عقل وقلب - الندوة : 11 - سيدنا عثمان وعلي عليهم رضوان الله - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠17برنامج عقل وقلب - قناة شام
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

عقل وقلب - الندوة : 11 - سيدنا عثمان وعلي عليهم رضوان الله


2008-09-26

مقدمة :

الأستاذ جميل :
السلام عليكم ورحمة الله ، أيها الأخوة والأحبة ، أسعد الله أوقاتكم بكل خير ، وأهلاً بكم في لقاء جديد في برنامجنا عقل وقلب .
حديثنا اليوم عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تحدثنا عن أبي بكر وعمر ، ونتحدث اليوم عن سيدنا عثمان وعلي عليهم رضوان الله ، ضيفنا هو فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، فضيلة الدكتور هل لكم أن تحدثونا عن بقية صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

 

إكرام الله عز وجل سيدنا عثمان بن عفان بالمال :

الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، الحقيقة أن هناك عبادة اسمها عبادة الهوية ، الذي أكرمه الله بالمال عبادته إنفاق المال ، وسيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه يمثل هذا النموذج ، جهز بماله الخاص جيش العسرة ، واشترى بئراً وجعله وقفاً لكل الناس ، وأنفق إنفاقاً كبيراً حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :
أكرم الله سيدنا عثمان بالمال فكانت عبادته إنفاقه في سبيل الله
اللهم إني أمسيت راضياً عن عثمان فارضَ عنه ، بل قال : ما ضرّ عثمان ما فعله بعد اليوم .
وكان يلقب بذي النورين ، لأنه تزوج ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم .

الغني أمام خيارات للعمل الصالح لا تعد ولا تحصى :

الحقيقة المال قوة ، والله عزّ وجل جعل المال قواماً للإنسان ، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيف ))

[ رواه مسلم عن أبي هُريرة رضي اللّه عنه ]

الغني أمام خيارات للعمل الصالح لا تعد ولا تحصى
بإمكان الغني أن يعمل الأعمال الصالحة التي يعجز عنها معظم الناس ، بل كلما ازداد مالك ازدادت خياراتك في العمل الصالح ، فمن إنشاء ميتم ، إلى إنشاء مستشفى ، إلى إنشاء مستوصف ، إلى إنشاء دور للعجزة ، إلى تزويج الشباب ، إلى إنشاء بيوت رخيصة ، إلى إطعام الطعام ، هناك أعمال لا تعد ولا تحصى ، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، الغني أمام خيارات للعمل الصالح لا تعد ولا تحصى ، ولكن هذا المال أحياناً يصبح دركات يهوي بها الإنسان حينما يسخر للملذات المحرمة ، والانغماس في الأعمال التي لا ترضي الله عز وجل ، فالمال حيادي إما أن يكون سلماً نرقى به أو دركات نهوي بها ، هذا الصحابي الجليل سيدنا عثمان الحيي ، الكريم ، المنفق ، السخي ، يمثل المال في وجوهه الإيجابية ، والنبي أثنى عليه ثناء كبيراً حينما قال : ما ضرّ عثمان ما فعله بعد اليوم .
اللهم إني أمسيت راضياً عن عثمان فارضَ عنه ، زوجه ابنته الأولى فلما توفيت زوجه ابنته الثانية .
الأستاذ جميل :
ماذا عن علي رضي الله عنه فضيلة الدكتور ؟

 

فصاحة سيدنا علي وحكمته :

أخطر شيء نصف العالم لا هو عالم فيفيد من علمه ولا هو جاهل فيتعلم

 

الدكتور راتب :
سيدنا علي هو في الحقيقة عالم كبير ، وفصيح فصاحة ما بعدها فصاحة ، قال مرة : " قوام الدين والدنيا أربعة رجال عالم مستعمل علمه ، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم " ، أخطر شيء في حياتنا نصف العالم ، لا هو عالم فيفيد من علمه ، و لا هو جاهل فيتعلم ، خطير جداً ، بل إن بعض الجامعات في بعض الدول المتخلفة هي في الحقيقة جامعة يدخلها الطالب جاهلاً متواضعاً يخرج منها جاهلاً متكبراً ، أضيف له الكبر فقط ، فهذا الصحابي الجليل كان يؤكد : " يا بني العلم خير من المال ، لأن العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال ، والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق ، يا بني مات خزان المال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة ".

 

بلاغة سيدنا علي رضي الله عنه :

بلاغته رائعة حتى إن كتاب نهج البلاغة ينطق بذلك :
قال : " قوام الدين والدنيا أربعة ؛ رجال عالم مستعمل علمه ، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم ، وغني لا يبخل بماله ، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه " ، واضح الآن في تحريك ، قال : " فإذا ضيع العالم علمه ، أي لا يطبق علمه ، استنكف الجاهل أن يتعلم ، وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره " .
ما الذي يزهد الناس في العلم ؟ أن يكون أناس امتهنوا العلم كمهنة وكحرفة ، قال الإمام الشافعي : " لأن أرتزق بالرقص أفضل من أن أرتزق بالدين ".
كان سيدنا علي على قدر كبير من البلاغة والفصاحة والعلم
فهذا الصحابي الجليل سيدنا علي له كلمات رائعة ، قال :
" و الناس ثلاثة ، عالم رباني ، موصول بالله ، مستنير بنور الله ، مخلص ، ورع ، و متعلم على سبيل نجاة ، القسم الثالث : و همج رعاع أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم ، و لم يلجؤوا إلى ركن وثيق ، فاحذر أن تكون منهم ".
صار في عالم رباني ومستمع على سبيل نجاة وهمج رعاع ، بعضهم يقول :
ما الناس سوى قوم عبدوك ، وغيرهم همجٌ همجُ .
هذا الصحابي الجليل يقول : " رُكِّب الملَك من عقل بلا شهوة ، وركِّب الحيوان من شهوة بلا عقل ، وركِّب الإنسان من كليهما ، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة ، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان ".
هذا الصحابي الجليل في بعض الروايات تؤكد أنه في أعلى درجة من العلم ، والفصاحة ، والبيان ، وكان شاباً صغيراً حينما دخل في الإسلام ، هذه بعض خصائص هذين الصحابيين الجليلين اللذين ينتميان إلى منظومة الخلفاء الراشدين .
الأستاذ جميل :
فضيلة الدكتور ذكرنا الصحابة ونريد أن نذكر الصحابيات ، فهناك صحابيات فاضلات نريد أن نسمع منكم عنهن .

السيدة خديجة المثل الأعلى للزوجة الصالحة الوفية :

الدكتور راتب :
والله أنا أذكر رواية عثرت عليها لكن تأثرت لها كثيراً ؛ أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما فتح مكة ، دعته بيوتاتها ليبيت عندهم فقال لهم : لا ، انصبوا لي خيمة عند بيت خديجة ، وركز لواء النصر أمام قبرها ليعلم العالم كله أن هذه المرأة التي في القبر هي شريكته في النصر .
عاش معها ربع قرن وكانت في سن أمه ، وكان وفاؤه لها منقطع النظير ، مرة تداعبه السيدة عائشة :

(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَةَ أَثْنَى عَلَيْهَا فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ قَالَتْ : فَغِرْتُ يَوْماً فَقُلْتُ : مَا أَكْثَرَ مَا تَذْكُرُهَا حَمْرَاءَ الشِّدْقِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا خَيْراً مِنْهَا ، قَالَ : مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْراً مِنْهَا قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاس ))

[أحمد عن السيدة عائشة ]

وفاؤه عجيب ، أما لو اطلعنا على سيرة هذه الصحابية الجليلة السيدة خديجة لرأينا العجب العجاب ، أنا أتمنى من الأخوة المشاهدين أن يعدوا هذه المرأة المثل الأعلى للزوجة ، كانت زوجة من الطراز الأول ، فلذلك أكرمنا الله بهذه النماذج البشرية الراقية .

 

عظمة تربية الأولاد في الإسلام :

عظمة تربية الأولاد في الإسلام
لكن هناك قصة قد لا تصدق ، النبي عليه الصلاة والسلام خطب امرأة لتكون زوجة رسول الله ، زوجة سيد الأنبياء ، بالتعبير المعاصر لتكون السيدة الأولى فاعتذرت ، الاعتذار لا يصدق ، سألها النبي عليه الصلاة والسلام لما ؟ قالت : لي خمسة أولاد ، أخاف إن قمت بحقك أن أقصر بحقهم ، وأخاف إن قمت بحقهم أن أقصر بحقك ، يعني هذه الصحابية من المستوى الإيماني الرفيع بحيث لم تقبل أن تكون زوجة وهذا الزواج يعفيها من المسؤولية ، مسؤولة أمام الله ، لذلك ورد في بعض الروايات :

(( أول من يمسك بحلق الجنة أنا ، فإذا بامرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي ، قلت من هذه يا جبريل ؟ قال : هي امرأة مات زوجها ، وترك لها أولاداً فأبت الزواج من أجلها ))

[ الأدب المفرد للبخاري ]

يعنيني من هذا الحديث كم هي عظيمة تربية الأولاد في الإسلام .

 

أولادنا الورقة الرابحة والوحيدة التي بقيت في أيدينا :

أولادنا الورقة الرابحة والوحيدة التي بقيت في أيدينا
أنا أقول دائماً أولادنا الورقة الرابحة ، وأحياناً أقول الوحيدة ، التي بقيت في أيدي المسلمين فنحن يمكن أن نواجه القنبلة الذرية بقنبلة الذرية :

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ (21)﴾

( سورة الطور)

فهذا الصحابية الجليلة اعتذرت عن أن تكون السيدة الأولى من أجل تربية أولادها وهذا درس بليغ لكل أمهات المسلمين .
الأستاذ جميل :
نتابع الحديث لكن عن التابعين ، التابعون الذين يمثلون الحلقة الثانية في سلسلة النور التي أسسها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

 

 

توظيف التابعي الجليل عمر بن عبد العزيز منصبه الرفيع لآخرته :

 

 

الدكتور راتب :
أستاذ جميل سيدنا عمر بن عبد العزيز من كبار التابعين ، وكان خليفة المسلمين ، بل عُدّ بحق خامس الخلفاء الراشدين ، هذا الخليفة كان زاهداً قال مرة : تاقت نفسي إلى الإمارة فلما بلغتها تاقت نفسي إلى الخلافة ، فلما بلغتها قال : تاقت نفسي إلى الجنة .
عمر بن عبد العزيز وظف منصبه الرفيع ليصل لأعلى درجات القرب من الله
هذا التابعي الجليل وظف منصبه الرفيع وهو المنصب الأول لآخرته ، للعمل الصالح ، قد يتوهم الناس أن المناصب تتناقض مع التدين ، لا أبداً ، هذا التابعي الجليل سيدنا عمر وصل إلى أعلى درجات القرب من الله وهو في أعلى منصب تسلمه وهو خلافة المسلمين .
أرسل أحد الولاة إلى سيدنا عمر رسالة قال فيها : يا أمير المؤمنين ، إن أناساً اغتصبوا مالاً ليس لهم ، لست أقدر على استخراجه منهم إلا أن أمسهم بالعذاب ، يعني نعذبهم حتى يعترفوا ، فإن أذنت لي فعلت ، استأذنه في تعذيب بشر ، فأجابه عمر : يا سبحان الله ! أتستأذنني في تعذيب بشر ؟ وهل أنا لك حصن من عذاب الله ؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله ؟ أقم عليهم البينة ، معك أدلة ، معك مستمسكات ، معك إيصال ، معك تصريح ، معك إقرار ، فإن قامت فخذهم بالبينة ، فإن لم تقم فادعهم إلى الإقرار ، فإن أقروا فخذهم بإقرارهم ، والإقرار سيد الأدلة ، فإنْ لم يقروا فادعهم لحلف اليمين ، فإذا حلفوا فأطلق سراحهم ، وأيم الله ، لأن يلقوا الله بخيانتهم أهون من أن ألقى الله بدمائهم .
ما هذه الحرية والديمقراطية إن صحّ التعبير ؟ ما هذه القنوات الشرعية لأخذ الحقوق ؟ هكذا كان فهم هذا التابعي الجليل .
من الطرف أن أحدهم قال لمن هو إلى جانبه ، أقطعني سليمان بن عبد الملك أراضٍ واسعة وجاء عمر بن عبد العزيز رحمه الله فانتزعها مني ، دون أن يشعر ترحم على من انتزعها منه ولم يترحم على الذي منحه إياها ، لأن العدل أساس الملك .

ورع الحسن البصري و استغناؤه عن دنيا الناس :

كان هذا التابعي الجليل من الورع بمكان ، لذلك نحن عندما نرى مثل هؤلاء نرى الناس بخير ، أستاذ جميل الحسن البصري أيضاً من كبار التابعين سئل مرة بما نلت هذا المقام ؟ فقال بحاجة الناس إلى علمي واستغنائي عن دنيا الناس ، متى يرتفع العلم ؟ كان الحسن البصري ورعاً مستغنياً عن دنيا الناس
إذا كان العالم مستغنياً عن دنيا الناس وكان الناس بحاجة إلى علمه ، فإذا انعكست الآية إذا استغنى الناس عن علم العالم ، وكان هو بحاجة إلى ما عند الناس سقط العلم ، لذلك مرة كان هذا التابعي الجليل "الحسن البصري" عند والي البصرة ، فجاء توجيه من الخليفة يبدو أنه لو نفذ أمر الوالي لأغضب الله عز وجل ، ولو لم ينفذه لأغضب الخليفة ، وربما عزله ، فوقع في حيرة من أمره ، وعنده الإمام الجليل الحسن البصري ، قال له : إن الله يمنعك من يزيد ، ولكن يزيد لا يمنعك من الله .
عندما يعز العلماء علمهم ينتفع الناس بالعلم
لذلك هذا التابعي الجليل الحسن البصري أدى رسالة العلم ، بيانه أغضب الحجاج ، فقال لجلسائه يا جبناء والله لأروينكم من دمه وأمر بقتله ، وجاء بالسياف وجيء بالنطع ومُدّ ولم يبق إلا قطع رأسه ، فلما دخل على مجلس سيقتل فيه ، رأى السياف ينتظر ، والنطع قد مُدّ فحرك شفتيه بكلام ما سمعه أحد ، فإذا بالحجاج يستقبله يقول : أهلاً بأبي سعيد ، أنت سيد العلماء ، ومازال يقربه من مجلسه حتى أجلسه على سريره واستفتاه ، وأكرمه ، وعطره ، وضيفه ، وشيّعه إلى باب القصر ، السياف صُعق وكذلك الحاجب ، تبعه الحاجب قال : يا أبا سعيد ، لقد جيء بك لغير ما فعل بك ، ماذا قلت لربك ؟ قال له : قلت : يا ملاذي عند كربتي ، يا مؤنسي في وحشتي ، اجعل نقمته عليّ برداً وسلاماً ، كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم .
هذا الموقف يؤكد مقولته لوالي البصرة إن الله يمنعك من يزيد ، ولكن يزيد لا يمنعك من الله .
مرة أبو جعفر المنصور سأل الإمام الجليل أبا حنيفة النعمان ، قال له : يا أبا حنيفة لو تغشيتنا ، فقال : ولمَ أتغشاكم وليس عندكم شيء أخافكم عليه ؟ وهل يتغشاكم إلا ما خافكم على شيء ، إنك إن أكرمتني فتنتني ، وإن أزريت بي فتنتني أيضاً .
فلذلك كان العلم عزيزاً ، والعلماء أعزّوا علمهم فانتفع الناس بعلمهم ، فإذا قصر العالم في إعزاز علمه وفي ترفعه عن دنيا الناس قد لا يؤدي العلم وظيفته .

القاضي شريح و قصته مع زوجته الصالحة :

على كل من هؤلاء التابعين القاضي شريح ، القاضي شريح لقيه صديقة الفضيل فقال له : يا شريح كيف حالك في بيتك ؟ قال : منذ عشرين عاماً لم أجد من يعكر صفائي ، قال : وكيف ذلك يا شريح ؟ قال : خطبت امرأة من أسرة صالحة وفق شريح في زواجه من امرأة ذات صلاح وكمال في الدين والخلق
فلما كان يوم الزفاف وجدت صلاحاً وكمالاً ، يقصد صلاحاً في دينها وكمالاً في خَلقها ، أي فقيهة متعلمة وجميلة ، فصليت ركعتين شكراً لله على نعمة الزوجة الصالحة ، فلما سلّمت من صلاتي وجدت زوجتي تصلي بصلاتي ، وتسلم بسلامي ، وتشكر شكري ، فلما خلا البيت من الأهل والأحباب دنوت منها ، فقالت لي : على رسلك يا أبا أمية

( أي انتظر)

فقامت فخطبت ، قالت : أما بعد ، يا أبا أمية إني امرأة غريبة لا أعرف ما تحب ولا ما تكره ، فقل ما تحب حتى آتيه وما تكره حتى أجتنبه ، ويا أبا أمية قد كان لك من نساء قومك من هي كفء لك ، وكان لي من رجال قومي من هو كفء لي ، ولكن كنت لك زوجة على كتاب الله وسنة رسوله ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ، فاتقِ الله فيّ وامتثل قوله تعالى :

﴿ فإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ (229)﴾

(سورة البقرة)

أي زواج بني على طاعة الله يتولى الله في عليائه التوفيق بين الزوجين :

القاضي شريح ليلة عرسه ما كان يفكر أن يلقي خطبة ، ثم قعدت أي زواج بني على طاعة الله يتولى الله توفيقه
قال : فألجأتني إلى أن أخطب ، وقف وقال : أما بعد ، فقد قلت كلاماً إن تصدقي فيه وتثبتي عليه يكن لك ذخراً وأجراً ، وإن تدعيه يكن حجة عليك ، أحب كذا وكذا وأكره كذا وكذا ، الآن دقق ، ما وجدت من حسنة فانشريها وما وجدت من سيئة فاستريها . قالت : كيف نزور أهلي وأهلك ؟ قال : نزورهم غباً مع انقطاع بين الحين والحين حتى لا يملونا .
وفي الحديث الشريف :

(( زر غِبَّاً تزدد حبَّاً ))

[الطبراني عن عبد الله بن عمرو]

الزواج المبني على معصية الله يتولى الشيطان التفريق بينهما
قالت : فمن من الجيران تحبَّ أن أسمح لهنَّ بدخولِ بيتك ومن تكره ؟ قال : بنو فلان قومٌ صالحون ، وبنو فلان قومٌ غير ذلك ، قال : ومضى عليَّ عامٌ جئت إلى البيت فإذا أم زوجتي عندنا فلمَّا دخلت رحَّبتُ بها أجمل ترحيب ، قالت لي أمها : يا أبا أمية كيف وجدت زوجتك ؟ قلت : والله هي خير زوجة ، قالت : يا أبا أميَّة ما أوتي الرجال شراً من المرأة المدلَّلة فوق الحدود ، فأدِّب ما شئت أن تؤدِّب وهذِّب ما شئت أن تهذِّب ، ثم التفتت إلى ابنتها تأمرها بحسن السمع والطاعة .
نستفيد من هذه القصة أن أي زواج إذا بني على طاعة الله يتولى الله في عليائه التوفيق بين الزوجين أما إذا بني على معصية الله يتولى الشيطان التفريق بينهما ، وما من حديث شريف ينطبق على الزوجين المؤمنين كهذا الحديث :

(( والذي نفس محمد بيده : ما تواد اثنان ، ففرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما ))

[أحمد عن ابن عمر]

الأستاذ جميل :
سؤال أخير ، كيف اللحاق بهذا الركب ، ركب الصحابة والتابعين ؟ أم أنهم حازوا فضل السبق فلا لحاق بهم ؟

 

التزام منهج الله عز وجل طريق الإنسان للحاق بركب الصحابة و التابعين :

الدكتور راتب :
والله الأبواب مفتحة على مصارعها لكن مقام سيدنا الصديق هذا مغلق ، هذا مكان الصديقية مغلق أما البقية مفتوح ، اشتقت لأحبابي ، قالوا : لسنا أحبابك ؟ قال : لا ، أنتم أصحابي ، أحبابي أناس يأتون في آخر الزمان القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر ، أجرهم كأجر سبعين ، قالوا : منا أم منهم ؟ قال : بل منكم ، لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون ، لذلك :

(( عبادة في الهرج كهجرة إلي ))

[ مسلم عن معقل بن يسار ]

التزام منهج الله طريق الإنسان للحاق بركب الصحابة
هذه طمأنة للأخوة الكرام الذين التزموا منهج الله في ظروف صعبة جداً .

 

خاتمة و توديع :

الأستاذ جميل :
نشكر لكم فضيلة الدكتور هذا الكلام الطيب ، وشكراً لكم أيها الأخوة المشاهدون نراكم إن شاء .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018