الدرس : 02 - سورة الإسراء - تفسير الآيات 10 – 20 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 02 - سورة الإسراء - تفسير الآيات 10 – 20


1987-07-03

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت السميع العليم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون، إلى الدرس الثاني من سورة الإسراء، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

﴿ وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا ﴾

وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا

الإنسان خُلق عجولا ضعيفا هلوعا :

 خلق الإنسان عجولاً، وخلق الإنسان ضعيفاً، وإن الإنسان خلق هلوعاً، هكذا خلق، هكذا فطره الله سبحانه وتعالى، خلقه عجولاً، وخلقه هلوعاً، وخلقه ضعيفاً، ولم يأتِ في كتاب الله من صفات الإنسان إلا هذه الصفات الثلاث .

﴿ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا ﴾

( سورة النساء )

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴾

( سورة المعارج)

﴿ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا ﴾

(سورة الإسراء)

هذه الصفات الثلاث في مصلحة الإنسان :

 لو دققنا في هذه الصفات، لوجدنا العجلة والضعف والهلع في مصلحة الإنسان، فلو أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان قوياً لاستغنى بقوته، ولشقي باستغنائه، فهذا الضعف الذي في الإنسان هو الذي يعينه على أن يتصل بالله عز وجل، وعلى أن يتوب إليه، وعلى أن يُقْبِلَ عليه، وعلى أن يخاف منه، ولولا الضعف لما خاف الإنسان ربه، ولما تاب إليه، ولما أقبل عليه، فالضعف في مصلحته .
 إذا عَلَّقْنَا آمالاً كبيرة على أن يربِّي هذا الأب ابنه، كيف يربي الأب ابنه إذا كان الابن مستغنياً عن أبيه؟ لا! حاجات الابن كلها متعلقة بأبيه، يحتاج إلى الطعام والشراب، وإلى تأمين الحاجات، حاجات الابن الكثيرة التي أودعها الله عند الأب تتيح للأب أن يربيه، فالضعف صفةٌ أودعها الله في الإنسان لمصلحته .
 مثل آخر توضيحاً للحقيقة، لماذا يمرض الإنسان؟ الله سبحانه وتعالى قادر على أن يخلق الإنسان من دون مرض، لو أن الله عز وجل خلق الإنسان من دون مرض فلماذا التوبة؟ ولماذا العودة إلى طريق الحق؟ ولماذا الإقلاع عن المعصية؟ ولو أنه شديد عتيد لا يخشى أحداً، صحة طيبة، لكن الأمراض أو شبح الأمراض هذه التي تضعف الإنسان تجعله يخضع لله عز وجل، ويتوب إليه يتضرع إليه، يقبل عليه بسبب أن الإنسان ضعيف، والإنسان أيضاً هلوع .

﴿ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴾

( سورة المعارج)

 هلعه يجعله يحتمي بربه، كيف يعود الابن إلى أمه متشبثاً بأذيالها؟ لخوفه من الكلب العقور، فلولا خوف الطفل من الكلب لما التجأ إلى أمه، فهذا الهلع في مصلحة الإنسان، أما لماذا خلق الإنسان عجولاً؟ ولماذا كان عجولاً؟ لو كان الإنسان بشكل أو بوضعٍ آخر على نقيض العجلة، لو أنه يبحث عن المستقبل البعيد، لكان في تعلقه بالآخرة منسجماً مع طبيعته، ولما ارتقى بهذا التعلق، بل لأنه عجول، فإذا آثر الآخرة على العاجلة فقد خالف هوى نفسه، وخالف طبيعته، وبهذا يرقى .

 

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

( سورة الليل)

 

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى ﴾

 

( سورة النازعات)

 حينما يخالف الإنسان طبيعته يرقى عند ربه، صلاة الصبح فيها مغالبة لطبيعة الجسم، إذ أن طبيعة الجسم تنسجم مع البقاء في الفراش، لكن صلاة الصبح قبل الشمس تحتاج إلى إرادة قوية، أردت من هذا كله أن أصل إلى أن الإنسان حينما يخالف طبيعته يرقى عند ربه، فقد خلق الإنسان عجولاً، وآثر الآخرة على الدنيا العاجلة، بهذا يرقى عند الله عز وجل في الدرجات العلا .
 فربنا عز وجل يقول :

﴿ وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا ﴾

الإنسان يتمنى الشر بحماس كما لو كان خيرا :

 أيّ إنسان، المقصود بها جنس الإنسان، ينطلق الإنسان، ويتحمس، ويقبل على الشر بحماس وصدق، وجلد وتصميم وإرادة، كما لو كان الشر خيراً، لأن في الشر كما يزعم مغنمُاً سريعاً، كسب عاجل، الناس جميعاً تقريباً إذا رأى أحدهم بيتاً فخماً تتوق نفسه إليه، ولو كان تحصيله من حرام، يؤثر هذا البيت في الدنيا العاجلة على جنة عرضها السماوات والأرض ! وإذا عرض عليه مبلغ كبير من طريق غير مشروع يقبل عليه، ويأخذه، ويؤثره على جنة عرضها السماوات والأرض، إذاً هو آثر العاجلة على الباقية، وهكذا طبيعته، فلو أنه فكر، وتأمل، وتبصر، ودقق، وحقق، وحضر مجالس العلم، فلو عرف القرآن الكريم وما عند الله لآثر الآخرة على العاجلة .
 إذاً: أن تؤثر الآخرة فهذا يحتاج إلى تفكر وتدبر، وتأمل، وإرادة وتصميم، وعلم وتقوى .

﴿ وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ ﴾

 يتمنى الشر بالحماس والرغبة والإرادة والحرارة، كما لو كان خيراً .

 

﴿ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا ﴾

 إذاً: من خالف طبيعة نفسه ، وآثر آخرته على دنياه ارتقى عند الله عز وجل في جنات عرضها السماوات والأرض، وهذه المعاني الثلاثة: أن الإنسان خلق هلوعا، وأن الإنسان كان عجولا، وأن الإنسان خلق ضعيفا، هذه الصفات الأساسية لمصلحة الإنسان .
 كيف أن الآلة الثمينة الغالية، التي نخشى أن يصيبها العطب نضع فيها ممراً كهربائياً ضعيفاً جداً، يعد هذا الممر نقطة ضعف للآلة، لكن هذا الضعف لمصلحة الآلة، فلو جاء التيار شديداً لساحت هذه النقطة، ولانقطع هذا التيار عن الآلة، فصنَّا الآلة من العطب والعطل، وهذا بعض ما في الضعف، وما في العجلة، وما في الهلع، من حكمة أودعها الله عز وجل في هذه الصفات التي أُوجِدَت في الإنسان لمصلحة إيمانه وسعادته في الدنيا والآخرة، فالإنسان أحيانا يدعو بالشر، يريد الدنيا، وفي الدنيا هلاكه، ويريد المال، وفي المال هلاكه، يريد أن يتزوج هذه المرأة، وقد يكون في زواجه منها شقاؤه، يريد أن يعمل هذا العمل الذي يدر عليه مبالغ طائلة، وقد يكون في هذا العمل شقاؤه، ويريد أن يذهب إلى المكان الفلاني حيث المتعة والجمال، والأنس والطرب والبهجة، وفي هذا فساد دينه .

 

﴿ وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ﴾

في العجلة الندامة وفي التأني السلامة :

 والله عز وجل يدعونا إليه، وهذا هو التبصر والتأمل، والتحقق والتدبر والتفكر، ولا ينبغي أن نقبل على الشر كما لو كان خيراً، لا ينبغي أن تفرح بمال عريض يوفر لك سعادة الدنيا، يأتي الموت فتخسر كل هذا المال، وأحياناً يستدين الإنسان مبلغاً ضخماً لشراء سيارة، وتحترق السيارة، ويبقى الدين عليه، هكذا الدنيا، يعمل ليلا ونهارا من أجل تحصيل دنيا عريضة ممتعة، يأتي الموت تذهب الدنيا، وتبقى طبيعة العمل، ويبقى المال الحرام الذي حصَّلَه، فلا تكن ـ أيها الإنسان ـ عجولاً، ففي التأني السلامة، وفي العجلة الندامة، لا تسرع، وتوافق على هذا المال، فقد يكون حراماً، ولا تسرع، وتوافق على هذا الزواج فقد يكون مهلكاً، لا تسرع، وتوافق على عقد هذه الشراكة فقد يكون الشريك منحرفاً، لا تسرع، وتأخذ هذا البيت فقد يكون في أخذ هذا البيت اغتصاب .

﴿ وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا ﴾

 ينبغي إذا جلسنا هذا المجلس أن نتعظ، فكل درهم من حلال خير من مئة ألف درهم من حرام، لا تكن عجولاً، ولا توافق على الشيء قبل البحث عنه، وهل يرضي الله عز وجل؟ وهل هو مطابق للشرع؟ وهل هو وفق السنّة النبوية المطهرة؟ اسأل أهل الذكر إن كنت لا تعلم، هذا العمل يدر عليَّ مبالغ طائلة، ما قولكم فيه؟ قد يكون هذا العمل مبنياً على إيذاء الناس، أو على إفساد أخلاقهم، أو على بيعهم شيئاً يثير الفساد فيهم .

 

﴿ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا ﴾

 أرجو الله عز وجل أن أكون قد وفقت إلى توضيح أن الإنسان لا ينبغي أن يكون عجولاً وفق طبيعة خلقه، الجسم يحتاج إلى الراحة، وأُمِرتَ أن تصلي الصبح قبل شروق الشمس، لا تستجب لرغبة جسدك، كذلك في العجول، لا تستجب لرغبة نفسك، في أن تأخذ الشيء الحاضر، ولو كان حراماً، وأن تدع جنة عرضها السماوات والأرض، وإن كانت بعيدة المنال!

 

معنى : وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا

المعنى الأول :

 بعض علماء التفسير قال في هذه الآية :

﴿ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا ﴾

 أحياناً حينما تأتي إنذارات الله عز وجل، يقول الذين لا يعلمون: ائتنا بعذاب الله! أين عذاب الله؟ ليكن؛ نحن لا نخاف .

 

المعنى الآخر :

 

 المعنى الآخر لهذه الآية :

﴿ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا ﴾

 أي : يستعجل عذاب الله من دون أن يعرف كُنْهَ هذا العذاب، وكيف أنه إذا أقبل لات حين مناص، فالإنسان معرَّض في أمر عمله إلى إغراءات كثيرة، يقول له أحدهم: دعك من هذه المصلحة، هذه فاقورة، أي تسبب الفقر، لنكن معاً في هذه المصلحة، ولكن هذه المصلحة فيها فساد، و إفساد لأخلاق الناس، وكل يوم الغلة ثمانية آلاف !

 

﴿ وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا ﴾

 في بيعك، أو شرائك، أو زواجك، أو شراكتك، أو نزهاتك .. لا تختر شيئاً يغضب الله عز وجل، ولا تؤثر الدنيا الفانية على الآخرة الباقية .

 

﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ﴾

هذه هي العلاقة بين الآيتين : إذا عرفت الله فلن تكون عجولا :

 قبل الحديث عن هذه الآية، ما علاقة قوله تعالى :

﴿ وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا ﴾

 بقوله تعالى :

 

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾

 هذا هو الهدي الإلهي .

 

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾

 هذا هو الحال للهدى، الهدى يهدي للتي هي أقوم، فما حال المهتدي؟ هذا المهتدي قد يؤثر الدنيا العاجلة على الآخرة الباقية، وقد يؤثر الدنيا الفانية على الآخرة الباقية، وقد يؤثر الدنيا القليلة على الآخرة الكثيرة، فما متاع الحياة الدنيا إلا قليل؟ حينما تحدث الله لنا عن الهدي الذي في هذا القرآن، وكيف أن هذا الهدى يقود صاحبه إلى التي هي أقوم، تحدث عن الإنسان المعني بهذا الهدى، فقال :

﴿ وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا ﴾

 لو أن الإنسان تفكّر في خلق السماوات والأرض لعرف أن خالق السماوات والأرض خلقهم لهدف كبير، وليس لمدة يسيرة، لا يعقل أن تكون السماوات والأرض خلقت من أجل أن نعيش على هذه الأرض ستين عاماً، أو أكثر، أو أقلّ! هناك هدف أكبر من أن تعيش سنوات بعضها في الإعداد، وبعضها في المتاعب، فلو أنك تفكرت في خلق السماوات والأرض لعرفت أن الله عز وجل خلقهم بالحق ! ومعنى بالحق، أي: خلقها لهدف كبير، وخلقها لتبقى، أنت لم تُخْلَق عبثاً .

 

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾

( سورة المؤمنون)

 وأنك لم تخلق سُدَىً، إنما خُلِقْتَ بالحق من أجل أن تسعد في الدنيا والآخرة، ولذلك فالله عز وجل يلفت نظر الإنسان إلى أنك إذا عرفت الله لم تكن عجولاً، ولم تدع للشر دعاءك للخير، كيف تعرف الله عز وجل؟

 

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً

﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ﴾

معرفة الله من خلال آياته الكونية :

 هذه الأرض، وهذه الشمس، لو أن الأرض ثابتة في مكانها لا تدور حول نفسها، لما كان ليل ولا نهار! ولكان نصفها الأول نهاراً سرمدياً، ونصفها الآخر ليلاً سرمدياً، ولكن دورة الأرض حول نفسها جعلت الليل والنهار .
إذاً: الليل والنهار آيتان دالتان على قدرة الله عز وجل، وعلى عظمته وحكمته .

تدور الأرض ليكون وقت الليل والنهار مناسبا :

 الآن سرعة الدوران، ماذا نفعل بنهار لا يزيد على ساعة واحدة؟ وماذا نفعل بليل لا يزيد على ساعة واحدة؟ وماذا نفعل بنهار يزيد على مئة ساعة؟ وماذا نفعل بليل يزيد على مئة ساعة؟ كون الأرض تدور حول الشمس، هذه آية، وكونها تدور في سرعة مناسبة لطبيعة الإنسان، هذه آية ثانية، وكون الأرض تدور حول الشمس آية ثالثة، وكون محور الأرض مائلا هذه آية رابعة، دورتها حول نفسها آية، وحول الشمس آية، ومن خلال هذا كله كان الليل والنهار، الليل ذو الأمد المعقول، والنهار ذو الأمد المعقول، والصيف والشتاء والربيع والخريف .

﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ﴾

الليل والنهار آيتان فهل فكَّرت فيهما ؟

 هل فكرنا فيهما؟ وهل استيقظنا في أحد الأيام على نهار لا شمس فيه؟ فيه خلل فني؟ لم تصل الشمس اليوم؟ هذا الثبات في الليل والنهار منذ مئات ألوف السنين .

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾

( سورة فصلت : 37)

﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ ﴾

سنة الله في الليل أنه راحة وسكون وهدوء :

 الله سبحانه وتعالى جعل الليل مظلماً، كي ننام، وترتاح عضلاتنا، وأعصابنا، وأجهزتنا، وكي ننطلق في اليوم التالي إلى عملنا بنشاط واستعداد كافيين، فالليل من سماته أنه يعيق الحركة لسيطرة الظلام عليه، فلا حركة، ولا نشاط، ولا سعي، ولا كسب في الليل، وطبيعة الليل طبيعة ساكنة .

﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا(10)وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴾

( سورة النبأ )

﴿ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ ﴾

 ألغينا الحركة مع إلغاء الضياء، وألغينا الحركة مع الحاجة إلى النوم .

 

﴿ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ﴾

لماذا النهار ضياء وإبصار ؟

العلة الأولى : النشاط وابتغاء الرزق :

 النهار مضيء، كل شيء تراه في النهار، فالفلاح ينطلق إلى عمله في النهار، والصانع ينطلق إلى معمله في النهار، والموظف إلى دائرته، وكل أصحاب الحرف، وأصحاب المحلات، وأصحاب النشاطات، ينطلقون في النهار .

﴿ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ﴾

 لتكسبوا رزقكم، الفلاح في أرضه، والعامل في معمله، والموظف في دائرته، والتاجر في متجره، والصانع في مصنعه، وكل إنسان يعمل في النهار بشكل طبيعي هو مرتاح، ومستعد للعمل، والإضاءة تعين على أداء العمل، هذه العلة الأولى .

﴿ لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ﴾

معرفة الأيام والسنين والحساب :

 والله الذي لا إله إلا هو، في دورة الأرض حول نفسها آية لا يعرفها إلا من عَقَلَهَا! فلو أن طبيعة الأرض لا تدور، وإذا لم تَدُرْ فليس هناك ليل ولا نهار، وكيف تتم حياتنا؟ قد تقول لإنسان: كم عمرك؟ يقول لك: لا أدري والله، متى سوف تفعل هذا؟ لا يملك جواباً! لكن دورة الأرض حول نفسها جعلت ليلاً ونهاراً، وأصبح في الزمن أسبوع وشهر وسنة، ليل ونهار، وأسبوع وشهر وعام .

﴿ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ﴾

 فلان بلغ من العمر أربعة عشر عاماً، وفلان في الصف الثاني عشر، فلولا دورة الأرض حول نفسها لما كان فلان في الصف الثاني عشر، كيف يعرف أنه في الصف الثاني عشر؟ العبادات، أوقات الصلوات، الصيام، الحج، البيوع، التأجير، أخي استأجر هذه الحاجة لعامين، هل يمكن أن تقول: لعامين لولا الشمس والقمر، والليل والنهار؟

﴿ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ﴾

كل ما نحتاجه مفصَّل في الوحيين :

 كل شيء تحتاجونه في أمر دنياكم ودينكم فصَّلناه لكم تفصيلا! كل شيء أنتم في أمس الحاجة إليه في أمر دنياكم: أحكام الزواج، وأحكام الطلاق، وأحكام البيع، وأحكام الإيجارات، وأحكام المضاربة، وأحكام المزارعة، كل شيء تحتاجونه في دنياكم وآخرتكم فصَّلناه تفصيلا، وهذا من نعمة الله علينا، ونعمة الإيجاد، والإمداد، والإرشاد، وكأن الله عز وجل أراد أن هذا الإنسان الذي يدعو بالشر دعاءه بالخير، لو فكر في خلق السماوات والأرض لعرف الله، ولدعا إلى الخير، وترك الشر !
 من الذي يدعو بالشر دعاءه بالخير؟ الجاهل، من الذي يأكل مادة سامة؟ هو الجاهل، لو عرفها سامة لما أكلها، فيا أيها الذي تدعو بالشر دعاءك بالخير، تأمل في خلق السماوات والأرض، إذا تأملت في خلقهم لعرفت الله! عندئذ تبحث عما يرضيه، عندئذ تعرف لماذا أنت على وجه الأرض، وتعرف مهمتك في الدنيا، وتدع المعاصي وتفعل الخيرات .

﴿ وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ﴾

وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ

الطائر كناية عن العمل :

 الطائر هنا كناية عن العمل! والعمل الذي تفعله اختياراً أنت ملزم به، ويجب أن تتحمل تبعته .

﴿ وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ﴾

مبدأ المسؤولية والتبعية :

 

 عملك الطيب الذي تفعله باختيارك، وعملك السيئ لا سمح الله الذي تفعله باختيارك، هذا العمل سوف يُطَوِّقُ عُنُقِكَ، كناية لطيفة، كيف أن القيد أحياناً يُطَوِّق عنق الإنسان، فلا يستطيع منه فِكَاكَاً، إما أنه قلادة من الأحجار الكريمة تزين بها عنقك، وإما أنه قيد تجر به إلى مصيرك، وعلى كلٍّ فعمل الإنسان الذي يعمله باختياره من خير أو شر سوف يكون قيداً يقيد عنقه .

﴿ وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ﴾

 هذه الآية تؤكد مبدأ التبعة والمسؤولية .

 

﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

 

(سورة البقرة)

﴿ وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ﴾

كلّ عمل عملتَه طار منك :

 والعرب كانت في الجاهلية إذا طار طائر عن يمينها تفاءلت، وإذا طار طائر عن شمالها تشاءمت، فكأن الطير في العرف الجاهلي رمز لما سيصيب الإنسان من خير أو شر، وهنا في الآية الطائر هو العمل، فإن العمل الذي كان في ملكك فطار منك، والإنسان قبل أن يعمل له الحرية؛ يعمل أو لا يعمل، يعصي أو لا يعصي، يفعل الصالحات أو لا يفعل، هذه الأعمال كامنة فإذا فعلها فهو تابع لها! وكأنها طارت منه .

﴿ وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ﴾

 هذا العمل يلزم الإنسان ويقيده، ويصبح الإنسان رهينة لعمله .

 

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾

( سورة المدثر)

 ولو أن الإنسان عمل عملاً يخالف القوانين والأنظمة يتحمل تبعة عمله، وقد يخسر حريته، وعمله أصبح قيداً له .

 

﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا ﴾

كلّ عملك مسجَّلٌ في كتاب تقرأه بنفسك يوم القيامة :

 كل عمل تعمله مسجل، وأغلب الظن أنه مسجل مع الصورة !

﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ(18)وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ(19)كِتَابٌ مَرْقُومٌ ﴾

( سورة المطففين )

 ومعنى ( مرقوم )، أي: مُرَقَّم، ولها معنيان :
 مرقم الصفحات، لا يمكن أن تنزع منه صفحة .
 ومرقوم: بمعنى أن فيه صوراً من الرقيم، العمل مع صورته ! فما قولكم لو جئنا يوم القيامة، فإذا حياتنا منذ أن أدركنا سن البلوغ وسن المسؤولية إلى ساعة الوفاة؟ كل صغيرة وكبيرة، وكل عمل صالح وسيئ، وكل مخالفة، وكل طاعة، مسجلة مع صورة له !

 

﴿ وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا ﴾

 اقرأ كتابك .

 

﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾

اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا

خذ الكتاب وحاسب نفسك بما فيه :

 فأحياناً يدخل الموظف إلى مديره العام، شاكياً له، يستدعي هذا المدير موظف الذاتية، ويقول له: ائتني بإضبارة فلان! فتأتي الإضبارة، يفتحها له، باليوم الفلاني تأخرت، وفي صحيفتك توبيخ مسجل، وفي صحيفتك تقرير طبي خلّبي غير صحيح، فيلزمه بأعماله كلها، فإذا هذا الموظف ينكمش، ويخجل، ويسقط في يده، هذا مثل .

﴿ وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا(13)اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾

 فأنت حاسب نفسك عن هذه الأعمال .
 قال لي شخص: ارتكب رجل جريمة، فقال له القاضي: أنت احكم على نفسك! قال: الإعدام! ارتكب جريمة بشعة، قتل فيها أماً وأطفالها، من أجل أن يسرق البيت، فلما وقع في قبضة العدالة، وبدأ قاضي التحقيق يفور ويهمد، وقال له: أنت احكم على نفسك، فقال: أستحق الإعدام !

﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾

 عندما يعود الإنسان إلى فطرته السليمة، ويطَّلِع على عمله المؤذي كأن الله عز وجل يقول له :

 

﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾

 لذلك إن العار ليلزم المرء يوم القيامة! فمن العار والخزي عندئذ أن يستحق دخول النار .

﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ(104)أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾

( سورة المؤمنون)

﴿ مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى

الهدى عائد على صاحبه بالفوز ، والضلال عائد عليه بالخسران :

 إذا كان مع رجل ثمن بيت، ووضعه في برميل، وصب عليه الزيت، وأحرقه، ستمئة ألف! من الذي يغتاظ؟ جاره؟ صديقه؟ بل هو نفسه .

﴿ مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

 الهدى عائد عليك، والضلال عائد عليك، فإن اهتديت فما زدت على أن نفعت نفسك، وإذا ضللت فما زدت على أن ألحقت بنفسك الهلاك في الدنيا والآخرة .

﴿ مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

 ألم يقل الله عز وجل :

 

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾

 وأن الإنسان الجاهل يدعو بالشر دعاءه بالخير؟ وإن طريق معرفة الله .

 

﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ﴾

 وأن الإنسان محاسبٌ عن عمله حساباً دقيقاً؟

 

﴿ وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ﴾

 وأن الإنسان حينما يعود إلى فطرته السليمة سوف يحكم هو نفسه على نفسه بالنار؟ والآن ربنا عز وجل يقول :

 

﴿ مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾

 اعملوا ما شئتم، كل الذي تعمله تجده، كل الذي تفعله من معاصٍ تحاسب عليه، إن لكل حسنة ثواباً، ولكل سيئة عقاباً .

 

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

القرآن يقرِّر أصل الاختيار في الإنسان :

 هذه الآية أصل في أن إنساناً لن يؤخذ بجريرة إنسان آخر ! وكل إنسان يحاسب عن عمله .

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

 أي: ولا تحمل نفس حمل نفس أخرى، كل إنسان يحمل حمله، ولو أن الأب كان مهتدياً، وجاء الابن ضالاً، إذا بذل الأب جهده في هداية ابنه، وأبى الابن الهداية لن يتحمل الأب من تبعة ابنه شيئاً، ولو كان الابن مهتدياً، وكان الأب ضالاً لن يتحمل الابن من ضلال الأب شيئاً، وكذلك الأخ والزوجة .

﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ(10)وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾

( سورة التحريم )

 لا امرأة فرعون تتحمل من أوزار فرعون شيئاً، ولا سيدنا نوح وسيدنا لوط يتحملان من أوزار نسائهما شيئاً، وكل إنسان يحاسب عن عمله، هذا أصل في العدالة .

 

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾

لابد في الأرض من دعاة وهداة للخير :


 الكون وما فيه من آيات دالات على عظمة الله عز وجل، الكون كافٍ ليضعك أمام المسؤولية! والفطرة السليمة التي فطرت عليها كافية لتعرفك بربك وبمسئوليتك، ولكن رحمة الله عز وجل أبت أن يحاسب إنساناً، أو أن يعذب إنساناً بعد أن يبلغه رسالته، معنى ذلك : أن الله عز وجل لا يدع أهل الأرض من دون هداة ودعاة، ومن يعلم الناس أمر دينهم .

﴿ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ(8)قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ ﴾

( سورة الملك)

 والله عز وجل في آيات كثيرة .

 

﴿ أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ ﴾

( سورة فاطر : 37)

 لا بد من النذير، النذير كما قال القرطبي في تفسيره: هم الرسل، والنذير هم العلماء، والنذير هي المصائب، وسن الأربعين، والشيب، وموت الأقارب، ولا يعذب الله إنساناً قبل أن يبلغه رسالته، مع أن الكون يكفي لما فيه من آيات دالات على عظمة الله، ومع أن فطرة الإنسان تكفي، ولكن رحمته أبت أن يعذب مخلوقاً قبل أن يبلِّغَه رسالة السماء .

 

﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ ﴾

( سورة الأنفال : 23)

 إذاً: لا بد من أن يسمعهم مادام فيهم الخير .

﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ﴾

وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا

الكناية بالقرية عن أهلها :

 القرية هنا كناية عن سكان القرية، وقد ذكر الله القرية مكان أهلها إشارة إلى أن تدمير الله عز وجل لشدته يصيب العباد والبلاد !

﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً ﴾

إهلاك القرية له موجِبه وسببُه :

 أردنا إهلاكها، لأنها فعلت موجبات الإهلاك، والقرية أو أهل القرية، أو المجتمع الذي يفسد ويُعصى الله فيه، ويأكل القوي حق الضعيف، وتُفعل الفاحشة، وينعدم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ففي مثل هذا المجتمع الظالم يستحق الهلاك .

﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً ﴾

 لأنها فعلت المعاصي والموبقات بأن ضاع فيها الحق، وأكل القوي الضعيف، بأن انعدم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبأن كُذِّب الصادق، وصُدِّق الكاذب، وأتُمِن الخائن، وخُوِّن الأمين، فإذا فعل مجتمع ما من المعاصي والموبقات والانحرافات ما يكفي لهلاكه، أو ما يستحق إهلاكه في هذه الحالة .

 

﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً ﴾

 لا بد من أن نبعث فيها رسولاً، ليحذرها، وينذرها، ويبين لها عاقبة عملها، ومغبة معصيتها .

 

﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ﴾

أمَرنا مترفيها بالطاعة فعصوا :

 أمرناهم بالطاعة وبالتوبة وبالعودة والإنابة .

﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ﴾

 أن يستقيموا، لأنهم إذا استقاموا استقام الناس، ولأنهم تَبَعٌ لهم، ألم يقل الإمام علي كرم الله وجهه : "يا كميل الناس ثلاثة : عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، مع كل ريح يميلون، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، فاحذر يا كميل أن تكون منهم " .
 هؤلاء الناس تبع للمترفين، ولأهل الدنيا، وللأكابر، أكابر القوم، تبع للأغنياء، فالله سبحانه وتعالى توجه بالأمر إلى المترفين بخاصة، وإلى الناس بعامة، لأن الناس في الأصل تَبَعٌ لهم .

﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ﴾

 أمرناهم بالطاعة والتوبة وبالإنابة والهدى .

 

﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ﴾

 لم يستجيبوا، ولم يرعووا، ولم يأبهوا .

 

﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا ﴾

 هذه الآية تصديق وتأكيد للآية السابقة :

 

﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا(15)وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ﴾

معنى : فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ

 معنى :

﴿ فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ ﴾

 أي: استحقت الهلاك وفق السنن الإلهية! إن الله عز وجل لا يهلك قرية حتى يبعث فيها رسولا، مع كل الإنذارات والدعوات والتحذيرات، مع الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، استمر هؤلاء في ضلالهم وغيهم وفسقهم وفجورهم، فحق عليها القول، والقول هو الأمر بهلاكها بعد استحقاق الهلاك، فدمرناها تدميراً كاملاً! هذه الآية أيضاً تشبه القاعدة الثابتة .

﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾

وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا

كم من القرون عصت ربّها وهو بها خبير بصير عليم :

 فالله وحده يعلم حجم الذنوب التي يقترفها الناس، البيوت مغلقة الأبواب، لا نعلم نحن كم من هذه البيوت فيها المعاصي، ولا ما فيها من طاعات، إن الله سبحانه وتعالى هو الخالق العليم، السميع البصير، هو الذي يعرف ذنوب عباده، ويعرف نياتهم، ومكنونات صدورهم، وطموحاتهم .

﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾

 إذا كنت أنت لا تعلم، وفي قلبك ألم لا يحتمل لتقصير الناس، فكيف لو علمت كل المعاصي التي يقترفها الناس؟ فهذه الآية تشير إلى حلم الله سبحانه وتعالى، يعلم كل شيء، يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، ومع ذلك يحلم علينا .

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴾

مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ

 الإنسان مخير، والدليل هذه الآية :

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ ﴾

مَن أراد الدنيا العاجلة الفانية أخذ منها بقدر ما كُتِب له :

 إذا أردت الدنيا أعطيناك إياها، فأنت مخير، فاختر ما شئت، ولو أنك اخترت الدنيا العاجلة على الآخرة الباقية لأعطيناك الدنيا، من كان يريد العاجلة، سماها الله العاجلة، وهذا انسجام مع قوله تعالى :

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ ﴾

 يختار الدنيا الفانية على الآخرة الباقية، يختار عاجل الدنيا على آجل الآخرة، من كان يريد العاجلة، إذا أردتها بصدق وتصميم وإلحاح، من كان يريد العاجلة، يريد الدنيا، ولا شيء غير الدنيا، ليس معنياً بطاعة الله، ولا برضوان الله، ولا بالآخرة، ولا بفهم كتاب الله، يريد الدرهم والدينار، يريد البيت المريح ليزينه، ويختال فيه، ويفتخر على أقرانه به، ويريد المرأة التي تليق له، لا التي ترضي الله عز وجل، ويريد المال الوفير، لأنه مادة الشهوات، ويريد المكانة العلية التي يستعلي بها على الناس .

 

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ ﴾

 نعطيه الدنيا، خذها، وفي الحديث عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ ))

[الترمذي، وابن ماجه]

 خذها، لا قيمة للدنيا عند الله .
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِسَخْلَةٍ جَرْبَاءَ قَدْ أَخْرَجَهَا أَهْلُهَا، فَقَالَ : أَتَرَوْنَ هَذِهِ هَيِّنَةً عَلَى أَهْلِهَا؟ قَالُوا : نَعَمْ، قَالَ : لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ هَذِهِ عَلَى أَهْلِهَا ))

[مسند الإمام أحمد]

 لا قيمة لها، فلينظر ناظر بعقله أن الله أكرم محمداً أم أهانه حين زوى عنه الدنيا؟ فإن قال : أهانه فقد كذب، وإن قال : أكرمه فقد أهان غيره حيث أعطاه الدنيا.

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

( سورة الأنعام)

 من مالها ونسائها وبيوتها ومزارعها ومركباتها ... خذوا ما شئتم منها .

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾

 ما نشاء، أي : بالقدر الذي نشاء، قد نعطيه المال، ونسلبه راحة البال، وقد نعطيه راحة البال، ونسلبه المال، وقد نجعل زواجه سعيداً، ولكنه لا ينجب الأولاد، قد نجعل أولاده أبراراً، ونسلبه شيئاً آخر .

 

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾

 بالقدر الذي نشاء، وفق حكمة بالغة وعلم وخبرة .

 

﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾

لا تأخذ كلَّ شيء من الدنيا :

 أما أن تؤتى من الدنيا كل شيء فهذا مستحيل! قد تصيب شيئاً، ويفوتك أشياء، قد تصيب المال، لكنك لا تسعد بهذا المال، قد تحرم المال، ويعطيك الله راحة البال .

﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾

 بالقدر المناسب الحكيم، إن الله ليحمي صفيه من الدنيا، كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام، إن الله ليحمي عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي الراعي الشفيق غنمه من مراتع الهلكة .

﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾

 نعطي ما نشاء لمن نشاء، الدنيا بيد الله عز وجل، يعطيها لمن يشاء، إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى، فإذا أفقرته أفسدت عليه دينه، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، فإذا أغنيته قد أفسدت عليه دينه .

 

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴾

 خذ الدنيا، ولكن هذه الدنيا إذا أخذتها بعد إلحاح وإصرار، وعصيت الله فيها، ولم تنفق هذا المال في وجهه، ولم ترع في المال حق المسكين والجائع والفقير، وعصيت الله فيها .

 

﴿ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴾

أخذت من الدنيا ما أردت ، ثم ماذا ؟ الذم والدحر في جهنم :

 مذموماً من قبل نفسه، ومن قبل الناس، ومن قبل الحق جلّ وعلا، مدحوراً يدخل فيها قسراً، ليس له اختيار، ومن لوازم الدنيا أنها تنتهي بصاحبها إلى الهلاك .

﴿ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18)وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ ﴾

 أوضح آية في الاختيار هي هذه الآية :

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا(18)وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ ﴾

 أراد الآخرة في وآثرها على الدنيا، فأعطاه الله الدنيا والآخرة، من آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً، ومن آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً، ومن أراد الآخرة، أرادها بصدق وإخلاص وإصرار وإلحاح، أرادها بكل ذرة في جسمه، وبكل خلية في جسده، وبكل قطرة من دمه، أراد الآخرة والدليل :

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾

وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا

إذا أردت الآخرة فعليك بالعلم والعمل الصالح :

 مجلس العلم أغلى عليه من كل شيء، وطاعة الله عز وجل أغلى من الدنيا وما فيها، والدنيا وما فيها ليست بشيء أمام طاعة الله عز وجل :

(( فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))

[ متفق عليه عن سَهْل ابْن سَعْدٍ ]

 ومن أراد الآخرة، إذا أردت الآخرة فعليك بطلب العلم، يجب أن تكون طالباً للعلم، العلم بالله وبأسمائه وبآياته وكتابه، وبحلاله وحرامه، وبشرعه وبمحكمه، وبمتشابهه من أراد الآخرة يستقيم على أمر الله، ويطلب العلم، ويستقيم على أمر الله ، ويعمل الصالحات ويكثر من ذكر الله، والدليل :

 

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾

المريد للآخرة يسعى لها سعيها الحقيقي :

 الدليل أنك تريدها سعيك لها، فأنت أردت النجاح، الدليل أنك تدرس أردت أن تكون تاجراً تبحث عن محل، وأردت أن تكون طبيباً تدخل كلية الطب، علامة الإرادة السعي .

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾

 لو أن الله عز وجل قال: وسعى لها، أي سعياً مقبولاً ! لكن وسعى لها سعيها، لها سعي خاص، من أراد الطب، وسعى له فجمع العلامات المطلوبة، وإذا أردت الآخرة فلها سعيها الخاص، لها نمط خاص .

 

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾

لابد من الإيمان :

 إيمانه بها كإيمانه بالله عز وجل، إيمانه بها كأن يرى الشمس في رابعة النهار .

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾

مثل هذا السعي يشكره رب العالمين ويباهي به ملائكته :

 بارك الله لكم في سعيكم للمسجد، هذا سعي مشكور، من الذي يشكره؟ الله سبحانه وتعالى، لماذا تأتي إلى هنا؟ ليس عندنا دنيا
 ليس هناك أي مزيَّة لمجيئك إلا أنك تسعى للآخرة، ليس في المساجد دنيا، لكن فيها الآخرة، مجيئك إلى المسجد لطلب العلم بند من بنود السعي للآخرة، وغضك البصر عن محارم الله، بند من بنود السعي للآخرة، وأداؤك الصلوات بإتقان بند من بنود السعي للآخرة، وإنفاقك من المال، وأداؤك الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وتحري الحلال، والإحسان للخلق، فهذه كلها معالم على طريق الآخرة .

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾

 قراءة كتاب الله، وإتقان لفظ كتاب الله، وتعلم أحكام التجويد، وإتقان فهم كتاب الله، والعمل بفهم كتاب الله، هذا كله من السعي للآخرة .

 

﴿ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾

 من الذي يشكر سعيك؟ الله سبحانه وتعالى، فإذا شكرك إنسان فإن قلبك يفرح، وكلما ارتقت مرتبة الإنسان في شكره كان هذا باعثاً على الطمأنينة، فكيف لو كان الله سبحانه وتعالى في عليائه هو الذي يشكرك على هذا السعي؟ لو تلقى الموظف كلمة شكر من رئيسه بكتاب خطي يقرؤه عدة مرات، وكلما صادف إنساناً يبرز له الكتاب، ويقول له : انظر جاءني كتاب شكر، فإذا كان هذا إنسانا عاديا أعلى منك بمرتبة شكرك خطياً قد لا يسعك عقلك، فكيف لو أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يشكرك؟

 

﴿ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾

 من قبل الحق، ومن قبل الخلق، ومن قبل نفسك، حينما توصل هذه النفس إلى الجنة تشكرك على ما أوصلتها إليه !

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018