الدرس : 05 - سورة الإسراء - تفسير الآيات 32 – 39 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 05 - سورة الإسراء - تفسير الآيات 32 – 39


1987-07-24

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما، ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماُ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، وردت آية النهي عن الزنى بين آيتي النهي عن القتل !

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾

 ( سورة الإسراء: 31)

﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾

 ( سورة الإسراء: 33)

 جاءت بينهما آية النهي عن الزنى.

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً (32)﴾

 ( سورة الإسراء: 32)

 فبعض العلماء استنبط من أن تكون آية النهي عن الزنى بين آيتي النهي عن القتل أن الزنى نوعٌ من أنواع القتل، ولكن هذا القتل قتلٌ معنوي، وليس قتلاً مادياً، فهذه المرأة التي تقع في الزنى كأنك قتلتها فأخرجتها من إنسانيتها، وأبعدتها عن مهمتها المقدسة، وعن الوظيفة العليا التي خلقت من أجلها، وعن أن تقوم بدورها الطبيعي الإنساني.
 بدل أن تكون أمًّا، زوجةً مخلصةً لزوجٍ وفيٍ، وبدل أن تكون أماً لأولادٍ مهذبين، وبدل أن تكون جدةً يشع منها الخير والعطف والحنان، جعلتها مومساً، ساقطة، بلا معيل، وجعلتها حين يزوي جمالها في الحضيض.

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً (32)﴾

 فالقتل نوعان: قتل النفس قتلاً مادياً، وقتلها قتلاً معنوياً، ولذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾

 (سورة البقرة: 191)

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾

 ليس النهي في هذه الآية عن ارتكاب الزنى ! ولكن النهي عن الاقتراب من الزنى، فأي شيء يقربك إلى الزنى أنت منهي عنه بنص هذه الآية، فالنظر إلى النساء خطوة أولى نحو الزنى، والحديث معهن حديثاً فيه لين، كذلك خطوة إلى الزنا، ومجالسة أهل الزنى والاختلاط، وقراءة الأدب الرخيص، ومشاهدة الأشياء التي تسبب إثارة المشاعر، ومتابعة التمثيليات الفاضحة كلها خطوة إلى الزنا، وربنا سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾

 

 لم ينهنا الله عز وجل عن الزنى فحسب ! بل نهانا عن أن نقترب منه، ويبدو أن الشيء الذي له قدرة على الجذب، المعصية التي لها القدرة على الجذب، نهانا الله سبحانه وتعالى عن أن نقترب منها، أو أمرنا أن نجتنبها، والاجتناب أن تبقي بينك وبينها هامش أمان، وهذا هو الاجتناب، لقوله تعالى:

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾

 ( سورة البقرة: 187)

 وفي آية أخرى:

 

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾

 

 ( سورة البقرة: 229)

 من الموازنة بين الآيتين الكريمتين يتضح أن بعض المعاصي يجب أن تبقي بينك وبينها هامش أمان ! وبعض المعاصي أنت منهي عن أن تقع فيها فقط من دون هامش، يبدو أن المعاصي التي تتصل بالشهوات الأساسية التي أودعها الله في الإنسان أُمِرنا أن نجتنب أسبابها، وأُمرنا أن لا نقترب منها، لذلك ربنا سبحانه وتعالى قال:

 

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً (32)﴾

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( الْعَيْنُ تَزْنِي، وَالْقَلْبُ يَزْنِي، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا الْقَلْبِ التَّمَنِّي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ مَا هُنَالِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ ))

[أحمد في المسند]

 وهناك الزنى المعروف، إذاً الجوارح تزني ! لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( إن النظر سهم من سهام إبليس مسموم، من تركها مخافتي أبدلته إيمانا يجد حلاوته في قلبه ))

[أخرجه الطبراني عن ابن مسعود]

 وعَنْ جَرِيرٍ قَالَ:

(( سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَظْرَةِ الْفَجْأَةِ فَقَالَ: اصْرِفْ بَصَرَكَ ))

 (سنن أبي داود)

 كل هذه الأحاديث إنما هي مستنبطة من هذه الآية:

 

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً (32)﴾

 

 الاختلاط والنظر والمصافحة والحديث والمشاهدة، مشاهدة بعض البرامج الفاضحة، ومتابعة بعض الأعمال الفنية الرخيصة، وقراءة الأدب الرخيص، ومصاحبة الأراذل، مع أن الفقهاء اجتمعوا على أن هناك مجموعة كبيرة من البنود التي إذا فعلها الرجل المسلم جُرِحت عدالته، ومن هذه البنود: صحبة الأراذل، والأكل في الطريق، والمشي حافياً، والحديث عن النساء، وتطفيف بتمرة، وأكل لقمة من حرام، ومن أطلق لفرسه العنان، ومن قاد بِرذَوناً، ومن تنزه في الطريق، ومن علا صياحه في البيت، ومن لعب بالشطرنج، ومن بال في الطريق.... كل هذه الأعمال تجرح العدالة، أما الكذب والظلم والإخلاف فهذا يسقطها، من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته، إذاً هناك حكمة بالغة من هذا النهي:

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾

 فلو أن الله عز وجل قال: ولاتزنوا لكانت كل هذه المقدمات مباحة، ولكن الله عز وجل يقول:

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً (32)﴾

 الزنى طريق غير مشروع لإرواء هذه الشهوة، فما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها طريقاً مشروعاً، ومتنفساً طبيعياً، وقناة نظيفة، تماماً كما لو أن الوقود الذي في مستودع السيارة إذا سار في أنابيبه المحكمة، وانتقل إلى الموزع، فإلى غرفة الانفجار، فأنشأ هذا الوقود السائل حركة تعود علينا بالنفع العميم، فإذا خرج هذا الوقود عن مساره الطبيعي، وألقي فوق المحرك، وجاءته شرارة، أحرق السيارة، كذلك الشهوة سلاح ذو حدين، إما أن يكون قوة نافعة، وإما أن يكون قوة مدمرة تصور إنساناً استقام على أمر الله قبل زواجه، وغض بصره عن محارم الله، وعف، وصبر عن الحرام حتى جاءه الحلال، فأكرمه الله عز وجل بعد هذا الصبر، وهذه العفة، وهذا الورع، وتلك الاستقامة، وأكرمه الله بزوجة صالحة، إن نظر إليها سرته، وإن غاب عنها حفظته، وإن أمرها أطاعته، وأنجب أولاداً، وكان بيته بيتاً إسلامياً، ترفرف عليه المحبة والمودة، والعطف والإخلاص، والوفاء والطهر، إلى أن شدّ الأولاد في هذه الأجواء الصحيحة، تحسّ أن هذه الشهوة التي أودعها الله في الإنسان هي سبب كل هذه السعادة، لا رقي في الجنة من دون هذه الشهوات، لكن الشر يتأتّى من سوء استخدامها ‍من خروج صاحبها عن مسار الشرع، لخروجه عن الطريق الصحيحة التي رسمها الله لنا، فلا تقربوا الزنى، الزنى محرم، والزواج حلال، الربا حرام، البيع حلال، والخمر حرام، مئات المشروبات حلال، المشروب الذي حرمه الله علينا يقابله أنواع منوعة من المشروبات التي أحلها الله لنا ! وهذا الطريق القذر في قضاء الشهوة حرمه الله علينا، بينما أباح الزواج، إنك مطمئن.

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً (32)﴾

 الحقيقة أنّ المعاصي كثيرة، ولكن الزنى خُصّ بهذا الوصف، إنه كان فاحشة لأنه من أقبح المعاصي ! إنه معصية له آثار خطيرة، آثار اجتماعية، وآثار شخصية، فيه فضيحة، فقد ينقلب الزنى إلى قتل، وجرائم القتل التي مبعثها الزنى لا تعد ولا تحصى، بل إن عند ضباط التحقيق في المباحث الجنائية قاعدة: " فتش عن المرأة في كل جريمة "، وفي كل قضية فتش عن المرأة، إذاً:

﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾

 أشد الناس استهتاراً إذا أراد الزواج يبتغي من زوجته أن تكون عفيفة وشريفة، إذاً:

 

﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾

 

 

 وسبحان الله ! الأخبار المتعلقة بالزنى تسري كالنار في الهشيم ! تفوح بسرعة، تتناقلها الألسنة، فلذلك موضوع الزنى موضوع يسبب دماراً وتحطيماً، والنبي عليه الصلاة والسلام ذَكَر عن طلاق المرأة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ، فَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا، وَكَسْرُهَا طَلاقُهَا ))

 ( صحيح مسلم)

 فالمؤمن قبل أن يطلّق يحسب ألف حساب، فلعل في هذا الطلاق تجنياً، ولعل فيه ظلماً، ولعل فيه تجاوزاً، لأنه إذا تجاوز حده فالله سبحانه وتعالى قد يرزقها خيراً منه، وقد يؤدبه بزوجة تقلب له ظهر المجن.
 تروي الكتب القديمة أن زوجاً كان يجلس مع زوجته وقد طرق الباب، وإذا بالباب مسكين، فهمَّت هذه الزوجة الصالحة الوفية التي ابتلاها الله مع هذا الزوج الشرس أن تعطيه بعضاً من الطعام الذي بين يديه، فما كان منه إلا أن وبّخها، وكاد يضربها، وقال: اطرديه، بعد أيام أو أشهر ساءت العلاقة بين الزوجين إلى أن حمله ذلك على طلاقها ! فلما طلقها رزقها الله زوجاً صالحاً عرف قيمتها، وعرف قدرها وحجمها الحقيقي، أما الزوج الأول فساق الله له زوجة أرته النجوم في الظهر كما يقولون ! وتروي هذه القصة أن هذا الزوج كان مع زوجته الصالحة، فإذا الباب يطرق، فلما ذهبت لتفتح الباب عادت مضطربة، قال لها: ما بك ؟ قالت: سائل يسأل، قال: أراك مضطربة، اضطربت، وتلعثمت، وقالت: أتدري من السائل ؟ قال: لا، قالت: إنه زوجي الأول ! فقال: أتدرين من أنا ؟ قالت: لا، قال: أنا السائل الأول ! وكسر المرأة طلاقها.
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ ))

 ( صحيح البخاري)

 قال تعالى:

 

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً (32)﴾

 

 هذا الماء الذي أودعه الله فيك ليكون غلاماً أو فتاة لينفع الناس من بعدك سفحته في غير مكانه الطبيعي ! إذا سفح الماء في غير مكانه الطبيعي فلو أن الحمل وقع لكان هذا المولود غير مرغوب فيه، وكثيراً ما يجد عمال التنظيفات في بعض البلدان المتقدمة ـ بمقياس العصر ـ تقدماً صناعياً الأطفال في حاويات القمامة ! أو في زوايا الحدائق، أو في أطراف المهاجع، وهذا الطفل الذي يأتي من حرام غير مرغوب فيه، لا يعرف له أب، وأمه تتمنى الخلاص منه ! أما إذا جاء الابن من طريق مشروع فإنه ضيف مرغوب فيه، وينتظره الأب والأم على أحر من الجمر، ويُعِدُّون له كل إكرام، ويأتي الناس جميعاً من كل حدب وصوت ليهنئوا بمجيء هذا المولود.

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً (32)﴾

 والنبي عليه الصلاة والسلام تحدّث عن آخر علامات الزمان، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

(( يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ: خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ، لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ))

(سنن ابن ماجه )

 وهذا الشيء تحت سمعنا وبصرنا ‍، مرض الإيدز أكبر ما يقلق العالم الغربي، حتى إنه دخل في خطابات رؤساء الدول، ورؤساء الحكومات الموجهة إلى شعوبهم ! إنه العدو الأول كما قال بعضهم لهذا الشعب المنحل، هذا المرض أسبابه الفحش، والطريق غير المشروع في تحقيق هذه الشهوة التي أودعها الله في الإنسان، إذاً:

(( لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا ))

 وما أكثر الأمراض التي تظهر بسبب الانحراف الخلقي، الله سبحانه وتعالى في آية كريمة حينما تحدث عن عباد الرحمن قال:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

 (سورة الفرقان)

 ثم تأتي الآية الكريمة:

 

﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾

 

 (سورة الفرقان: 68)

 هذه ( لا ) ليست ناهية، إنما هي نافية، فالله سبحانه وتعالى ينفي عن المؤمن أن يكون زانياً.

 

﴿وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68)﴾

 

 (سورة الفرقان)

من يَزْنِ يُزْنَ به ولو بجداره  إن كنت يا هذا لبيباً فافهم
***

 شيء آخر، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( مَا كَانَ اللَّه لِيُعَذِبَ قَلْبَاً بِشَهْوَةٍ تَرَكَهَا صَاحِبُهَا فِي سَبِيلِ اللَّه ))

[ذكره أبو نعيم في الحلية من قول أبي سليمان الداراني]

 أي: إذا غضضت بصرك عن محارم الله ما كان الله ليعذبك في هذه الشهوة، يلقي في قلبك برداً وسلاماً، وطمأنينةً وصفاءً.
الحقيقة لمَّا يعف الشاب عن الحرام يكون قد هيأ لنفسه جواً يساعد على بناء مستقبله، فإذا حقق أهدافه لنيل شهادةٍ عاليةٍ، أو تحقيق عملٍ جيدٍ، أو دخلٍ جيدٍ، أتقن عملاً أو حرفةً، أو حصل على شهادةٍ، عندئذٍ إذا بحث عن الزواج كان له ميسراً، والله سبحانه وتعالى يوفقه إلى ذلك، ومن طلب الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.
 وأكثر شيئين يقع فيهما الإنسان في المعاصي، قضاء الشهوات، وكسب الأموال، لذلك تسعون بالمئة من المعاصي إما من طريق لذةٍ محرمةٍ اقتنصها الإنسان، أو من طريق درهمٍ حرامٍ كسبه، فلو تَرَفَعَ المؤمن عن النظر إلى النساء، وعن الكسب الحرام لكان في حصنٍ وأي حصن.
 لذلك ففي الإنسان نقطتا ضعفٍ كبيرتان، هما حب المال وحب الشهوات، فإذا استقام المؤمن، وحصَّن نفسه من هاتين النقطتين، فقد كان محصناً، وكان في منأىً عن وساوس الشيطان.

 

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً (32) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾

 المعنى الأول: النفس هي النفس الإنسانية، والإنسان كما قال النبي الكريم بنيان الله، وملعون من هدم بنيان الله، هذا الإنسان مخلوق خلقه الله عز وجل وكرمه، وسخر الكون كله من أجله، أتقتله أنت ؟

 

 

﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾

 أي: ولا تقتلوا النفس الإنسانية التي حرم الله قتلها، ولا يزال المسلم بخير ما لم يسفك دماً ! وقد حرم الله قتل النفس الإنسانية لأنها مخلوق له، ولأن هذا المخلوق خلق ليعبده، خلقت لك ما في السماوات وما في الأرض فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك لا تتساهل بما ضمنته لك عما افترضته عليك، فالإنسان بنيان الله، وملعون من هدم بنيان الله أو من عذبه.

 

 

﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾

 

 معنى آخر: أن أيّ نفس خلقها الله عز وجل وحرم قتلها لا ينبغي لك أن تقتلها، فهناك حشرات مكانها الطبيعي تحت الأرض، إذا تتبعتها إلى مكامنها وبيوتها وقتلتها وقعت في الإثم ! وإذا خرجت عن حدودها فقد أصبحت مؤذية للإنسان فعندئذٍ تقتلها، أي: لا ينبغي أن تبحث عن وكر الحية من أجل أن تقتلها، فإذا خرجت فاقتلها، ولو كنت في الصلاة، الحية والعقرب يقتلان، ولو كنت في الصلاة، لأن الحية والعقرب خرجتا من مكانهما الصحيح، فليس كل حيوان يقتل، وهناك إنسان كلما وجد حشرة يقتلها، أو يدوسها، لا يجوز ‍‍‍، هذه نفس.
 حدثتكم كيف أن الله سبحانه وتعالى ينتقم أشد الانتقام، ويبطش أشد البطش ممن يعتدي على حيوان حرم الله قتله.
 وإنسان يقود سيارة أراد أن يتسلى رأى كلباً على يمين الطريق، وقد مدّ يديه فداسهما بعجلات سيارته ! وصار يضحك، كيف أنه قطع يدي هذا الكلب ! فلم يمض أسبوع حتى فقد يديه من الرسغين في المكان نفسه ! لقد أصاب العجلة خلل فاضطر أن يستبدلها، فرفع السيارة على الجهاز المعروف، وحل البراغي، وسحب العجلة، فإذا الجهاز الذي يرفع السيارة قد انحرف، ووقعت السيارة على العجلة، والعجلة بحدها الدقيق وقعت على يديه فقطعتهما ! في المكان نفسه.

﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾

 المعنى الأول: الإنسان، الإنسان مكرم.
 والمعنى الثاني: أيُّ مخلوق.

﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)﴾

 ( سورة النمل)

 استنبط العلماء أن المؤمن لا يدوس نملة وهو يشعر أبداً.

 

﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾

 

 القاتل يُقْتَل، قال تعالى:

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)﴾

 (سورة البقرة)

 حياة لكم، ما دام القاتل يُقْتَل فالقاتل قبل أن يَقْتُل يحسب حساب القَتْل، فلا يَقْتُل، فإذا لم يَقْتُل نجا بنفسه، ونجا خصمه، ونجا المجتمع.

 

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)﴾

 

 فالقاتل يُقْتَل بنص الشرع، والعرب كانت تقول: القتل أنفى للقتل، وما ذلك إلا بالحق، الإنسان يُقْتَلُ من كفرٍ بعد إسلام، ومن زنىً بعد إحصان، ومِنْ قَوَدٍ بنفسٍ، وهناك بعض الأحاديث تبين أن الإنسان إذا زنى وهو محصن يرجم حتى القتل، وإذا قتل نفساً يجب أن يُقْتَل، وإذا ارتد وبالغ في العدوان على دين الله عز وجل أيضاً يُقْتَل.

﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾

 السلطان الحجة، والولي هو القريب الذكر، وليس عند الفقهاء وليّة في القتل، ولا بد من وليٍّ، أقرب رجل ذكر لهذا المقتول هو الذي يجب أن يطالِبَ بدمه، هذا اسمه ولي المقتول.

 

﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾

 جعلنا له حجة في أن يقتص من القاتل، وجعلنا له سلطة في أن يقتص من القاتل، ولكن عن طريق الحاكم، وهذا الحد لا يمكن أن يقام إلا عن طريق الحاكم، لئلا تقع الفوضى، فحد القتل محصور بالحاكم، إذ لو تُرِكَ الناس لبعضهم لعمَّت الفوضى، ولذلك:

 

 

﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾

 والعلماء فسروا الإسراف في القتل في اتجاهات ثلاثة: ألاّ تقتل غير القاتل، فهذه العادة الذميمة المنتشرة في الريف، وهي عادة الثأر، أن الذي يقتل منهم قتيلاً لا بد أن يقتلوا من قبيلة القاتل إنساناً، ولو أنه بعيد عن هذه الجريمة، أو لا علاقة له بهذه الجريمة، هذه جاهلية ما بعدها جاهلية، قال تعالى:

 

 

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

 

 ( سورة فاطر: 18)

﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9)﴾

 ( سورة التكوير )

 هذه جاهلية ما بعدها جاهلية، ولذلك فلا يسرف في القتل، ولا ينبغي أن تقتل إلا القاتل، إلا الذي لوث يديه ببناء الجريمة، أما أن تقتل غير القاتل فهذا إسراف، وهذا طغيان، وبغي، وعدوان.
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِي أَيِّ شَيْءٍ قَتَلَ، وَلا يَدْرِي الْمَقْتُولُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ قُتِلَ ))

 ( صحيح مسلم)

 أحياناً توجد الفوضى، ولذلك:

 

﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً (33)﴾

 المعنى الثاني لعدم الإسراف في القتل: ألا تقتل اثنين بواحد ! بل واحداً بواحد، القاتل نفسه، أما أن تقتل مجموعة كبيرة فلا، إلا إذا تواطئوا، وسيدنا عمر قال: " والله لو أن أهل قرية تواطئوا جميعاً على قتل رجل مسلم لقتلتهم به جميعاً "، إذا تواطئوا، استنبطوا هذا من قول ثمود الذين عقروا الناقة، قال:

 

 

﴿فَعَقَرُوهَا﴾

 

 ( سورة هود: 65)

 فالذي عقرها واحد، لكن كل هؤلاء كانوا راضين، بل ودفعوا هذا الذي عقر الناقة، لذلك لو تواطأ جمعٌ غفير على قتل رجل لقتلوا به جميعاً، أما أن تقتل إنسانًا لا علاقة له بالموضوع فهذه جاهلية ما بعدها جاهلية، وهذه العادة مع الأسف متفشية تفشياً كبيراً في الأرياف ! هذه قضية خطيرة اسمها الأخذ بالثأر.

 

﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً (33)﴾

 

 المعنى الثالث: ألاّ تمثل بالمقتول، فالنبي عليه الصلاة والسلام دعي إلى التمثيل ببعض قتلى بدر، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( لا أمثل بهم، فيمثل الله بي، ولو كنت نبياً))

 التمثيل بالمقتول ليس من صفات المؤمن، والمؤمن منهياً عن أن يتخذ بعض البهائم غرضاً، يعني أن تضع دجاجة أمامك، وأن تتمرن على الرمي، فهذا من أشد الأشياء المحرمة، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا ))

[مسلم]

 فإذا كانت دجاجة أو عصفوراً أنت منهي عن أن تقتلها من أجل التدريب، فما قولك بهذا الإنسان المكرم ؟ إذاً الإسراف في أن تقتل غير القاتل، والإسراف في أن تقتل أكثر من واحد بواحد، والإسراف أن تمثل بالمقتول.

 

﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً (33)﴾

 

 الله سبحانه وتعالى أمر أولي الأمر أن يقيموا حدود الله لذلك قيل:

(( إن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن ))

[تفسير ابن كثير]

 وقد نهي المسلم عن أن يسكن في بلد ليس فيه سلطان، فالسلطان يبث في نفوس الناس الأمان.

 

﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً (33)﴾

 

 قال الإمام علي: " سلطان غشوم خيرٌ من فتنة تدوم ".

﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾

 ( سورة الأنعام: 152)

 العدوان على الأقرباء.

 

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾

 

 ( سورة الأنعام: 151)

 والعدوان على كرامة النفس الإنسانية.

 

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾

 والعدوان على النفس الإنسانية بالقتل.

 

 

﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾

 

﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾

 انتبهوا إلى ترتيب هذه الآيات، يجب أن تبقي بين مالك ومال اليتيم هامشاً، كن دقيقاً جداً، فهذا المال أنت محاسب عليه أشد الحساب، ولذلك بين العلماء أولاً: أن الوصي على مال اليتامى إن كان غنياً فيجب عليه أن يستعفف، ومعنى أن يستعفف ألاّ يأخذ على إدارة الأموال شيئاً، وإن كان فقيراً فليأخذ بالمعروف.
 فَسَّر العلماء المعروف أن تأخذ أجر الجهد أو الحاجة أيهما أقل، هناك يتيم دفع إليك ماله لتديره له، وأنت غني فاستعفف، وأنت فقير فخذ من ماله بالمعروف، ما هو المعروف ؟ المئة ألف ليرة ربحت في هذين الشهرين مثلاً عشرين ألف ليرة فرضاً، أجر المثل، لك نصف الربح، ولليتيم نصف الربح، فربحت عشرين ألفًا، لك عشرة آلاف، وله عشرة آلاف، وأنت يكفيك في هذين الشهرين سبعة آلاف، يجب أن تأخذ حاجتك لا أجر المثل، العشرة آلاف ربحت ألفاً في الشهرين، وأنت تحتاج إلى ثلاثة آلاف مصروفاً، فمن هذا الربح لن تنال إلا خمسمئة فقط، يجب أن تأخذ أجر المثل لا الحاجة، لأن أجر المثل أقلّ، يجب أن تأخذ حاجتك أو أجر المثل أيهما أقلّ، هذا رأي الفقهاء في معنى قوله تعالى:

 

﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾

 أشد الشباب ثمانية عشر عاماً، وأشد الكهل أربعون.

 

 

﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾

 

 ( سورة الأحقاف: 15)

 لذلك سن الأربعين من النُذُر التي ذكرها الله في القرآن الكريم.

 

﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾

 

 ( سورة فاطر: 37)

 فسن الأربعين نذير، لأن الإنسان في هذا السن بلغ أشده، وبدأ الميزان يميل نحو النزول، بعد الأربعين أمراض، ضعف بصر، يلزمه نظارة، شاب شعره، التهاب في المعدة، بعد الأربعين الخط قد يستمر قليلاً، وبعدها يبدأ بالهبوط، فالأربعون أحد المعاني التي وجه المفسرون الآية، وموت الأقارب من النذير، والنبي عليه الصلاة والسلام هو النذير، والقرآن الكريم هو النذير، والدعاة المخلصون هم النذر، والمصائب من النذير، والشيب هو النذير، حتى يبلغ أشده، أي: في الثمانية عشر، إذا بلغ اليتيم هذه السن، وآنسنا منه رشداً وحكمة وقدرة على إدارة أمواله دفعنا إليه أمواله، بعد أن نكون قد أخذنا منها بالمعروف، الحد الأدنى، احفظوه أجر المثل أو الجهد أيهما أقلّ، هذا لمن ؟ لمن كان فقيراً، أما لمن كان غنياً فيجب عليه أم يستعفف.
عَنْ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا، وَقَالَ: بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى ))

 ( صحيح البخاري)

﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً (34)﴾

 عهدك مع الله، وعهدك مع النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعهدك مع الذي هداك إليه، وعهدك مع أخيك، وعقد البيع، وعقد الآجار، وأي عقدٍ توَقِّعُهُ مع أخيك المسلم فيما لا يتنافى مع كلام الله، وفيما لا يخالف شرع الله، هذا العهد أنت مأمور أن تفي به،

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾

 

[سورة المائدة: 1]

 أما هنا فوردت:

 

﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً (34)﴾

 

 والله سبحانه وتعالى سيسألك عن هذا العهد لِم ضيعته ؟ لذلك الناس اليوم سريعاً ما ينقضون عهودهم ومواثيقهم لبارقةٍ مِنْ ربح جزيل، أو لمغنم يسير، أو لغرض ضئيل، ينقضون عهودهم ومواثيقهم، فالعرب كانت في أوج أخلاقها تقول: المنيّة ولا الدنيّة، والإنسان قبل أن ينقض عهده يحسب ألف حساب، أما الآن فلأتفه سبب باع البيت، وجاءه بعد أن وقّع عقد البيع مشترٍ آخر دفع له خمسة آلاف فرقاً، فيأتي الشاري الأول، ويقول له: هذا البيت عليه كسوة خارجية، عليك ثمانية آلاف كسوة، أخي أنت لم تقل هذا الكلام، نسيت أن أقول لك، يستفزه، ثم يقول له المشتري: لا أريد هذه البيعة، من أجل خمسة آلاف.
 والله أعرف أسرة جاءها خاطب أخلاقه عالية، ودينه جيد، وخطب ابنتهم، وعقد عقد القران، وسافر إلى بلد عربي، في غيبته جاءهم خاطب آخر أغنى من الأول، فنقضوا عهدهم مع الأول، فماذا فعل الثاني ؟ طلق ابنتهم، وماذا فعل الخطيب الثالث ؟ طلق ابنتهم، وهي الآن بعد الزواج الثالث مطلقة من الثلاثة، فلذلك:

﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً (34)﴾

 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلا قَالَ:

(( لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ، وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ ))

 ( مسند الإمام أحمد)

 لا يوجد عهد، لا يوجد دين، انعدمت الأمانة، انعدم الإيمان.

 

﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً (34)﴾

 

 أمر إلهي، وكل أمر يقتضي الوجوب.

﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً (34) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾

 إن كانت البضاعة تباع كيلاً فاجعل هذا السائل عند الحد الصحيح أو بالميزان، فقد توضع الحاجة في كفة البضاعة بعنف، فإذا بالكفة ترجح فيأخذها سريعاً ويضعها، وهذا لا يجوز، وإذا كان بالمتر فعند لشراء القماش منحنٍ، وعند البيع القماش مشدود، يكاد يتمزق، هذا بيع غير صحيح، فهذا الذي يطفف، قال تعالى:

 

﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5)﴾

 

 ( سورة المطففين )

 فالإنسان بالوزن بالكيل بالمساحة بالعد يكون دقيقاً جداً، لأن في الدنيا القضية تحل، أما في الآخرة فلا تحل.

 

﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾

 وعندما يكون ماء كثير مع البضاعة هذا الماء يزن، إذ تشتري اثنين كيلو من الجبن تجد بهما نصف كيلو ماء مصفاة، تسكب الماء، وتزنه فتجده كيلوًا ونصفاً.

 

 

﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾

 

 تأخذ شيئاً غالياً فتجد الورقة في كفة الوزن، وفي الكفة الثانية لا يوجد غير الوزن، أما السلف الصالح فكانوا يضعون ورقة أخرى في الكفة الثانية، هذا هو الوزن الدقيق الذي لا يُأبَه له محاسب عليه عند الله عز وجل، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِذَا وَزَنْتُمْ فَأَرْجِحُوا ))

 ( سنن ابن ماجة)

 تجد ميزان المؤمن دقيقًا، مروحة تدور في المحل، والبضاعة غالية جداً، توزن بالغرامات، أطفئ المروحة أولاً، ينتبه إلى المروحة أين جهتها، وحينما تصل إلى الكفة تجد أن هناك وزناً عندها يضع البضاعة بسرعة، وهذا احتيال.

 

﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾

 كل شيء يوضع بالوزن والمساحة والعدد والكيل، إن كان فيه رطوبة فهذه الرطوبة لها وزن تحاسب عليها، إن لم تعط المشتري حقه سواء كان هذا الحق وزناً أو نوعاً أو تسليماً أو حجماً، فأنت محاسب.

 

 

﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (35)﴾

 قصة قديمة، رجل أراد أن يشتري برتقالاً من بائع، فحينما وزن له البرتقال دفع لسان الميزان بإصبعه كي ترجح كفة البرتقال، كان ميزاناً يدوياً، فالشاري انتبه، فقال له: يا هذا، أنا غني عن برتقالة أو اثنتين، لكن هذا العمل لن يجلب لك الخير في حياتك، ما كان من هذا البائع إلا أن انفجر بالشكوى، والله لا أحَصِّل قوت يومي من هذا البيع، ومن هذه الطريقة في البيع، وتوجد دكان قريبة من هذا الدكان قال له: اذهب معي، خاطب صاحب الدكان، فقال له: إذا طلب منك هذا البائع شيئاً فأعطه ما يشاء، وسجله علي ! قال له: إذاً بِعْ بيعاً صحيحاً، وإذا نقصت الغلة عن الحد الذي تريد فخذ الفرق من هذا البائع، فهذا البائع بعد فترة أصبح لديه محل تجاري، وصار من تجار الفاكهة لاستقامة الوزن ! فإذا استقام وزن الإنسان فمعنى ذلك أن دينه استقام أيضاً، وإذا انحرف وزنه انحرف دينه، وهذا الميزان دين، ولا مجال فيه.

 

 

﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾

 لكم في الدنيا.
 إذا وزنت بالقسطاس المستقيم فالقسطاس هو الميزان، وإذا وفيت الكيل، وإذا كلت ذلك فهو خير، الله يقول: خير، خالق الكون يقول:

 

 

﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (35)﴾

 والتأويل: هي العاقبة، وإنني أعرف شخصاً زرته قبل عام، وأنا أعرف ابنه، وابنه صديقي، فقال لي: إن هذا الإنسان أجرى فحوصات دقيقة جداً وهو في سن التسعين، ولم يكن في كل هذه الفحوصات شيء غير صحيح، أو غير مثالي، والله هذه نعمة كبيرة، إنسان يجري فحص دم كاملا، وفحص بول كاملا، وتخطيط قلب، وتخطيط دماغ، والنتائج كلها إيجابية، وهو في التسعين، وقد بلغني أن هذا الرجل ما أكل درهماً حراماً في حياته، ولا عصى الله، يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً، هذه العين التي تغض عن محارم الله، الله سبحانه وتعالى يحفظها لك، وهذه اليد التي تستخدمها في فعل الخيرات، الله سبحانه وتعالى يحفظها لك، وهذه الأذن التي ما سمعت إلا الحق يحفظها الله لك سبحانه وتعالى، وهذا اللسان الذي ينطق بالحق يحفظه الله لك سبحانه وتعالى، وهذه الرجل التي سرت بها إلى المساجد، وإلى دروس العلم، وسرت بها إلى فعل الخيرات، يحفظها الله لك سبحانه وتعالى، من عاش تقياً، عاش قوياً، والدعاء الشريف أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلاءِ الدَّعَوَاتِ لأَصْحَابِهِ:

 

(( اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لا يَرْحَمُنَا ))

 ( سنن الترمذي)

 مَن منا لا يتمنى أن يعيش في خريف عمره حياة ملؤها السلامة والسرور والطمأنينة والعزة والكرامة، والشعور برضاء الله ؟ هذه أجمل حياة، سببها طاعة الله عز وجل، طاعة الله هي الثمن.

 

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً (36)﴾

 والعلماء قالوا: لا تقل: سمعت ولم تسمع، ولا تقل: رأيت ولم ترَ، ولا تقل: أعتقد وأنت لا تعتقد،

 

 

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾

 والعلم أي اليقين.

 

 

﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5)﴾

 

 ( سورة التكاثر)

 لا تَقْفُ، لا تشهد إلا بما رأيت، بين الحق والباطل أربع أصابع، بين أن تقول: سمعت، وبين أن تقول: رأيت، شتان بين أن تقول: سمعت، وبين أن تقول: رأيت، لكن بعض العلماء يقول:

 

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ﴾

 بدأ بالسمع، لأن أكثر المعاصي تتأتى عن طريق السماع، وأكثر الناس يروون كلاماً باطلاً عن بعضهم، والذين ينقلون مشاهدات لم يشاهدوها أقلّ من أولئك، والذين يقولون معتقدات لا يعتقدونها أقلّ من أولئك.

 

 

﴿السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ﴾

 الفؤاد هو القلب، والقلب مكانه العقل.

 

 

﴿لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾

 

 ( سورة الحج: 46)

 مكان العلم اليقيني مكان الإيمان، لا تدَّعِ الإيمان وأنت لم تؤمن بعد، لا تقل: رأيت وأنت لم تر، ولا تقل: سمعت وأنت لم تسمع، بعضهم قال في تفسير هذه الآية:

 

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ﴾

 أي: لا تعتقد شيئاً إلا بعد اليقين، ولا تقل شيئاً إلا بعد العلم، ولا تفعل شيئاً إلا بعد العلم، لذلك الفرق بين الطائش والجاهل، وضيق الأفق أنه يتسرع، يصدر حكماً خاطئاً.

 

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)﴾

 

 ( سورة الحجرات )

 عوِّد نفسك الطريقة العلمية في تقصي الحقائق، تقول: فلان فعل كذا، فهل رأيته أنت بعينك ؟ لا، والله سمعت، من قال لك ؟ فلان، وهل أنت واثق من دينه ؟ أو واثق من صدقه ؟ يقول: والله لست متأكداً، وأين ستذهب، وأين تقول هذا الكلام ؟ أما شعار المؤمن:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)﴾

 

 وهذه آية من الآيات الدقيقة الدالة على الروح الموضوعية في القرآن الكريم، حقيقة، ولذلك لدينا في الأخلاق قيمة خلقية، وفي البحث العلمي قيمة علمية، وفي حالة واحدة تلتقي قيمة خلقية مع قيمة علمية، وهذه الحالة هي الموضوعية، والموضوعية قيمة خلقية وقيمة علمية، فالعقل والخلق يلتقيان في الموضوعية، وإذا تحدثت عن مساوئ إنسان، ووفرت محاسنه، فأنت لم تكذب، لكن هذا كذب سلبي، اذكر ما له، وما عليه، أو اسكت، أما أن تكتفي بالسيئات، وتطمس الحسنات فالنبي عليه الصلاة والسام استعاذ من هذا الإنسان ! قال:

(( اللهم إني أعوذ بك من جار سوء، إن رأى خيراً كتمه وإن رأى شراً أذاعه، اللهم إني أعوذ بك من إمام سوء إن أحسنت لم يقبل، وإن أسأت لم يغفر ))

[البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة]

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً (36)﴾

 هذا ينطبق على شاهدي الزور، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ؟ ثَلاثًا، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَقَالَ: أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ، قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ ))

 ( صحيح البخاري )

 ودائماً المؤمن وقّاف عند كتاب الله، لا يتسرع، ولا يصدر حكماً قبل البحث الصحيح، وهذه صفات الناجحين في الحياة، وكل إنسان نجح في الحياة فإن أحكامه صحيحة مبنية على بحث وتدقيق واستقصاء.

 

﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾

 إن هذه الدنيا دار ابتلاء، لا دار استواء، ومنزل ترح، لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، وقد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي.

 

 

﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾

 

 هذا الذي يفرح في الدنيا لا خلاق له عند الله.

﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61)﴾

 ( سورة الصافات)

﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾

 ( سورة يونس: 58)

 افرح بمرضاة الله عز وجل، وافرح بطاعته، وافرح بعمل صالح قدره الله على يديك، وأما أن تفرح بالدنيا فلا قيمة لها عند الله.

 

﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾

 إنك لن تخرق الأرض إذا مشيت بقدمك على الأرض، ولن تستطيع بقدمك أن تخرق الأرض.

 

 

﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً (37)﴾

 فلذلك تعود على كل هذه الآيات بدءاً من قوله تعالى:

 

 

﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (22) وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً (24) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً (25) ﴾

 

﴿وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً (28) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (30)﴾

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً (31) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً (32) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً (33) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً (34) ﴾

﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (35) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً (36) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً (37) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (38)﴾

 وإذا أردت أن يحبك الله فابتعد عن هذا كله، لأن الله يكره هذه الأعمال.

 

﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً (39)﴾

 أجمل ما في الآيات أنها بدأت:

 

 

﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (22)﴾

 

 وانتهت:

﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً (39)﴾

 ملوم من قِبَل الخَلق والحق ونفسك، ومدحورا لا خيار لك في الدخول أو عدم الدخول.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018