الدرس : 03 - سورة الإسراء - تفسير الآيات 18 – 24 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 03 - سورة الإسراء - تفسير الآيات 18 – 24


1987-07-10

الحمد لله رب العالمين، وأفضل والصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث من سورة الإسراء، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا(18)وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا(19)كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاء وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾

مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ

الإنسان مخيَّر :

هذه الآيات الثلاث تبين وتؤكد أن الإنسان مخير .

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ ﴾

وتبين أن للإنسان كسبًا، وأن الله سبحانه وتعالى يملك الفعل، لك الكسب، وله الفعل .
والشيء الثالث : أنك مخير، لكنك مسير لتحمل تبعة اختيارك .

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾

الله يعطي الدنيا لمَن يطلبها :

والله عز وجل يعطي الدنيا لمن يطلبها، فمن كان يريد العاجلة هذه الدنيا القصيرة المحدودة، المشحونة بالمتاعب والهموم، التي نمضي معظمها في الإعداد إلى أقلها يعطيه الله إياها، إن أسعد الناس فيها أرغبهم عنها، وأشقاهم فيها أرغبهم فيها .
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لا دَارَ لَهُ، وَمَالُ مَنْ لا مَالَ لَهُ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لا عَقْلَ لَهُ ))

[مسند الإمام أحمد]

أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عن الدنيا، أبعدهم عنها، وأشقاهم فيها، أرغبهم فيها .

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ ﴾

من طلب الدنيا، وأصَرَّ عليها، فالله سبحانه وتعالى يعطيه إياها، ولكنها هينة عند الله عز وجل، لا شأن لها .
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

[الترمذي]

فلينظر ناظر بعقله أن الله أكرم محمداً  أم أهانه حين زوى عنه الدنيا، فإن قال : أهانه، فقد كذب، وإن قال: أكرمه، فلقد أهان غيره حيث أعطاه الدنيا، ولو يعلم الملوك ما نحن عليه ـ كما قال أبو يزيد البسطامي رحمه الله ـ " لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف " .
فأحوال أهل الدنيا أحوال القلق والخوف والحرص، وأحوال أهل الآخرة أحوال الطمأنينة والرضا والاستسلام والتفاؤل والثقة، إن شعور الرجل المؤمن بأن الله سبحانه وتعالى راضٍ عنه هذا شعور لا يعدله شعور آخر، وأن شعور الكافر بأن حياته سوف تنتهي، وأن الموت ينتظره إن هذا الشعور المقلق لا حدود لتعاسته، فلذلك ربنا عز وجل قال : أنتم مخيرون :

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾

أرزاق الدنيا بقدَر وتفاوت :

وهناك حكمة، يعطي من الدنيا بالقدر الذي يشاء، ويعطي هذا القدر الذي يشاء لمن يشاء من طالبي الدنيا، ومعنى ذلك أن من طلبها بإصرار أعطاه الله إياها! ومن كان طلبه إياها ليس معه إصرار، فربما أخَّرَهَا عنه فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام :

(( إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْمِي صَفيَّهُ مِنَ الدُنْيَا كَمَا يَحْمِي أَحَدُكُم مَرِيْضَهُ مِنَ الطَعَامِ ))

وقال :

(( إِنَّ اللَّهَ يَحْمِي عَبْدَهُ المُؤْمِن مِنَ الدُنْيَا كَمَا يَحْمِي الرَاعِي الشَفْيِقُ غَنَمَهُ مِنْ مراتع الهَلَكَة ))

[أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن حذيفة بن اليمان]

والحقيقة الأولى: أن الإنسان مخير، وأنك إذا اخترت اختياراً غير صحيح لا بد من تحمل تبعة اختيارك .

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴾

طالب الدنيا مذموم في الآخرة :

مذموماً من قِبَل نفسه، ومذموماً من قِبل الخلق، ومن قِبل الحق، أما مدحوراً: أي: هذا الذي يساق إلى الإعدام، هل هو مخير؟ فلو أنه بكى هل يعفى عنه؟ لو أنه توسل أو رجا، أو أعلن ندامته، مدحوراً، قصراً .

﴿ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴾

كنت مخيراً، فلما اخترت العاجلة أصبحت الآن مسيراً .

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾

وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا

طالب الآخرة يسعى لها بشروطها وقوانينها :

علامة الإرادة الصادقة السعي الذي يتوافق مع شروطها .

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾

لها سعي خاص، لا بد من أن تحوط الآخرة من كل جوانبها، لا بد من أن تتخذ جميع الأسباب، وأن تمتلك موجبات الرحمة، وتسعى للآخرة وفق الشروط التي وضعها الله عز وجل، لا وفق شروط تخترعها أنت، وسعى لها .
لو ربنا عز وجل قال: وسعى لها، أي: سعياً مقبولاً، لكن :

﴿ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾

المطلوب، سعيها المحدد والمقنن .

﴿ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾

من قبل أنفسهم، ومن قبل الخلق، ومن قبل الحق .

﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاء وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ﴾

كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاء وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ

الإنسان المختار يتحمّل تبعة اختياره :

جميع البشر على وجه الأرض، الله سبحانه وتعالى يمدهم بما يختارون، فهم إذاً يتحملون تبعة اختيارهم، يمدهم بما يختارون .
حينما تقف على إشارة المرور، والإشارة حمراء اللون، فأنت مخير أن تمشي، أو لا تمشي، فإذا اخترت أن تخالف القانون عندئذ تفقد اختيارك، فلا بد من أن تساق لتحمل تبعة هذه المخالفة، والأمر واضح تماماً .

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾

أصر عليها وطلبها، هنا تأتي الحكمة، نعطي بالقدر الذي نشاء ولمن نشاء، نعطي من نشاء بالقدر الذي نشاء .

﴿ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴾

لا محيد عن أن يصلاها، وأن يتلظى بنارها، مذموماً يلعن نفسه، ويلعنه اللاعنون، ويلعنه الملائكة .

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾

من آثر الدنيا خسرها وخسر الآخرة :

واللهِ ما من قولٍ ترك في نفسي أثراً كهذا القول! من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً! لأن الله عز وجل يقول :

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

( سورة طه)

آثر الدنيا، وحصّلَ من أموالها ما يشاء، وحصّلَ من مراتبها ما يشاء، وحصّلَ من وسائل القوة فيها ما يشاء، لأنه أعرض عن الله عز وجل، فإنه يعيش حياة شقية، شقاءً نفسياً، إن القلق والخوف، والحزن والهلع، والترقب والاضطراب، والقسوة والضياع، هذه الصفات كلها يعيشها، بينما المؤمن: ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً .

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة النحل)

ما قولكم ؟ اختاروا الآخرة تأتِكم الدنيا، وهي راغمة والآخرة، وهي مسعدة، اختاروا الدنيا تخسروا الدنيا والآخرة، من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً، هل من شعور أكثر إسعاداً للنفس من أن تشعر أن الذي خلق السماوات والأرض، ومن بيده ملكوت كل شيء، ومن بيده كل شيء، ومن إليه يرجع الأمر كله، ومن بيده كل خصومك، ومن بيده حياتك وموتك راضٍ عنك؟ ما هذا الشعور؟ لذلك قال بعضهم: إن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال لكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين .

 

ليس في الإسلام حرمان ، ولكن لكل شهوة طريق مشروع :

يا أيها الإخوة الأكارم، ملاحظة أتمنى عليكم أن تقفوا على دقائقها: ليس في الإسلام حرمان، كل الشهوات التي أودعها الله فيك جعل لها قنوات شريفة ونظيفة، وصحيحة وعلية، وكريمة وعزيزة، فالشهوة التي يمكن أن توصلك إلى النار يمكن أن تمارسها بطريق مشروع .
مثل صغير: هذا الوقود السائل إذا كان في مستودعه، والمستودع محكم، وسار في المواسير الصحيحة إلى المحرك، ثم الموزع، ثم إلى غرف الانفجار، وانفجر في المكان الصحيح، فولّد هذا الانفجار حركة متتالية، تنقلك من دمشق إلى أحد المصايف، هذا هو الوقود السائل، قوة دافعة في خدمتك، فإذا خرج من خطوطه، وصُبّ فوق المحرك، وجاءته شرارة أحرق المركبة كلها ! فهذه شهوة .
وإذا سلكت الطريق الذي رُسِمَ لَهَا فهي قوة دافعة، وإذا سلكت طريقاً آخر غير صحيح فهي قوة مدمرة، فحب المال، وحب النساء، وحب العلو في الأرض، هذه الشهوات التي أودعها الله فينا، إذا مارستها وفق الشرع الحكيم سعدت بها، إنها خُلِقَتْ في نفسك لتسعد بها، ولترقى بها، فإذا كسبت المال من طريق مشروع، وأنفقته وفق الوجه الصحيح سعدت بكسب المال، وسعدت بإنفاقه، وإذا اخترت زوجة مؤمنة نجحت : أردت من الزوجة أن تكون مؤمنة، من تزوج المرأة لجمالها أذله الله ! ومن تزوجها لمالها أفقره الله ! ومن تزوجها لنسبها زاده الله دناءة ! فعليك بذات الدين تربت يداك .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ، لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ ))

[ صحيح البخاري ]

لو اخترت زوجة مؤمنة لسَعِدتَ بها، وسَعِدَت بك، وأنشأت أسرة صالحة هي صدقة جارية من بعدك
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ، صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ ))

[ مسلم ]

فالولد الصالح صدقة جارية، وكل هذا عن طريق هذه الشهوة التي أودعها الله فينا، فلو أن الإنسان سلك إلى تحقيقها، وإروائها طريقاً نهى الله عنه شقي في الدنيا، وشقي في الآخرة، فلولا الشهوات لما ارتقينا إلى رب الأرض والسماوات، ولكن ينبغي أن نسلك الطريق الصحيح، قال تعالى :

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة الأنبياء )

البطولة أن تعرف الحقيقة قبل فوات الأوان :

اسأل يا أخي، تخاف على عينك فتذهب إلى مئات الأطباء، وتنتظر عشرات الساعات، وتدفع المبالغ الكثيرة، وتقول: أخاف على عيني، ألا تخاف على نفسك؟ ألا تخاف على هذه الجوهرة التي أودعها الله فيك؟ ألا تخاف أن يأتي ملك الموت، وأنت لست مستعداً لهذا اللقاء؟ ألا تخاف أن تكتشف الحقيقة الخطيرة بعد فوات الأوان؟ بعد الموت ؟

﴿ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ(90)أَالْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ ﴾

( سورة يونس)

هذه ليست بطولة، كفار الأرض جميعاً سيعرفون الحقيقة عند موتهم .

﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾

( سورة ق : 22)

هذه ليست بطولة، البطولة أن تعرف الحقيقة قبل فوات الأوان، وأن تعرف الحقيقة لتستفيد من هذه المعرفة، فإذا عرفت لماذا أنت هنا على وجه الأرض، وأين كنت، وإلى أين المصير، وما المهمة التي جئت من أجلها، عرفت كل شيء! " ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء " .

﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاء وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ﴾

انظر إلى الناس جميعاً، كل إنسان بنفسه طلب، والله سبحانه وتعالى يحققه له، وآخر إلى كسب المال، وهذا يسعى إلى العلو في الأرض، هذا يسعى إلى تحقيق كل الرغبات، وآخر إلى الانغماس في الشهوات، وآخر للإيقاع بين الناس، والمؤمن يسعى لمعرفة الواحد الديان.

﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

( سورة الليل)

كل منهما يسير في طريق، وهنيئاً لمن كان يمشي في الطريق الصحيح، في الطريق الذي أراده الله، والذي رسمه الله لنا

﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاء وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ﴾

الأشياء كلها معروضة أمامك، اختر، هذا يختار الأحجار الكريمة، حجر بمئتي ألف ليرة، وهذا يختار صخرة كبيرة تسحقه، دمره، وهذا يختار شيئاً ثميناً يسعد به، وهذا يختار شيئاً يدمره .

﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاء وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾

قال تعالى :

 

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾

( سورة الأحزاب)

﴿ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾

عن أحد، أي مخلوق له عند الله حق! أن يعطيه ما يريد، لكن الله جلّ وعلا لا يتعامل بالتمني، يتعامل بالسعي، فرق بين التمني والسعي، التمني أن تتمنى شيئاً ولا تسعى له، ولكن الإرادة الحرة الصادقة تقترن بالعمل .
ثم يقول الله عز وجل :

﴿ انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ

الناس في الدنيا متفاوتون :

الآن في الدنيا مكانة، هل من يعمل في تنظيف المستشفى كمكانة رئيس المستشفى؟ هل يتساوى الراتبان؟ الجندي كقائد الجيش؟ الخفير كالوزير؟ وهل الممرض كالطبيب؟ وهل الفقير كالغني؟ هذه الدنيا أمامكم .

﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاء وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا(20)انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

الصحة درجات، والشكل درجات، والقوة درجات، والمكانة الاجتماعية درجات، والذكاء درجات، والدخل درجات ... فدرجات البشر في الأرض بعدد أبناء البشر !

﴿ كُلًّا انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

يقول لك: هذا البيت أربعمائة وثمانون متراً، في أرقى أحياء دمشق ثمنه سبة وثلاثون مليوناً، فهل هو مثل بيت غرفة واحدة لا ترى الشمس؟ وهل هذا بيت، وهذا بيت؟ هذا الشيء تحت سمعنا وبصرنا، فالله عز وجل يريد من هذه الآية شيء آخر !

﴿ كُلًّا انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

التفضيل الدنيوي ينتهي بالموت :

هذا التفضيل مؤقت، الفقير يموت، والغني يموت، والقوي يموت، والضعيف يموت ، والذي يحمل أعلى الشهادات يموت، والذي لا يقرأ، ولا يكتب يموت، ومع أن هناك فروقاً شاسعة، ودرجات كثيرة في العلم والقوة، والمال والجمال، والمكانة، وكل شيء في الأرض مُقَسَّم إلى درجات .

﴿ كُلًّا انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

في الدنيا، هكذا تقتضي الحكمة، أن يكون الناس درجات، لكن هذه الدرجات مؤقتة، وقد يكون الفقير عند الله عز وجل أعظم من أعلى مرتبة في الأرض .
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، ذِي طِمْرَيْنِ، لا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ ))

[ سنن الترمذي ]

قد يكون هذا الفقير، وقد يكون هذا العليل، وقد يكون خامل الذكر أعظم عند الله وأرقى مكانة، وأحظى رتبة من علي القدر، ومن غني المال، ومن ذائع الصيت .
هناك فكرة دقيقة جداً: يقول الله عز وجل :

﴿ كُلًّا انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

هناك تفضيل في الصحة، وفي المال، وفي الجمال، وفي الذكاء، وفي القوة، وفي المكانة، وفي كل شيء، الحياة مراتب، لكن هذه المراتب الدنيوية مؤقتة تنتهي بالموت! فقبر الغني كقبر الفقير تحت الأرض، وهل قبر الغني مكيّف تحت الأرض؟ هل يوجد بلاط أو رخام؟ أو ثريا؟ لا يوجد شيء، قبر الغني كقبر الفقير .
أحد أكبر أغنياء بعض بلدان الخليج أوصى ذويه أنه إذا مات أن يسيروا بجنازته في كل شوارع المدينة! شارعاً شارعاً، وأوصى أن تخرج يده من الكفن، هكذا عاريةً ليشعر الناس أنه ذهب إلى الآخرة، وليس معه شيء! كله تركته في الدنيا المصيبة في الموت مصيبتان : الأولى أنك تخسر مالك كله، والثانية: أنك تحاسب على مالك كله، من أين اكتسبته؟ وفيمَ أنفقته؟
فأول نقطة في الآية: أن هذه الدنيا المراتب، هذا يسكن في بيت صغير، وهذا في بيت كبير، وهذا دخله لا يكاد يغطي نفقاته، وهذا عنده أموال لا تأكلها النيران، وهذا لا يستطيع أن يفك أسيراً، وهذا يستطيع أن يغير اتجاهاً، فيوجد قوي وضعيف، غني وفقير، صحيح ومريض، المشكلة الأولى أن هذه المراتب مؤقتة، يأتي الموت فيضع حداً لها .
النقطة الثانية: أن هذه المراتب شكلية، قد يكون الفقير أعلى عند الله من الغني، وقد يكون الضعيف المستضعف أحظى مرتبة من القوي، وقد يكون خامل الذكر أعلى شأناً عند الله من الذي تألق نجمه في السماء .

﴿ إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴾

( سورة الواقعة)

هذه مراتب الدنيا، أما المشكلة :

﴿ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ﴾

مراتب الآخرة أبدية :

هنا المشكلة، مراتب الآخرة إلى الأبد! ومراتب الدنيا إلى الموت، إنها تنتهي بالموت، اذهبوا إلى المقابر، أحياناً تجدون على الشاهدة إشارة إلى أن هذا كان طبيباً ! وأن هذا كان شاعراً! وأن هذا كان عميد الأدب في القطر! وأن هذا كان من كبار القوم مثلاً ... كل واحد له ترتيب، فالموت يضع حداً لهذه المراتب في الدنيا، وهذه المراتب شكلية، وقد تكون مكانتك على نقيض مرتبتك! لو أنك في دائرة حكومية آذن مستقيم، لا تأكل مالاً حراماً، وتغض بصرك عن محارم الله، وتؤدي وظيفتك بإخلاص وصدق وأمانة، وربما كان هذا المستخدم أعلى مرتبة عند الله من كل الموجودين في الدائرة! بما فيهم أعلى من فيها، لكن مراتب الآخرة مراتب أبدية، إنها من وضع الله عز وجل، ولكن أهل الدنيا اصطلحوا على أن الغني معظَّم، والفقير مهان، فالناس الضائعون الضالُّون الغافلون يرفعون الغني، ولا يكترثون بالفقير، هذه قيم الأرض، وهذه مقاييس البشر، فلا قيمة لها عند خالق البشر، لكن مراتب الآخرة مراتب من خلق الله عز وجل، أنت في الجنة، وفي هذه المرتبة، بحسب عملك في الدنيا، وهذا الذي كان في الدنيا يملأ الدنيا، كان نجماً متألقاً في العلوم أو الفنون، فإذا هو في أسفل السافلين! فمراتب الآخرة مراتب حقيقية وأبدية، فالبطولة أن تكون لك في الآخرة مرتبة عليّة، والبطولة أن يكون لك عند الله مقعد صدق عند مليك مقتدر، البطولة أن تشعر أن رب البشر راض عنك .

فليتك تحلو والحياة مــريرة وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني و بينك عامر و بيني وبين العالمين خراب
***

ابحث عن مراتب الآخرة :

أيها الإخوة الأكارم، هذه البطولة، أن تكون ذا حظّ عند الله عز وجل، وأن يكون الله راضياً عنك، وأن تكون وفق الشرع، وأن تكون حبيب الحق، هذه هي البطولة، فكلما رأيت في الدنيا بيتاً فخماً لا تقل: ليتني أسكنه!

﴿ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(79)وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ(80)فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ﴾

( سورة القصص)

فلذلك على الإنسان أن يبحث عن مرتبة عند الله، ولا يكترث بمرتبته عند الناس .
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ

(( أَنَّهُ رَكِبَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا غُلامُ، إِنِّي مُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ : احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإِذَا سَأَلْتَ فَلْتَسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ))

[ الترمذي، ومسند الإمام أحمد ]

ولا أنسى قول أحد التابعين، وأظنه الحسن البصري، حينما كان عند أحد ولاة يزيد بن عبد الملك، جاءه من يزيد توجيه، هذا الوالي .. قال: ماذا أفعل؟ أنا في حيرة من أمري، فقال الحسن البصري: " اعلم أن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله " .

﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾

( سورة الرعد : الآية 11)

﴿ انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ﴾

لا تبحث عن مكانة علية عند الناس ! فإن الناس لا يقدِّمون ولا يؤخِّرون، فابحث عن مكانةٍ عند الله .

﴿ لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا ﴾

لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا

الشرك سبب للعذاب النفسي ، والتوحيد راحة وطمأنينة :

يا الله، أحد أكبر أسباب العذاب النفسي أن تجعل مع الله إلهاً آخر !

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

(سورة الشعراء)

فإذا شئت أن تعذِّب نفسك، وأن تحس بالقهر، والحقد، والضياع، والشك، واليأس والسوداوية .. فادع مع الله إلهاً آخر، واعتقد أن زيداً من الناس يملك شيئاً من أمرك ! فإذا اعتقدت أن زيداً من الناس، أو أن كائناً من كان من الناس، يستطيع أن ينفعك، أو أن يضرك، أو أن يرفعك، أو أن يخفضك، فهذا هو الشرك بعينه .

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾

( سورة هود)

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴾

( سورة الزخرف)

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

( سورة الفتح : من الآية 10)

﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾

( سورة الأنفال : من الآية 17)

﴿ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ﴾

( سورة غافر : من الآية 20)

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴾

( سورة الكهف)

هذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، نهاية العلم التوحيد .

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

( سورة محمد)

كلمة التوحيد : لا إله إلا الله .

﴿ لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ﴾

إذا أطعت مخلوقاً، وعصيت الخالق فقد جعلت مع الله إلهاً آخر، وقد أشركت، فلو قلت : الله أكبر في الصلاة، فأنت لم تقل: الله أكبر، ولو قلتها ألف مرة! لأنك رأيت أن غضب فلان أكبر من غضب الله ! لذلك أطعته، وعصيت الله ! فإذا أطعت مخلوقاً، وعصيت الخالق فقد رأيت هذا المخلوق أكبر من الخالق، فكلمتك في الصلاة: الله أكبر، لا معنى لها .

﴿ لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا ﴾

المشرك مذموم مخذول :

مذموماً من قِبَلِ نفسك، ومن قِبَلِ الخلق، ومن قِبَلِ الحق، مخذولاً لا نصير لك، لذلك :

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا(2)وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾

( سورة الطلاق)

وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته، إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه، وما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً !

﴿ لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا(22)وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾

وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا

معنى : قضى :

كلمة ( قضى ) معناها أنه أمر، وألزم، وأوجب، وهذا القضاء ليس قضاء حُكمًا، بل هو قضاء أمر،

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ ﴾

ربك هو الذي يربيك، أقرب اسم من أسماء الله تعالى إلى الإنسان كلمة الرّب،

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ﴾

العبادة لا تكون إلا لله وحده :

لو أن الله عز وجل قال: قضى ربك أن تعبده، أمرك أن تعبده، هذا أمر لعبادته، ولكن هذا الأمر فيه قصر العبادة عليه .

﴿ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ﴾

لو أن الله عز وجل قال : وقضى ربك أن تعبده، لكنت مأموراً بعبادته، لكن الله عز وجل يقول لك :

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ﴾

إذاً لا معبود بحق إلا الله .

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾

(سورة الفاتحة : 5)

لو أن الله عز وجل قال: نعبد إياك، ليس فيها قصر .
شيء آخر، العبادة طاعة طوعية، تسبقها معرفة يقينية، تنتهي بسعادة أبدية، تعريف العبادة :العبادة الاستسلام لأمر الله في المنشط والمكره، وفي إقبال الدنيا وإدبارها، وفي صغائر الأمور وفي أكبرها .

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ﴾

فحوى رسالات الأنبياء جميعاً .

﴿ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ﴾

( سورة السجدة)

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

الربط بين عبودية الله والإحسان للولدين :

روعة هذه الآية: أن الله جمع توحيد الربوبية بالإحسان إلى الوالدين، ما هذا الأمر الذي أمرنا به، والذي رفعه الله إلى مستوى توحيد عبوديته؟ برّ الوالدين .

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

وما من عمل أعظم أو أجلّ بعد عبادة الله عز وجل من البر للوالدين !

 

من مظاهر عبودية الله وجود الوالدين :

وشيء آخر، أول مظهر من مظاهر تربية الله لك أنه خلقك من والدين، يعطفان عليك، ويحسنان إليك، ويجوعان لتشبع، ويعريان لتكتسي، ويقلقان لتنام، وحينما ترى ابناً مدللاً، يحبه والداه، ويغدقان عليه كل الإكرام، فاعلم علم اليقين أن هذا الإكرام فمن عند الواحد الديان! ولولا أنه أودع في قلب الأب هذه الرحمة، لولا أنه أودع في قلب الأم هذه الرحمة، من يربي ولده؟ كيف أن الأب يسعى طوال النهار، ويتحمل المشاق والأخطار أحياناً من أجل أن يأتي برزق أولاده؟ ومن أجل أن يطعمهم، وأن يكسوهم، وأن يرزقهم، من أجل ماذا؟ فلذلك فإن ربنا عز وجل رفع برّ الوالدين إلى مرتبة توحيد الربوبية .

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

الفائدة من مجيء الباء في قوله : وَبِالْوَالِدَيْنِ

علماء اللغة قالوا : فعل ( أحسن ) يتعدى بـ ( إلى ) ، تقول : أحسنت إليه، لكن هنا في الآية تعدى هذا الفعل بالباء على خلاف القاعدة، ما الحكمة من تعدية هذا الفعل بالباء؟

﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

العلماء قالوا: أحسن بهما، لم يقل الله عز وجل: أحسن إليهما، بل قال: أحسن بهما، لأن الباء تفيد الإلصاق، تقول: أمسكت بيده، إذاً: الإحسان للوالدين، لا يقبل من الابن إلا إذا باشره بنفسه، مثل أن ترسل الصانع بالمحل التجاري إلى أبيك مع بعض الفاكهة، قل له: خذ هذه الفاكهة من ابنك، هذا خلاف لتوجيه الله عز وجل، يجب أن تمارس الإحسان إليهما بنفسك، تقول للسائق: خذ أبي نزهة، لا، ليس هذا إحسان إليهما، الإحسان إليهما أن تكون إلى جانبهما، وأن تكون لاصقاً بهما، وأن تباشر الخدمة بنفسك، هذا معنى :

﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

لأن معاجم اللغة تعدي فعل أحسن بـ ( إلى )، لكن الله سبحانه وتعالى وضع الباء مكان إلى لماذا؟ من أجل أن يُفْهِم أن الإحسان إلى الوالدين يجب أن يباشر من قِبَل الابن مباشرة .

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

اقتران شكر الله بشكر الوالدين :

وكما أن الله عز وجل قرن الإحسان بالوالدين بتوحيد عبادته، قرن شكر الله بشكرهما! قال تعالى :

﴿ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾

(سورة لقمان)

ما من مخلوقين على وجه الأرض يستحقان الشكر بعد الله عز وجل من الوالدين .

﴿ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾

وليس لزوجتك .
روى الإمام البخاري رضي الله عنه في صحيحه عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ، قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ))

[ صحيح البخاري ]

بر الوالدين مقدم على الجهاد في سبيل الله ! وهو بعد الصلاة .

 

مِن برِّ الوالدين عدم التعرض لسبِّهما :

شيء آخر، من بر الوالدين أن لا يتعرض الولد لسبِّهما، كيف ذلك؟ هذا مستحيل، ففي صحيح البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِي اللَّه عَنْهمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ : وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ ؟ قَالَ : يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ ))

[ صحيح البخاري ]

إذا أطلق رجل لسانه في سبّ الناس، فأغلب الظن أن الناس سيسبون والديه، وإذا سبّ الناس والديه وكان هو السبب فكأنه في الحقيقة هو الذي سبّ والديه، ولذلك أي شاب يجب أن يعامل الناس معاملة يثنون على والده ما هذا الوالد الذي ربَّاك؟ بارك الله فيه، عامل الناس معاملة تجعلهم يلهجون بالثناء على والدك، إذا كنت بارَّاً به، أما الذي يعامل الناس معاملة يلعنون بهذه المعاملة أباه، فقد لعن هو أباه، كأنه هو لعن أباه .

 

مِن برِّ الوالدين موافقتهما في أغراضهما :

وشيء آخر، من بر الوالدين موافقتهما في أغراضهما، الأب له حاجة فإذا لبَّيته، فهذا من البر، إلا أن هذه الحاجة، لها شرطان: أولاً: أن تكون في غير معصية الله عز وجل، وأن تكون مباحة، وأن تكون في استطاعتك، وعقوق الوالدين مخالفتهما في أغراضهما، الجائزة، العلماء قالوا: إذا أمر الأب أو الأم وجب على الابن تنفيذ الأمر ما لم يكن فيه معصية، أو ما لم يكن فوق المستطاع، إذا كان الشيء مباحاً أصبح بأمر الأب والأم مندوباً، وإذا كان مندوباً أصبح بأمر الأب والأم آخذًا في الندب .
وشيء آخر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ :

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قَالَ: أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ، أَدْنَاكَ ))

[ صحيح مسلم ]

فالعلماء استنبطوا من هذا الحديث أن ثلاثة أرباع البر للأم، والربع للأب .
هناك حديث آخر يجعل توازناً بين بر الأب والأم، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ :

(( كَانَتْ تَحْتِي امْرَأَةٌ كَانَ عُمَرُ يَكْرَهُهَا، فَقَالَ : طَلِّقْهَا، فَأَبَيْتُ، فَأَتَى عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَطِعْ أَبَاكَ ))

( مسند أحمد)

كِلاهُمَا في البِرِّ سيّان، الحقيقة المهمة التي ينبغي أن تعرفوها، أن بر الوالدين واجب عليك، ولو كانا كافرين أو مشركين! فكيف إذا كانا مسلمين؟ لقوله تعالى :

﴿ لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ﴾

(سورة الممتحنة)

فاليوم إذا لم يكن أبو الرجل وفق اتجاهه الدقيق تجده يذم والده، هذا أب؟ فأنت بإحسانك وتهذيبك وبلطفك، لعل الله عز وجل يجعل قلب أبيك يميل إلى اتجاهك، أما أن تنتقده علانية أمام أمك وأخواتك، وتنتقده علانية، وتريده أن يخضع لك، فهذا مستحيل، لغة واحدة يمكن أن تعامل بها أباك : وهو الإحسان، ولا شيء إلا الإحسان، بالإحسان قد تأخذ بيده إلى الجنة بالإحسان فقط، أما بالنقد والتعريض والإشارة والتلميح والتشهير فهذا ليس من الدين في شيء، ومن يفعل ذلك فقد ارتكب حماقة ومخالفة لأوامر دينه .

 

مِن برِّ الوالدين استئذانهما للجهاد :

من بر الوالدين أن تستأذنهما في الجهاد، ولا يصح جهادك إلا إذا استأذنتهما، فما هذه المكانة ؟
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ :

(( إِنِّي جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَلَقَدْ تَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ، قَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا ))

[ سنن النسائي ]

من بر الوالدين: أن يصل الإنسان أهل ودِّ أبيه بعد أن يولي، عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيِّ قَالَ :

(( بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: نَعَمِ، الصَّلاةُ عَلَيْهِمَا، وَالاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لا تُوصَلُ إِلا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا ))

[ سنن أبي داود ]

كل رجل من الإخوة الحاضرين إذا كان والده موجوداً فهذه فرصة ذهبية، ليستغل حياته في خدمته، وفي الإحسان إليه، وفي طلب مرضاته من غير معصية، وإن كان قد توفي فليصل أهل ودِّ أبيه، وليعمل من الصالحات عملاً من أجل أن تكون أعماله كلها في صحيفة أبيه، ومن أجل أن يكون لأبيه صدقة جارية .
وشيء آخر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ، ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلاهُ الْجَنَّةَ ))

[ سنن الترمذي ]

فبر الوالدين قد يستحق بهما الرجل دخول الجنة! لكن الله عز وجل يقول :

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا ﴾

إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا

طبعاً الأب الشاب، هناك آباء لا يزالون في سن الشباب أو الكهولة يتمتعون بصحة جيدة، ومكانة علية، ومال وفير، هم يقدمون كل الإحسان إلى أولادهم، المشكلة أعمق من ذلك :

﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا ﴾

تجاوز عمر الأب ثمانين عاماً، وتراجعت قواه الجسمية والعقلية، وصار يعيد القصة مئات المرات، وصار ذا طبيعة فضولية، يبتغي أن يعرف كل شيء، وأن يحشر أنفه في كل شيء، وصار يكثر من النقد، وصار له ثقل في البيت :

﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا ﴾

بلغ سناً كبيرةً، وهو عندك في البيت لأن الذي يأتي عند أبيه في الأسبوع مرة ليقبِّل يده ويسأله رضاه، قضية سهلة جداً، أن يكون لك بيت مستقل، يسير وفق ما تريد، وأبوك عند أخيك الأصغر، أو الأكبر تذهب إلى بيت أخيك في الأسبوع مرة لتقدم واجب بر الوالدين، وتأتيه بهدية صغيرة، تقبل يديه، وتسأله عن صحته، ماذا فعلت ؟ لكن الأب إذا كان في البيت، وكان له طلبات كثيرة، وانتقادات كثيرة، وكان له طباع لا ترضاها، فمع طباعه التي لا ترضاها، ومع طلباته الكثيرة، ومع إلحاحه الشديد، ومع تدخلاته في شأن غيره، ومع انتقاده الذي لا يحتمل، في هذه الحالة الصعبة :

 

﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ﴾

إيّاكم من الأفّ وما فوقها :

هنا البطولة، أقل شيء أن يخرج نَفَسُك بصوت! لا أعتقد أن هناك أقلّ من هذه الأف، لا يوجد تعبير عن الضجر كأن يخرج النَفَس بصوت، تقول : أشهد أن لا إله إلا الله، هذه ليست شهادة، هذه ضجر، وكلمة أف أقل من الشهادة، نَفَس عادي، الزفير مع صوت، أف بمعنى الضجر، وجدته قد بلل ثيابه، وقبل ساعة نظفته، وألبسته ثياباً جديدة، لم يمض ساعة قال العلماء: إذا وضعت ثوبك على أنفك فهذه بمستوى أف! رائحة كريهة، هذه من الكبيرة، وكنت منزعجاً منها فهي مثل أف تماماً !

﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ﴾

يبتعد عن والده مترين، ثم يُسمِعهُ قوله: الله يخفف عنه، قد أسمعته إياها، لا حول ولا قوة إلا بالله، هذه أصعب من أف، أسمعته كلمة الله يخفف عنه، شيء لا يحتمل، متى سيموت لنتخلص منه ؟
أعرف رجلاً خدم أمه تسع سنوات، إلى أن ضجر استدعى، إخوته، وقال : هذه أمي وأمكم، خذوها عني، فأخذوها عنه، وماتت في اليوم الثاني ! فقد ضيّع تسع سنوات من الخدمة الشاقة .
وأعرف رجلاً كان يعنى بامرأة قعيدة متقدمة في السن، فانتقل إلى حي بعيد، فصار انتقاله إلى مكان بيت المرأة التي يرعاها أمراً فوق طاقته، هو متقدم في السن، من حي بعيد إلى حي آخر، يركب الحافلات كل يوم، أشفق عليه أهله، دعوه إلى أن يترك خدمتها إلى جهة أخرى، فلم يرضَ، مسنة كبيرة، فلما رأوه يشقي نفسه، قالوا: يا أخي، آت بها إلى هنا، وأرحنا من هذا الأمر! فأقنعها، وجاء بها إلى بيته لتكون الرعاية أكثر، وفي اليوم الثاني ماتت! كسب الأجر .

﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا ﴾

لا أعتقد امرأة وهي تنظف ابنها فعلت هذا أبداً، كانت تتمنى حياته، أما الابن إذا خدم أمه في أعماقه فيتمنى أن يخفف الله عنها، وشتّان بين هذا العمل، وهذا العمل، فربنا عز وجل جاء بالحالة الصعبة، أصعب حالة، التقدم في السن، تراجع في الملكات، وعدم انضباط بالأجهزة، وهي في البيت، والزوجة تنتقد إلى متى سنتحمل، هذه ليست أمك فقط بل وأم إخوتك أيضاً، عليك أن تقوم بالدور بينكم .

﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ﴾

أمر خالق الكون يقول لك: إياك أن تقول لهما: أف، ولا تنهرهما، هذه أفظع، فأنت منهي عن أن تقول لهما: أف، فالنهي عن أن تقول أكبر من أف من باب أولى .

﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾

وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا

من مدلول القول الكريم مناداتهما بلفظ الأبوة والأمومة :

قال العلماء: من القول الكريم ألا تناديهما باسميهما! ولا بكنيتيهما، دخلت مع رجل كبير بالسن إلى عند ابنه، وهو يحتل منصب مرموق، والأب يرتدي لباساً جيداً، وبملكاته الكاملة، فيبدو أن الابن خجل بأبيه أمام الحاضرين فقال له: أبا فلان اجلس هنا! سبحان الله! فأنت منهي عن أن تقول لأبيك: أبا فلان، يا أبي أهلاً وسهلاً بالوالد الكريم .

﴿ وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾

وأنت منهي عن أن تسمهما باسميهما! أو بكنيتيهما، كلمة يا أبتِ، يا أبتاه .

 

من القول الكريم الاسترضاء :

هناك تفسير آخر : القول الكريم كالعبد المذنب الذي يخاطب سيده الفظ الغليظ، كيف أن يريد أن يسترضيه، وينتقي أجمل العبارات، وينتقي أجمل عبارة، يقول له : سيدي، لا أعرف ذلك، ما فعلت هذا عن قصد .

﴿ وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا(23)وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾

الدعاء لهما بالرحمة بعد موتهما :

آخر ملاحظة : تدعو لهما بعد الموت أن يكونا في الجنة .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018