلاماً لست متأكداً منه، تثبت من كل شيء تعزوه إلى الله عز وجل !

﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثاً﴾

أنتم أيها العباد أعطاكم الله البنين، وهم في الدرجة الأولى ! وهو أخذ البنات اللاتي لا تحبونهن ؟‍‍! أيعقل هذا ؟ قال الله تعالى:

﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (40)﴾

وكيف هذا القول العظيم ؟ إنك إذا وصفت الله عز وجل بوصف لا يليق به فقد جعلت هذا المستمع ينفر، أو يبتعد، أو يلتفت، أو لا يقبل، فقطعته عن مولاه ! أعظم جريمة تقترفها أن تبعد الناس عن الله عز وجل ! وأعظم عمل تفعله في الدنيا أن تقرب الناس من الله عز وجل ! يا رب إنك تعلم أني أحبك، وأحب من أحبك، فكيف أحببك إلى خلقك ؟
عَنْ أَنَسٍ:

(( قَالَ مَرَّ رَجُلٌ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعِنْدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ جَالِسٌ، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّ هَذَا فِي اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَخْبَرْتَهُ بِذَلِكَ ؟ قَالَ: لا، قَالَ: قُمْ فَأَخْبِرْهُ، تَثْبُتِ الْمَوَدَّةُ بَيْنَكُمَا، فَقَامَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: إَنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ، أَوْ قَالَ: أُحِبُّكَ لِلَّهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي فِيهِ ))

( مسند الإمام أحمد)

يا داود ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي.
يضلّ من يشاء، الله أضلّ فلاناً، أنت لست متأكداً من هذا المعنى، الله عز وجل إذا عُزيَ الضلال إليه فهو الضلال الجزائي، المبني على ضلال اختياري، والدليل قوله تعالى:

﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾

( سورة الصف: 5)

إذا قرأت القرآن وحدك من دون أن تسمع تفسيره من الذين آتاهم الله فهم الكتاب فهذا خطأ كبير ! قد تقول: يضل من يشاء، الله عز وجل جعل هذه الآية موجزة، قال:

﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52)﴾

(سورة يوسف )

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)﴾

(سورة القصص)

﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)﴾

(سورة المائدة)

والله بيّن وفصل في هؤلاء الذين لا يهديهم، لا يهدي فاسقاً، ولا ظالماً، ولا خائناً، ولا كذاباً.. فإذا قال الله عز وجل:

﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

(سورة فاطر: 8)

هذه آية مفصلة أخرى إذا قال الله عز وجل:

﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96)﴾

(سورة الصافات)

هذه آية لها سياق معين، قال:

﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96)﴾

(سورة الصافات)

خلقكم مع هذه الأصنام التي تنحتونها ! إذاً من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار ! وكان بعض أصحاب رسول الله إذا قالوا في القرآن قالوا: إن أصبنا فمن الله، وإن أخطأنا فمن أنفسنا، كلام الله:

﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (40)﴾

كلمة يضل من يشاء مفصلة في آيات كثيرة، إذا أضل الله الإنسان فإنه يضله عن شركائه ! لا يضله عن ذاته، قد يتوهم الإنسان أن زيداً من الناس بيده مصيره، أو بيده رزقه، أو بيده خيره وشره، عندئذ يجعل الله سبحانه وتعالى هذا الإنسان الذي وضعت كل آمالك عليه يخيب ظنك، بمعنى أن الله قد أضلك عنه، إن الله عز وجل يضل عن شركائه، ولا يضله عن ذاته، هذا معنى قوله تعالى:

﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

(سورة فاطر: 8)

فإذا أخذت الآيات أخذاً سريعاً من دون تبصر أو فهم أو تعمق، وظننت أن الله خلقك ليضلك، فأنت مخطئ، لأنه خلقك ليرحمك:

﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾

(سورة هود: 119 )

خلقهم ليرحمهم، علة الخلق:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

(سورة الذاريات )

لعلة العبادة، والعبادة طاعة طوعية، تسبقها معرفة يقينية، وتنتهي بسعادة أبدية، علة الخلق بنص القرآن الكريم العبادة، أي: الإقبال الاستغراق، فلذلك لا يحق للإنسان أن يقول على الله قولاً عظيماً، فإذا عُزي الإضلال إلى الله فهذا هو الضلال الجزائي المبني على الضلال الاختياري.
آيات أخرى توضح ذلك:

﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾

( سورة الصف: 5)

﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾

(سورة فصلت: 17)

الإنسان مخير، لذلك ليس المقصود بهذه الآية:

﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (40)﴾

ليس المقصود من هذه الآية هذا الكلام بالذات حصراً، حينما قال الله عز وجل:

﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾

(سورة الإسراء: 23)

في اللغة معنى أف: أن يصدر منك نَفَسٌ بصوت مرتفع، وهو يعني التضجر، فهل المقصود بهذه الآية أن الله عز وجل نهاك عن كلمة أف فقط ؟ إذا ظننت أن الله عز وجل نهاك عن كلمة أف فقط فهذا هو المدلول اللغوي فقط، ولكن للآية حكماً شرعياً، والحكم الشرعي هو أن كل شيء يستاء منه الأم والأب، فلو أنك خبطت الباب بوجههما، أو شددت النظر إليهما، أو قسوت معهما في الكلام، فالحكم الشرعي لهذه الآية: أي شيء صغر أم كبر يؤدي إلى إساءة للأم والأب محرم بنص هذه الآية، مع أن الآية تقول:

﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾

فهذا من علم الأصول، وليس المقصود أف، المقصود كل شيء، وكل قول، وكل عمل، وكل تصرف، وكل فعل يؤدي إلى الإساءة إلى الأم والأب، هذه الآية أيضاً لا أسمع، ولن أسمع في هذا العصر من يقول: إن الله عز وجل اصطفى له البنات، وأعطانا البنين ! وهذا قاله الكفار في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، ورد الله عليهم:

﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (40)﴾

ولكن المقصود ألا تفتري على الله الكذب، لا تقل: إن الله كذا وكذا وأنت لا تعلم ذلك، ولا تنسب شيئاً إلى الله عز وجل وأنت تترفع عنه.

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياكَ إياك أنْ تبتلَّ بالمـــاءِ
***

مستحيل ! لذلك فالله عز وجل قال:

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)﴾

(سورة الأنعام)

إذاً أن تقول: الله خلقني هكذا، لا أصلي، هكذا يريد الله عز وجل، أن تعزو تقصيرك إلى الله عز وجل، فهذا افتراء على الله، إذاً هذه الآية تحتمل هذا المعنى الجزائي، هذا الخاص، الذي نصت عليه، وتحتمل أي معنى آخر يعزى إلى الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى منَّزه عنه !

﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28)﴾

(سورة الأعراف)

يقولون لك الآن: هذا الذي قدره الله علينا، لماذا تعصي الله ؟ هكذا، كقول العوام: " طاسات معدودة في أماكن محدودة " ! " لا تعترض فتنطرد "، هذا كلام جهل، أن تنسب المعصية وشرب الخمر وكل شيء إلى الله، ثم تقول: هذا قدره الله علي، أليس لك حيلة إطلاقاً أنت ؟ هذه دائرة الاختيار.
من حمل ذنبه على الله فقد فجر، ولو أن الله عز وجل أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب.
إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، فإذا قصرت في شيء، وجاءت النتائج غير مرضية تقول: هذا من فعل الله، هو من فعل الله، هذه كلمة حق أريد بها باطل، لكنك مقصر، وسوف تحاسب على تقصيرك، ما من شيء يقع إلا بأمر الله، ولكن أمر الله متعلق بشرعه، وشرعه نهاك عن هذا الأمر، فمادام هناك نهي فأنت مذنب، وسوف تحاسب، أما كلما قصرنا، وارتكبنا مخالفات تعزى إلى الله عز وجل ببساطة:

﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (40)﴾

أيعقل أن تتهم أباً حريصاً حرصاً بالغاً على أن يعلم ابنه، أنه منع ابنه بالقوة من المدرسة ؟ مستحيل، لا يعقل أن يوصف أب بذلك، ولا سيما إذا كان حريصاً على تعليم أولاده:

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً (41)﴾

الآية:

﴿أَفَأَصْفَاكُمْ﴾

الله عز وجل يخاطب كفار قريش، الآية الثانية:

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً (41)﴾

انتقلت صيغة التكلم من المخاطبة إلى الغيبة، قال علماء البلاغة: هذا اسمه التفات، ومعنى الالتفات أن هؤلاء المشركين ليسوا جديرين أن يخاطبوا، ولذلك تركهم الله عز وجل وأخبر عنهم.

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً (41)﴾

فما معنى صَرَّفنا ؟ صرف الشيء بمعنى قلّبه، والله عز وجل نوَّع في هذا القرآن الكريم ألوان الخطاب، فجعل التقرير، وجعل التصوير، وجعل القصة، وجعل المثل، وجعل الوعد والوعيد، وجعل الأمر والنهي، وجعل التخويف والتبشير، وجعل الإنذار، وجعل الأخبار وسرد الآيات، وتعداد النعم وتعداد النقم.. وألوان ملونة، تارة يأتي بالمثل، وتارة يأتي بقصة، وتارة يأتي بالوعد.

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

( سورة النور: 55)

تلوين الكتاب من أمر إلى نهي، إلى وعد وإلى وعيد، وتقرير وتصوير، ومثل وقصة، وخبر، وأمر ونهي، ومخاطبة وغيبة، وتكلم واستخدام ضمير متكلم، إلى استخدام ضمير غائب.. هذا التلوين والتنويع والتفصيل والإيجاز تارة، والفصل تارة والوصل تارة، فالألوان المنوعة من الأساليب الأدبية والبلاغية في كتاب الله ليذكروا.
أحياناً المعلم الحريص الرحيم الحكيم يتفنن بعرض الدرس كي يفهم الطالب، وكي ينجذب إلى الدرس، كي يتعلق به، كي يزداد حرصه على العلم.

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ﴾

صرفنا، هذا المعنى الأول.
أما المعنى الثاني للتصريف: أن هذا القرآن الكريم نزل منجماً، ولو أنه نزل دفعة واحدة لثقل عليه، نزل مع كل مناسبة وكل حادثة، وكل موعظة، فجاءت الآيات تباعاً بشكل لطيف، فالله عز وجل قال عن النحل، وعن بعض السكريات:

﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾

( سورة النحل: 67)

إشارة لطيفة بعيدة إلى أن هناك رزقاً حسناً، وهناك سفراً، فكأنه رزق غير حسن، تقول: هذا شراب لذيذ، غير هذا الشراب، يفهم من هذا أن الشراب الثاني دون الأول، ثم قال الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾

(سورة النساء: 43)

ثم قال الله عز وجل:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾

( سورة البقرة: 219)

إلى أن جاء قوله سبحانه:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)﴾

(سورة المائدة )

جاء تحريمه تدريجياً رحمة ولطفاً وحكمة وعطفاً، لذلك:

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ﴾

تلوين، تأتي قصة يوسف، صفحات كثيرة من أجل أن تؤكد حقيقة واحدة.

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)﴾

( سورة يوسف )

هناك آيات أخرى:

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾

(سورة محمد: 19)

آية تقريرية موجزة، وأحياناً تأتي صورة:

﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ(45)﴾

( سورة الحج )

﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ﴾

( سورة البقرة: 261)

التنويع بين المثل والقصة، والتقرير، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، والخبر والإنشاء، والحظ والإسهاب، والنداء والتَرَجِّي، والتمني.. هذا التلوين الشديد في أساليب عرض القرآن الكريم إنما هو رحمة منه، لعل قلوبنا تهفو إليه، من أجل أن نقرأه، وأن نطبقه، وأن نسعد به.

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِيَذَّكَّرُوا﴾

قال العلماء:

﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾

بمعنى ليتدبروا، ومعنى التدبر أن تدرك معنى المعنى، لكل آية معنى ظاهري، وخلف هذا المعنى الظاهري معنى آخر أخفى ومقصود، كما قلت قبل قليل:

﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾

المعنى الظاهري أنك منهي عن أن تقول لوالديك: أف، فإذا أخذنا الآية على ظاهرها فلنا الحق في الإساءة لوالدينا، لنا الحق أن نقذع لهما في الكلام، لكننا لم نقل كلمة أف ! هذا المعنى ظاهري، أما التدبر فأن تعرف ما وراء المعنى الظاهري، هناك معنى ظاهري، وهناك معنى عميق مقصود، وهذا معنى التذكر.

﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)﴾

( سورة الحجر)

اليقين الموت، لم يقل الله عز وجل: حتى يأتي الموت، لا، هو الذي سيأتي إليك مفاجأة في ساعة لست مستعداً لها، وما من ميت يموت إلا وفي ذهنه آمال، وأعراض، ومشروعات، وطموحات، وخيالات، وتمنيات لا تنقضي في عشرين عاماً قادمة، جاء الموت، لا تقل: إنك مشغول، فلا يوجد ميت ذهب إلا وكان مشغولاً ! ولا يوجد إنسان توفي إلا وعليه قائمة أعمال، مات ولم تنته، ولذلك اشتغل بذكر الله، اعتزل ذكر الأغاني والغزل، ولا تنس ذكر الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾

( سورة المائدة: 11)

محال أن تذكره، ولا يذيقك طعم القرب منه.

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِيَذَّكَّرُوا﴾

اقرأ القرآن، وتأمل في آياته، واسأل عنها، واحضر مجالس العلم، واسأل عن تفسيره، وتفهم الآيات، واعرف مدلولاتها، وأبعادها، ومؤداها وتطبيقها العملي.

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً (41)﴾

لماذا ؟ لأن أهل الشرك، وأهل النفاق، وأهل الأهواء، هؤلاء شهواتهم غالية عليهم، هؤلاء اتخذوا إلههم هواهم، فإذا جاء القرآن على الرغم من وعده ووعيده، وصوره وتقريره، وتفصيله وإيجازه، وعلى الرغم من أمره ونهيه، كل هذا التلوين يزيدهم نفوراً، لأن القرآن في زعمهم سيحد من شهواتهم، وسيوقفهم عند هذا الحد، ومع أن الحقيقة الكبرى:

(( مَا كَانَ اللَّه لِيُعَذِبَ قَلْبَاً بِشَهْوَةٍ تَرَكَهَا صَاحِبُهَا فِي سَبِيلِ اللَّه ))

[ذكره أبو نعيم في الحلية من قول أبي سليمان الداراني]

إذا التفت إلى الله غسل الله لك قلبك من السوى ! وهذه التعلقات، وهذه التمزقات والصراعات، وهذا التشعب والتشتت والتبعثر، وهذا التعدد، وهذه الازدواجية، وهذه الأغراض كلها أنت معافى منها، إذا عرفت الله عز وجل، تتوحد وجهتك، وتكتمل شخصيتك، يتحدد هدفك، وتختار لهذا الهدف الوسائل الناجحة الرائعة، وإن هذا كله يؤكد أنك إذا عرفته عرفت كل شيء، وإن فاتك، فاتك كل شيء، ابن آدم اطلبني تجدني، وإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك، فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء.

﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً (41)﴾

بمعنى أن أهل الشرك يتوهمون أن في التدين حداً لشهواتهم، لنأخذ موضوع النساء فقط، لو أنك استقمت على أمر الله، وغضضت البصر عن النساء اللاتي لا يحل لك أن تراهن، لأنعم الله عليك بالوفاق الزوجي، فالله عز وجل يلقي المودة والمحبة بينكما، ويوفق ويجمع بينكما على خير، ويخرج منكما الكثير الطيب، وتحفكما ملائكة الرحمن، فهذا البيت مقدَّس مبارك، فيه وفاق ووئام ومحبة، فيه مؤاثرة وتضحية، وهدوء وسكينة، فإذا كان الله بين الزوجين كان التوفيق حليفهما، وإذا كان الشيطان بينهما كان الشقاق والخصام والنكد والغضب، والحياة الخشنة الصعبة، لذلك:

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾

( سورة طه)

﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً (17)﴾

( سورة الجن)

إذا تناول أحدكم دواء، ولم يؤثّر فيه يرفع الطبيب درجته، كلما قلّ تأثير الدواء رفع الطبيب مقدار الكمية الفعالة في الدواء ‍‍‍!

﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً (17)﴾

لذلك فإذا بني الزواج على معصية الله عز وجل تولى الشيطان التفريق بين الزوجين، وإذا بني على طاعة الله عز وجل تولى الرحمن التوفيق بينهما، شيطان يتولى التفريق، قال عليه الصلاة والسلام:

(( لَيسَ مِنَّا مَنْ فَرَّقَ ))

[ورد في الأثر]

فإذا كان لإنسان دور التفريق فهو شيطان !

﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً (35)﴾

( سورة النساء)

وتوفيق الله للحكمين بين الزوجين منوط أن يريدا الإصلاح، فإذا أراد الحكمان الفراق لم يوَفّقا إلى الإصلاح.

﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً (42)﴾

هذه الآية دقيقة جداً، العرب في الجاهلية كانت تعبد أصناماً من دون الله، وتزعم أن هذه الأصنام تقرِّبها إلى الله زلفى، فالله سبحانه وتعالى يقول: هذه الآلهة التي تزعمون أنها تشاركني في الألوهية، وهذه الآلهة بزعمكم أنها تعبدني أيضاً، إذاً ليست آلهة، فلماذا أنتم أيها المشركون لا تعبدون الله عز وجل وحده دون أن تشركوا به ؟ هذا هو المعنى الأول.

﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾

وبالمناسبة كلمة: (لو )حرف امتناع لامتناع، العملية كلها فرضية، لو جئتني لأكرمتك، أنت لم تأت، وأنا لم أكرمك، فـ (لو)تُسَمَّى حرف امتناع لامتناع، وتجتهدون في عبادتي بزعمكم أنها أقرب إلى الله منكم ! وأنتم تتخذونها وسيلة مقربة، فمادامت هذه الآلهة تعبد الله إذاً ليست آلهة، وهذا كلام متناقض، لأنها تبتغي هي إلى ذي العرش سبيلا، وذو العرش هو الله عز وجل، العلي الأعلى، تبتغي إليه سبيلا، إذاً هي تعبد مثلكم، إذاً هي ليست آلهة، وهذا هو المعنى الأول.
أما المعنى الثاني:

﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً (42)﴾

لو كانوا فعلاً آلهة، لكانوا أرادوا أن يصلوا إلى ذي العرش ليحلوا محله، وينازعوه هذا العرش،

﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾

(سورة الأنبياء: 22)

المَركب له رُبَّان واحد، والطائرة لها رُبَّان واحد، والثاني احتياط، أما الذي يقودها في الجو فشخص واحد، وفي الأرض واحد، فأي عمل، وأي دائرة، أو مدرسة، أو أي مجال للعمل لا بد له من قائد،

﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾

هؤلاء الآلهة المزعومة، كلمة (لو )شيء افتراضي، لو أنها حقيقة آلهة لابتغت إلى ذي العرش سبيلا، أو لاتجهت إليه لتنازعه العرش، ولكان الخصام والقتال والمنازعة، والشيء الذي لا يعقل.
إذاً لا المعنى الأول، ولا المعنى الثاني وقع، العملية كلها افتراضية، لكنها مناقشة علمية لهؤلاء الذين يزعمون أن مع الله آلهة أخرى.
في الآية الماضية فاتني التعليق على فعل (صرَّف )، لدينا في اللغة صرّف وصَرَفَ، قَطَعَ وقطّع، غَلَقَ وغلّق، كَثَرَ وكثّر، قَطَع اللحم أي: قطعه قطعتين، أما قطّعها جعلها آلاف القطع، التشديد في الفعل الماضي يفيد التكثير، صَرَفَ أي فيها أسلوبان، أما صرّف ففيها مئة أسلوب، فالفعل الثلاثي المضعف يفيد معنى التكثير والمبالغة، كسر الإناء قطعتين، أما كسّره سحقه تحت قدميه، كَسَرَ، وكسّر، وغلّقت الأبواب، غَلَق الباب، أما غلّقه أرتجه، وأحكم إغلاقه، فإذا استخدمت الفعل الماضي الثلاثي الذي عينه مشددة ففيه معنى المبالغة، ومعنى التكثير، ربنا قال: ولقد صرَّفنا أي: أكثرنا من الأساليب البلاغية.

﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً (42) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً (43)﴾

لذلك كلمة: (سبحان الله )تنزيه لذات الله عما لا يليق به، وكلما سمعت عن الله شيئاً لا يليق به فقل: سبحان الله، هو أعظم، وأرفع، وأجلّ، وأعظم من أن يكون كذلك، هذا هو التسبيح.

﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً (43) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾

وكأن السماوات عاقلة لأنها تسبِّح، والعلماء لهم آراء متعددة في فهمها:

﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ ﴾

السماوات كلها، والأرض كلها،

﴿وَمَنْ فِيهِنَّ﴾

في السماوات والأرض، من الملائكة والإنس والجن،

﴿وَمَنْ فِيهِنَّ﴾

المقصود بهن الملائكة والإنس والجن، السماوات السبع والأرضون السبع، ومن فيهن تسبح الله عز وجل، فيا أيها الإنسان، يا من خلق لك الكون من أجلك.

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾

( سورة البقرة: 29)

وخلق لكم ما في الأرض والسماوات والأرض، وسخر لكم ما في السماوات والأرض، الكون كله يسبح الله، وقد سخّر من أجلك.
وأنت أيها الإنسان المكرم، يا من سخّر لك الكون كيف تغفل عنه ؟ وأنت الغافل إلى متى ؟

أيا غافلاً تبدي الإساءة و الجهـلا متى تشكر المولى على كل ما أولى
عليك أياديه الكرام و أنت لا تراها كأن العين عميــــاء أو حـولا
لأنت كمزكوم حوى المسك جيبـه و لكنه المحروم ما شمّه أصـــلا
***

أتغفل عن ذكر الله ؟ وكل ما في الكون يسبحه ؟ لو أن رجلاً له أم وله عشرة إخوة، فكان يوم العيد تسعة إخوة له جاءوا أمهم مع الهدايا، ومع التعظيم والتبجيل والاحترام، وهو غائب عن هذا المكان، أيليق بك أيها الإنسان أن تكون الدابة أفضل عند الله منك ؟ وأن يكون الجماد أفضل عند الله منك ؟ وأن يكون النبات كذلك، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ، قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لأَعْرِفُهُ الآنَ ))

( صحيح مسلم)

قال بعضهم: الحجر الأسود، يسلم عليّ وأسلم عليه، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ:

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ يَسْتَنِدُ إِلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا صُنِعَ الْمِنْبَرُ، وَاسْتَوَى عَلَيْهِ اضْطَرَبَتْ تِلْكَ السَّارِيَةُ كَحَنِينِ النَّاقَةِ، حَتَّى سَمِعَهَا أَهْلُ الْمَسْجِدِ، حَتَّى نَزَلَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْتَنَقَهَا فَسَكَتَتْ ))

(النسائي)

جذع النخلة حنّ إليه، والحجر سلم عليه، وأنت لا تعرفه بعد.

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69)﴾

(سورة المؤمنون)

لذلك الإنسان موقفه يوم القيامة موقف الخزي والعار إذا كانت كل الخلائق تسبح الله لا تفتر عن تسبيحه، والإنسان الذي خلق الكون كله من أجله غافل عن الله عز وجل، لذلك:

﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175)﴾

(سورة البقرة)

إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول: يا رب لإرسالك بي إلى النار أهون علي مما ألقى، وإنه يعلم ما فيها من شدة العذاب، وتأتيه النار تلفح وجهه:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواالْعَذَابَ﴾

( سورة النساء: 56)

﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49)﴾

(سورة الدخان)

هذا ما تدعيه في الدنيا، ذق لفح جهنم، فلذلك:

﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾

المعنى الأول: أن التسبيح حقيقي، وإن من شيء فضلاً عن الأرض وما فيها، والسماوات وما فيها، وإن من شيء، ما من شيء، إن حرف نفي، ومن لاستغراق كل شيء، لا يوجد شيء إلا يسبح الله هذا معنى، لكن ما من شيء أي: ما فاتك شيء واحد،

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾

يسبحون بلغة لا تعرفونها، وبعض علماء التفسير قالوا: التسبيح هنا بأن صنعة هذا الشيء متقن، فإذا رأيتها تأملتها، وقلت: سبحان الله، هذا المعنى لا يفسر كل الآية، ولكن لا تفقهون تسبيحهم، فلا بد أن هناك تسبيحاً حقيقياً لكل مخلوق خلقه الله عز وجل، ولكن مادية الإنسان وحجبه الكثيفة تحول بينه وبين أن يرى تسبيح من حوله، ولذلك عَنْ حَنْظَلَةَ قَالَ:

(( كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَعَظَنَا فَذَكَّرَ النَّارَ، قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ إِلَى الْبَيْتِ فَضَاحَكْتُ الصِّبْيَانَ، وَلاعَبْتُ الْمَرْأَةَ، قَالَ: فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: وَأَنَا قَدْ فَعَلْتُ مِثْلَ مَا تَذْكُرُ فَلَقِينَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَافَقَ حَنْظَلَةُ، فَقَالَ: أمَهْ، فَحَدَّثْتُهُ بِالْحَدِيثِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَأَنَا قَدْ فَعَلْتُ مِثْلَ مَا فَعَلَ، فَقَالَ: يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً، وَلَوْ كَانَتْ تَكُونُ قُلُوبُكُمْ كَمَا تَكُونُ عِنْدَ الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ حَتَّى تُسَلِّمَ عَلَيْكُمْ فِي الطُّرُقِ ))

( صحيح مسلم )

كلما ارتقيت إلى الله عز وجل شفَّت نفسك، فإذا شفت نفسك رأيت ما لا يراه الآخرون، وسمعت مالا يسمعون، ولذلك فهذه الحالة يسميها الصوفيون حالة الكشف، تنكشف لك الحقائق، ترى:

وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
***

ترى الله عز وجل، وترى عظمته في كل شيء،

﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾

(سورة الملك: 3)

أيّ شيء تقع عينك عليه تراه يسبح الله عز وجل:

﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً (44) وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً(45)﴾

هذا القرآن الكريم لا يستطيع أن يصل إلى معانيه إلا من كان طاهر القلب من الشرك والنفاق، لأن الإنسان إذا تلبس بالمعصية كان القرآن في عمًى، كما قال الله عز وجل:

﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً (82)﴾

أي: عمىً عليهم.
قد يقرأ الإنسان المعرض القرآن فيفهمه فهماً معكوساً، وقد لا يتأثر به، فالقرآن يحتاج إلى نفس طاهرة مخلصة من كل شرك، ومن كل دنس، ومن كل معصية.

﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً (45) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً(46)﴾

الله عز وجل إذا رأى من العبد عبادة وإنابة وتوبة وإخلاصاً فتح قلبه لذكره، وشرح الله صدره للإسلام، أما إذا رأى في قلبه شهوة، وفي سلوكه نفاقاً، وفي عمله رياءً، وأن له مطالب أرضية، وأن الدنيا أكبر همه، ومبلغ علمه، كان بعيداً عن كتاب الله بعد الأرض عن السماء، فالأصل أن تكون طالب حق، وأن تكون صادقاً ومخلصاً وطاهراً، وعندئذٍ تتفتح مشاعرك، وينفتح قلبك لهذه المعاني التي أنزلها الله عز وجل.
فسبحان الله ‍! في كتاب الله معانٍ لا تنتهي، وكلما ازددت قرباً من الله عز وجل كُشفت لك المعاني، فقد تقرأ سورة، وتقول: والله كأنني أقرها أول مرة، وكأن الله عز وجل سمح لك هذه المرة أن يكشف لك عن بعض المعاني التي لم تكن مكشوفة لك من قبل.

﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً (45)﴾

﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾

(سورة هود: 28)

هذه الرحمة التي آتاها الله أنبياءه وأحبابه عميت على بعض الناس، ولذلك فالمؤمن في نفسه شعور بالغنى بأنه عرف الله عز وجل، فهل يرضيه من الدنيا كل شيء ؟ لكن أهل الدنيا لا ترضيهم إلا الدنيا، فإذا زالت عنهم أو نقصت أو قلت انهارت نفوسهم وتمزقوا.

﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً (45) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾

كأن على القلب سداً، قال تعالى:

﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)﴾

( سورة يس )

والنبي عليه الصلاة والسلام كان مع صاحبه الصدّيق في غار حراء، وقعت عين بعض المشركين على سيدنا الصديق فقال: لقد رأوني، قال: يا أبا بكر ألم تسمع قوله تعالى:

﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (198)﴾

( سورة الأعراف )

﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً﴾

( سورة يس: 9 )

وفي السيرة النبوية قصص كثيرة، كيف خرج النبي يوم الهجرة من بيته، فالله جعل على عيونهم سداً لئلا يروه.

﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً (46)﴾

إذا عزوت إلى الله الأمور، فإذا قلت: لا إله إلا الله، ولا معز إلا الله، ولا مذل إلا الله، ولا معطي إلا الله، ولا مانع إلا الله، بيده الخلق والأمر، إليه يرجع الأمر كله، هو كل شيء،

ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
***

إذا فعلت ذلك،

﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً (46)﴾

أما إذا أشركت، وقلت: زيد وعبيد، وفلان وعلان، وفلان بيده هذا، وفلان بيده هذا، وهذه تحل عند هذا، وهذه مفتاحها هذا، إذاً بدأ الشرك ينساب من شفتيك، وتجمع الناس حولك، وأصغوا إليك، وتعاطفوا معك، فإذا ذكرت الله وحده.

﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً (46)﴾

لذلك إذا أردت أن ينفض عنك من لا ترجو منه هدى فاذكر الله وحده، هذا الذي في قلبه شرك ونفاق لا يحتمل أن يذكر الله وحده.

﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً (46) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً (47)﴾

في ندواتهم وخلواتهم، ولقاءاتهم وفي سهراتهم، وفي نزهاتهم، إذا جاء ذكر المؤمنين وذكر النبي الكريم عليه الصلاة والسلام يقولون: هذا رجل مسحور.
ِ

﴿ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً (47)﴾

تأتيه الشياطين، ويهذي، ويقول كلاماً غير معقول، قالوا: مجنون، وساحر، وشاعر، وكاهن، اتهموه بالكهانة والسحر والشعر.. والله سبحانه وتعالى برّأه.

﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)﴾

( سورة القلم )

وأحياناً يكون للإنسان أقرباء من أهل الدنيا، رأوه مستقيماً ورعاً حريصاً على دينه يقول: هذه حرام، وهذه حرام، وهذه لا تجوز، وإني أخاف الله رب العالمين، فقد يسخرون منه، وقد ينعتونه ببعض النعوت، بالجمود، والقوقعة، والتزمت، وأنه لا يعرف الحياة، وأنه جاهل، فليفرح بهذه التهم، فهذه أوسمة شرف ! ولا تسمع لإرضائهم، فإرضاؤهم لا يجدي.

﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾

النبي الكريم عليه الصلاة والسلام دخل إلى مجالسهم، وتلا عليهم بعض الآيات من القرآن، فلما خرج تحاوروا، وتناقشوا، واختلفوا، واتهموه بأنه ساحر، وأنه مجنون، وأنه شاعر، وأنه كاهن:

﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً (47)﴾

هذا مسحور.

﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (48)﴾

حينما تناول أحد المشركين عظماً، وفتّته قال:

﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78)﴾

(سورة يس)

ويقول هذا بكل فلسفة، أمسك بالعظم وفتّته.

﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79)﴾

(سورة يس)

﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (48) وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (49) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً (50) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾

لو أنكم كالجبال تعادون إلى ما كنتم عليه.

﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾

بمعنى: يهزون رؤوسهم استهزاءً، وأحياناً تتكلم مع رجل فتعطيه حجة دامغة، أنت أفحمته، لكنه غير مقتنع داخلياً، مصرّ على شهوته، فماذا يفعل ؟ يهز رأسه استهزاءً.

﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً (51) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً(52)﴾

ولقد قال العلماء: حينما يُدعى الناس ليوم البعث والنشور يقال:

﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)﴾

( سورة يونس )

وحينما يبعثون على حمد الله، وحينما ينتهي الحساب على حمد الله، لأن الله سبحانه وتعالى يحمد على كل شيء.

﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)﴾

أيّ شيء ساقه الله لك في الدنيا حينما تكشف لك الحقيقة، ويكشف الغطاء تقول: الحمد لله، لا تملك إلا هذه الكلمة، لأن الله عز وجل حكمته ورحمته مطلقة، وعدله وكماله مطلق، ولذلك إذا انكشف لك الحق لا تملك إلا أن تقول: الحمد لله، إذا دخل إنسان غرفة عمليات، وبقي خمس ساعات، ثم رأى الحصاة الكبيرة التي انتزعت من كليته، والعملية نجحت رغم الآلام، ورغم المتاعب والمخدر، فلا يملك إلا أن يقول للطبيب: لك الشكر، فالإنسان يوم القيامة حينما يرى الحقيقة لا يملك إلا هذه الكلمة، ولو أن الله عز وجل ساقه إليها.

﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018