الدرس : 04 - سورة الإسراء - تفسير الآيات 25 – 31 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 04 - سورة الإسراء - تفسير الآيات 25 – 31


1987-07-14

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وارنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الرابع من سورة الإسراء، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا(23)وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا(24)رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾

رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ

 هل أنتم في وضع يبتغي مرضاة الله عز وجل عن طريق بر الوالدين؟ أو أنكم ترغبون بعقوقهما حالتكم النفسية رغبتكم نيتكم طموحكم مكشوف عند الله عز وجل .

﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾

لا أحد يستطيع أن يخدع الله تعالى :

 قد تستطيع أن تخدع معظم الناس لبعض الوقت، وقد تستطيع أن تخدع بعض الناس لبعض الوقت، أما أن تستطيع أن تخدع كل الناس بطول الوقت فهذا من المستحيلات .

﴿ بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

( سورة القيامة)

 فالإنسان مكشوف، لا يستطيع أن يخدع الله عز وجل، ولا أن يخدع نفسه، لذلك قل ما شئت .

﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾

 وضح نياتك بالشكل الذي تريد .

﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾

 قل: أنا أريد الإصلاح، قل أي شيء تحبه ! أعلن أي هدف بيِّن أية نية .

﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾

علاقتك مع من يعلم في نفسك :

 المعنى أن علاقتك مع الله عز وجل، فإن كنت تنطوي على نفس طاهرة طيبة، راغبة في مرضاة الله عز وجل، راغباً في تنفيذ أمره فلك، وإن كنت على خلاف ذلك فعليك .

﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾

 أي : إذا بلغ الإنسان هذه المرتبة انقطعت علائقه مع الناس، لا يعلق على رضاهم أملاً، ولا على غضبهم خوفاً، لأن الله عز وجل بيده كل شيء .
 عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :

(( كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ: يَا غُلامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ . قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ))

[ سنن الترمذي ]

 عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ))

[ مسند الإمام أحمد ]

﴿ بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾

( سورة القيامة)

﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾

 سيدنا الصديِّق رضي الله عنه مدحه أحد الأصحاب، فتوجه إلى الله عز وجل، وقال : << اللهم إنك أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيراً مما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون >> .
 إن كان معك قطعة من الذهب، وظنها الناس معدناً رخيصاً فأنت الرابح، ولو ظنها جميع الناس معدناً رخيصاً، ولو أنك تملك قطعة من المعدن الرخيص، وأوهمت الناس جميعاً أنها معدن ثمين، فأنت الخاسر، العبرة :

 

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88)ِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

(سورة الشعراء )

﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا ﴾

إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا

معنى : صالحين

 ما معنى صالح؟ إنسان صالح، أي: عمله صالح، ونيته صالحة وقوله صالح، واعتقاده صالح، اعتقاده صحيح، ونيته طيبة، وعمله صحيح، وقوله صحيح، إذاً هو صالح، صالح لماذا ؟ صالح لعطائنا، صالح للجنة التي عرضها السماوات والأرض، وكل هذا مشتق من الصلاح، صلحت عقيدته فصلح لسانه، وصلح عمله، وصلحت نيته، فقد أصبح صالحاً لعطاء الله .

﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا ﴾

معنى : الأوّابين :

 الأوَّابين جمع أوَّاب، والأوَّاب على وزن فعَّال، صيغة مبالغة لاسم الفاعل، أي : كثير الأوبة إلى الله، فكلما زلت قدمه رجع بالتوبة والاستغفار والتضرع إلى الله، وكلما غفل عن ذكر الله ذكر الله، وكلما زلَّت قدمه تاب من هذه الزلَّة، وكلما ارتكب مخالفةً بادر إلى مَحْوِها بعملٍ صالح، وهؤلاء الأوابون كثيرو الأوبة إلى الله عز وجل .

﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا ﴾

 الآية السابقة :

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

عبادة الله ثم الإحسان إلى الوالدين :

 أول شيء أنت مكلف بفعله في الدنيا أن تعبد الله وحده، إذ لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق، وأول إنسانين على وجه الأرض يستحقان أن تحسن إليهما بعد عبادة الله عز وجل الوالدان .

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

 لأن الوالدين أول مظهرين من مظاهر ربوبية الله سبحانه وتعالى، كيف وأن الله ربٌ لكَ ؟ سخر لك أباك وأمك، يعطفان عليك، ويحببان عليك، ويتعبان من أجل أن تستريح، ويسهران لتنام، ويجوعان لتشبع يقلقان لتطمئن، فالأم والأب أول مظهرين من مظاهر الربوبية، لذلك أول إنسانين يستحقان الإحسان البالغ الوالدان، رفعا إلى مرتبة عبادةِ الله عز وجل .

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

العطف يقتضي التجانس :

 خطر في بالي مثال: هل تقول: اشتريت بيتاً وملعقة؟ العطف يقتضي التجانس والتناسب، تقول: اشتريت بيتاً ودكاناً، أو بيتاً وسيارةً، أو أرضاً وبيتاً، وتقول: اشتريت ملعقة وسكّيناً، فهذا العطف يقتضي التجانس .

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

 أعظم الأعمال بعد عبادة الله عز وجل الإحسان إلى الوالدين، أو الإحسان بالوالدين، الباء للإلصاق، هذه شرحناها في الدرس الماضي، ولكنني عدت إليها لأبيِّن العلاقة فيما بينها، وبين الآية التالية :

﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ﴾

إعطاء الناس حقوقهم ، القريب منهم والبعيد :

 هل فقط الأب والأم؟ والجد والجدة، والعم والعمة، والخال والخالة، بنات الأخ وبنات الأخت، أبناء الأخ، أبناء الأخت، الابن وابن الابن .

﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ﴾

 هؤلاء يلوذون بك، من لهم سواك؟ إذا أحب الله عبداً جعل حوائج الناس إليه ! لا تضجر، ولا تقلق، ولا تتبرم، وإذا كثر الذين يطرقون بابك، فلا تتأفف، وإذا جاء أخوك أو أختك يطلبان منك حاجة، فإنك مظنة العطاء، وإن الله يحبك، وإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك .
 عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ هَذَا الْخَيْرَ خَزَائِنُ، وَلِتِلْكَ الْخَزَائِنِ مَفَاتِيحُ، فَطُوبَى لِعَبْدٍ جَعَلَهُ اللَّهُ مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ، مِغْلاقًا لِلشَّرِّ، وَوَيْلٌ لِعَبْدٍ جَعَلَهُ اللَّهُ مِفْتَاحًا لَلشَّرِّ، مِغْلاقًا لِلْخَيْرِ ))

[ سنن ابن ماجة ]

 فلذلك :

﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ﴾

 تفقَّد أقرباءك، وتفقَّد رحمك، ومن يلوذ بك، فالأقربون أولى بالمعروف، الأقربون نسباً، و الأقربون إيماناً، و الأقربون فقراً، و الأقربون إليك نسباً أولى بالمعروف، و الأقربون إلى الإيمان أولى بالمعروف، و الأقربون إلى الفقر أولى بالمعروف، هذه قاعدة مطلقة، الأقربون أولى بالمعروف .

 

﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ﴾

 من علامات تفسّخ المجتمعات الحديثة انقطاع الصلة بين الأقارب، ومن علامات الصحة الاجتماعية في المجتمعات التي يغلب عليها الإيمان هذا التواصل الاجتماعي .
 سمعت عن امرأة متقدمة في السن تملك أموالا طائلة ! فجأة أصيبت بمرض عضال، أفاقت في أحد الأيام فإذا هي في مأوى العجزة، ولها أولاد كثر ! شباب وشابات وأصهار، ما كان منها إلا أن استدعت مدير الأيتام، وفرغت له كل ممتلكاتها ! هناك تواصل في المجتمعات التي يغلب عليها الإيمان والعمل الطيب، فالأم لها مكانة كبيرة، قدمت وحقّ لها أن تأخذ، وأعطت وجاء الوقت الذي يجب أن تأخذ، والأب كذلك، سنّة الله في خلقه، يكون الأب شاباً، وكله عطاء لأولاده، فتتقدم به السن، ويضعف، ويترك عمله، فيصير له الحق أن يأخذ من أولاده، هذه دورة طبيعية، خذ وأعط، فالأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، والذين يعيشون عالة على المجتمع، يعيشون على مآسيه، ويأخذون ولا يعطون، والمؤمنون يأخذون ويعطون، والعظماء يعطون ولا يأخذون، يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ، والذين هم في أسفل السلم الاجتماعي يأخذون ولا يعطون، ونحن نأخذ ونعطي .

 

﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ﴾

 له حق عليك .

 

﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ ﴾

( سورة المعارج)

 هذه هي الزكاة .

 

﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾

(سورة الذاريات)

 وهذه هي الصدقة، لو أنك دفعت زكاة مالك، ورأيت إنساناً محتاجاً بائساً فقيراً، ومسكيناً قريباً، وأنت أخوه في الإنسانية، وله حق عليك، فكيف إذا كان قريباً ؟ لذلك قالوا : القرابة الجار المسلم، القريب له عليك ثلاثة حقوق : حق الأخوَّة في الله،" مسلم "، وحق الجوار، وحق القرابة .

 

﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ﴾

 له حق عندك، والمسكين ! المسكين هو الفقير البائس، بعضهم قال : الفقير والمسكين إن اجتمعا تفرقا، وإن افترقا اجتمعا ! إذا ذكر الله المسكين انصرفت هذه الكلمة إلى الفقير وإلى المسكين، وإذا ذكر الفقير انصرفت الكلمة إلى الفقير والمسكين، أما إذا ذكر الفقير والمسكين فالفقير له معنى، والمسكين له معنى، فالفقير الذي لا يجد حاجته .
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الَّذِي لا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلا يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ ))

[ صحيح البخاري ]

 يسكن في بيت، وقد يكون هذا البيت ملكه، وله دخل، وقد لا يكفي هذا الدخل، ظهر مرض مفاجئ يحتاج إلى عملية جراحية، بعضهم يقول : هذا عنده بيت ملك، أيبيع البيت من أجل أن يجري هذه العملية ؟ فالفقير هو الذي لا يجد حاجته، والمسكين هو المعدم، الذي لا يجد شيئاً لا حاجته، ولا أقلّ من حاجته، إذا ذكر الله المسكين وحده انصرف إلى الفقير والمسكين، وإذا ذكر الله الفقير وحده انصرف إلى الفقير والمسكين، فهاتان الكلمتان إذا اجتمعتا تفرقتا، وإذا تفرقتا اجتمعتا .

 

﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ﴾

ابن السبيل له حقٌّ عليك :

 ابن السبيل إنسان مكتفٍ، وقد يكون غنياً، ولكن حل به فقر طارئ، كان في سفرٍ، فأخذت منه أمواله نشلاً، ضاعت منه محفظةً يحمل فيها أمواله، ووثائقه الرسمية، فهذا صار فقراً طارئاً .

﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ﴾

وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً

 التبذير يشبه إلقاء البذار في الأرض، يمسك الفلاح قبضة من البذار فيلقيها هكذا، إلقاء عشوائياً، وكذلك الذي ينفق المال من غير اجتهاد، ومن غير حكمة وتبصر واعتدال ينفقه كيفما كان، هذا اسمه تبذير، وبعضهم فرَّق بين الإسراف والتبذير.

بين الإسراف والتبذير :

 بعض العلماء قال : الإسراف أن تنفق في المباحات نفقة فوق الحد المعقول، جلبت إلى البيت ألواناً من الفاكهة كثيرة، فسد بعضها، وألقي في القمامة، فهذا إسراف ! والعلماء قالوا: لا إسراف في الخير، ولا خير في الإسراف، إذا قرأت القرآن ساعة فجيد، وساعتين فأفضل، ثلاثاً فأفضل، وإذا أنفقت مئة فعملك أفضل، ومئتين فأفضل، إذ لا إسراف في الخير، ولا خير في الإسراف، وبعضهم قال: لا إسراف في النور، فإذا أراد الإنسان أن تكون الغرفة إضاءتها جيدة، فلا يعد هذا مسرفاً، وأحياناً تدخل إلى غرفة إضاءتها أقلّ من الحد المعقول، فتشعر بانقباض، وقد تشعر بآلام في العينين، وقد تعسر عليك القراءة، وهذا اسمه تقتير! فالعلماء قالوا: لا إسراف في النور، ولا خير في الإسراف، ولا إسراف في الخير .
 الإسراف كله ينصرف إلى المباحات، لكن الذي يلقي ماله في معصية الله فهذا هو المبذّر .

 

﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ﴾

 وكيف يلقي الشيطان في نفس الإنسان حب المعصية؟ يدفعه إلى المعصية، ويوسوس له بها، وكذلك هذا المبذر، إنه بإنفاقه المال في معصية الله عز وجل كأنه قد تجاوز مرحلة وسوسة الشيطان، فكان أخاً للشيطان .

 

﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ ﴾

المبذِّر أخٌ للشيطان :

 أي : الذي يشهد به الشيطان من إلقاء الوسوسة كي تعصي الله، جاء المبذر، وأنفق ماله في معصية الله إنفاقاً سريعاً، إذاً هذا المبذر كان من إخوان الشياطين .

﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ﴾

 يبدو أن الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يعاقب من عصاه يعاقبه عقوبة من جنس الذنب، فالمبذر في أغلب الظن يعاقب بذهاب ماله، وأن يذيقه الله ألم الفقر والحرمان، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام :

(( يا عائشة أكرمي مجاورة نعم الله، فإن النعمة إذا نفرت، قلما تعود ))

[ورد في الأثر]

﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ﴾

 وبعضهم قال : الشيطان اسم لجنس الشياطين، وبعضهم قال : هو إبليس بالذات، وهو أول الشياطين خلقاً .

 

وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا

﴿ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً{27} وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا ﴾

 إمَّا أصلها ( إن وما):

﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ﴾

الإعراض يكون بمنع الحقوق :

 عنهم من؟ عن ذوي القربى والمساكين .

﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ﴾

المعنى الأول : سبب الإعراض ضيق ذات اليد :

 أي : لا تعطيهم، تعرض عن إعطائهم، إما لأنك فقير تبتغي رحمة الله، ربنا عز وجل كنّى عن الفقر بأجمل كناية في القرآن !

﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ﴾

 لضيق ذات يدك، لأنك لا تملك هذا العطاء، لا تملك حاجتهم،

﴿ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا ﴾

 أنت ترجو مثلهم رحمة الله، هذا المعنى الأول، إما تعرضن عنهم لضيق ذات يدك، لأنك لا تجد ما تعطي .

المعنى الثاني : سبب الإعراض لحكمة ومصلحة :

 أو لأن الحكمة تقتضي ذلك، قد يطلب منك القريب مالاً ليفسق به، أو ليفعل به المنكرات، أو ليرتكب به المعاصي، فالحكمة تقتضي ألاّ تعطيه هذا المال، أو قد يكون من السفهاء، وقد قال الله تعالى :

﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾

( سورة النساء)

 ليس لك أن تعطي مالك لسفيه، السفيه الذي ينفق المال في معصية الله، ينفق المال إسرافاً وتبذيراً، هذا القريب الذي ينفق المال في معصية الله إذا أردت أن تعينه شفقة على أولاده وأهل بيته فأعطِِه مواد عينية، اشتر له بعض الأغذية، واشتر لأولاده بعض الألبسة، وقدم له مساعدات يستفيد أهله منها، لأن الله عز وجل ينهانا عن أن نعطي السفهاء أموالنا .

﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا ﴾

 لضيق ذات يدك، أو لحكمة ترتئيها .

 

حسنُ معاملة الضعفاء والمساكين بالقول الحسن :

﴿ فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً ﴾

 لا تكن قاسياً في ردك .

﴿ {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ﴾

( سورة الضحى)

 لو صدق السائل لهلك المسؤول .

﴿ فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً ﴾

﴿ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ﴾

( سورة الضحى)

 العلماء فسَّروا هذا القول: ادعوا لهم، وبعدهم قال: عِدْهُم عِدَةٌ طيبة، إن شاء الله في وقت آخر إذا مكنني الله عز وجل أعطيك هذا الطلب، إما أن تَعِدَهُم بالعطاء في وقت لا حق، وإما أن تدعو لهم، وهذا هو القول الميسور .

﴿ فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً ﴾

 فالغيظ والشدة والقسوة لا تجديان أبداً، والله سبحانه وتعالى ينهانا عنها، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ))

[متفق عليه، واللفظ لمسلم]

 وعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ ))

[ مسلم ]

 والقسوة غير مرغوب بها، لا من قبل الحق، ولا من قبل الخَلْق .

﴿ فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً ﴾

 أنت تقول له: أنت كذَّاب، أنت محتال، لا يوجد عقل .

﴿ فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً ﴾

 ادعُ له بالتوفيق، أعطاك الله من سؤلك، وفقك الله لما تحب، لا أجد ما أعطيك، اعذرني .

﴿ فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً{28} وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ ﴾

وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ

الكناية عن القبض والشح :

 أن تكون اليد مغلولة إلى العنق فهذه كناية عن القبض، أي عن البخل، أي عن الشح، قال تعالى :

﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

( سورة الحشر)

الشح مرض خطير :

 فالشح إذاً هنا مرض، ويحتاج صاحبه إلى معالجة، والبخيل مريض، لأنه يعيش فقيراً ليموت غنياً، والشحيح جعل المال الذي هو في الأصل وسيلة فجعله غاية ! يقول سيدنا أبو ذر : << حبذا المال أصون به عرضي، وأتقرب به إلى ربي >>
 المال جعل للإنسان وسيلة لقضاء حوائجه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْه، ثُمَ قَتَّرَ عَلَى عِيَالِه ))

[القضاعي في مسند الشهاب عن عائشة]

 والنبي عليه الصلاة والسلام نفى أن يكون من المسلمين من وسّع الله عليه، ثم قَتَّر على عياله، الفضيلة دائماً بين حالتين متطرفتين .

﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ ﴾

 وهناك رجل لشدة بخله نشب خلاف بينه وبين أهله فتركهم، وسكن في غرفة على سطح أحد الأبنية الكثيرة التي يملكها! وكان يمضي وقته في طعام خشن جداً توفيراً للدراهم، وفي أحد الأيام كان مستقبلاً سيارةً من البحص رجعت فدهسته، وترك ثلاثمئة مليون ليرة! عادى أهله، وكرهوه، وسكن وحده، وعاش حياة خشنة لا تحتمل، من أجل أن يموت غنياً شحيحاً مريضاً، هذا يحتاج إلى معالجة .

﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْه، ثُمَ قَتَّرَ عَلَى عِيَالِه ))

[القضاعي في مسند الشهاب عن عائشة]

﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ ﴾

 سبحان الله‍‍! الشحيح يقتر، ويقتر فيضطر في وقت ما أن يدفع نفقة تعادل كل التقتير، الذي قتره وزيادة! جمع ماله بالقروش، ويدفعهم بمئات الألوف دفعة واحدة مضطراً، فلذلك الإنسان يكون كريماً، لأن الكريم يحبه الله، كما رُوي : " أحب ثلاثاً، وحبي لثلاث أشد، أحب الطائعين، وحبي للشاب الطائع أشد، وأحب الكرماء، وحبي للفقير الكريم أشد، أحب المتواضعين، وحبي للغني المتواضع أشد، وأبغض ثلاثاً، وبغضي لثلاث أشد، أبغض العصاة، وبغضي للشيخ العاصي أشد، وأبغض البخلاء، وبغضي للغني البخيل أشد، وأبغض المتكبرين، وبغضي للفقير المتكبر أشد " .

 

الشحيح نوعان :

 لكن بعض الذين يوسمون بالشح على نوعين: بعضهم ينفق الأموال الطائلة بلا حساب على شهواته، وعلى أولاده، وعلى لذته وعلى مباهجه ... فيقول : كلفتني هذه السفرة في العيد إلى اليونان أربعمئة ألف ليرة ! فتدخل جمعية إلى دكانه فيعطيها عشر ليرات ‍‍‍‍!! أربعمئة ألف في أربعة أيام بالعيد قضيتها في أثينا، وعشر ليرات للجمعية ؟ من صفات المنافقين أنهم إذا أنفقوا المال أنفقوه إسرافاً وتبذيراً، وإذا أمْسكوه أمسكُوه شحاً وتقتيراً، فهؤلاء يبالغون في ترفيه أنفسهم، أما إذا دعوا إلى عمل صالح يمتنعون، وقد يتأخر الصانع عنده ساعة، يحسم عليه ثمن الأجرة، يقول له: داومك ثماني ساعات، وقد تأخرت ساعة، فيقسو عليه، ويقوم بطريقة يطرده طرداً من دون أي تعويض، فإذا ذهب لقضاء نزهة، أو لقضاء إجازة أنفق من المبالغ ما لا يحصى، فهؤلاء أشحّة في فعل الخير، ومسرفون على أنفسهم في الملذات، وهناك صنف آخر ـ والعياذ بالله ـ يعيش شقياً محروماً، ويموت غنياً، يتنعم الورثة بهذا المال .
 ولذلك مما يروى: أن روح الميت حينما يوضع الميت في نعشه ترفرف فوق النعش تقول : يا أهلي يا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلّ وحرم، فأنفقته في حله، وفي غير حله، فالهناء لكم، والتبعة علي .
 ولذلك يقف ربنا عز وجل يوم القيامة العبد بين يديه ويقول له: يا عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ فيقول هذا العبد : يا رب، لم أنفق منه شيئاً على أحد مخافة الفقر على أولادي من بعدي، فيقول الله عز وجل: ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين، إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍.
 حدثني أخ أثق بكلامه عن رجل ترك أموالاً لا تعد ولا تحصى، وترك أولاداً لم يُنَشِّئهُم على طاعة الله عز وجل، في أقل من سنتين خسروا كل هذه الثروات بشكل لا يصدق ! باعوا الأراضي والمحلات والمعمل، واحتال عليهم رجل بمئات الملايين، اشترى منهم بضاعة شحنوها له، وقد أعطاهم شيكات مزورة، ثم غاب عن الأنظار، فخسروا أموالهم كلها ! إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم .
 يقول لعبد آخر: يا عبدي، أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ يقول هذا العبد: يا رب، أنفقته على كل محتاج ومسكين، لثقتي بأنك أنت خيرٌ حافظاً، وأنت أرحم الراحمين، فيقول الله عز وجل: عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك، اطمئن، وفعلاً يموت الرجل فتجد أولاده في أعلى مقام، وفي بحبوحة، وصحة جيدة، فزواجهم موفق، وأولادهم أبرار، وكلهم يسكنون في بيوت جيدة، وسمعتهم طيبة، وقد يكون أبوهم فقيراً، ولكنه صالح، وهذا رجل تأتيه ذرية شقية من بعده تذوق الحرمان والبؤس والشقاء .

﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ﴾

وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ

إياكم ومجاوزةَ الحدّ في الإنفاق :

 حدَّثني بعض الأشخاص القادمين من بعض الدول العربية التي هي في بحبوحة أن الطعام الذي يلقى في القمامة أضعاف الطعام الذي يؤكل، فاللحم والرز المطبوخ بالسمن، وكل شيء زاد على الوجبة اليومية في القمامة، هؤلاء يدفعون الثمن غالياً، والله عز وجل قال :

(( يا عائشة، أكرمي مجاورة نعم الله، فإن النعمة إذا نفرت قلّ ما تعود ))

[ورد في الأثر]

﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ﴾

 إنفاق بغير حساب، وبشكل طبيعي، وغير طبيعي، بشكل معقول، وغير معقول، إسراف ألوان منوعة من الطعام، بعضها يفسد، بعضها يلقى في القمامة، وألبسة كثيرة جداً، وأحذية لا تعد في البيت، ويلبس الحذاء مرة ويلقى، وأكثر هذا في النساء، هذا هو الإسراف بعينه .

﴿ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ﴾

 ما الذي يحصل؟ تعودت على مصروف مرتفع جداً، وعلى مستوى معاشي مرتفع جداً، فلسبب أو لآخر لو انخفض دخلك ماذا تفعل ؟
 قال عليه الصلاة والسلام :

(( اخشوشنوا، وتمعددوا فإن النعم لا تدوم ))

[الطبراني عن ابن أبي حدرد، والسيوطي في الجامع الصغير ]

 فمن الحمق بالرجل أن يسرف إسرافاً، فلو جاءه خاطب لابنته ، شاب صالح مؤمن، ولكن دخله محدود، لقد عود ابنته الإسراف في النفقة، فهذه البنت لا يمكن أن تعيش مع هذا الزوج أبداً، تفسد الحياة، ولن تستقيم بينهما عوّد نفسك، لذلك :

(( اخشوشنوا، وتمعددوا فإن النعم لا تدوم ))

 هذا أمر نبوي .

﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى{3} إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

( سورة النجم)

 لذلك المؤمن المطبق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام لو جاءت شدة فإنه يحتملها؟ لأنه قد عوَّد نفسه على الخشونة، عوِّد من هم معك على أن يكون الطعام نفيساً في يوم، وخشناً في يوم آخر، على أن يكون مع الطعام فاكهة في يوم، ومن دون فاكهة في يوم آخر، عود نفسك هذا وهذا، فلو جاءك شاب مؤمن يبتغي الزواج من ابنتك عاشت معه حياة سعيدة، أما الإسراف والتبذير، والإنفاق العشوائي غير المدروس، ليس من صفات المؤمن، الوضع دقيق جداً .

﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً ﴾

نتيجة الشح والإسراف : فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً

 هذه في البلاغة اسمها لف ونشر، لو أنك جعلت يدك مغلولة إلى عنقك لكنت ملوماً من قِبَل الأهل، إذ دائماً البخيل أهله يتمنون موته، وينتظرونه بفارغ الصبر ! وإذا جاء الطبيب، وبشرهم بأن الحالة عرضية يتألمون، كيف الحالة عرضية؟ لا حول ولا قوة إلا بالله! يتمنون أن تكون الحالة خطيرة حتى يرتاحوا منه، فتقعد ملوماً من قِبل زوجتك أو أولادك، وإذا بسطها كل البسط تقعد محسورا، لا تمتلك شيئاً .

﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً ﴾

 فتقعد ملوماً، في الحالة الأولى، في البخل، ومحسوراً في الحالة الثانية، في الإسراف، تتحسر، ليس عندك شيء، فالإنسان هكذا .

 

وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً

 قال الله عز وجل :

﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

( سورة البقرة : 269)

 

 

هناك كتاب أُلِّف في هذه الآية! يثبت مؤلف الكتاب أن الحكمة أثمن شيء في الحياة! بالحكمة يغتني الفقير، وبالحمق يفتقر الغني، وبالحكمة تعيش مع الزوجة السيئة وتسعد بها، وبالحمق تفسد الطيبة، وبالحكمة تجعل أعداءك أصدقاء، وبالحمق تجعل أصدقاءك أعداء.

﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

 ولذلك قال العلماء: الكرامات على نوعين: كرامات تجري وفق العادات، وهي العلم والحكمة، وكرامات تجري بخرق العادات، ولها بحث آخر تحدثنا عنه في درس العقيدة، ولذلك من كرامة الله لك ومن إكرامه أن يجعلك عالماً وحكيماً .

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾

( سورة القصص)

 فالأنبياء هذا عطاؤهم .

 

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾

﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا(29)إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾

إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا

 الآية لها معنيان متعاكسان :

المعنى الأول :

 المعنى الأول : أن الله عز وجل سنته في خلقه أنه يعطي بحكمة، ويمنع بحكمة .

المعنى الثاني :

 وإذا رأيت أن الله عز وجل أعطى فأدهش، وحاسب ففتش، لا تفعل كما يفعل الله عز وجل، هو رب العالمين، وأنت مأمور بالاعتدال، أما ربنا عز وجل فلحكمة بالغة إذا أعطى أدهش، فقد يعطي عطاءاً مذهلاً، وقد يسلب الإنسان كل شيء، أنت عبد، وهو رب، هو يفعل ما يشاء لحكمة يراها، لا تفعل كما يفعل، فإما أن تفهم هذه الآية على أن الله سبحانه وتعالى يعطي بحكمة، ويقبض بحكمة، أو أنه إذا أعطى فأدهش، أو حاسب ففتش، لا تفعل أنت ذلك، لأن هذا من شأن الله وحده! وليس من شأنك أنت .

﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا(29)إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾

 قال الشاعر :

لو كانت الأرزاق تجري مع الحجى  هـلكن إذاً من جـهلهن البهائم
***

 فالله عز وجل هو الرزاق، قد يهب الغبي رزقاً وفيراً، وقد يمنع الفهيم الذكي الحاجات الأساسية .

﴿ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا(30)وَلَا ﴾

الله أعلم بما يصلح للعبد من الفقر أو الغنى :

 إن من عبادي من لا يصلح له إلا الفقر، فإذا أغنيته أفسدت عليه دينه، يريد السفر فوراً إلى أوروبة، ويريد الزواج من امرأة ثانية، وإن من عبادي من لا يصلح له إلا الغنى، فإذا أفقرته أفسدت عليه دينه .

﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾

 يعرف عباده .

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا ﴾

وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا

من أعمال الجاهلية الأولى : قتل الأولاد خشية الفقر :

 هذا الإنسان كما جاء في بعض الأحاديث بنيان الله، وملعون من هدم بنيان الله، أي : أن تقتل النفس لأي سبب، وهنا السبب خشية الفقر، خشية إملاق، لا يجوز أن تقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، لذلك كان العرب في سنوات الشح وسنوات القحط يقتلون أولادهم خشية الفقر، طبعاً قد ينصرف ذهنكم إلى الوأد، هذه الآية لا علاقة لها بالوأد، فالوأد قتل البنات على التخصيص خشية العار لا الفقر .

 

﴿ وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ{8} بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ﴾

( سورة التكوير)

﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ{58} يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ﴾

( سورة النحل)

معنى آخر من معاني قتل الأولاد :

 لكن بعضهم فسر أن الذي تأتيه بنت، ويطلق لها العنان تذهب إلى حيث تشاء، وتصادق من تشاء، وتفعل ما تشاء، فتفسد! وقال بعض العلماء: هذا عند الله أشد من وأدها! لأنك لو وأدتها دخلت الجنة، ولكنك إذا أفسدتها أدخلتها النار، ولكنها لن تدخل النار قبل أن تدخلك قبلها، تقول: يا رب، لا أدخل النار قبل أن أُدْخِلَ أبي قبلي، لأنه هو الذي شجعني، ودفعني إلى هذه المعاصي، فالذي يفسد ابنته، ولا يهتم بأخلاقها، ويرخي لها الحبل، ولا يحاسبها، ولا يدقق في تصرفاتها إلى أن تفسد، عندئذٍ هو عند بعض العلماء أشد من وأدها !

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ﴾

 لا أعتقد أن هناك إنساناً واحداً في المليون يقتل ابنه خشية الفقر، لكن هذا الذي يلقي ابنه في المفاسد من أجل المال، أليس الإفساد أشد من القتل ؟

﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾

( سورة البقرة : 191)

 فهذا الذي يزوج ابنته لرجل غني فقط، دون التدقيق في دينه، أليس هذا العمل إفسادًا لهذه الفتاة عن طريق تزويجها لرجل فاسق؟ وهذا أشد عند الله من قتلها، والقرآن حمَّال أوجه، فاحملوه على كل وجوهه، من قتل ابنه خشية الفقر، فهذا عمل عظيم عند الله، لكنه من دفع ابنته إلى زوج فاجر فاسق فهو عند الله أشد! لأنه فتنها عن دينها، ومتى فتنها عن دينها فقد ضيَّع آخرتها، وعندئذ تحتج عند الله عز وجل على أبيها، ولا تدخل النار قبل أن تدخله النار قبلها !

 

بَيْنَ القتلِ للفقر والقتل خشيةَ الفقر :

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ﴾

 هناك آية أخرى :

 

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ ﴾

( سورة الأنعام : 151)

 خشية الإملاق لفقر متوقع، لكن من إملاق لفقر حاضر، دقة القرآن عجيبة .

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ﴾

المولود معه رزقه :

 لأنه في خشية الإملاق خائف على رزقه، سوف يأتيك رزقه مع رزقك .

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ﴾

 بين نرزقهم وإياكم، وبين نرزقكم وإياهم بون شاسع، بين خشية إملاق، وبين من إملاق فرق كبير :

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا ﴾

ما هو الخطأ ؟

 عرَّف العلماء الخطأ بأنه من أراد عملاً لا تحسن نيته، ولا يحسن فعله، فهذا الخطأ الشامل، عمل عملاً لا تحسن نيته عند الله، ولا عند الناس، فهذا هو الخطأ، وهناك أشخاص يعملون عملاً بنية طيبة، ثم ينحرف العمل عن غير قصد منهم، فإذا هو عمل مؤذ، نقول : هذا العمل صحت نيته، وساء فعله ! وهناك أناس ينوون الشر، فإذا شرهم يقلبه الله إلى خير، نقول : هذا العمل حسن فعله، وساءت نيته، من عمل عملاً حسنت فيه نيته وفعله فهذا هو العمل الصواب، ومن عمل عملاً حسنت فيه نيته، وساء فعله فهذا هو الخطأ غير المقصود، ومن عمل عملاً ساءت فيه نيته وساء فعله، فهذا هو الخطأ بعينه .

﴿ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018