الدرس : 5 - سورة ابراهيم - تفسير الآية 31 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 5 - سورة ابراهيم - تفسير الآية 31


1986-10-10

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً

 أيها الإخوة المؤمنون ... وصلنا في الدرس الماضي وفي سورة إبراهيم عليه وعلى نبيِنا أفضل الصلاة والسلام إلى قوله تعالى :

 

﴿ قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ ﴾

 

قلْ : إشارة إلى مقام الرسالة :

 أما كلمة قل فتشير إلى مقام الرسالة، أو مقام التبليغ، فهناك مقام النبوَّة، وهناك مقام الرسالة، والنبوَّة مقامٌ يرى فيه النبي الحق، يتنبَّأ به، وأما الرسالة فهي مقامٌ فيه تكليفٌ بالتبليغ ..

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ ﴾

( سورة المائدة : من الآية 67)

 وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام :

((وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

المؤمن مكلَّف بالتبليغ :

 فأنت مؤمن مكلَّفٌ بنصِّ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إذا فهمت آيةً، إذا فهمت حديثاً، إذا فهمت حكماً شرعيَّاً مكلّف أن تبلِّغه للناس، لأنه ما من صدقةٍ أفضل عند الله من قول الحق، وقد مرَّ بنا في الأسبوع الماضي كيف أنَّ الكلمة الطيّبة ..

 

﴿ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾

( سورة إبراهيم )

 وأنه من أحياها أي النفس الإنسانيَّة فكأنَّما أحيا الناس جميعاً ..

(( وما أحدث رجل أخاً في الله إلا أحدث له الله درجةً في الجنَّة ))

[ ورد في الأثر ]

(( ومن أسلم على يديه رجل وجبت له الجنَّة ))

[ ورد في الأثر ]

 فمقام التبليغ مكلَّفٌ به كل مؤمن، علِّم بالقدر الذي تعلَّمت ..

(( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ))

[ البخاري عن عثمان ]

﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الذاريات )

(( ليس مني إلا عالمٌ أو متعلِّم ))

[ ورد في الأثر ]

(( كن عالماً أو متعلِّماً أو مستمعاً أو محبَّاً، ولا تكن الخامسة فتهلك ))

[ ورد في الأثر ]

 فالنبي عليه الصلاة والسلام مأمورٌ أن يبلِّغ رسالة ربِّه، ونحن إذا قمنا بزيارته المشرَّفة تقول أمام مقامه الشريف: " يا سيدي يا رسول الله، أشهد أنك بلَّغت الرسالة، وأدَّيت الأمانة، ونصحت الأمَّة، وكشفت الغمَّة، ومحوت الظُلمة، وجاهدت في الله حقَّ الجهاد، وهديت العباد إلى سبيل الرشاد " .

مقامك عند الله بحجم عملك الصالح :

 فالإنسان المستمع فقط هذا مستهلك، أما الإنسان الداعية إلى الله عزَّ وجل فهذا منتج، إن مقامك عند الله بحجم عملك الصالح، ما من رجلٍ إلا وله عند الله مقامٌ معلوم، وهذا المقام المعلوم حجمه بحجم عمله الصالح، قال تعالى :

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

( سورة الأحقاف : من الآية 19)

الدعوة إلى الله أعلى مقاماتالعمل الصالح :

 فأنت لك عند الله مقام، هذا المقام يتحدَّد بمقدار عملك الصالح، وإذا سلسلنا الأعمال الصالحة تقع هداية الخلق في رأس القائمة، أي ما من عملٍ صالح يفوق أن تنقذ إنساناً من الظلمات إلى النور، من الضياع إلى الهدى، من الشقاء إلى السعادة، ما من عملٍ صالح يفوق هذا العمل، والله سبحانه وتعالى شاكرٌ عليم، يشكرك وهو ربُّ العزَّة على أنك دعوت إليه، وعلى أنك وجَّهت الناس إلى طاعته ..

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ ﴾

( سورة المائدة : من الآية 67)

 معنى يعصمك من الناس أي يحفظك، ولن يستطيع أحدٌ أن يصل إليك لأنك بأعيننا، ولكل مؤمنٍ من هذه الآية نصيب، إذا كنت مخلصاً لله عزَّ وجل تولَّى الله سبحانه وتعالى حفظك من كل مكروه، ما دامت النيَّة طيّبة وما دام العمل مخلصاً لله عزّ وجل فأنَّى لأحدٍ أن يصل إليك ؟!

من صفات الداعية الصادق :

 وصف ربنا عزَّ وجل الدعاة الصادقين فقال :

 

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ ﴾

( سورة الأحزاب : من الآية 39 )

 يُبَلِّغُها ..

﴿ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾

( سورة الأحزاب : من الآية 39)

 هذه الصفة في الدعاة جامعةٌ مانعة، لأن الداعية إذا خشي غير الله لن يستطيع أن يقول ما يرضي الله، عندئذٍ يقول ما يرضي هذا الإنسان الذي خشيه من دون الله، فإذا قال الباطل إرضاءً لمن خشيه من دون الله، وسكت عن الحق خوفاً من هذا الذي خشيه من دون الله فليت شعري ماذا بقي من إبلاغ رسالات الله ؟ لم يبق شيء، إذاً ربنا سبحانه وتعالى حينما يصف وصفه جامعٌ مانع .

﴿ قُلْ لِعِبَادِي ﴾

دقِّق :قُلْ لِعِبَادِي

 لِمَ لَمْ يقل الله عزَّ وجل: قل للمؤمنين؟ قل للناس، قل لهؤلاء، قل لمن حولك، قل لقريش ..

﴿ قُلْ لِعِبَادِي ﴾

الفائدة من إضافة العباد إلى الله :

 عبادي فيها كلمتان : عباد جمع عبد وياء المتكلِّم، كأن الله سبحانه وتعالى أضاف العباد إليه، أضاف العباد إلى ذاته إضافة تشريف لا إضافة تعريف، حينما قال :

﴿ قُلْ لِعِبَادِي ﴾

 شرَّفهم بأنه أضافهم إلى ذاته، كأن تقول لإنسانٍ : أنت ابني، أو أنت أخي، أضفته إليك إضافة تشريف، حينما تقول لرجلٍ أمامك يعرف أن هذا الطفل ابنك، تقول له: هذا ابني، هل أنت بهذا القول تُعَرِّفه أنه ابنك؟ لا والله، إنَّك تقول له: انتبه هذا ابني، أَحْرَصُ عليه، أحبُّه، أدافع عنه، فلو أن في القلب إحساساً رقيقاً، لو أن في القلب شفافيَّةً وسمع العبد هذه الكلمة :

﴿ قُلْ لِعِبَادِي ﴾

العباد سواسية ، مكرَّمون مكلَّفون :

 نحن عباد الله ..

﴿ قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾

 كل الخلق عبادٌ لله عزَّ وجل، الناس سواسية كأسنان المِشط .

(( يا سعد لا يغرَّنَّك أنه قد قيل : خال رسول الله، فالخلق كلُّهم عند الله سواسية ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له ))

[ ورد في الأثر ]

 باب الله مفتوح .

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾

( سورة الكهف )

 باب اللقاء مع الله مفتوحٌ لكل الخلق بشرط أن يدفعوا الثمن، والثمن هو العمل الصالح، فمن كان عمله صالحاً قَبِلَهُ الله عزَّ وجل وتجلَّى عليه ورَحِمَهُ ..

﴿ قُلْ لِعِبَادِي ﴾

 فإذا كنت عبداً لله عزَّ وجل وسمعت هذه الآية تُحِسّ أن الله سبحانه وتعالى كرَّمك ..

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ﴾

( سورة الإسراء : من الآية 70)

 بنو آدم مكرَّمون عند الله، سخَّر لهم ما في السماوات وما في الأرض، ودائماً المسخَّر له أكرم من المسخَّر، إذا سُخِّر شيءٌ لك فأنت أكرم من هذا الشيء بآلاف المرَّات ..

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ﴾

(سورة الجاثية : من الآية 13)

﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾

( سورة لقمان : من اآية 20)

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾

( سورة الإسراء )

 إذاً :

﴿ قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

تقييد العباد بالإيمان والفائدة منه :

 لم يقل : قل لعبادي ( دون أن يحددهم بقوله : الذين آمنوا )، لأن العبد إذا لم يعرف الله عزَّ وجل لا يأتمر بأمره، ولا ينتهي بنهيه، لذلك يجب أن نعرف الآمر قبل الأمر، فإذا سلك الدعاة في تعريف الناس بأمر الله عزَّ وجل قبل أن يسلكوا معهم طريق معرفة الله عزَّ وجل فالمحصِّلة أن هؤلاء لا يطيعون الله عزَّ وجل، يجب أن تعرف ما عنده من سعادةٍ إذا أقبلت عليه، ويجب أن تعرف ما عنده من شقاءٍ إذا أدبرت عنه، فلذلك :

﴿ قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

أسئلة تطرح نفسها :

 الذين آمنوا هم الذين يسمعون، هم الذين يستجيبون، وأما الذين آمنوا، فكلمة آمنوا فعل وهذا الفعل يدلُّ على حدوث عمل، فإذا قلت : إنك قد آمنت، متى؟ متى آمنت؟ إذا كان الإيمان خارج اهتماماتك؟ إذا ولدت من أبوين مسلمين وكنت مسلماً بحكم العادة، وتلقَّيت الإسلام بشكلٍ عفوي، فلمَّا كبرت وتيقَّظت الشهوات فيك سرت مع شهواتك، فأيُّ إسلامٍ هذا؟! أي إيمانٍ هذا؟ فالمؤمن هو الذي آمن، والإيمان فعل وحدوث عمل، هل جلست تفكِّر في آيات الله عزَّ وجل حتى يقال إنك قد آمنت .
 هل فكَّرت في خلقك حينما كنت نطفةً في بطن أمِّك؟ هل فكَّرت في طعامك وشرابك؟ هل فكَّرت في هذه الحيوانات التي ذلَّلها الله لك؟ هل فكَّرت في الشمس والقمر؟ هل فكرت في البحار؟ هل فكَّرت في الأنهار؟ هل فكرت في كأس الماء الذي تشربه؟ هل فكرت في المحاصيل؟ هل فكرت في الأشجار المثمرة؟ هل فكرت في الفواكه والثمار؟ هل فكَّرت في الخضراوات؟ هل فكَّرت في المجرَّات؟ متى آمنت؟
 هل قرأت كتاب الله؟ هل حضرت مجالس العلم؟ هل سألت؟ هل بحثت؟ هل تأمَّلت؟ متى آمنت؟ أخي فلان مؤمن، متى؟

﴿ قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

 معنى الذين آمنوا أي تحقَّقوا بوجود الله عزَّ وجل، وتحقَّقوا بأسمائه الحُسنى، و " الإيمان ليس بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدَّقه العمل " ، هذا هو الإيمان، أي أنك لمجرَّد أن تعصي الله عزَّ وجل كأنَّك لا تعرف الله عزَّ وجل، لو عرفته لما عصيته، فكأنَّني أقول لكم : يجب أن نؤمن والدليل قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا ..

﴿ آمِنُوا بِاللَّهِ ﴾

( سورة الحديد : من الآية 7)

 يا من تظنُّون أنفسكم مؤمنين آمِنوا بالله، يا من تلقّيتم الإيمان عن طريق الوراثة، بحكم العادة، عن طريق التقليد آمِنوا بالله، لأن الإيمان الذي تأخذه بفعل الوراثة لا يصمد أمام الشهوات، لا يصمد أمام الضغوط ولا أمام الإغراءات، الإيمان الذي يصمد والذي لا تزحزحه الضغوط مهما كَبُرَت، ولا المُغْرِيات مهما تألَّقت هو إيمانٌ بني على بحثٍ ذاتي، أما الإيمان الذي تأخذه عفواً من دون تفكُّر، من دون بحث، من دون تأمُّل فهذا الإيمان لا قيمة له و ..

من أخذ البلاد بغير حربٍ   هان عليه تسليم البلادِ
***

﴿ قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

 يا محمَّد أنت رسول ..

﴿ قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

 هؤلاء عبادي ..

(( لو يعلم المعرضون عني انتظاري إليهم وشوقي إلى ترك معاصيهم لتقطَّعت أوصالهم من حبّي ولماتوا شوقاً إلي، يا داود هذه إرادتي في المعرضين عني فكيف إرادتي في المقبلين علي ؟ ))

[ ورد في الأثر ]

(( خلقت لك السماوات والأرض، ولم أعي بخلقهن أفيعيني رغيفٌ أسوقه لك كل حين ؟ ))

[ ورد في الأثر ]

﴿ قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

 يا رسول الله أتلقي هذه المرأة بولدها إلى النار ؟ فَقَالَ :

(( لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا ))

[ صحيح البخاري عن عمر ابن الخطَّاب ]

(( إني والإنس والجنَّ في نبأٍ عظيم أخلق ويُعْبَد غيري، وأرزق ويُشكر سواي، خيري إلى العباد نازل وشرُّهم إليَّ صاعد، أتحبَّب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغَّضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيءٍ إليّ، من أقبل عليَّ منهم تلقِّيته من بعيد، ومن أعرض عني منه ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودَّتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنِّطهم من رحمتي إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهِّرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيِّئَةُ بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأمِّ بولدها، عبدي وحقِّك إني لك محب فبحقّي عليك كن لي محبَّاً ))

[ ورد في الأثر ]

 إذاً :

﴿ قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾

منزلة الصلاةفي الإسلام :

 ما قيمة الطعام النفيس إن لم تتذوَّقه؟ ما قيمة البيت الفخم إن لم تسكنه؟ ما قيمة السيَّارة الفارهة إن لم تستعملها؟ ما قيمة الإيمان بالله عزَّ وجل إن لم تُقْبِل عليه؟ الله ذاتٌ كاملة مسعدة، أية نفسٍ أقبلت عليه سَعِدَت إلى الأبد، فإذا آمنت بوجوده، ولم تسعد بقربه فما قيمة هذا الإيمان؟

 

﴿ قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾

(( الصلاة عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين ))

[ ورد في الأثر ]

(( لا خير في دينٍ لا صلاة فيه ))

[ ورد في الأثر ]

(( الصلاة ميزان، فمن وفَّى استوفى ))

[ ورد في الأثر ]

(( الصَّلاةُ نُورٌ ))

[ سنن ابن ماجة عن أبي مالك الأشعري ]

(( الصلاة طهور ))

[ ورد في الأثر ]

(( أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

 إذاً :

﴿ قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾

بين الصلاة وإقامة الصلاة فرق :

 لم يقل : قل لهم يصلّوا، أي أن وضع شريط حريري وقصَّه عمليَّة سهلة جداً، لكن قبل أن يوضع هذا الشريط، ويُقَص يستغرق هذا المشروع عملاً طويلاً، وجهداً بالغاً، وسنواتٍ طويلة، وأموالاً طائلة عندئذٍ يضعون الشريط الحريري ويقصُّونه، يا أخي قصَّ هذا الشريط، إنَّ قصَّه سهل، أن تذهب إلى المغسلة وتتوضَّأ، وتقف وتقرأ الفاتحة وسورة، وتركع وتسجد فهذه قضيَّة سهلة جداً، لكن ربَّنا عزَّ وجل لم يقل : قل لعبادي ليصلُّوا، بل إنه قال :

﴿ قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾

 أي أنك إذا استقمت على أمره، إذا تعرَّفت إليه، إذا طبَّقت أمره، إذا ضحيّت من أجله، إذا نهيت نفسك عن الهوى من أجله عندئذٍ تذهب لتصلي فإذا أنت مصلٍّ، فإذا أنت تتصل، فالعبرة لا أن تقف لتصلي، بل العبرة أن تقيم الصلاة، وإقامة الصلاة أن تستقيم على أمر الله، من إقامة الصلاة أن تفعل الخيرات، من إقامة الصلاة أن تنهى نفسك عن الهوى، من إقامة الصلاة أن تتفكَّر في خلق السماوات والأرض ..

﴿ قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾

يا من ضيع الصلاة واتبع الشهوات :

 قل لهم: ليقيموا الصلاة، ليتصلوا بي كي يسعدوا، هذا الأمر العظيم، هذا الأمر الكبير، هذا الأمر الأوَّل في الإسلام ضَيَّعَهُ المسلمون ..

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾

( سورة مريم )

 لا أدري أهم قد ضيَّعوا الصلاة لأنهم اتبعوا الشهوات أم اتبعوا الشهوات، لأنهم أضاعوا الصلاة؟ كِلا الحالين صحيح، لماذا اتبعوا الشهوات؟ لأنهم أضاعوا الصلاة، لماذا أضاعوا الصلاة؟ لأنهم اتبعوا الشهوات ..

﴿ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾

( سورة مريم )

 وهؤلاء الذين أضاعوا الصلاة يلقون غيَّا تحت سمعنا وبصرنا، يكفي أن يتألَّم الإنسان، يكفي أن يقول لك : إني مظلوم، يكفي أن تضيق به الدنيا، يكفي أن يرى المصائب تأتيه من كل مكان ..

﴿ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾

( سورة مريم )

 جاء الغي .. " يا رب كم عصيتك ولم تعاقبني "، قال :" يا عبدي كم عاقبتك ولم تدر" ..

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾

( سورة مريم )

 لو أنَّنا أحكمنا الصلاة الصحيحة لكانت حالنا غير هذا الحال، لكنَّا في سعادة، لكنَّا في سرور، لكنَّا أَعِزَّة، لكانت الحاجات متوافرة، الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة، فإذا حرمنا الله منها فحرمانه حرمان تأديب لا حرمان عَجْزٍ، ولا حرمان بخلٍ إنما هو حرمان تأديب ..

﴿ قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾

وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ

 سبحان الله! كيف يقيمون الصلاة؟ كيف تستطيع أن تقيم الصلاة؟ جاء التفسير :

﴿ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ﴾

إنما رزقك الله لتنفق :

 الأصل أن الله سبحانه وتعالى رزقك من أجل أن تُنْفِقْ، يفهم الناس اليوم أن هذا المال الذي تكسبُه هو من أجل أن تنفقه على رفاهيِّتك، المالُ من أجل المتعة، الزواج من أجل المتعة، الدخل الكبير من أجل البحبوحة والترف، البيت الفخم من أجل التباهي، السيَّارة من أجل تحقيق المُتعة، لذلك في آخر الزمان قيمة الرجل متاعه، في آخر الزمان يستمدُّ الرجل قيمته من متاعه فقط، من موقع بيته، من مساحة بيته، من أثاث بيته، من نوع مركبته، من ثمن الحِلي التي تضعها المرأة على صدرها، لا أخلاق، ولا علم، ولا قيم، ولا تعاطف، ولا تراحم، ولا مروءة .
 من علامات آخر الزمان أن يذهب الحياء من وجوه النساء، وترفع النخوة من رؤوس الرجال، وتنعدم الرحمة من قلوب الأمراء، لا رحمة في القلوب، ولا حياء في الوجوه، ولا نخوة في الرؤوس، هذا من علامات آخر الزمان .
 فالإنفاق في سبيل الله أعطاك الله سبحانه وتعالى المال كي تنفقه في طاعته، أعطاك هذه الزوجة كي تأخذ بيدها إليه، أعطاك هذا الابن كي تربّيه تربيةً صالحة، أعطاك هذا العلم كي تنفقه، أعطاك هذه الخِبْرَة كي تخدم بها المسلمين فترقى عند الله عزَّ وجل، يقول لك الآن: هذه العمليَّة تكلِّف ثمانين ألفاً، وهذه ثمانمائة ألف، أين أَجْرُهُ عند الله؟ تقاضى ثمنها أضعافاً مضاعفة حتى أنهك المريض، وحتى جعله يبيع بيته، ( أخي الطب عمل إنساني )، عمل إنساني إذا كان أجره معقولا، أما إذا كان المريض سيضَّطر إلى بيع بيته من أجل إجراء عمليِّةٍ يأخذها الطبيب ليضيف رقماً فوق ثروته، لم يعد هذا الطبُّ عملاً إنسانيَّاً، بل صار ابتزازاً، وكذلك كل المهن الراقية التي يسمّيها الناس راقية إن لم يكن علمك مسخَّراً لخدمة الخلق تقرُّباً إلى ربِّهم فهذا العلم لا أجر لك به، هذه حرفة تحترفها وتصبح من خلالها غنيَّاً مُتْرَفَاً، فالإنسان بلا عمل صالح لا قيمة له في الدنيا، لا شأن له عند الله، صغيرٌ في عين الله، أخذ عن كل حركةٍ وسكنةٍ وكلمةٍ مبلغاً طائلاً، يسأل يوم القيامة: يا رب ما لي عندك؟ يقول الله له: ما لك عندي شيء، هل فعلت شيئاً من أجلي؟ أبداً، فلذلك :

﴿ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ﴾

الصلاة تكتمل بالإنفاق :

 لن تستطيع أن تصلي إلا إذا أنفقت، الاستقامة تُمَهِّدُ لك الطريق، إذا استقمت على أمر الله أزلت كل العقبات من طريقك، فكل معصيةٍ هي عقبة تحول بينك وبين الإقبال على الله عزَّ وجل، كل معصيةٍ عقبةٌ كَؤود تسدُّ عليك الطريق إلى الله، تجد أن الطريق إلى الله ليست سالكة بل فيها حواجز، أما إذا استقمت على أمر الله فقد أزلت كل هذه العقبات هل انتهى الأمر ؟ لا لم ينته الأمر، لابدَّ من السير، لابدَّ من التحرُّك، التحرُّك هو العمل الصالح، والعمل الصالح يرفعك، والعمل الصالح يدفعك، العمل الصالح محرِّك والاستقامة تعبيد الطريق، إذا عُبِّدَ الطريق، ودار المحرّك وصلت إلى الهدف ..

﴿ قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ﴾

حرفتك تستطيع أن تصل إلى الله :

 ما من واحدٍ منَّا إلا وله حرفة يستطيع من خلال حرفته أن يصل إلى الله عزَّ وجل عن طريق إتقانها، وعن طريق نصح المسلمين، وعن طريق إسعادهم، وعن طريق الإخلاص لهم، هذه الخبرة التي أعطاك الله إياها كن صادقاً فيها، لا تكذب، لا تغش، لا تدلِّس، لا تخادع، لا تحلف كذباً، لا يكن همُّك جني المال، ليكن همُّك نصح المسلمين، خدمتهم، إذاً بالعمل الصالح أنت ترقى وهذا هو نصيبك من الدنيا ..

﴿ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا ﴾

( سورة القصص : من الآية 77)

 أما الكفَّار فيقال لهم يوم القيامة ..

﴿ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا ﴾

( سورة الأحقاف : من الآية 20)

 أنتم استهلكتم هذا الذي جعلتكم فيه خلفاء، بالمال ترقى، استهلكته على متعتك الرخيصة، بالزوجة ترقى وتدخل إلى الجنَّة استخدمتها لمتعتك الشخصية، ولم تبال بدينها، أصلَّت أم لم تصلِّ، أتحجَّبت أم لم تتحجَّب، أعرفت ربَّها أم لم تعرفه، المهم أنها في خدمتك وتحقق رغبتك في الحياة، إذاً ضيَّعت الزوجة وكان من الممكن أن تكون سبباً لك إلى الجنَّة، ضيّعت المال وأنفقته في المعاصي، وكان من الممكن أن يكون سبباً لك في دخول الجنَّة، لذلك:

﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾

( سورة الفجر )

 هذه مقالة العبد، والله سبحانه وتعالى لم يوافق عليها، يقول بعدئذٍ: كلا ليس عطائي إكراماً، ولا منعي حرماناً، إنما عطائي ابتلاء، وحرماني دواء، إذا ضاقت عليك الدنيا لا تظنُّ أن هذا إهانةً لك حاشا لله، إذا ضيَّق الله عليك ..

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(156)أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ ﴾

( سورة البقرة )

 .. مريضٌ سأل النبي عليه الصلاة والسلام : " يا رسول الله ادعُ الله أن يرحمني "، فتوجَّه النبي عليه الصلاة والسلام إلى الله عزَّ وجل وقال: " يا ربِّ ارحمه "، فقال الله عزَّ وجل في الحديث القدسي :

(( كيف أرحمه مما أنا به أرحم؟ وعزَّتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحبُّ أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيِّئَةٍ كان عملها سُقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبةً في ماله أو ولده حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء شدَّدت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه ))

[ ورد في الأثر ]

 الله سبحانه وتعالى لا ينسى أحداً من فضله، وهو المعطي لا يسأل، وهو الغني لا يبخل، وهو الحليم لا يعجز، إذاً :

﴿ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ﴾

أنفق ينفق الله عليك :

 أنفِق أُنفِق عليك، عبد أنفِق أُنْفِق عليك ..
 أنفق بلالاً ولا تخش من ذي العرش إقلالاً

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾

( سورة البقرة : من الآية 245 )

 ربُّ العزَّة في عليائه يسأل عبده أن يقرضه لا عن حاجة، ولكن عن تفضّلٍ عليه، أقرضني يا عبدي، اجعل هذا العمل خالصاً من أجلي، ارحم المسلمين، وفِّر لهم حاجاتهم، تلطَّف بهم، خفِّف من آلامهم، ارفع عنهم مآسيهم، اقرض الله قرضاً حسناً، افعل المعروف مع أهله، ومع غير أهله فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله ..

﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ﴾

( سورة القصص : من الآية 77)

 اجعل علمك في طاعة الله، ابذل علمك للناس، ابذل خبرتك، ابذل مالك، ابذل جاهك، الناس أحياناً بحاجةٍ إلى جاهك، إلى مكانتك، إلى قوَّتك، ابذلها في طاعة الله، انصر الضعيف بها ..

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾

( سورة البقرة : من الآية 245 )

 هل تغيث الملهوف؟ دخل رجلٌ على حجرة النبي عليه الصلاة والسلام كُتِبَ في هذه الحجرة من الداخل حديثه الشريف :

(( أفضل المعروف إغاثة المَلهوف ))

[ ورد في الأثر ]

 أفضل أنواع المعروف، هل تغيث الملهوف ؟ هل تتقرَّب إلى الله عزَّ وجل بخدمة خلقه من دون أن تعرفهم من هم، من هم ؟ هذا الذي أمامك من خلق الله، الله خلقه، يحبُّه، هو عبده ولو كان مجوسيَّاً، اخدمه فلعلَّه يُسْلِم ..

﴿ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ﴾

 الإنفاق مطلق، انفق من مالك، من علمك، من قوَّتك، من جاهك، من مكانتك، من خبرتك .

﴿ سِرًّا وَعَلَانِيَةً ﴾

الإنفاق في السروالعلانية :

 لأن هذا الذي تعطيه عبدٌ لله عزَّ وجل وكرامته على الله غالية فإذا أعطيته علانيَّةً فقد جرحته، أنفق سرَّاً صوناً لكرامة الإنسان، وأنفق علانيَّةً إذا كان هناك مشروع، بناء مسجد مثلاً، قد يفكِّر أحدهم في دفع خمسين ليرة فلمَّا دفعت أنت ألف ليرة يقول: لا، عليّ أن أدفع أكثر من ذلك، إذا كان الدفع لا يمسُّ إنساناً ليكن هذا الدفع علانيَةً، وإذا كان الدفع يمسُّ إنساناً ليكن هذا الدفع سرَّاً، أنفق سرَّاً وعلانيَّةً .

كيف هو الإنفاق سرا وعلانية :

 بعضهم قال : " الفرض يؤدَّى علانيَّةً، والنفل يؤدَّى سرَّاً "، أي أن الزكاة تؤدَّى علانيَّةً، أما الصدقة تؤدَّى سرّاً .
 بعضهم قال : " الإنفاق في السر يُطْفِئ غضب الرب "، صدقة السر تطفئ غضب الرب ولكن لماذا؟ لأنها تؤكِّد إخلاصك لله عزَّ وجل .. لا تعلم شمالك ما أنفقت يمينك ..

﴿ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً ﴾

 من قبل أن يأتي الموت ..

﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ ﴾

اعمل قبل أن يأتي يوم لا عمل فيه :

 الآن نحن في الدنيا كل شيءٍ له حَل، لو أنَّ لك ذنوباً بلغت عَنان السماء وقلت : يا رب، يقول لك الله عزَّ وجل : " لبّيك يا عبدي "، يا رب أنا قد تُبْت، فيقول لك: " وأنا قد قَبِلْت ، يا ربي قد ندمت، " وأنا قد عفوت " ..

(( وإذا رجع العبد إلى الله عزَّ وجل نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنِّئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ))

[ ورد في الأثر ]

 والله الذي لا إله إلا هو لو تمَّ الصلح مع الله لكنتم في سعادةٍ لا توصف، إذا تُبْتَ إلى الله توبةً نصوحَاً، وعاهدته على الطاعة التامَّة عندئذٍ يتجلَّى على قلبك، وإذا تجلَّى على قلبك ليت شعري ماذا خسرت؟ يا رب ماذا وجد من فقدك، وماذا فقد من وجدك؟ الذي وجدك ماذا ضاع منه؟ ضاع منه بيتٌ في الطابق الثالث، لم يضع فيه شيء، تأتيك الدنيا وهي راغمة ، يتجلَّى الله على قلبك فتنسى الدنيا وما فيها، قال أحد العارفين: " لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف " ..

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا   فإنا منحنا بالرضا من أحبَّنا
ولذ بحمانا واحتمي بجنابنا   لنحميك مما فيه أشرار خلقنا
***
فما القرب والإبعاد إلا بأمرنـا  فلو شاهدت عيناك من حسننـا
الذي رأوه لما ولَّيت عنَّا لغيرنا  ولو سمعت أذناك حسن خطابنا
***
خلعت عنك ثياب العُجب وجئتنا  ولو نسمت من قربنا لك نسمةٌ
لمتَّ غريباً واشتياقاً لقربـــنا  ولو ذقت من طعم المحبَّة ذرَّةً
***

 لو يعلم الإنسان ما عند الله لزهد في الدنيا، من عرف الله زهد فيما سواه، هؤلاء الذين عرفوا الله وأفنوا عمرهم في طاعته، وفي محبَّته، وفي التقرُّب إليه كانوا هم الرابحين، والذين التفتوا إلى الدنيا وحسَّنوها، وزيَّنوها، وزخرفوها، وانغمسوا في مباهجها هم الخاسرون..

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ﴾

( سورة الفرقان )

 فالشيء الوحيد الذي يندم عليه المرء عندما يموت هو أنه في الدنيا لم يتخذ إلى الله سبيلاً مع الرسول، أثمن ما في الدنيا أن تكون في طريق الحق بصحبة عارفٍ بالله، بصحبة دليلٍ على الله عزَّ وجل، تُحَلِّل وتُحَرِّم وحدك، تفكِّر تفكيراً شخصياً فتقول: هذه حلال ليس فيها شيء، فإذا هي تقطعك عن الله عزَّ وجل، قد تحرِّم ما أحلَّ الله لك، وقد تحلِّل ما حرَّم الله عليك، وقد تتيه في الأرض، لكنَّك إذا كنت بصحبة عالمٍ كبير، قال الله تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

( سورة التوبة )

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

( سورة الكهف : من الآية 28)

﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(27)ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً(28)فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ﴾

( سورة الفجر )

(( الْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ ))

[ مسند أحمد عن النعمان بن بشير ]

 أي أن هذا الدرس الأسبوعي يشحن الإنسان بالإيمان، تجد المؤمن بعده يوم السبت، الأحد، الاثنين مثلاً يندفع إلى الصلاة، يغضُّ بصره ، يحرِّر دخله، يخدم الناس، يدعو إلى الله، يوم الاثنين تبدأ الهمَّة بالفتور الثلاثاء، الأربعاء، الخميس، يأتي يوم الجمعة لأخذ شحنةٍ جديدة، فإذا تُرِكَت الجمعة مرَّتين نكتت نكتةٌ سوداء في قلبه ثم يكون الران، حافظوا على هذه المجالس، وهذه المجالس مائدة الله سبحانه وتعالى، هذه مائدتي، كتاب الله سبحانه وتعالى، وليس من شيءٍ أثمن في الأرض من أن تعرف كلام الله عزَّ وجل .

﴿ قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ ﴾

﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ(8)فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ(9)عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾

( سورة المدثر )

الموت أقرب شيء للإنسان :

 الموت والله الذي لا إله إلا هو أقرب إلى الإنسان من لمح البصر، كنت مع رجل من أهل العلم جلس إلى جانبي .. رحمة الله عليه .. وتحدَّثت معه وبعد أقل من أربعين دقيقة كان ميتاً، بأكمل صحَّةٍ، وأكمل وضعٍ، وأكمل هيئةٍ، كنَّا في مكان تحادثنا ثم خرج إلى البيت، وصل إلى البيت فشعر بضيقٍ فاضَّطجع على سريره، ذهبوا لإحضار الطبيب فلما عادوا إذا هو قد فارق الحياة، لا مرض ولا شيء إطلاقاً .. الموت أقرب إلى أحدكم من شِراك نعله ..
كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ

 

[ صحيح البخاري من قول سيدنا أبو بكر الصديق ]

 قد يكون الإنسان في أوجّه ويأتيه ملك الموت، فعلى الإنسان أن يستعد، عليه أنه إذا أصبح أن يقول : قد لا أُمسي، وإذا أمسى قد لا أصبح، وإذا خرج قد لا أعود، وإذا دخل قد لا أخرج، وإذا اشترى بيتاً قد لا أسكنه .
 حدَّثني صديق يبيع غرف نوم قال لي: جاءني رجل يريد شراء غرفة نوم من أعلى نوع، سمع أن خشب الجوز أحسن شيء، ذهبنا واشترينا الخشب، وعتَّقهم سنتين حتى نشفوا، وظل ستَّة أشهر ينتقي نماذج حتى وجد نموذجاً جميلاً جداً، وكان يزورني في الأسبوع مرَّة أو مرَّتين يتفقَّد الشغل، قال لي: انبطح مرّة تحت الغرفة مخافة أن يكون في الأرجل عقدة من الداخل، بعدما انتهت صار على الغرفة طلب لأنها جميلة جداً، تعال خذها يا فلان، إنني أُدَهِّن الغرفة، دهَّن الغرفة، وركَّب ستائر، تعال خذها، أمهلنا يومين آخرين، بعد هذا الموعد اتصل النجار هاتفياً يوم الخميس فسمع في البيت وضعاً غير طبيعي، فلمَّا أصرَّ، قيل له: مات صاحبها، ثلاث سنوات يهيئ غرفة نوم، ما تمكَّن أن ينام عليها ليلة، قال لي: انبطح انبطاحاً لكي ينظر هل هناك عقدة في الرجل من الداخل؟ أين هو؟ الموت أقرب لأحدنا من شِراك نعله، يجب أن يستعد الإنسان، يستعد بالعمل الصالح، بالاستقامة التامَّة، بتحرير الذمَّة، بإعطاء الناس حقوقها وإلا يكون حسابه عندئذٍ عسيراً ..

 

(( من حاسب نفسه حساباً يسيراً كان حسابه يوم القيامة عسيراً، ومن حاسب نفسه حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيرا ))

[ ورد في الأثر ]

﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ ﴾

معنى : الخلال :

 الخلال أي المودَّة، أحياناً يقع الإنسان في ورطة كبيرة ويكون له صديق قوي بمقياس أهل الأرض يتدخَّل فينقذه من هذه الورطة، هذه خلال، وقد يقع في ورطة فيدفع مبلغاً كبيراً فتزاح عنه، إذاً قد تُحَلُّ المشكلات في الدنيا إما بالصداقات وإما بالمراهم أي الدراهم، وأما في هذا اليوم لا بيعٌ فيه ولا خلال، لا وساطة، ولا أن يقال لك: هذه تكلِّفك عشرة آلاف هل ستدفعها؟ لو كانت الأرض كلُّها لك، وافتديت بها لا تنجو من عذاب الله عزَّ وجل، فكلمة :

﴿ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ ﴾

 تعني الشيء الكثير، لا المال ينفع ولا الصداقات تنفع، لا خلَّةٌ ولا شفاعة ..

﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ﴾

( سورة البقرة : من الآية 254)

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018